النص المفهرس

صفحات 41-60

ليعقوب بن شيبة السدوسي (١).
المرحلة الثالثة: وتمثل هذه المرحلة مؤلفات ابن أبي حاتم الرازي
(ت٣٢٧هـ) وقد عمد إلى تلك المؤلفات التي وصلت إليه، فهذبها وأضاف
إليها، وتعتبر كتبه نقلة نوعية في تدوين العلل والجرح والتعديل، فبعد أن
كانت مادة العلل متداخلة في نقد الرجال، جرّدها وجعل كل واحدة مستقلة
عن الأخرى.
وتتمثل تلك النقلة في اختيار العنوان أيضاً حيث سمى كتابه ((الجرح
والتعديل))(٢) ومن هنا حددت أغراضه الأساسية، وهي ذكر ما وصل إليه
الرواة من جرح أو تعديل، وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على التاريخ الكبير
للبخاري حيث ضمنه كتابه وأضاف إليه ومن ثم أصبح كتابه مصدراً مهماً في
بابه. وقد جرده من مادة العلل وألّف فيها كتاباً مستقلاً سماه «علل
الحديث))(٣) واحتذى في هذا حذو الترمذي في تأليفه ((العلل الصغير والكبير))
والبزار في ((مسنده المعلل)).
(١) هو الحافظ أبو يوسف السدوسي البصري نزيل بغداد، صاحب المسند الكبير المعلل ما
صنف مسند أحسن منه لكنه لم يتم، طبع جزء منه.
(٢) وهو مطبوع في ٩ مجلدات مع مقدمته بتحقيق العلامة عبدالرحمن المعلمي.
(٣) وهو مطبوع في مجلدين اشتمل على أكثر من ألفي حديث معلول.
٤١

المبحث الثالث
ترجمة الإمام البخاري
نسبه ومولده:
هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه.
الجعفي.
أسلم المغيرة على يد اليمان الجعفي والي بخارى، وكان مجوسياً.
وقد طلب والد البخاري العلم.
قال البخاري :
((سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن
المبارك بكلتا يديه))(١) .
وقد اختلف في ضبط اسم جده الأعلى (بردزبه).
فقد ضبطه الأمير بن ماكولا (٢) بباء موحدة مفتوحة ثم راء ساكنة ثم
دال مهملة مكسورة، ثم زاي ساكنة ثم باء موحدة ثم هاء، وقال ابن
(١) الذهبي: سير أعلام النبلاء - تحقيق شعيب الأرناؤوط ومن معه: ج١٢ ص٣٩٢.
(٢) الحافظ الأمير بن هبة الله أبي نصر بن ماكولا: الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف.
والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب - دار الكتب العلمية - بيروت لبنان - ط أولى:
١٤١١ هـ - ١٩٩٠م، ج٨ ص٢٥٩.
٤٢
:

حجر: (١) ((هذا هو المشهور في ضبطه)).
وقال ابن خلكان(٢): ((وقد اختلف في اسم جده فقيل: يَزْذِبَهْ بفتح
الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وكسر الذال المعجمة، وبعدها باء
موحدة ثم هاء ساكنة)) .
وقال الذهبي في السير(٣): ((محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن
المغيرة بن بَرْدِزْبَة، وقيل بَذْدُزْبَه)) وكذا ضبطه المزي في تهذيب الكمال(٤).
وبردزبه بالبخاري، ومعناه بالعربية الزراع(٥) ..
وأما البخاري فهي نسبة إلى البلد المعروف بما وراء النهر يقال لها
بخارى خرج منها جماعة من العلماء في كل فن يجاوزون الحد، وصنف
تاريخها أبو عبدالله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان الغنجار الحافظ
البخاري وأحسن في ذلك(٦).
وأما الجعفي فلأن أبا جده أسلم على يد اليمان الجعفي، فنسب إليه
لأنه مولاه من فوق(٧).
ولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت
من شوال سنة أربع وتسعين ومائة وقد ذهب بصره في صغره فرأت والدته
في المنام إبراهيم الخليل فقال لها: ((يا هذه قد رد الله على ابنك بصره
(١) الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني: هدي الساري مقدمة الفتح الباري - راجعه قصي
محب الدين الخطيب - طبع دار الريان - القاهرة - طبعة أولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦م ص٥٠١.
(٢) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ج٤ ص ١٩٠.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩١.
(٤) تهذيب الكمال في أسماء الرجال: للمزي: (ت٧٤٤هـ)، تحقيق د.بشار عواد معروف
ج٢٤ ص٤٣١.
(٥) هدي الساري ص٥٠١.
(٦) أبو سعيد عبدالكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني (ت٥٦٢هـ): الأنساب -
تقديم وتعليق عبد الله عمر البارودي - مؤسسة الكتب الثقافية، ج١ ص٢٩٢.
(٧) أحمد بن علي الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد - مصورة دار الكتاب العربي في بيروت،
ج٥ ص٦.
٤٣

