النص المفهرس

صفحات 21-40

المبحث الأول
كتب السنة قبل الجامع الصحيح
إن الجامع الصحيح للإمام البخاري لم يأت من فراغ وإنما هو حلقة
من سلسلة ممتدة من لدن العهد الأول لتدوين الحديث إلى عصر هذا
الإمام، هذه الحلقة جاءت مكمّلة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة
الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من
حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية. فلقد عكف على مصنفات من
سبقه فحفظها واستوعبها وضمّن مقاصدها في كتابه حسب الشرط الذي
وضعه له .
ولقد بيّن الإمام الدهلوي طريقة التصنيف في الحديث قبل الإمام
البخاري فقال(١):
«أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدوناً في أربعة فنون :
في السنة أعني الذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك، وجامع سفيان،
وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج، وفن السير مثل كتاب محمد بن
إسحاق، وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري .
رحمه الله - أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب ويجرده لما حكم له العلماء
(١) شرح تراجم البخاري ص٧، نقلًا عن كتب السنة دراسة توثيقية للدكتور رفعت فوزي
عبدالمطلب ط أولى سنة ١٩٧٩م - مكتبة الخانجي، ص٧٨.
٢١

بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند وما فيه
من الآثار وغيرها، إنما جاء تبعاً لا أصالة ولهذا سمي كتابه الجامع الصحيح
المسند» .
فحركة التأليف والتصنيف في السنة في القرنين الثاني والثالث كانت
جد نشيطة، وقد أثمرت هذه الحركة العشرات بل المئات من كتب السنة، !
وهذه الكتب على كثرتها يمكن حصرها في المجموعات التالية :
كتب السنن، والمصنفات، والجوامع، والمسانيد، وكتب التفسير،
وكتب المغازي والسير، والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، وفيما يلي
تعريف موجز بأهم هذه المصنفات ومناهجها ومادتها لنقف على مدى
استفادة الإمام البخاري من هذه الكتب في صحيحه:
١ - كتب السنن:
وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة.
والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف لأن الموقوف لا يسمى في
اصطلاحهم سنة ويسمى حديثاً (١)، وهذا تعريف بأهم وأشهر كتب السنن إلى
عصر البخاري:
١ - سنن أبي الوليد عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الرومي
(ت١٥١هـ)(٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة، ولا تفيدنا
المصادر عنها بشيء.
(١) محمد بن جعفر الكتاني: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، مكتبة
الكليات الأزهرية، ص ٢٥. قلت: هذا الذي ذكره العلامة الكتاني يخالف الواقع .
وكتب السنن تشمل كثيرا من الموقوفات والمقطوعات تذكر على سبيل التبغ، لا أصالة
ولا رواية، وعددها قليل مقارنة بالمصنفات والموطآت.
(٢) عبدالملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد المكي، أحد الأئمة
الأعلام، له كتاب السنن ذكره ابن النديم في الفهرست: ص ٣٣٠، الكتاني في الرسالة .
المستطرفة ص٢٦ . ترجمته في تاريخ بغداد: ج١٠٦ ص ٤٠، تذكرة الحفاظ: ج١
ص١٦٩، تهذيب التهذيب ج٦ ص ٤٠٢، والتقريب: ص٣٦٢ تحقيق محمد عوامة.
٢٢

٢ - سنن سعيد بن منصور (ت٢٢٧هـ) (١).
طبعت بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ولكن النسخة غير
كاملة، والمقدار الموجود منها يشتمل على (٢٩٧٨) حديثاً تبدأ بكتاب
الفرائض ثم النكاح وما يتعلق به، ثم الطلاق ثم الجهاد، طبعت في
مجلدین .
٣ - سنن محمد بن الصباح (ت٢٢٧هـ) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة
المستطرفة (٣) ولا تفيدنا المصادر عنها بشيء.
٤ - سنن الدارمي (ت٢٥٥هـ)(٤) أسانيده عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات
البخاري. وهو من شيوخ البخاري، وقد روى عنه في غير الجامع،
ومنهم من يطلق عليها المسند لكون أحاديثها مسندة مطبوع عدة
طبعات في مجلدين، وكان الحافظ العلائي يقول: (ينبغي أن يكون
كتاب الدارمي سادساً للخمسة بدلًا من سنن ابن ماجة، فإنه قليل
الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة الشاذة، وإن كانت فيه
أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه)(٥).
(١) هو سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخرساني. نزيل مكة، ثقة مصنف، وكان لا
يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها وروى
عنه الجماعة، التقريب ص٢٤١ . وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير ج٢ ص ٤٧٢،
والصغير ص٢٤٠ وطبقات ابن سعد ج٦ ص٣٦٧، الجرح والتعديل: ج٢ ص٦٨،
تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥، والتهذيب: ج٤ ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) هو محمد بن الصباح البزار الدولابي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، من العاشرة،
مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان مولده سنة خمسين ومائة. روى له الجماعة.
التقريب ص٤٨٤.
(٣) الرسالة المستطرفة ص٢٨.
(٤) هو الحافظ أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل التيمي السمرقندي. الدارمي نسبة
إلى دارم بن مالك بطن كبير بن تميم. توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس
وخمسين ومائتين ومولده سنة ١٨١ هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٠ ص٢٩، تذكرة
الحفاظ : ج٢ ص ٥٣٤.
(٥) انظر فتح المغيث للسخاوي: ج١ ص١٠٠.
٢٣

