النص المفهرس
صفحات 401-420
- ٤٠١ -
عزة - فقال : أو تحبين ذلك ؟ فقلت : نعم ، لست لك بمخلية ،
وأَحب من شاركني في خير أُختي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إِن
ذلك لا يحل لي ، قلت : فإنا نُحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي
سلمة - وفي رواية عندهما : درة بنت أبي سلمة - قال : بنت أُم سلمة ؟
قلت : نعم ، فقال : لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لى ،
إنها لابنة أَخي من الرضاعة ، أَرضعتني وأَبا سلمة ثويبة ، فلا تعرضن
عليّ بناتكن ولا أَخواتكن .
وفي لفظ : عن أم حبيبة أيضاً قالت : قلت يا رسول الله هل لك
في بنت أبي سفيان ، قال : فأفعل ماذا ؟ قلت : تنكح ، قال : أتحبين؟ ..
الحديث . رواه البخاري ، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأحمد
وغيرهم - واللفظ للبخاري (١) . .
لذا قال ابن كثير رحمه الله: والأَحسن في هذا أنه أراد أَن يزوجه
ابنته الأُخرى ((عزة)) لما رأى في ذلك من الشرف له ، واستعان بأُختها
أم حبيبة، كما في الصحيحين- وإنما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة(٢) اهـ.
وبمثله قال ابن القيم في ((زاد المعاد )) وذكر الحديث ثم قال : فهذه
(١) صحيح البخارى: كتاب النكاح: باب (( وأمهاتكم اللآتى أرضعتكم )» وباب
((وربائبكم الآتى فى حجوركم)) وباب ((وأن تجمعوا بين الأختين)) وباب: عرض الإنسان
ابنته أو أخته على أهل الخير . وكتاب النفقات : باب المراضع من الموليات ، وصحيح مسلم :
كتاب الرضاع: باب تحريم الربيبة وأخت المرأة ، رقم ١٥، ١٦ . وسنن أبى داود برقم
٢٠٥٦ ، وسنن النسائى (٦ : ٩٤ - ٩٦) وسنن ابن ماجه برقم ١٩٣٩ كلهم فى كتاب
النكاح وأحمد فى المسند (٦: ٤٢٨) ورواه من مسند أم سلمة أيضاً أحمد (٦: ٢٩١، ٣٠٩).
(٢) البداية والنهاية ( ٤ : ١٤٥).
(٢٦ مكانة الصحيحين)
:
- ٤٠٢ -
هي التي عرضها أبو سفيان على النبي صلى الله عليه وسلم فسماها الراوي
من عنده أُم حبيبة (١) . اهـ.
ومقتضى كلامهم - رحمهم الله - أن الحديث صحيح ، لكن وقع
خطأً في تعيين الاسم فبدلا من أن يقول الراوي (( عزة بنت أبي سفيان ))
قال ((رملة - أم حبيبة - بنت أبي سفيان)).
قلت : لكن يوجد ما يرفع هذا التوهم ، وأن الراوي لم يخطىء في
تعيين الاسم إِذا عرفنا أن كنية ((عزة)) أُم حبيبة أيضاً. كما سأَذكر بعد
قليل إِن شاءَ الله تعالى .
إشكال : كيف تعرض أم حبيبة على النبي صلى الله عليه وسلم الحرام .
إن الجمع بين الأُختين حرام بنص القرآن الكريم حيث قال ﴿ وأَنْ
تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾(٢) فكيف يسوغ لأم حبيبة رضي
الله عنها الفقيهة العالمة أُم المؤمنين أَن تعرض على النبي صلى الله عليه
وسلم أَن يتزوج عليها أُختها وتبقى هي في عصمة النبي صلى الله عليه
وسلم ! فيكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم جامعاً بين الأُختين ، وهي
لا يشك ولا يعقل أنها لا تعلم تحريم ذلك ولا يخفى عليها ذلك . وهي
تقرأ القرآن .
بل مما يزيد الإشكال إِشكالاً آخر هو قولها «فإنا نحدث أنك تريد
أن تنكح بنت أبي سلمة)) وهي بنت أم سلمة ، ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم .
(١) زاد المعاد (١: ١١١-١١١٢) لكن وقع فيه (( رملة )) وهو خطأ أو سبق قلم،
لأن رملة اسم أم حبيبة ، وأما الثانية فهى عزة ، ولم ينتبه المحققان لهذا الخطأ العلمى ، والله
تعالى أعلم .
(٢) سورة النساء : ٢٣.
- ٤٠٣ -
وكلا الأمرين واحد ، سواء الجمع بين الأختين ، أو الجمع بين
الأُم وابنتها في زواج واحد . إِذ كلاهما محرم في الكتاب ﴿ وَرَبَائِكُمُ
اللَّتِي فِي حُجُورِ كَمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَِّي دَخلْتُمْ بِهِنَّ﴾(١).