لكثرة بكائك أو دعائك))(١).
طلبه للعلم:
طلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب
ولم تتجاوز سنّه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على
بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك
ووکیع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة،
فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلّف هو في طلب الحديث(٢).
شيوخه:
لقد أخذ البخاري عن شيوخ كثيرين قد ذكرهم من ترجم للبخاري.
فمنهم من صنفهم على حروف المعجم كالمزي في تهذيب الكمال(٣) وحاول
استقصاءهم، وذكرهم الذهبي في السير على البلدان(٤)، وذكرهم أيضاً على
الطبقات(٥)، وقد تبعه الحافظ ابن حجر في ذكرهم على الطبقات(٦).
وهذه أسماء بعض منهم على البلدان:
سمع ببخارى قبل أن يرتحل من عبدالله بن محمد بن عبدالله بن
جعفر بن اليمان الجعفي المسندي، ومحمد بن سلام البيكندي، وجماعة.
ثم سمع ببلخ من مكي بن إبراهيم وهو من عوالي شيوخه.
وسمع بمرو من عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسين شقيق،
وصدقة بن الفضل وغيرهم.
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٣ ص٣٩٣، ومقدمة الفتح ص٥٠٢.
(٢) السير: ج١٢ ص ٣٩٣، تاريخ بغداد: ج٢ ص٧، مقدمة الفتح ص ٥٠٢.
(٣) تهذيب الكمال: ج٢٤ ص٤٣١.
(٤) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩٤.
(٥) المصدر نفسه: ج١٢ ص ٣٩٥.
(٦) هدي الساري ص٥٠٣.
٤٤

وسمع بالري من إبراهيم بن موسى.
وسمع بنيسابور من يحيى بن يحيى وجماعة.
وببغداد من محمد بن عيسى الطباع، وسريج بن النعمان، وعفان،
ومحمد بن سابق.
وبالبصرة من أبي عاصم النبيل، والأنصاري، ومحمد بن عرعرة
وغيرهم.
وبمكة من أبي عبدالرحمن المقرىء، وخلاد بن يحيى، والحميدي
وغيرهم .
وبالمدينة من عبدالعزيز الأوسي، وأيوب بن سليمان بن بلال،
وإسماعيل بن أبي أويس.
وبمصر من سعيد بن أبي مريم، وأحمد بن إشكاب، وعبدالعزيز بن
يوسف، وأصبغ وغيرهم.
وبالشام: من أبي اليمان، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي مسهر،
وأمم سواهم.
وقال رحمه الله: ((كتبت عن ألف وثمانين رجلا ليس منهم إلا صاحب
حديث. كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص)) (١).
تلاميذه:
روى عنه خلق كثير منهم: أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم،
وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن
عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبدالله الخضري
ملين، وإبراهيم بن معقل النسفي، وعبدالله بن ناجية، وأبو بكر محمد بن
إسحاق بن خزيمة، وعمرو بن محمد بن بجير، وأبو كريب محمد بن
(١) ذكره الذهبي في المسير: ج١٢ ص ٣٩٥، الحافظ في مقدمة الفتح ص٥٠٣.
٤٥

جمعة، ويحيى بن محمد بن صاعد ومحمد بن يوسف الفربري ((راوي
الصحيح)) وأبو بكر بن أبي داود، والحسين والقاسم ابنا المحاملي،
وعبدالله بن محمد بن الأشقر، ومحمد بن سلمان بن فارس، ومحمد بن
عنبر النسفي وأمم لا يحصون، وروى عنه الإمام مسلم في غير
«صحيحه»(١) .
منزلته العلمية:
اشتهر البخاري في عصره بالحفظ والعلم والذكاء، وقد وقعت له
حوادث كثيرة تدل على حفظه منها امتحانه يوم دخل بغداد وهي قصة
مشهورة(٢).
وكان - رحمه الله - واسع العلم غزير الاطلاع، قال وراقة ابن أبي
حاتم: قرأ علينا أبو عبدالله كتاب ((الهبة)) فقال ليس في (هبة وكيع)) إلا
حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب ابن المبارك خمسة أو نحوه وفي كتابي
هذا خمسمائة حديث أو أكثر(٣) .
وقال: ((لا أعلم شيئاً يحتاج إليه إلا وهو في الكتاب أو السنة. فقيل
له: يمكن معرفة ذلك كله قال نعم))(٤).
وقال له بعضهم، قال فلان عنك لا تحسن أن تصلي، فقال: لو قيل
شيء من هذا ما كنت أقوم من ذلك المجلس حتى أروي عشرة آلاف
حديث في الصلاة خاصةٍ (٥).
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٣٩٧.
(٢) انظر هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٥١٠.
(٣) السير: ج١٢ ص ٤١٠، ومقدمة الفتح ص ٥١٢.
(٤) السير: ج١٢ ص٤١٢.
(٥) المصدر نفسه ج١٢ ص ٤١٣.
٤٦