وقال الحافظ: (لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة فهو
أمثل منه بكثير) (١).
ب - المصنفات والجوامع:
وهي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية مشتملة على السنن وما هو في
حيزها أو له تعلق بها (٢) وهي كثيرة نعرّف بأهمها وأشهرها.
١ - جامع أبي عروبة معمر بن راشد الأزدي(٣) (ت١٥٣ هـ أو ١٥٤ هـ)
:
٢ - جامع سفيان الثوري (٤) (ت١٦١ هـ).
٣ - مصنف حماد بن سلمة(٥) (ت١٦٧ هـ).
٤ - كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني (ت١٨٩هـ).
وهو عبارة عن أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة في مسائل الفقه،
طبع في مجلدين بتعليق الأستاذ أبو الوفاء الأفغاني، ويشتمل على :
(٢٦٨) أثراً وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءاً لطيفاً في تراجم رواته
(١) نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص٢٣١.
(٢) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، ص ٣٠ فما بعدها . :
(٣) معمر بن راشد بن عمرو الأزدي البصري: أحد الأعلام وحفاظ الحديث. ولد في
البصرة وانتقل إلى اليمن واستقر بها. له كتاب الجامع مخطوط نسخة منه في مكتبة
فيض الله وأخرى في أنقرة، حققه الأستاذ فؤاد سزكين ولم يطبع إلى الآن، له ترجمة
في: طبقات ابن سعد: ج٥ ص٣٩٧، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٩٠.
(٤) هو سفيان بن سعيد بن: مسروق الثوري، كان إماماً مجتهداً، أجمع الناس على دينه
وورعه وزهده، وثقته في الرواية، راوده المنصور ثم المهدي على أن يلي القضاء فأبى،
وتوارى، وانتقل إلى البصرة ومات فيها سنة ١٦١ هـ - ترجمته في: التاريخ الكبير
للبخاري: ج٢ ق٢ ص٩٢ - ٩٣، تاريخ بغداد: ج٩ ص١٥١ - ١٧٤ وتهذيب
التهذيب: ج٤ ص ١١١ - ١١٥.
(٥) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة حافظ عابد، أخرج له مسلم وأصحاب
السنن. مات سنة ١٦٧ هـ ترجمته في: التاريخ الكبير: ق١ ج٢ ص٢٢، حلية الأولياء:
ج٦ ص٢٤٩، تذكرة الحفاظ: ج١ ص٥٠٢، تهذيب التهذيب: ج٣ ص١١.
--
٢٤

سماه الإيثار لمعرفة رواة الآثار، وهو مطبوع.
٥ - مصنف وكيع بن الجراح (ت١٩٧هـ).
٦ - جامع سفيان بن عيينة (١) (ت١٩٨هـ).
٧ - مصنف عبدالرزاق بن همّام الصنعاني (ت٢١١هـ).
طبع في أحد عشر مجدداً بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل
على (٢١٠٣٣) أثراً ويعتبر من أغنى المصادر بآثار السلف وفقه
التابعين. وقد استمد منه البخاري كثيراً في الآثار التي يوردها كما
يعلم من خلال ((فتح الباري)) و((تغليق التعليق)) في وصل تلك الآثار.
٨ - مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ) وقد طُبع كتابه في
خمسة عشر جزءاً تشتمل على (١٩٧٨٩) أثراً، وقد استفاد منه
البخاري كثيراً في الآثار التي يوردها في صحيحه.
ج - المسانيد:
وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدى
صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً مرتبين على حروف المعجم وأسماء
الصحابة كما فعله غير واحد، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو
الشرافة النسبية، أو غير ذلك. وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي
واحد كمسند أبي بكر أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة، أو العشرة،
أو طائفة مخصوصة منهم جمعها وصف واحد كمسند المقلين ومسند
الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك.
والمسانيد كثيرة جداً (٢) فقلّ إمام إلا وله مسند وفيما يلي تعريف
(١) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي المكي، أحد أئمة
الإسلام وحفاظ السنة. ترجمته في مقدمة الجرح والتعديل: ص٣٢، الطبقات الكبرى:
ج٥ ص٣٦٤، تاريخ بغداد: ج٩ ص١٧٤، تذكرة الحفاظ: ج١ ص٢٦٢.
(٢) الرسالة المستطرفة ص٤٦ إلى ص ٥٧.
٢٥