إذن لابد وأن يكون قد طراً شيءٌ ما حتى يتحدث أمهات المؤمنين
بإرادة النبي صلى الله عليه وسلم الزواج من ربيبته ، وتعرض إِحدى أُمهات
المؤمنين عليه ، صلى الله عليه وسلم - بتدبير من أبيها أَو بالاتفاق معه -
أَن يتزوج أُختها .
إِن ذلك قد وجدته دليلاً صريحاً يزيل هذا الإشكال، ويكون الدافع
لكل من طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج من محارمه . أَلا وهو
إباحة الله تعالى له أن يتزوج من النساء ما شاءً . بعد ما فهم من قصره
على أَزواجه وأَلا يستبدل بهن من أَزواج .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( ما توفي رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاءَ .. )) رواه الترمذي
والنسائي وأحمد والدارمي والحميدي وعبد الرزاق وابن خزيمة وابن حبان،
والحاكم والبيهقي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه
والطبري وابن المنذر . بأسانيد صحيحة (٢).
(١) سورة النساء : ٢٣ .
(٢) سنن الترمذى: كتاب التفسير رقم ٣٢١٦ وسنن النسائى (٦ : ٥٦) من كتاب
النكاح ، ومسند أحمد (٦: ٤١، ١٨٠، ٢٠١) وسنن الدارمى (٢: ٧٧ رقم ٢٢٤٧)
ومسند الحميدى (١ : ١١٥ رقم ٢٣٥) وموارد الظمآن (٥٥٣ رقم ٢١٢٦) وانظر تفسير
ابن كثير (٣: ٥٠٢) والدر المنثور (٥: ٢١٢) وفتح القدير (٤ : ٢٩٦)، والطبقات
الكبرى ( ٨: ١٩٤ ).
٩
- ٤٠٤ -
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : لم يمت رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى أَحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاءَ إِلا ذات محرم وذلك
قول الله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) رواه ابن سعد
وابن أبي حاتم(١) ..
وروى ابن سعد(٢) نحوه من حديث علي بن أبى طالب وابن عباس
رضي الله عنهما أيضاً .
ففهم الصحابة رضي الله عنهم إِباحة الزواج للنبي صلى الله عليه
وسلم - كما هو منطوق قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ
اللّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ، وَبَنَاتِ
عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خالِكَ .. ) الآية وقوله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ
مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ... الآية)(٣).
لذا عرض من عرض من الصحابة الكرام رضي الله عنهم على النبي
صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ، بل منهم من عرض عليه أن يتزوج من
محارمه ، ممن لا تحل له صلى الله عليه وسلم - ظنًّا منهم أن ذلك جائز ،
وأَن الرضاعة لا تضر ، حتى نبههم النبي صلى الله عليه وسلم بأن ذلك
لا يحل ولا يجوز .
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم :
(١) الطبقات الكبرى (٨: ١٩٤) وانظر تفسير ابن كثير (٣: ٥٠٢) حيث
ساق سند ابن أبى حاتم ، والدر المنثور (٥: ٢١٢) والفتح القدير (٤ : ٢٩٦).
(٢) الطبقات الكبرى (٨: ١٩٤).
(٣) سورة الأحزاب: ٥٠ - ٥١ .
- ٤٠٥ -
(( ألا تتزوج ابنة حمزة ؟ قال: إِنها ابنة أخي من الرضاعة)) متفق عليه
واللفظ للبخاري (١).
وعن علي رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله مالك تنوق في
قريش وتدعنا ؟ فقال : وعندكم شيءٌ ؟ قلت : نعم ، بنت حمزة ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنها لا تحل لي ، إِنها ابنة أخي من الرضاعة)).
رواه مسلم (٢).
وروى مسلم (٣) بنحوه من حديث أم سلمة رضي الله عنها أيضاً .
وقوله (( تنوق)) أي تختار ، وتبالغ في الاختيار .
فكون علي وأم سلمة وأُم حبيبة وغيرهما - من عرض على النبي صلى
الله عليه وسلم الزواج ممن لا يحل له - لا يعقل أن يجهلوا تحريم الجمع
بين الأُختين ، أَو البنت وأُمها ، أَو نكاح بنت الأخ من الرضاع
- وهم أهل بيته وأقاربه المقربون - وإِنما يحمل هذا منهم على جواز
الخصوصية له صلى الله عليه وسلم حتى نبهم على التحريم ، والله أعلم .
وعلى هذا يصح حديث ابن عباس رضي الله عنهما - حديث الباب -
على أن أبا سفيان أَراد أَن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته
- أُخت أم حبيبة - وأن هذا هو المراد لا غير ، وبه يقع الجزم . زيادة
في شرفه ، واستعان بأُختها أم حبيبة .