ثناء الأئمة عليه:
أثنى عليه أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث ثناءً عاطراً واعترفوا بعلمه
وفضله وخاصة في الرجال وعلل الحديث، وهذا شيء يسير من ثناء هؤلاء
الأئمة عليه(١).
قال الإمام البخاري رحمه الله: ذاكرني أصحاب عمرو بن علي الفلاس
بحديث. فقلت: لا أعرفه فَسُرُّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو فأخبروه. فقال:
حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث.
وكان إسحاق بن راهويه يقول: اكتبوا عن هذا الشاب - يعني البخاري
- فلو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خرسان مثل محمد بن إسماعيل.
وكان علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامنا وفقيهنا وفقيه
خرسان .
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت محمود بن النضر أبا سهل الشافعي
يقول: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى
ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم.
عبادته وورعه وصلاحه:
وكما جمع الإمام البخاري بين الفقه والحديث فقد جمع الله له بین
.
العلم والعبادة. فقد كان كثير التلاوة والصلاة، وخاصة في رمضان فهو يختم
في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة(٢).
وكان أحياناً يعرض له ما يؤذيه في صلاته فلا يقطعها حتى يتمها، فقد
أَبَّره زنبور في بيته سبعة عشر موضعاً وقد تورّم من ذلك جسده فقال له
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص ٤٢٠ - ٤٢٢.
(٢) المصدر نفسه: ج١٢ ص٤٤٩، وهدي الساري ص ٥٠٥.
٤٧

بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة أول ما أبرك؟ فقال: كنت في
سورة فأحببت أن أتمها (١).
كما كان - رحمه الله - ورعاً في منطقه وكلامه فقال رحمه الله: أرجو
أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً (٢).
وكان مستجاب الدعاء، فلما وقعت له محنته قال بعض أن فرغ من
ورده: «اللهُم إنه قد ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك)) فما تم
شهر حتى مات(٣).
وقال رحمه الله: ما ينبغي للمسلم أن يكون بحاله إذا دعا لم يستجب
له، فقالت له امرأة أخيه: فهل تبينت ذلك من نفسك أو جرّبت؟ قال نعم،
دعوت ربي مرتين فاستجاب لي، فلم أحب أن أدعو بعد ذلك، فلعله ينقص
من حسناتي، أو يعجل لي في الدنيا ثم قال: ما حاجة المسلم إلى الكذب
والبخل (٤).
أخلاقه:
كان - رحمه الله - كريماً سمجاً كثير الإنفاق على الفقراء والمساكين،
وخاصة من تلاميذه وأصحابه، ولا بأس أن أورد هذه القصة الدالة على
أخلاقه العالية .
قال عبدالله بن محمد الصارفي: كنت عند أبي عبدالله في منزله،
فجاءته جارية، وأرادت الدخول، فعثرت على محبرة بين يديه، فقال لها:
كيف تمشين؟ قالت: إذا لم يكن الطريق كيف أمشي؟ فبسط يديه، وقال
(١) تاريخ بغداد: ج٢ ص١٢ - ١٣، السير: ج١٢ ص٤٢ . مقدمة الفتح ص ٥٠٥.
(٢) تاريخ بغداد: ج٢ ص١٣، السير: ج١٢ ص٤٣٩، مقدمة الفتح ص ٥٠٥.
(٣) السير: ج١٢ ص ٤٤٣.
(٤) السير: ج١٢ ص٤٠٢، مقدمة الفتح ص٥٠٤.
٤٨

لها: اذهبي فقد أعتقتك. قال: فقيل له فيما بعد: يا أبا عبدالله أغضبتك
الجارية؟ قال: إن كانت أغضبتني فإني أرضيت نفسي بما فعلت(١).
محنته وصبره:
لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور، قال محمد بن يحيى
الذهلي لأهلها: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح فاسمعوا منه، فذهب الناس
إليه، وأقبلوا على السماع منه. حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن
يحيى، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه(٢) فدس بعض من يمتحنه في (مسألة
اللفظ بالقرآن) فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال: يا أبا
عبدالله ما تقول في اللفظ بالقرآن؟ مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه
البخاري ولم يجبه، فقال الرجل: يا أبا عبدالله فأعاد عليه القول، ثم قال
في الثالثة، فالتفت إليه البخاري، وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق،
وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فشغّب الرجل وشغّب الناس،
وتفرقوا عنه، وقعد البخاري في منزله(٣).
قال يحيى بن سعيد القطان: قال (أي البخاري): أعمال العباد كلها
مخلوقة فمرقوا عليه. وقالوا له بعد ذلك ترجع عن هذا القول حتى نعود
إليك قال: لا أفعل إلا أن يجيئوا بحجة فيما يقولون أقوى من حجتي. قال
يحيى: وأعجبني من محمد بن إسماعيل ثباته(٤).
قال الحاكم: حدثنا طاهر بن محمد الوراق، سمعت محمد بن شاذل
يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري، دخلت على البخاري فقلت
يا أبا عبدالله: أيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى؟ كل من
يختلف إليك يطرد.
(١) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٥٢، ومقدمة الفتح ص ٥٠٤.
(٢) تاريخ بغداد: ج٢ ص ٣٠، السير: ج١٢ ص٤٥٣، ومقدمة الفتح ص ٥١٥.
(٣) السير: ج١٢ ص ٤ ٤٥، مقدمة الفتح ص٥١٥.
(٤) تاريخ بغداد: ج٢ ص ٣٠، السير: ج١٢ ص ٤٠٤.
٤٩