لأهمها وأشهرها إلى عصر الإمام البخاري:
١ - مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت٢٤١هـ) وهو أعلى المسانيد، وهو
المراد عند الإطلاق وإن أريد غيره قيد، وقد طبع مراراً وقد أفاض
العلامة أحمد شاكر في التعريف به في مقدمة تحقيقه.
٢ - المسند لأبي دود الطيالسي الحافظ(١) (ت٢٠٣٠ أو ٢٠٤هـ) ومسنده
مطبوع في مجلد واحد وليس هو الجامع له بل جمعه بعض حفاظ
خراسان: جمع فيه ما رواه يونس بن حبيب عنه خاصة(٢).
٣ - مسند أبي محمد عبيدالله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي(٣)
(ت٢١٣ هـ).
٤ - مسند أبي إسحاق بن نصر بن إبراهيم المطوعي (٤) (ت٢١٣هـ).
٥ - مسند أسد بن موسى الأموي المعروف بأسد السنة (٥) (ت٢١٢هـ).
٦ - مسند مسدد بن مسرهد الأسدي البصري(٦) (ت٢٢١ هـ).
(١) هو أحد الأعلام الحفاظ روى عن ابن عون وهشام بن أبي عبدالله وعباد بن منصور:
وحرب بن شداد وروى عنه جرير بن عبدالحميد شيخه وابن بشار وابن رافع وخلق،
أثنى عليه ابن مهدي وأحمد ووكيع وروى أنه حدث بأربعين ألف حديث من حفظه -
ترجمته في الخلاصة الخزرجي: ج١ ص١٠١، التقريب ص ٢٥٠.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٤٦، وانظر الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين للقاسمي
ص ٣٠٨ وأما راوي المسند فهو يونس بن حبيب أبو بشر العجلي. ثقة ذو صلاح
وجلالة (ت٢٦٧هـ).
(٣) هو عبيدالله بن موسى ابن أبي المختار العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة، قال الحاكم: هو
أول من صنف المسند على تراجم الرجال. مات سنة ٢١٣هـ. ترجمته في: تذكرة
الحفاظ: ج١ ص٣٥٣، طبقات القراء لابن الجزري: ج١ ص٤٩٤، التقريب ص ٣٧٥.
(٤) المصدر السابق ص٠٣٧:
(٥) هو أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد عبدالملك بن مروان الأموي، أسد السنة صدوق
يغرب وفيه نصب. مات سنة ٢١٢ هـ وله ثمانون سنة، روى له البخاري تعليقاً وأبو داود
والنسائي، التقريب ص١٠٤.
(٦) مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري، أبو الحسن، ثقة حافظ، يقال =
٢٦

٧ - مسند إسحاق بن إبراهيم بن راهويه(١) (ت٢٣٨ هـ) وهو من كبار شيوخ
البخاري.
٨ - ٩ - مسند أبي بكر(٢) ومسند عثمان(٣) ابني محمد بن أبي شيبة وهما
من كبار شيوخ البخاري.
١٠ - مسند أبي بكر عبدالله بن الزبير الحميدي(٤) (ت٢١٩هـ) وهو من كبار
شيوخ البخاري.
وحتى الإمام البخاري فإنه صنف مسنداً يسمى بالمسند الكبير، وكذلك
الإمام مسلم بن الحجاج له أيضاً مسند كبير على الرجال.
عنه أول من صنف المسند بالبصرة، مات سنة ٢٢١هـ ويقال اسمه عبدالملك بن
عبدالعزيز ومسدد لقب، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، التقريب ٥٦١.
(١) هو إسحاق بن راوهويه بن مخلد أبو يعقوب المروزي، نزيل نيسابور أحد أئمة المسلمين
وفقهاء الحديث، صاحب الإمام أحمد في بغداد، ومسنده ما يزال مخطوطاً المجلد
الرابع منه في دار الكتب المصرية، وله مسائل فقهية هو والإمام أحمد رواها عنهما
إسحاق الكوسج. مات سنة ٢٣٨هـ. ترجمة: في تذكرة الحفاظ ج٢ ص٤٣٣، التقريب
ص٩٩.
(٢) هو أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ صاحب تصانيف، مات
سنة خمس وثلاثين ومائتين، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه،
التقريب ص ٣٢٠.
(٣) هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي،
ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، مات سنة تسع وثلاثين
ومائتين وله ثلاث وثمانون سنة، روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن
ماجه، التقريب ص٣٨٦.
(٤) هو عبدالله بن الزبير بن عيسى الأسدي الحميدي، ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن
عيينة، مات بمكة سنة مائتين وتسعة عشر، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا
وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره، التقريب ص٣٠٣.
ومسند الجميدي قد طبع في مجلدين بتحقيق وتعليق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي
ويشتمل على (١٣٠٠) حديثاً.
٢٧