وأما قول ابن القيم وابن كثير من أن الراوي وهم في تسميته
(١) صحيح البخارى: كتاب النكاح: باب ((وأمهاتكم الآتى أرضعنكم)) وفى
كتاب الشهادات أيضاً . وصحيح مسلم : كتاب الرضاع . باب يحرم ابنة الأخ من الرضاع
رقم ١٢.
(٢ و٣) صحيح مسلم: كتاب الرضاع: باب يحرم ابنة الأخ من الرضاع رقم ١١، ١٤
- ٤٠٦ -
أم حبيبة وأن الصواب (( عزة)) فقد ورد ما يزيل هذا الإشكال أيضاً ،
ويرفع هذا الوهم ، وأن الحديث صحيح وليس الراوي قد وهم فيه ،
وذلك ما ورد في بعض المراجع من أن كنيته ((عزة)) أُم حبيبة أيضاً(١).
فإِن صح هذا - ولا مانع من وقوعه - دل على أن أبا سفيان وأُم حبيبة
أم المؤمنين رغبا أَن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم عزة التي كنيتها
أم حبيبة أيضاً . وبهذا يزول كل إِشكال في لفظ الحديث الأول .
والله أعلم ..
إشكال آخر : لقد وقع في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم
((نعم)) أي أعطاه صلى الله عليه وسلم ما سأَل، وهذا يوحي بالموافقة
على الزواج من أُختها - كما قررت - أَو منها - فكيف المخلص .
قلت : يحمل قوله صلى الله عليه وسلم ((نعم)) على بعض ما سأل،
لا على جميع السؤال وذلك لأنا لا نعلم - من طريق صحيح - أن النبي
صلى الله عليه وسلم ولى أبا سفيان إِمرة جيش فقاتل الكفار - قائداً -
نعم قد ورد ذلك من طريق منكرة كما أشار إليها بعض الحفاظ -
لكنها لا تثبت .
لكن يمكن أن يقال بأن الله تعالى لم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم
من تولية أبي سفيان قيادة جيش ، لأَّنه توفي صلى الله عليه وسلم بعد فترة
قصيرة ، ومن المحتمل - إِن طال به الزمان أن يوليه قيادة جيش يقاتل
على رأسه ، نعم إن الذي تحقق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من
(١) انظر زاد المعاد (١: ١١٢) وشرح الزرقانى على المواهب اللدنية (٣: ٢٤٤).
- ٤٠٧ -
المطالب الثلاثة التي طلبها أبو سفيان إِنما هو جعل معاوية رضي الله عنه
كاتباً للوحي فقط (١).
لكن هنا إِشكال آخر. لِمَ لَمْ يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سفيان
((إِنها لا تحل لي)) كما أَجاب أُم حبيبة رضي الله عنها عندما سألته
السؤال نفسه .
والجواب عندي أَحد أَمرين ، إِما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم
لم يقل ذلك اتكالاً إلى ما قاله لأُم حبيبة ، ولما كان قد اشتهر من تحريم
الجمع بين الأختين، أَو أَنه أجابه نعم إن ماتت أُختها ، لكن الجواب
الاول عندي هو الأَوضح ، والله أعلم .
إشكال آخر : كيف يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بعد
قوله تعالى ﴿لَا يَحِلُّلَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاج .. ) الآية (٢)
قلت : لقد اختلف الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل العلم في
هذه الآية هل هي محكمة أَم منسوخة . وقد ذهب عدد من أهل العلم
إِلى أَن الآية منسوخة، وقد نسختها الآية السابقة .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى (٣) : ذكر غير واحد من العلماءِ كابن
عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد وابن جرير وغيرهم أن هذه
الآية نزلت مجازاة لأَزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضا عنهن على حسن
. صنيعهن في اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة ، لما خيرهن رسول الله
(١) انظر المصباح المضئ فى كتاب النبى الأمى ورسله إلى ملوك الأرض ...
(١ : ٢١١).
(٢) سورة الأحزاب (٥٢) .
(٣) تفسير ابن كثير (٣ : ٥٠١).
- ٤٠٨ -
صلى الله عليه وسلم - كما تقدم في الآية ، فلما اخترن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، كان جزاؤهن أن الله تعالى قصره عليهن ، وحرم
عليه أن يتزوج بغيرهن ، أَو يستبدل بهن أزواجاً غيرهن ، ولو أعجبه
حسنهن ، إِلا الإِماء والسراري فلا حرج عليه فيهن .