فقال: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله
يعطيه من يشاء، فقلت: هذه المسألة التي تحكى عنك ... قال: يا بني هذه
مسألة مشؤومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله في هذه المسألة!
وجعلت على نفسي أن لا أتكلم فيها.
قال الذهبي: ((المسألة هي أن اللفظ مخلوق، سئل عنها البخاري،
فوقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة واستدل لذلك ففهم منه الذهلي أنه يوجه :
مسألة اللفظ، فتكلم فيه وأخذه بلازم قوله هو وغيره))(١) .
وقد أظهر البخاري في هذه المحنة صبراً لا مثيل له. فقد كان كثيراً
من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك فيقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ
كَانَ ضَعِيفًا﴾(٢)، ويتلو أيضاً: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾(٣). وقال
له بعضهم: كيف لا ندعو على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك
ويتهمونك؟! فقال: قال النبي : (اصبروا حتى تلقوني على الحوض)) (٤)
وقال: ((من دعا على ظالمه فقد انتصر))(٥) .
وقال له بعضهم: يا أبا عبدالله إن فلاناً يكفرك فقال: قال النبي
((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما))(٦). وكان في هذه المحنة
هجيراه من الليل يردد قوله تعالى : .
(١) السير: ج١٢ ص٤٥٧.
(٢) سورة النساء، الآية: ٧٥.
(٣) سورة فاطر، الآية: ٤٣
(٤) أخرجه البخاري من حديث أسيد بن حضير، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي بقَله.
للأنصار: ((اصبروا حتى تلقوني على الحوض)) رقم (٣٧٩٢)، ج ٧ ص ١٤٦، وفي كتاب
الفتن، باب قول النبي: ((سترون أموراً بعدي تذكرونها)) رقم (٧٠٥٧)، ج١٣ ص٧، مع
الفتح.
(٥) أخرجه الترمذي من حديث عائشة في كتاب الدعوات حديث رقم (٣٥٥٢) وفي سنده
أبو حمزة ميمون الأعور وهو ضعيف .
(٦) أخرجه مالك في الموطأ، باب ما يكره من الكلام ج٢ ص٩٨٤، ومن طريقة الإمام
أحمد ج٢ ص١١٣ والبخاري في كتاب الأدب، باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما
قال حديث رقم (٦١٠٣)، ج١٠ ص٥٣١ مع الفتح.
٥٠

﴿إِن يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَ غَالِبَ لَكُّ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُّكُمْ مِنْ بَعْدِيهُ﴾(١).
قال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبدالله هذا
رجل مقبول بخرسان وخصوصاً هذه المدينة وقد لَجَّ في هذا الحديث حتى
لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه. فما ترى؟ فقبض على لحيته ثم قال:
﴿ وَأُفَوَّضُ أَمْرِى إِلَى اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ بَصِيْرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٢) اللهم إنك تعلم أني لم
أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً، ولا طلباً للرياسة، وإنما أبت عليّ نفسي
في الرجوع إلى وطني لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما
آتاني الله لا غير، ثم قال لي: إني خارج غداً لتتخلصوا من حديثه لأجلي.
قال فأخبرت جماعة أصحابنا، فوالله ما شيعه غيري كنت معه حين خرج من
البلد. وأقام على باب البلد ثلاثة أيام لإصلاح أمره (٣).
وقد اقترح عليه بعض أصحابه، وهو أحمد بن سيار: ألا يظهر هذا
القول عند العامة فإنها لا تحتمل منه هذا وبيّن له أنه لا يخالفه في قوله
وإنما يدعوه إلى ستره. فقال البخاري: إني أخشى النار، أسأل عن شيء
أعلمه حقاً أن أقول غيره فانصرف عنه أحمد بن سيار (٤).
ولقد كانت هذه المحنة سبباً للطعن في هذا الإمام العظيم، والقدح في
عدالته عند بعض الأئمة المعاصرين له. قال عبدالرحمن بن أبي حاتم الرازي(٥):
(«قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين، وسمع منه أبي، وأبو
زرعة، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور
أن لفظه بالقرآن مخلوق)» قال الذهبي(٦) - رحمه الله -: ((إن تركا حديثه، أو لم
يتركا، البخاري ثقة مأمون يحتج به في العالم)) ولم تكن محنة هذا الإمام لتنتهي
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٠.
(٢) سورة غافر، الآية: ٤٤.
(٣) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص٤٥٩، مقدمة الفتح ص٥١٦.
(٤) السير: ج ٤٦٢.
(٥) الجرح والتعديل، مصورة دار الكتب العلمية في بيروت عن طبعة دار المعارف العثمانية
في الهند ١٣٧١هـ، ج٧ ص١٩١.
(٦) سير أعلام النبلاء: ج١٢ ص ٤٦٣.
٥١