ر - كتب المغازي والسير:
وهي الكتب التي تهتم بذكر سيرة النبي ◌ّ من مولده إلى وفاته وذكر
مبعثه وما قام به من غزوات ضد أعدائه وتفصيل ذلك، وسأذكر أهم الكتب
في هذا المجال إلى عصر الإمام البخاري. ويمكن ترتيبها تاريخياً على أربعة
طبقات :
الطبقة الأولى: ومن أبرز من اهتم بالسير والمغازي في العهد الأول:
عروة بن الزبير (ت٩٤هـ) وأبان بن عثمان (ت١٠٥هـ) وقد ذكر ابن سعد في
طبقاته(١) ما يفيد أن أبان بن عثمان كان له تدوين في السير، ففي ترجمة
المغيرة بن عبدالرحمن قال: ((إنه ثقة قليل الحديث إلا مغازي رسول الله وَال#
أخذها من أبان بن عثمان، فكان كثيراً ما تقرأ عليه ويأمر بتعلمها» ولم
يصلنا منها شيء.
الطبقة الثانية: ومن أبرز رجالها عبدالله بن أبي بكر بن حزم
الأنصاري (٢) (ت١٣٥ هـ)، اهتم بأخبار الوفود التي قدمت إلى النبي
وأخبار ردة القبائل بعد وفاة النبي ◌َّ. كما جمع غزوات النبي لل# ورتبها
تاريخياً. ومن رجال هذه الطبقة أيضاً عاصم بن عمر بن قتادة (٣). (ت١٢٠ هـ)
وهو شيخ ابن إسحاق، ولمعرفته الوثيقة بالمغازي اختاره الخليفة عمر بن
عبدالعزيز ليحدث الناس بمسجد دمشق عن المغازي ومناقب الصحابة ..
وممن اهتم بالمغازي والسير في هذه الطبقة أبو بكر محمد بن مسلم بن
شهاب الزهري(٤) (ت١٢٤ هـ).
(١) الطبقات الكبرى: ج٥ ص ١٥٦.
(٢) هو عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني شيخ مالك.
والسفيانيين روى عن أنس وجماعة، وكان كثير العلم، روى عنه الجماعة ترجمته في
التقريب ص٢٩٧، وشذرات الذهب: ج١ ص ١٩٢.
(٣) عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصار يالمدني ثقة حافظ عالم المغازي، أخرج له
الجماعة ترجمته في: طبقات ابن سعد: ج٣ ص٤٥٢، تهذيب التهذيب: ج٥ ص ٥٣،
والتقريب ص ٢٨٦، وشذرات الذخب: ج١ ص١٥٧ .:
(٤) هو الإمام الحافظ المتفق على جلالته وإتقانه: أحد أكابر الفقهاء، رأى عشرة من =.
٢٨

الطبقة الثالثة: ومن أبرز رجالها موسى بن عقبة بن أبي عياش
المدني(١) التابعي الصغير (ت١٤١هـ) ومغازيه أصح المغازي كما قاله تلميذه
مالك بن أنس، وقال الشافعي: ليس في المغازي أصح من كتابه مع صغره
وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره.
وقال أحمد: (عليكم بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة)(٢).
وقد نقل الإمام البخاري عن مغازي موسى بن عقبة في مواضع من
كتاب المغازي من جامعه منها: باب غزوة الخندق (٣) وباب غزوة بني
المصطلق(٤)، باب غزوة الطائف(٥) ومن رجال هذه الطبقة محمد بن
إسحاق(٦) بن يسار المطلبي (ت١٥١هـ)، تتلمذ على يد الزهري واستفاد
منه، ويقال أنه صنف كتابه ((السيرة النبوية)) بناء على طلب الخليفة العباسي
أبو جعفر المنصور لابنه المهدي، وقد رواه عنه تلميذه زياد البكائي وعن
البكائي أخذه ابن هشام، وقد ظل كتاب ابن إسحاق هذا موسوماً بالضياع
إلى عهد قريب حيث عثر أحد الباحثين الأوربيين على عدة أوراق منه
مكتوبة على أوراق البردي المصرية، ثم عُثر على جزء كبير منه بالمغرب
الصحابة، نزل الشام واستقر بها وصنف في الحديث والمغازي، ترجمته في: تذكرة
=
الحفاظ: ج١ ص ١٠٨، التهذيب : ج٩ ص ٤٤٥، التقريب ص٥٠٦.
(١) ثقة فقيه إمام في المغازي، روى عن صحابية وعدة من التابعين. له ترجمة في التقريب
ص٥٥٢، وشذرات الذهب: ج١ ص٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٨٢.
(٣) الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق: ج٧ ص٤٥٣ (مع الفتح) ط -
دار الريان سنة ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م.
(٤) المصدر نفسه ص ٤٩٤.
(٥) المصدر نفسه ص٦٣٩.
(٦) هو محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، بالولاء المدني، من حفاظ الحديث، ومن أقدم
مؤرخي العرب إمام في المغازي، قال الشافعي: ((من أراد أن يتبحر في المغازي فهو
عيال على ابن إسحاق)) وقال فيه الذهبي: ((كان أحد أوعية العلم، خبيراً في معرفة
المغازي والسير وليس بذاك المتقن)) ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١ ص٢١٤، تذكرة
الحفاظ: ج١ ص١٨٢، ميزان الاعتدال: ج٣ ص٤٦٨.
٢٩