ثم إِنه تعالى رفع عنه الحرج في ذلك ، ونسخ حكم هذه الآية ،
وأَباح له التزوج ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوج لتكون المنة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم عليهن . اهـ .
وقال الشوكانى(١) : وقيل هذه الآية منسوخة بالسنة وبقوله سبحانه
﴿تُرْجِى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ وبهذا قالت عائشة وأُم
سلمة وعلي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وغيرهم . وهذا هو الراجح . اهـ.
وعلى هذا يباح للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج من النساء اللاتي
ذكرن في الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا النبيُّ إِنا أَحْلَلِنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّتِي آتَيْتَ
أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ ... ) الآية (٢).
وما سوى ذلك - مما سواهن فلا يجوز. لذا فإني سأذكر بعض الأحاديث
للدلالة على ذلك . والله المعين .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أغار على اللاتي وهبن
أَنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأقول : أَتهب المرأة نفسها ؟
فلما أَنزل الله تعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَمَنْ
ابْتَغَيْتَ مِمِنْ عَزَلْتَ فِلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قلت : ما أَرى ربك إِلَّ يسارع في
(١) فتح القدير (٤ : ٢٩٣).
(٢) سورة الأحزاب (٥٠).
- ٤٠٩ -
(١)
هواك ، متفق عليه ، واللفظ للبخاري
وعن زياد رجل من الأنصار قال: قلت لأُبَيّ بن كعب أَرأَيت لو أَن
أَزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتْن، أَكان يحل له أن يتزوج ؟
قال : وما يمنعه من ذلك؟ قلت: قوله ﴿ لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ)
فتمال : إِنما أَحل له ضرباً من النساء ، ووصف له صفة ، فقال
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إِلى قوله ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً} ثم قال:
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ ﴾ هذه الصفة . رواه الفريابي والدارمي وابن سعد
وعبد الله بن أحمد - في زوائد المسند - وابن جرير وابن المنذر وابن
أبي حاتم وابن مردويه، والضياء في المختارة ، ورجاله ثقات(٢). خلا
محمد بن أبي موسى وذكره ابن حبان في الثقاتِ .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نُهي رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات قال : ﴿ لَا يَحِلُّ
لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بهنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ
إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فأَحل الله فتياتكم المؤمنات، وامرأة مؤمنة إِن وهبت
نفسها للنبي ، وحرم كل ذات دين غير الإِسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ
بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطِ عَمَلَهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا
(٤) صحيح البخارى : كتاب التفسير : سورة الأحزاب : باب (ترجئ من تشاء منهن
وتؤدى إليك من تشاء ) وفى كتاب النكاح: باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد . وصحيح
مسلم: كتاب الرضاع رقم (٤٩، ٥٠) ورواه أيضاً النسائى وابن ماجه وأحمد .
(١) مسند أحمد (٥: ١٣٢) ومسند الدارمى رقم ٢٢٤٦ (٢ : ٧٧) والطبقات
الكبرى (٨: ١٥٦ - ١٥٧) وانظر تفسير ابن كثير (٣ : ٥٠٢) والدر المنثور (٥:
٢١١) وفتح القدير ( ٤: ٢٩٥ - ٢٩٦).
- ٤١٠ -
النَّبيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لك أَزْوَاجَكَ اللَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ئِّا
أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ - إِلى قوله - خالِصَةً لَكَ مِنْ دُون المُؤْمِنِينَ﴾ وحرم ماسوى
ذلك من أصناف النساء )) رواه عبد بن حميد والترمذي - وحسنه
واللفظ له - وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه (٤) .
قلت : ولهذا لم يتزوج صلى الله عليه وسلم أم هانىء بنت أبي طالب
رضي الله عنها لأنها ليست من المهاجرات ، فقالت : واللفظ للترمذي (٢) :
(( فلم أكن أَحل له، لأَّني لم أُهاجر ، كنت من الطلقاءِ)) .
ومن هذا الاستعراض يتضح أنه لا مكان للاعتراض على الحديث
بالآية لأَّنها منسوخة، وأَما قوله {وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بهنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ
حُسْنُهُنَّ﴾ فقد كان الرجل في الجاهلية إِذا أُعجب بإمرأة الآخر يقول
له تنزل عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي ، فحرم هذا ، ولما دخل عيينة
ابن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منه أن ينزل عن عائشة
وينزل هو عن أَحسن الخلق عنده قال له النبي صلى الله عليه وسلم :
((إِن الله حرم ذلك .. )) الحديث رواه البزار وابن مردويه . من حديث
أبي هريرة رضي الله عليه (٣) . والله أعلم
وبعد هذا الاستطراد أقول : إِن تأويل الحديث بما يتفق وجلالة
العلماء وثقتهم أولى من الجسارة والهجوم عليهم ورميهم بالكذب، وأَما
ما ادعاه ابن حزم فهو غاية البعد ، والتسرع في الحكم ، وإِن لم تكن
(١) سنن الترمذى: كتاب التفسير رقم ٣٢١٥، وانظر التفاسير الثلاثة أيضاً.