بخروجه من نيسابور، بل قد وقعت له في بخارى محنة أخرى هي امتداد للأولى.
إذ لما قدم البخاري ((بخارى)) استقبله أهلها استقبالاً عظيماً، وبقي أياماً على
الحفاوة والتكريم. فكتب بعدها محمد بن يحيى الذهلي، إلى خالد بن أحمد
أمير بخارى «إن هذا الرجل قد أظهر خلاف السنة. فقرأ كتابه على أهل بخارى
فقالوا: لا تفارقه، فأمره الأمير بالخروج من البلد، فخرج(١) وقد ذكر المؤرخون
سبباً آخر يمكن أن يكون هو السبب الحقيقي لنفرة هذا الأمير من البخاري. فقد.
طلب من البخاري لما قدم ((بخارى) أن يحمل ((الجامع)) و((التاريخ)) وغيرها من
كتبه ليسمعها الأمير وأهل بيته، لكن البخاري اعتبر ذلك إذلالًا للعلم. وقال
لرسوله: ((أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كانت لك إلي شيء
منه حاجة، فاحضر إلى مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا فإنك سلطان
فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لأني لا أكتم العلم، لقول
النبي ◌َّ: ((من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار(٢))(٣).
وفاته:
لما منع البخاري من العلم خرج إلى ((خرتنك)) وهي قرية على:
فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أياماً قليلة، ثم توفي :
وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة الشعاء، ودفن يوم الفطر
بعد صلاة الظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا
ثلاثة عشر يوماً(٤) وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة،
فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.
(١) السير: ج١٢ ص ٤٦٣، ومقدمة الفتح ص٥١٨.
(٢) حديث صحيح أخرجه من حديث أبي هريرة أحمد ج٢ ص٢٦٣ و٣٠٥ و٣٤٤ و ٣٥٣
و ٤٩٥، وأبو داود (٣٦٥٨) والترمذي (٢٦٥١)، وابن ماجة (٢٦١) و(٢٦٦) وحسنه
الترمذي وصححه ابن حبان (٧٥) وله شاهد من حديث عبدالله بن عمرو، صححه ابن
حبان (٩٦) والحاكم ج١ ص ١٠٢، ووافقه الذهبي.
(٣) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٣، السير ج١٢ ص ٤٦٤.
(٤) تاريخ بغداد: ج٢ ص٣٤، وفيات الأعيان: ج٤ ص١٩١، السير: ج١٢ ص٤٦٦،
مقدمة الفتح ص٥١٨.
٥٢

المبحث الرابع
الآثار العلمية للإمام البخاري
لقد ترك الإمام البخاري إنتاجاً علمياً غزيراً يدل على علمه وتمكنه،
وقد استفاد ممن قبله واستفاد منه من جاء بعده فاقتدوا به في مصنفاته،
واحتذوا حذوه. وساروا على طريقته. ولقد حفظت لنا كتب التاريخ
والتراجم أسماء كتبه ومصنفاته، لكن الكثير منها فقد منذ أمدٍ بعيد، وهذه
أسماء كتبه التي ذكرها العلماء(١) وسأعرّف بالموجود منها.
١ - الجامع الصحيح.
٢ - الأدب المفرد.
٣ - التاريخ الكبير.
٤ - التاريخ الأوسط.
٥ - التاريخ الصغير.
٦ - خلق أفعال العباد.
٧ - الرد على الجهمية.
٨ - الجامع الكبير.
(١) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ٥١٦ - ٥١٧.
٥٣

٩ - المسند الكبير.
١٠ - الأشربة .
١١ - الهبة .
١٢ - أسامي الصحابة الوحدان.
١٣ - المبسوط .
١٤ - المؤتلف والمختلف.
١٥ - العلل.
.-
١٦ - الكنى .
١٧ - الفوائد.
١٨ - قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم.
١٩ - رفع اليدين في الصلاة.
٢٠ - القراءة خلف الإمام.
٢١ - بر الوالدين.
٢٢ - الضعفاء .
١ - الجامع الصحيح:
أ - دوافع تأليف:
من خلال ما تقدم عرضه - في المباحث السابقة - من كتب السنة
والحديث التي سبقت ظهور الجامع الصحيح نلاحظ أن تلك المؤلفات لم
تفرد الحديث الصحيح بالتأليف وإنما كانت تضم الصحيح والضعيف والمعلول
وأحياناً الجرح والتعديل وغيرها من علوم الحديث كما تقدم بيانه سابقاً. وكان
علماء الحديث يفعلون ذلك ثقة منهم أنه في إمكان أي محدث أو فقيه أن
يميز هذا من ذاك، من غير تنصيص من هؤلاء المؤلفين. لكن يبدو أن هذا
٥٤