ونشره معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بفاس سنة ١٩٨٩م وحققه الأستاذ
محمد حميد الله.
وقد نقل الإمام البخاري في صحيحه عن ابن إسحاق في مواضيع
مختفة(١). ومن أبرز رجال هذه الطبقة أيضاً ابن هشام(٢) فقد نشأ بمدينة
البصرة بالعراق ورحل إلى مصر حيث التقى بعلمائها منهم الإمام الشافعي.
وفي مصر كتب ((السيرة النبوية)) وقد أخذ كتاب ابن إسحاق فهذبه وحذف.
منه كثيراً مما لا تعلق له بالسيرة أو شك في صحته ككثير من الأشعار:
والأنساب، أو أضاف إليه أشياء كثيرة.
ومخطوطات هذا الكتاب كثيرة، وأقدم نسخة منها يرجع تاريخها إلى
القرن السادس الهجري (٥٥٦هـ).
وكان المستشرق الألماني ((وستنقلد)» من أوائل المهتمين بطبع هذا:
الكتاب، فأخرجه سنة (١٨٦٠م) في مجلدين مضبوطاً بالشكل وألحق به
مجلداً يحتوي على تعاليق، وملاحظات وفهارس، ثم طبع هذا الكتاب
اعتماداً على نسخة الإمام السهيلي، وهي المخطوطة التي أخذها عن شيخه
ابن العربي، وتوالت طبعاته، ومن أفضل طبعاته وأكثرها دقة الطبعة التي
حققها الأستاذ مصطفى السقا ومن معه .
الطبقة الرابعة: وهم المصنفون في السير والمغازي ممن عاصروا الإمام
البخاري - رحمه الله - ومن أبرزهم:
(١) انظر: كتاب المغازي من الجامع الصحيح، باب غزوة العشيرة: ج٧ ض ٣٢٦، وباب
حديث بني النضير ص ٣٨٢، وباب غزوة الرجيع ورعل وذكوان ص ٤٣٧، وغزوة ذات
الرقاع ٤٨١، وباب غزوة بني المصطلق ص٤٩٤، كلها في الجزء السابع من الفتح ط -:
دار الريان -.
(٢) هو عبدالملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، كان عالماً بالأنساب واللغة
وأشعار العرب (ت٢١٨ هـ) ترجمته في: وفيات الأعيان: ج٢ ص٣٤٩ - ٣٥٠،
الشذرات: ج٢ ص ٤٥، البداية والنهاية: ج١٠ ص٢٦٧.
٣٠

ابن سعد(١) (ت٢٣٠هـ) ولم يفرد المسيرة بمصنف وإنما أفرد أول
كتاب الطبقات لسيرة النبي ومغازيه في مجلدين تقريباً، وبقية الطبقات لتراجم
الصحابة والتابعين والعلماء إلى عصره، وهو مطبوع.
ومن رجال هذه الطبقة أيضاً ابن أبي خيثمة (٢) (ت٢٧٩هـ) وكتابه مرتب
على الطبقات ذكر فيه تراجم الرواة إلى عصره ومزجه بالتاريخ والسير مع
النقد وعلل الحديث ومنهجه مثل منهج ابن سعد في طبقاته، وكتابه غير
مطبوع.
ومن رجال هذه الطبقة أيضاً خليفة بن خياط العصفري(٣) (ت٢٤٠ هـ)
له كتاب التاريخ وهو مرتب على السنوات، وكتاب الطبقات، كلاهما
مطبوع، وخليفة بن خياط من شيوخ الإمام البخاري وقد روى عنه في
الجامع الصحيح.
هـ - كتب التفسير:
وهي الكتب التي اهتمت بتفسير القرآن بالأثر وقد كانت هناك كتب
كثيرة في القرنين الثاني والثالث في تفسير القرآن (٤) ومن أهمها:
١ - تفسير مجاهد(٥) (ت١٠١ هـ).
(١) هو الإمام الحبر أبو عبدالله محمد بن سعد الحافظ: كاتب الواقدي، صاحب الطبقات
والتاريخ، توفي ببغداد وله اثنان وستون سنة. روى عن سفيان بن عيينة وهشيم وخلق
كثير، ترجمته في: شذرات الذهب: ج٢ ص٦٩.
(٢) هو الحافظ أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب النسائي ثم البغدادي، مصنف التاريخ
الكبير. سمع أبا نعيم وعفان وطبقتهما. قال الدارقطني: ثقة مأمون، شذرات الذخب:
ج٢ ص١٧٤.
(٣) هو أبو عمرو خليفة بن خياط العُصْفري، لقبه شَبَاب، صدوق ربما أخطأ، وكان إخبارياً
علامة، ترجمته في التقريب ص ١٩٠، وشذرات الذهب: ج٢ ص٩٤.
(٤) انظر الرسالة المستطرفة ص٥٧، والفهرست لابن النديم ص ١٦٣ - ١٦٦، ت مصطفى
الشويمي .
(٥) مجاهد بن جير، أبو الحجاج المخزومي مولاهم. المكي ثقة إمام في التفسير وفي =
٣١

٢ - تفسير سفيان الثوري (ت١٦١هـ): لم يفسر فيه الثوري جميع الآيات
بل يفسر الآيات التي وصله شيء من تفسيرها عن السلف، وما عثر
عليه من هذا التفسير يشتمل على ٤٩ سورة من القرآن الكريم آخرها
سورة الطور، وقد حققه الأستاذ امتياز علي العرشي وطبعه في رامبور
الهند، ثم طبعته دار الكتب العلمية في بيروت سنة ١٤٠٣هـ.
٣ - تفسير عبدالرزاق الصنعاني(١) (ت٢١١هـ).
٤ - تفسير إسحاق بن راهويه (ت٢٢٨هـ).
٥ - تفسير عثمان بن أبي شيبة (ت٢٣٩هـ).
٦ - تفسير أبي بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥ هـ).
٧ - تفسير ابن ماجه القزويني (ت٢٧٥هـ).
و - الأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة:
وهي كثيرة جداً نذكر منها(٢):
١ - الإيمان للإمام أحمد.
٢ - الإيمان لأبي بكر بن أبي شيبة.
٣ - الطهور لأبي عُبيد القاسم بن لام البغدادي اللغوي الحافظ (ت٢٢٢ هـ
أو ٢٢٣ هـ أو ٢٢٤ هـ).
٤ - الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي التميمي (ت١١٨ هـ أو
العلم، مات وله ثلاث وثمانون سنة، روى له الجماعة، ترجمته في التقريب ص٥٢٠،
=
وشذرات الذهب: ج١ ص ١٢٥.
(١) هو عبدالرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني، حافظ محدث
ثقة، روى عن الأوزاعي وابن جريج ومعمر، له مصنفات كثيرة، ترجمته في: تهذيب
التهذيب: ج٦ ص ٣١٠، شذرات الذهب: ج٢ ص٢٧.
(٢) انظر الرسالة المستطرفة ص٣٩ - ٤٥.
٣٢