(٢) سنن الترمذى: كتاب التفسير رقم ٣٢١٤ والمستدرك ٤ : ٥٣.
(٣) مجمع الزوائد (٧: ٩٢) وفى إسناده إسحق بن عبد الله بن أبى فروة . وانظر
كتب التفسير الثلاثة أيضاً .
- ٤١١ -
هذه هي الفلتة الوحيدة منه رحمه الله ، فمن اطلع على كتابه المحلى
وجد سلاطة لسانه ، وفحش قوله ، وجرأَة طعنه بالأئمة الكبار الذين
رفعهم الله وأَعلى قدرهم وطهرهم من بذاءةً لسانه وجسارته .
كما يتضح أن الحدیث صحیح والحمد لله ، على أن يحمل على أَن
أبا سفيان أراد أن يزوج النبي صلى الله عليه وسلم ((عزة)) التي هي أُخت
أم حبيبة، وأن كنية ((عزة)) أُم حبيبة أيضاً. لا أَنه أَراد أَن يزوجه
أَو يعيد العقد ويجدده ، أَو يرضى بزواج النبي صلى الله عليه وسلم
من أُم حبيبة أم المؤمنين .
وعلى أي احتمال ، فإِن أبا سفيان أراد أُخت أُم حبيبة، فسواءٌ أَطلق
أو أراد الثانية ونطق الراوي بأُم حبيبة ، فإن ذلك كله لا يقدح في
صحة الحديث، ولو جرينا على توهيم أحد الرواة باسم المخطوب لها النبي
صلى الله عليه وسلم . والله أعلم.
وبهذا اندفع قول ابن حزم - أولا - بأنه لم يجد لهذا الحديث
مخرجاً ، فقد وجد له المخرج والحمد لله .
كما اتضح أن كل حديث أُعل في الصحیحین فقد وجدنا له مخرجاً ،
ووجد الدليل على صحته وسلامته . والحمد لله رب العالمين.
الفَصلُ الشَّادِسِ
الحَدِيثِ الثَّانِى الذى الََّقَدْ لَهُ
ابن چزم مخرجًا
قال ابن حزم رحمه الله - كما في المخطوطة المشار إليها - وهو
موجود في غيرها كما أَشرت عند الحديث الأول : وأما الذي في كتاب
البخاري - وقد تابعه مسلم عليه - فهو قبل تمام الكتاب بأوراق في باب
ترجمة ((وكلم الله موسى تكليماً)) ذكره عن عبد العزيز بن عبد الله
عن سليمان - هو ابن بلال - عن شريك بن عبد الله - هو ابن أَبي نمر -
قال : سمعت أنس بن مالك يقول : ليلة أُسري برسول الله صلى الله
عليه وسلم من مسجد الكعبة (( أَنه جاءَه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه )).
هكذا قال ... ثم مضى في الحديث ، وفيه : حتى جاءَ سدرة المنتهى ،
ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأَوحى
الله فيما أَوحى إليه : خمسين صلاة .
قال أبو محمد : فهذه ألفاظ معجمة منكرة ، والآفة من شريك في
ذلك أولها قوله (( قبل أن يوحى إليه ، وأنه حينئذ فرضت عليه
الخمسون صلاة .
وهذا بلا خلاف من أحد من أهل العلم : إنما كان قبل الهجرة بسنة ،
بعد أن أُوحي إليه بنحو اثنتي عشرة سنة ، فكيف يكون ذلك قبل أن
يوحى إليه؟ فنسأل الله العصمة والتوفيق . اهـ ما في المخطوطة .
ومما قاله ابن حزم رحمه الله يمكنني استخلاص انتقاداته على هذا
الحديث ومؤاخذاته التالية :
- ٤١٣ -
١ - دعوى ابن حزم أَن الأسراء والمعراج قبل البعثة استناداً إلى
قوله ((قبل أن يوحى إليه )).
٢ - اتهام شريك بن أبي نمر بأَنه الآفة في هذه الأغلاط لأَّنه
المتفرد به .
٣ - دعواه أَن الإسراءَ إِنما كان قبل الهجرة بسنة .
٤ - استنكاره قوله ((ثم دنا الجبار)).
٥ - استناداً إلى ما ورد ((قبل أن يوحى إليه)) فالصلوات الخمسون
فرضت قبل البعثة أيضاً .
وكل ما قاله ابن حزم رحمه الله يمكن رده ، ومنه ما يرد عليه من
لفظ الحديث نفسه .