الأمر أصبح عسيراً في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. فقد استطال
السند، وكثر الرواة، وتشعبت الطرق، فأصبح من العسير جداً على غير الأئمة
النقاد التمييز بين الصحيح من عشرات الأحاديث والطرق الضعيفة أو المعلولة
للحديث الواحد. وأصبحت الحاجة ماسة جداً إلى وضع كتاب يضم الصحيح
فقط ويتحاشى الضعيف والمعلول. وليس هذا فحسب، بل أن يكون
مختصراً، إذ المؤلفات السابقة، كما مر في المباحث المتقدمة، كانت واسعة
وكبيرة وخاصة الجوامع والمسانيد، وحتى لا يكون هذا الاختصار مخلّاً
فالإمام البخاري جعل كتابه شاملًا لأهم مقاصد تلك الكتب السابقة، ففيه ما
يتعلق بالتوحيد، وفيه ما يتعلق بالفقه والأحكام، وفيه ما يتعلق بالتفسير، وما
يتعلق بالسير والمغازي، والشمائل والمناقب، والطب والرؤيا، ومن ثمة كان
حرياً أن يوصف بأحسن وخير كتب الإسلام كما وصفه بذلك الإمام المجدد
شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله _(١).
وقد أعلن هذه الحاجة المحدث الكبير شيخ الإمام البخاري. الإمام
إسحاق بن راهويه في مجلس من مجالسه العلمية قال: «لو جمعتم كتاباً
مختصراً لصحيح سنة رسول الله (وَلاو)).
قال الإمام البخاري: ((فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع
الصحيح)) (٢).
(٢)
وهذا الاقتراح قد وافق رغبة ملحة عند الإمام البخاري. فقد قال:
((رأيت النبي وَلل وكأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت
بعض المعبرين فقال لي: «أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على
إخراج الجامع الصحيح))(٣).
وقد ظهر لي غرض آخر دفع البخاري إلى تأليف جامعه وهو تلك
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن
قاسم - مكتبة المعارف - الرباط، المغرب، ج١٨ ص ٧٣، ٧٤.
(٢) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص٩.
(٣). المصدر نفسه ص٩.
٥٥

الموجة من البدع التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث، كالإرجاء والاعتزال
والخروج، والتجهُم والنَصْب، والتشيّع، وبدع سلوكية كالتصوف الغالي،
وبدع مذهبية فروعية، كالتعصب لإمام ما والإقبال على استعمال الرأي وتكلّف.
القياس واطراح السنن الثابتة عن النبي 14 لذلك كلّه جرد الإمام البخاري نفسه:
من خلال جامعه للرد على كل هذه البدع بالسنن الثابتة عن النبي وَ له.
فكتاب ((الإيمان)) من «جامعه» قد ذكر فيه مذهب أهل السنة والجماعة
في حقيقة الإيمان من أنه قول وعمل، يزيد وينقص وضمنه الرد على
المرجئة، وهذا واضح في كثير من تراجم هذا الكتاب منها:
((دعاؤكم إيمانكم))، ((أمور الإيمان)»، «من الإيمان أن يحب لأخيه ما
يحب لنفسه))، ((علامة الإيمان حب الأنصار))، ((تفاضل أهل الإيمان))،
((الصلاة من الإيمان))، ((اتباع الجنائز من الإيمان))، ((زيادة الإيمان ونقصانه))،
وكذلك ضمنه الرد على غلاة الخوارج والمعتزلة الذين يجعلون الأعمال ركناً
من الإيمان يزول بزوالها. فيكفرون أهل الكبائر ويحكمون بخلودهم في
النار، وهذا الرد في التراجم التالية: ((كفران العشير، وكفر دون كفر»
و((المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها إلا بالشرك))، ((ظلم دون
ظلم» .
وأما كتاب ((فضائل الصحابة)) وكتاب ((مناقب الأنصار)) فقد ضمنها الرد
على الشيعة الروافض والناصبة، والخوارج وغيرهم من المنحرفين عن
أصحاب رسول الله كلّهم أو بعضهم، فقد أورد مناقب أبي بكر وعمر
وعثمان، وفضل عائشة، ومعاوية وهذا رد على الشيعة. وأورد فيه ما يدل
على فضل علي والحسن والحسين، ومناقب فاطمة وهذا رد على
الخوارج(١) والنواصب(٢).
(١) هم الذين أنكروا على علي رضي الله عنه التحكيم، وتبرؤوا منه، ومن عثمان، وذريته
وقاتلوهم وهم فرق كثيرة. انظر: الملل والنحل الشهرستاني - دار الفكر ١٤٠٠ -
١٩٨٠ ج١ ص ١٥٥ فما بعدها.
(٢) الناصبة هم الذين يبغضون علياً ويقدمون غيره عليه. هدي الساري ص ٤٨٣.
٥٦