١١٩ هـ) من شيوخ الإمام البخاري.
٥ - قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي.
٦ - الزكاة لأبي محمد يوسف بن يعقوب القاضي.
٧ - الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
٨ - الأيمان والنذور، والنكاح، له أيضاً.
٩ - الجهاد لعبدالله بن المبارك (ت١٨١ هـ) وهو أول من صنف فيه.
١٠ - الاستئذان والبر والصلة له أيضاً.
١١ - الزهد للإمام أحمد، وهو من أحسن ما صنف في هذا الموضوع،
لكنه مرتب على الأسماء.
١٢ - الزهد لعبدالله بن المبارك، وهو مرتب على الأبواب، وفيه أحاديث واهية.
١٣ - الزهد لهناد بن السري بن مصعب التميمي الحافظ (ت٢٤٣هـ).
١٤ - الذكر والدعاء لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (ت١٨٢ هـ).
١٥ - الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام.
١٦ - العلم لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي البغدادي الحافظ
(ت٢٣٤هـ)، روى عنه الإمام مسلم أكثر من ألف حديث، وجزؤه هذا
مطبوع بتحقيق الشيخ الألباني.
١٧ - فضائل القرآن للشافعي.
١٨ - ثواب القرآن لابن أبي شيبة.
وغير ذلك مما لا يحصى من الأجزاء في مختلف الموضوعات، وقد
أفاد منها الإمام البخاري سواء في جامعه أم في غيره من مصنفاته التي سيأتي
التعريف بها في آخر مبحث من هذا الفصل.
من خلال هذا العرض السريع لأهم المصنفات الحديثية إلى عصر
الإمام البخاري تتجلى لنا الحقائق العلمية التالية:
٣٣

إن الإمام البخاري لم ينطلق في تصنيف جامعه من فراغ، بل يعتبر
صحيحه حلقة من سلسلة ممتدة إلى المصنفين الأوائل كمالك وابن
جريج والأوزاعي وابن المبارك وغيرهم.
إن الإضافة الجديدة التي أضافها الإمام البخاري تتمثل في:
جعل كتابه جامعاً لأنواع علوم الإِسلام من عقيدة وفقه وتفسير ومغازي
وسير وزهد ورقاق وفضائل وآداب، بينما كان من سبقه يركز على
علم من العلوم فالسنن والجوامع والموطآت كانت تهتم بما يتعلق
بالأحكام الفقهية دون غيرها من العلوم. وكذلك كتب السير
والمغازي. خاصة بهذا الفن ولا تتعرض لغيره. وكذلك كتب التفسير
فهي موضوعة لهذا الجانب ولا تتعرض لغيره كالفقه والشير
والمغازي. وأما الأجزاء الحديثية فكل جزء منها خاص بباب معين من:
أبواب العلم، بينما نجد الجامع الصحيح قد اشتمل على كل تلك
العلوم وهذا السبب في تسميته بالجامع.
كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأخبار ولا يلتزم الصحة.
فيذكر الصحيح والحسن والضعيف وقد يكون فيها الموضوع أحياناً،
ولكن الإمام البخاري اقتصر في جامعه على الصحيح فقط لذا سماه
الجامع الصحيح.
كان من سبق من العلماء يجمع في كتابه الأحاديث المرفوعة والآثار
الموقوفة، والمتصل والمنقطع على حد سواء، لكن البخاري خصّص
كتابه لما ورد عن رسول الله مَّ بالأسانيد المتصلة، وإن كان يذكر فيه.
الآثار والموقوفات على سبيل التبع للاستشهاد، وقد حوى جملة كثيرة:
من الموقوفات والآثار وعادة يرويها معلّقة، فهي ليست مقصودة أصالة.
وإنما بالتبع والاستطراد، لذا سمى البخاري كتابه الجامع الصحيح
المسند .
: كان المصنفون يهتمون بمزج الحديث بالفقه كما فعل مالك في
موطئه، ويذكرون آراء العلماء وفقهاء التابعين والأمصار، والإمام
٣٤