كما أَن بعض الحفاظ استنكروا من هذا الحديث ألفاظاً غير
ما ذكر ابن حزم ، لذا فإني سأُذكر ذلك - خشية الاعتراض - مع بيان
الجواب على هذه الاعتراضات كلها بإذن الله تعالى .
والاعتراضات الأُخرى :
(١) الاختلاف في أمكنة الأنبياءِ في السموات .
(ب) كون المعراج مناماً .
(حـ) مخالفته في محل سدرة المنتهى .
(د) مخالفته في مكان النهرين (( النيل والفرات)).
(هـ) شق الصدر عند الإِسراء.
(و) ذكر نهر الكوثر في السماء ، والمشهور في الجنة .
(ز) قوله: ((فعلا به الجبار فقال وهو مكانه .... )).
- ٤١٤ -
(ح) زعم أحدهم أنه صلى الله عليه وسلم كان نائماً وحده وهو هنا
يقول ((أَيهم هو)).
(ط) زيادة ذكر التور في الطست .
(ي) تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى ربه
كان عند الخامسة .
وقبل الجواب على هذه الاعتراضات أَذكر لفظ الحديث ثم الأجوبة
عليها إِن شاءَ الله تعالى .
قال الإِمام البخاري رحمه الله تعالى : حدثنا عبد العزيز بن عبد الله
حدثني سليمان عن شريك بن عبد الله أنه قال : سمعت ابن مالك يقول :
ليلة أُسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة : أنه جاءَه
ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال
أَولهم : أيهم هو ؟ فقال أَوسطهم : هو خيرهم ، فقال أحدهم : خذوا
خيرهم ، فكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أُخرى ، فيما يرى
قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياءُ تنام أَعينهم ولا تنام
قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه ، فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه
منهم جبريل ، فشق جبريل ما بين نحره إِلى لبته ، حتى فرغ من صدره
وجوفه ، فغسله من ماء زمزم بيده ، حتى أَنقى جوفه ، ثم أُتي بطست من
ذهب فيه تَوْرٌ من ذهب ، محشواً إيماناً وحكمة ، فحشا به صدره
ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أَطبقه .
ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب باباً من أبوابها ، فناداه أَهل
السماءِ : من هذا ؟ فقال : : جبريل . قالوا : ومن معك ؟ قال : معي
محمد ، قال : وقد بعث ؟ قال: نعم . قالوا : فمرحباً به وأَهلاً ،
- ٤١٥ -
فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأَرض
حتى يعلمهم .
فوجد في السماء الدنيا آدم ، فقال له جبريل : هذا أَبوك ، فسلم
عليه ، فسلم عليه ، ورد عليه آدم ، وقال : مرحباً وأهلاً بابني ، نعم
الابن أَنت .
فإِذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان ، فقال : ما هذان النهران
يا جبريل ؟ فقال : هذان النيل والفرات عنصرهما .
ثم مضى به في السماء فإِذا بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد ،
فضرب يده فإذا هو مسك أَذفر ، قال : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا
الكوثر الذي خباً لك ربك .
ثم عرج إلى السماء الثانية ، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى:
من هذا ؟ قال : جبريل ، قالوا : ومن معك ؟ قال : محمد صلى الله
عليه وسلم ، قالوا : وقد بعث إِليه ؟ قال : نعم ، قالوا : مرحباً به وأهلا .
ثم عرج به إلى السماء الثالثة ، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ،
ثم عرج به إلى الرابعة ، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السماء الخامسة ، فقالوا مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السادسة ، فقالوا له مثل ذلك .
ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك ، كل سماءٍ فيها
أَنبياءُ قد سماهم ، فوعيت منهم إدريس في الثانية ، وهارون في الرابعة ،
وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه ، وإِبراهيم في السادسة ، وموسى في
السابعة بفضل كلامه لله . فقال موسى : رب لم أَظن أَن ترفع عليَّ أَحداً .
- ٤١٦ -
ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله ، حتى جاءً سدرة المنتهى ،
ودنا الجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى ، فأَوحى
الله فيما أَوحى خمسين صلاة على أُمتك كل يوم وليلة .