وأما كتاب ((القدر)) فقد ضمنه الرد على القدرية النفاة (١).
وأما كتاب ((الفتن)) فقد ضمنه الرد على من يرى الخروج على الأئمة
بالسيف من الخوارج والمعتزلة(٢)، وأما كتاب ((الأحكام)) فقد ضمنه الرد
على انحرافات الشيعة(٣) والخوارج فيما يتعلق بالإمامة كما ضمن كتاب
((أخبار الآحاد))، وكتاب ((الاعتصام بالسنة)) الرد على من لا يرى قبول
أخبار الآحاد من المعتزلة وغيرهم، وأما كتاب ((الاعتصام بالسنة)) فقد
ضمنه الحث على التمسك بها، وهو رد على غلاة القياسيين، وأهل الرأي
ومن تراجمه فيه: ((باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس))، ((باب ما
كان النبي ير يسأل عما لم ينزل عليه من الوحي فيقول لا أدري أو لم
يجب حتى ينزل عليه الوحي ولم يعمل برأي ولا بقياس لقوله تعالى:
﴿يِمَا أَرَئِكَ اللَّهُ﴾، ((تعليم النبي ◌َّهَ من الرجال والنساء مما علمه الله ليس
برأي ولا تمثيل».
أما ((كتاب التوحيد)) فهو في بعض روايات الصحيح ((كتاب التوحيد
والرد على الجهمية (٤) وغيرهم)) وضمنه مذهب أهل السنة والجماعة في باب
الأسماء والصفات، وفيه رد بالغ على الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم في
إنكار صفات الله عز وجل وأسمائه أو تأويلها على غير ما ورد به الشرع.
(١) القدرية من يزعم أن الشر فعل العبد وحده، هدي الساري ص٤٨٣.
(٢) المعتزلة هم أتباع واصل بن عطاء، يقولون بخلق القرآن، ونفي صفات الله عز وجل
وتأويل ما ورد منها، وأن العبد خالق لأفعاله، وأن أصحاب الكبائر يخلدون في النار،
ويسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد. انظر: الملل والنحل: ج١ ص ٥٤ فما
بعدها .
(٣) التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة فمن قدمه على أبي بكر وعمر فهو غال في
تشيعه، ويطلق عليه رافضي، وإلا فشيعي فإن انضاف إلى ذلك السبب أو التجريح
بالبغض فغالى في الرفض وإن اعتقد الرجعة فأشد في الغلو، هدي الساري ص ٤٨٣،
وانظر الملل والنحل: ج١ ص ١٩٥ فما بعدها.
(٤) هم أتباع الجهم بن صفوان. وهو أول من ابتدع القول بخلق القرآن. وتعطيل الله عن
صفاته وغيرها من الضلالات. انظر الملل والنحل: ج١ ص١٠٩ فما بعدها.
٥٧

.وقد أفرد في جامعه كتاباً للزهد والرقاق ضمنه ما صح عن النبي {َّ
في هذا الموضوع وفي كثير من أبوابه رد على غلو الصوفية الذين أحدثوا
مناهج مبتدغة في تزكية النفوس، من هذه الأبواب: «القصد والمداومة على
العمل»، ((الرجاء مع الخوف)).
ب - الأغراض الفقهية للبخاري في صحيحه:
اشتمل الجامع الصحيح للإمام البخاري على (٩٧) كتاباً و(٣٤٥٠) باباً
مرتبة على المسائل الفقهية والعقدية وغيرها .
وكان رحمه الله يقطع الأحاديث ويختصرها ويكررها في مواضع
مختلفة لتخدم الناحية الفقهية، من أجل ذلك نجد أن كتابه لم يتضمن
الأحاديث الصحيحة المسندة فحسب، والتي هي أصل الكتاب. ومن أجلها
صنفه، وإنما ضم إلى جانب ذلك الكثير من الآيات القرآنية التي لها صلة
بموضوع الباب الذي يذكره، وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، وكثيراً
من الأحاديث المعلقة وكثيراً مما يستنبطه من معاني الأحاديث من الفقه
والأحكام. بما تقدم ذكره، وبتراجمه التي أودعها استنباطاته العجيبة، وبرده
على كثير من المخالفين لأهل الحديث.
وقد اهتم الكثير من العلماء بالجانب الفقهي من صحيح البخاري
ودوّنوا فيه مصنفات كثيرة.
جـ ـ عناية الأمة الإسلامية وعلمائها بصحيح البخاري:
لم يحظَ كتاب بعد كتاب الله من العناية ما حظيه صحيح البخاري،
وكانت هذه العناية جهوداً علمية دقيقة في خدمة هذا الكتاب، فقد انتقل إلينا
صحيح البخاري من مؤلفه إلى عصرنا عبر أيد علمية أمينة: سماعاً أو :
إجازة، أو مناولة، وميزوا بين الروايات المختلفة والنسخ وما بينها من فروق
معزوة إلى أصحابها، وهذه الاختلافات سببها اختلاف الأوقات التي يسمع
فيها تلاميذ البخاري منه، أو لبعض أخطاء النساخ وأشهر هذه الروايات هي:
٥٨
٠