البخاري لم يهمل هذه الناحية، ولم يتوسع في ذكر فقه الحديث وإنما
سلك طريقة مختصرة وهي أنه يضمّن فقه الحديث في الترجمة حتى
شاع على ألسنة العلماء أن فقه الإمام البخاري في تراجمه، ويعضد ما
يذهب إليه بالآيات والآثار ثم يذكر أهم ما ورد في الباب من
الأحاديث المرفوعة المسندة. لهذه السمات والخصائص كان صحيح
البخاري أهم كتب الحديث. وهذه جملة من ثناء العلماء على
صحيحه :
قال الإمام أبو عبدالرحمن النسائي: ((ما في هذه الكتب كلها أجود من
كتاب محمد بن إسماعيل))(١) .
وقال أبو جعفر العقيلي: ((لما صنّف البخاري كتاب الصحيح عرضه
على ابن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فاستحسنوه وشهدوا له
بالصحة إلا أربعة أحاديث)). قال العقيلي: ((والقول فيها قول البخاري وهي
صحیحة» .
وقال الحاكم أبو أحمد: ((رحم الله محمد بن إسماعيل الإمام، فإنه
الذي ألّف الأصول وبيّن للناس وكل من عمل من بعده فإنما أخذه من كتابه
كمسلم، فرق كتابه في كتابه وتجلد فيه حق الجلادة حيث لم ينسبه
إليه)»(٢) .
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: «لولا البخاري لما راح مسلم ولا
جاء)) وقال أيضاً: ((إنما أخذ مسلم كتاب البخاري فعمل فيه مستخرجاً وزاد
فيه أحاديث))(٣).
وما قاله الحاكم أبو أحمد والحافظ الدارقطني فيه إجحاف للإمام مسلم
(١) هدي الساري ص ٥١٤، ط دار الريان.
(٢) الحافظ ابن حجر: هدي الساري مقدمة فتح الباري - دار الريان للتراث القاهرة - الطبعة
الأولى سنة ١٤٠٧هـ - ١٩٨٦ م، ص٥١٤.
(٣) المصدر نفسه ص٥١٤.
٣٥

- رحمه الله - وإن كان قد استفاد من كتاب البخاري ومن علمه لكنه أضاف
إليه مما ليس فيه وركز فيه على الأسانيد واختلاف الروايات ومتون الأحاديث
وغيرها مما يتعلق بالصنعة الحديثية (١)، مما لم يركز عليه الإمام البخاري في
صحیحه . .
(١) انظر: عبقرية الإمام مسلم في ترتيب أحاديث مسنده الصحيح للدكتور حمزة عبدالله
المليباري، وهو مطبوع:
٣٦

المبحث الثاني
النقد وعلوم الحديث إلى
عصر الإمام البخاري
لقد مر بنا في المبحث السابق أن علماء الحديث في القرنين الثاني
والثالث الهجري قد بذلوا جهوداً عظيمة في تدوين السنة والحفاظ عليها
بأنواع شتى من المصنفات، وطرق مناهج مختلفة في التأليف، والسؤال
الذي يطرح هل كان إلى جانب هذا الجهد العظيم في الجمع والتصنيف،
جهداً موازياً في النقد والتمحيص؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال، نحدد المراد بالنقد لغة واصطلاحاً ثم
ما هي عوامل ظهوره ثم نعرض بشيء من الاختصار إلى جهود المحدثين
ومصنفاتهم في النقد الحديثي إلى عصر الإمام البخاري.
تعريف النقد:
فالنقد لغة: هو تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها، وكذا تميز غيرها
ومثل هذا المصدر في مدلوله، التنقاد والتنقد من انتقد وتنقد الدراهم: أي
ميز جيدها من رديئها(١).
(١) مرتضى الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس: ج٢ ص٥١٦.
٣٧

وناقده: ناقشه في الأمر(١).
النقد اصطلاحاً: هو دراسة الرواة والمرويات لتمييز جيدها من رديثها،
وعلوم الحديث كلها تعتبر نتاجاً لهذه المهمة التي اضطلع بها المحدثون
والحفاظ، ومن أبرز هذه العلوم علمي الجرح والتعديل وعلل الحديث.
دوافع النقد وعوامل ظهوره:
اختلفت عوامل ظهور النقد باختلاف المراحل التي مر بها، ويمكن
تقسيمها إلى مرحلتين :
أ - المرحلة الأولى: وهي تتمثل في المرحلة التي سبقت ظهور الفتن
والبدع ويقف وراء ظهور النقد في هذه الفترة عامل واحد وهو ما جبل عليه
الإنسان من الوهم والخطأ والنسيان.
ب - المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي ظهرت فيها البدع والفتن،
ويقف إلى جانب العامل الأول عامل آخر كان وراء تطور حركة النقد
ونشاطها، وهو الكذب(٢)، ولقد هيأ الله لهذه المهمة رجالًا قاموا بها أحسن
قيام فقد وجد في كل عصر، وفي كل مصر من الجهابذة والحفاظ من يقوم
بهذه الوظيفة من عهد الصحابة والتابعين إلى أتباعهم، يأخذ كل واحد منهم
ما عند شيخه، ويضيف إليه ما توصل إليه بخبرته فتجمعت مادة علمية غزيرة
في الكلام على الرواة والأحاديث إلى أن وصل الأمر إلى الأئمة الذين دوّنوا
المصنفات المستقلة مثل: يحيى ابن معين، والبخاري، وابن أبي حاتم
وغيرهم .
والذي أريد التركيز عليه هو حركة التدوين في النقد وعلوم الحديث
(١) محمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح - ت الدكتور مصطفى البغا - دار الهدي عين
مليلة الجزائر - ط ٤ - سنة ١٩٩٠م، ص٤٢٦.
(٢) أحمد محمد نور سيف: مقدمة تحقيق تاريخ ابن معين - طبع مركز البحث العلمي
وإحياء التراث بمكة - سنة ١٩٧٩م - ١٣٩٩ هـ، ص٦.
٣٨