ثم هبط حتى بلغ موسى ، فاحتبسه موسى ، فقال : يا محمد ماذا
عهد إِليك ربك ؟ قال : عهد إِليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة ، قال :
إن أُمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم ، فالتفت
النبي صلى الله عليه وسلم إِلى جبريل كأَنّه يستشيره في ذلك ، فأشار إِليه
جبريل : أَن نعم، إِن شئت ، فعلا به إِلى الجبار ، فقال وهو مكانه :
يا رب خفف عنا ، فإِن أُمّي لا تستطيع هذا ، فوضع عنه عشر صلوات ،
ثم رجع إلى موسى ، فاحتبسه ، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت
إلى خمس صلوات ، ثم احتبسه موسى عند الخمس ، فقال : يا محمد
والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا ، فتركوه ،
فأُمتك أَضعف أجساداً وقلوباً وأَبداناً وأَبصاراً وأَسماعاً ، فارجع
فليخفف عنك ربك ، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إِلى
جبريل ليشير عليه ، ولا يكره ذلك جبريل ، فرفعه عند الخامسة ، فقال :
يارب إِن أُمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأَسماعهم وأَبدانهم ، فخفف عنا ،
فقال الجبار : يا محمد ، قال : لبيك وسعديك ، قال : إِنه لا يبدل
القول لدي ، كما فرضت عليك في أُم الكتاب ، قال : فكل حسنة
بعشر أمثالها ، فهي خمسون في أُم الكتاب ، وهي خمس عليك ، فرجع
إلى موسى فقال : كيف فعلت ؟ فقال : خفّف عنا ، أَعطانا بكل حسنة
عشر أمثالها ، قال موسى : قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من
ذلك فتركوه ، ارجع إلى ربك ، فليخفف عنك أيضاً .
- ٤١٧ -
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا موسى ، قد والله استحييت
من ربي مما اختلفت إِليه .
قال : فاهبط باسم الله .
قال : واستيقظ وهو في مسجد الحرام (١). اهـ.
وأَبدا بالرد على اعتراضات ابن حزم رحمه الله تعالى .
أولا : ما زعمه ابن حزم رحمه الله من أن الإِسراء كان قبل الهجرة
بسنة - وأنه لا خلاف في هذا بين أهل العلم . فهو مردود . إذ يوجد
خلاف كبير في تاريخ الإِسراء والمعراج .
قال الإمام النووي رحمه الله في (( فتاويه)) : وكان الإِسراء سنةخمس
أَو ست من النبوة ، وقيل : سنة اثنتي عشرة منها ، وقيل : بعد سنة
وثلاثة أشهر منها ، وقيل غير ذلك ، وكانت ليلة السابع والعشرين من
شهر ربيع الأول ، وكان الإِسراءُ به صلى الله عليه وآله وسلم مرتين :
مرة في المنام ، ومرة في اليقظة ، ورأى صلى الله وآله عليه وسلم ربه
سبحانه وتعالى ليلة الإسراءِ بعيني رأسه ، هذا هو الصحيح الذي قاله
ابن عباس وأكثر الصحابة والعلماء رضي الله عنهم أجمعين (٢).
وقد روى ابن سعد عن عبدالله بن عمرو وأم سلمة وابن عباس
وعائشة وأُم هانىءٍ أَنه قبل الهجرة بسنة، لكن أُم هانىءٍ قالت : ما أُسري
(١) رواه البخارى فى كتاب المناقب - باب كان النبى صلى اللّه عليه وسلم تنام
عينه ولا ينام قلبه - مختصراً - وكتاب التوحيد: باب ما جاء فى قوله تعالى (( وكلم الله موسى
تكلما)) مطولا - واللفظ له . ورواه مسلم فى كتاب الإيمان : باب الإسراء برسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى السموات السبع. رقم (٢٦٢) وذكر طرف الحديث فقط .
(٢) فتاوى الإمام النووى (١٧ - ١٨).
(٢٧ - مكانة الصبحين)
- ٤١٨ -
به إِلَّ من بيتنا)) وروى البيهقي نحوه عن الزهري وعروة . وبنحو قول
ابن سعد قال ابن سيد الناس .
وروي عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى سبرة أَنه ليلة السبت
لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً)).
وروى البيهقي - في الدلائل - عن السدي : فرض على رسول الله
صلى الله عليه وسلم الخمس في بيت المقدس ليلة أسري به قبل مهاجره
بستة عشر شهراً .
وروى ابن سيد الناس عن الزهري أنه بعد المبعث بخمس سنين .
وذكر ابن كثير عن ابن عساكر في أوائل البعثة ، بينما ابن إِسحق
فبعد البعثة بنحو من عشر سنين .
وقال القاضي عياض : وقد قال غير واحد أنها كانت قبل الهجرة
بسنة ، وقيل قبل هذا .
ثم قال : في معرض الرد على حديث عائشة رضي الله عنها (( ما فقد
جسده: )) ولعلها لم تكن ولدت بعد ، على الخلاف في الإِسراءِ متى كان ،
فإن الإِسراء كان في أول الإِسلام على قول الزهري ومن وافقه بعد المبعث
بعام ونصف .. وقد قيل: كان الإِسراءُ لخمس قبل الهجرة ، وقيل
قبلها بعام ، والأشبه أَنه لخمس ، والحجة لذلك تطول ليست من
غرضنا . اهـ)) .