١ - رواية أبي ذر عبدالله بن أحمد بن محمد بن عبدالرحمن الهروي
الحافظ (١)
٢ - رواية ابن السكن: أبو علي سعيد بن عثمان الحافظ (٢).
٣ - رواية الأصيلي: أبو محمد عبدالله بن إبراهيم الأصيلي(٣).
٤ - رواية النسفي: أبو إسحاق إبراهيم بن معقل النسفي(٤).
والروايات الثلاث الأولى كلها من طريق الفربري(٥) أما الرواية الرابعة
فهي للنسفي عن البخاري، وقد سمع بعضه، وأجاز له من أول كتاب
الأحكام إلى آخر الكتاب.
ولقد اهتم العلماء بضبط هذه الروايات وتحريرها، وممن قام بهذا
العمل الحافظ شرف الدين علي بن محمد بن عبدالله اليونيني (٦) عندما قام
(١) فقيه مالكي، من أهل هراة نزل بمكة ومات بها سنة ٤٣٥ أو ٤٣٤هـ. عالم بالحديث،
من الحفاظ الثقات، له تصانيف منها ((تفسير القرآن))، ((المستدرك على الصحيحين))،
((السنة والصفات))، ((دلائل النبوة)) وغيرها، ترجمته في الشذرات: ج٣ ص٢٥٤، شجرة
النور الزكية ص١٠٤، هدية العارفين: ج١ ص٤٣٧ - ٤٣٨.
(٢) من حفاظ الحديث، نزل بمصر وتوفي بها، قال ابن ناصر الدين: ((كان أحد الأئمة الحفاظ،
والمصنفين، الأيقاظ، رحل وطوف، وجمع وصنف، له ((الصحيح المنتقى))، تهذيب ابن
عساكر ج٦ ص١٥٤، وتذكرة الحفاظ: ج٣ ص ١٤٠، والرسالة المستطرفة ص ٢٠.
(٣) محدث، فقيه من أهل أصيلة (غربي طنجة في المغرب)، له «كتاب الدلائل على أمهات
المسائل» في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة ت٣٩٢هـ. تاريخ علماء الأندلس
ص٢٤٩، المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب ص١١١.
(٤) قاضي نسف، وعالمها، صاحب التفسير، والمسند، كان بصيراً بالحديث عارفاً بالفقه
ت ٢٩٠هـ، ترجمته في: شذرات الذهب: ج٢ ص٢١٨.
(٥) هو أبو عبدالله، محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الفربري، صاحب الإمام
البخاري، كان ثقة ورعاً، ولد سنة ٢٣١ وت٣٢٠هـ رحل إليه الناس وسمعوا منه صحيح
البخاري. ترجمته في: وفيات الأعيان: ج٣ ص٤١٧ وشذرات الذهب: ج٢ ص٣٨٦.
(٦) ولد ببعلبك سنة ٦٢١هـ كان حافظاً، سمع منه خلق من الحفاظ والأئمة وأكثر عنه البرزالي
والذهبي. توفي شهيداً ببعلبك سنة ٧٠١هـ: ترجمته في شذرات الذهب: ج٦ ص٤.
٥٩

بضبط رواية البخاري وقابل أصله بأصل مسموع على الحافظ أبي محمد
عبدالله بن إبراهيم الأصيلي، وبأصل أبي القاسم بن عساكر، وبأصل مسموع
على أبي الوقت، وقد حضر معه في هذه المقابلة الإمام النخوي
جمال الدين بن مالك(١)، فكان إذا مر بلفظ يظهر أنه مخالف لقوانين العربية
المشهورة، قال لليونيني، هل الرواية فيه كذلك؟ فإن أجابه بأنه ثابت في
الرواية شرع ابن مالك في توجيهها، وجمع هذه التوجيهات في كتاب سماه
((شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح)) وهو مطبوع. ولم
يقصد اليونيني أن يرجح بهذه المقابلة ما هو ثابت في الأصول، ويخرج منها
صورة مختارة - في نظره - لصحيح البخاري، وإنما قصد أن يجمع تلك
الروايات كلها في صعيد واحد، تيسيراً لمن يريد الانتفاع بها من العلماء،
وإغناء له عن التنقيب عليها في مختلف المظان. وقد استعان بالرموز في
الإشارة إلى اختلاف النسخ، حيث اختار من بعض حروف الهجاء علامات
يضعها على مواطن الخلاف، وبذلك ضبط رواياتهم مجتمعة بأخصر طريق،
وحِرز ألفاظ الكتاب على نحو ما هو ثابت عند أصحاب الأصول الأربعة
التي قابل عليها أصله.
والنص المطبوع الآن هو نسخة اليونيني هذه، مع مقارنة ببعض
النسخ، وقد أرسل هذه الأصل إلى السلطان عبدالحميد لينشر في مصر،
وقد طبع في مطبعة بولاق(٢).
وقد اهتم علماء آخرون بشرح صحيح البخاري ومن أبرز من قام بهذا
العمل، الإمام أحمد بن محمد الخَطَّابي (ت٣٨٦هـ)، ومحمد بن يوسف
الكرماني (ت٧٨٨هـ) في كتابه ((الكواكب الدراري)» وهو مطبوع، ومنهم
(١) هو أبو عبدالله محمد بن مالك الطائي الأندلسي، كان إماماً في النحو والقراءات، متبحراً.
في معرفة اللغة، له مصنفات كثيرة منها «الألفية)، ((الكافية الشافية))، ((لامية الأفعال))،
((تسهيل الفوائد)) وغيرها (ت٦٧٢ هـ) ترجمته في: غاية النهاية: ج٢ ص ١٨٠ والشذرات:
ج٥ ص٣٣٩ والنجوم الزاهرة: ج٧ ص٢٤٣.
(٢) د. رفعت فوري عبدالمطلب: كتب السنة دراسة توثيقية - طبعة أولى سنة ١٩٧٩م - نشر
مكتبة الخانجي، ص١٥٩ - ١٦٦.
٦٠