ويمكن تقسيمها إلى المراحل التالية (١):
المرحلة التمهيدية: وهو الشكل المبدئي والأولي للتدوين، إذ كان
عبارة عن ملاحظات واستدراكات وتصويبات تُدوّن بهوامش المرويات
يستفيدها التلاميذ من شيوخهم، وتعتبر هذه التدوينات النواة الأولى لما عرف
فيما بعد بالمسانيد المعللة.
المرحلة الأولى: وتتمثل في المسانيد المعلّلة، وتعتبر هذه المسانيد
أول علوم الحديث ظهوراً ونشأة، لأنها تضم خليطاً من المعارف الحديثية:
توثيق الرواة، أو تضعيفهم، أو بيان وفاة، أو ضبط غريب، أو بيان شكل،
أو توضيح كنية، أو نسبة، أو موطن، أو غير ذلك. ثم نمت بعض الشيء
وبدأت تنفصل عن كتب الحديث لتأخذ تسميات خاصة كسؤالات فلان في
الرجال، وكان طابع التدوين في هذه الفترة هو أن يقوم به التلاميذ عن
الشيوخ ويحتفظون به، وهي في الحقيقة إنتاج الشيوخ ومؤلفاتهم، أو ما
جمعوه عن شيوخهم في علوم الحديث.
وكما قام هؤلاء التلاميذ بجمع ما عند شيوخهم من علوم الحديث،
قام هؤلاء الشيوخ أنفسهم بهذه المهمة، فدوّنوا عن شيوخهم كثيراً من
المعلومات وأضافوا إليها، وهكذا كل طبقة عن التي تليها .
المرحلة الثانية: وتمثلها كتب هؤلاء النقاد أو الروايات عنهم، وهي
وإن اختلفت مسمياتها فكلها تدور في فلك واحد، وهو نقد الرجال وعلل
الحديث وما يتصل بهما من علوم الحديث. ويلاحظ هنا طابع التلازم بين
نقد الرجال وعلل الحديث وهو سمة بارزة في مؤلفات ابن المديني
ويحيى بن معين والإمام أحمد - رحمهم الله تعالى -.
فالروايات عن يحيى أخذت مسميات عدة هي: (التاريخ، معرفة
الرجال، السؤالات) وأما عن أحمد بن حنبل: (العلل، العلل ومعرفة
الرجال، التاريخ) وأما عن ابن المديني: (العلل، المسند بعلله، التاريخ).
(١) أحمد محمد نور سيف: مقدمة تحقيق تاريخ ابن معين - ص٧ وما بعدها.
٣٩
٠

وعلى الرغم من ذلك فقد ظهرت كتب متخصصة في هذه الفترة.
تناولت عدة فنون منها: الأسماء والكنى، الضعفاء والمدلسون، وأجزاء.
مستقلة لعلل أحاديث شيوخ معينين، وفي الوهم، وتفسير الغريب، والإخوة:
والأخوات، ومن عرف باللقب أو الاسم وهذه الكتب ذكرتها المصادر في
مؤلفات ابن المديني.
ومن أحسن ما ألف في هذه المرحلة من حيث التنظيم والترتيب
(طبقات ابن سعد)، وتعتبر من المصادر الأولى في علم الجرح والتعديل
وعلم الرجال، وقد طبع في تسع مجلدات، وتغلب عليها الصبغة التاريخية،
فمدلول كلمة تاريخ كان يشمل علم الرجال والنقد، إضافة إلى السير
والمغازي، ثم اقتصر مدلوله بعد ذلك على الأحداث التاريخية، فقد سمى
كل من الدوري والدارمي روايتيهما عن يحيى بن معين باسم التاريخ،
وكذلك أبو بكر بن أبي شيبة (ت٢٣٥هـ)" سمى كتابه في الرجال والجرح
والتعديل باسم التاريخ، وكذلك الإمام الحافظ خليفة بن خياط العصفبري
(ت٢٤٠هـ) له كتاب التاريخ والطبقات، وكذلك نجد الإمام البخاري سمى
كتابه في علم الرجال والجرح والتعديل والعلل بالتاريخ الكبير وله التاريخ
الأوسط والتاريخ الصغير **.
وقد اتخذ التدوين في العلل والرجال في هذه المرحلة اتجاهين:
ذكر الجرح والتعديل وأحوال الرواة مضموماً إلى ذلك العلل في
مناسبات تتصل بتراجمهم، والكتب السابقة تمثل هذا الاتجاه.
والاتجاه الثاني، يتمثل في عرض الأحاديث التي تطرقت إليها العلل،
. ثم يتبع ذلك بيان حال الرواة، وجرحهم وتعديلهم والتوسع في ذلك،
مع التطرق إلى ذكر أوطانهم أحياناً، ويمثل هذا الاتجاه المسند المعلل.
(*) قال الدكتور عبدالمعطي قلعجي: هناك نسخة من تاريخ ابن أبي شيبة في مكتبة برلين في
١١٣ ورقة (انظر مقدمة تحقيق كتاب الضعفاء للعقيلي ص٣٣).
( ** ) سيأتي التعريف بهذه التواريخ الثلاثة في المبحث الرابع من هذا الفصل.
٤