قلت : ورجحها القرطبي والنووي - كما نقله القسطلاني في المواهب .
ولهذا قال الحافظ رحمه الله : وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه ،
وهو مردود ، فإِن في ذلك اختلافاً كثيراً يزيد على عشرة أقوال . ثم ذكر
-- ٤١٩ -
قلت : ولعل سبب الخلاف يعود إلى بدء البعثة ، وبدءُ التاريخ
ءُ
نحواً من أحد عشر قولاً (١).
للهجرة هل هي من ربيع الأول ، أَو من المحرم ، وكذا ابتداءُ الوحي
هل من بدء الرؤيا ، أَم من بدءِ نزول الوحي ، والله أعلم .
ثانياً : يتفرع مما مر - هل كان الإسراء والمعراج مرة واحدة
أُم تكرر .
لقد اختلف أهل العلم في ذلك ، فذهب جمع من العلماءِ إِلى أَن
الإِسراء والمعراج قد تكرر، فمرة كان في المنام - تمريناً واستعداداً - ومرة
كان في اليقظة . وقد مر قول الإمام النووي رحمه الله تعالى ((وكان
الإِسراءُ به صلى الله عليه وآله وسلم مرتين : مرة في المنام ، ومرة في
اليقظة)) وهذا القول الذي جزم به رحمه الله هو مذهب كثيرين .
وقال ابن كثير رحمه الله : تنبيه : ونحن لا ننكر وقوع منام قبل
الإِسراء طبق ما وقع بعد ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى
رؤيا إلاَّ جاءت مثل فلق الصبح ، وقد تقدم مثل ذلك في حديث بدء
الوحي ، أنه رأى مثل ما وقع له يقظة مناماً قبله ، ليكون ذلك من باب
الإِرهاص والتوطئة والتثبت والإِيناس، والله أعلم(١) ... )).
وقال في تفسيره : اختلف الناس هل كان الإِسراءُ ببدنه عليه السلام
وروحه ، أَو بروحه فقط ، على قولين . فالأكثرون من العلماءِ على أَنه
(١) انظر: الطبقات الكبرى (١: ٢١٣ - ٢١٤) ودلائل النبوة للبيهقي (٢: ١٠٧)
والشفاء بشرح ملا على القارى (١: ٣٨٧ و٤١٤ - ٤١٥) وعيون الأثر (١: ١٤٣،
١٤٨) والبداية والنهاية (٣: ١٠٨ - ١٠٩) وفتح البارى (٧: ٢١٣) وفتح القدير
(٣ : ٢٠٧) والمواهب اللدنية - وشرحها للزرقانى (١: ٣٠٦ - ٣٠٨).
(٢) البداية والنهاية (٣ : ١١٤).
- ٤٢٠ -
أُسري ببدنه وروحه يقظة لا مناماً ، ولا ينكرون أَن یکون رسول الله صلى
الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناماً ، ثم رآه بعده يقظة ، لأنه عليه السلام
لا يرى رؤيا إِلَّ جاءت مثل فلق الصبح(١). اهـ.
قلت : وهذا قول أبي بكر بن العربي والسهيلي وابن سيد الناس
والمهلب وطائفة كبيرة من العلماء . قال السهيلي بعد أن حكى القولين
- يقظة ، منام - : وذهبت طائفة ثالثة ، منهم شيخنا القاضي أبو بكر
[ ابن العربي ] رحمه الله إِلى تصديق المقالتين، وتصحيح الحديثين ،
وأن الإِسراء كان مرتين ، إحداهما : كان في نومه توطئة له وتيسيراً عليه،
كما كان بدءُ نبوته الرؤيا الصادقة ، ليسهل عليه أمر النبوة ، فإِنه
عظيم تضعف عنه القوى البشرية ، وكذلك الإِسراء سهله عليه بالرؤيا ،
لأَن هوله عظيم ، فجاءه في اليقظة على توطئة وتقدمة ، رفقاً من الله
بعبده وتسهيلاً عليه .
ورأيت المهلب [ ابن أبي صفرة ] في شرح البخاري قد حكى هذا
القول عن طائفة من العلماء ، وأنهم قالوا : كان الإِسراءُ مرتين :
مرة في نومه ، ومرة في يقظته ببدنه صلى الله عليه وسلم .
قال السهيلى رحمه الله : وهذا القول هو الذي يصح ، وبه تتفق
معاني الأخبار (٢). اهـ.
وقال ابن العربي رحمه الله : إِن ذلك كله كان مرتين . مرة في
المنام توطئة وأُخرى في اليقظة (٣). اهـ.
(١) تفسير ابن كثير (٣ : ٢٣).
(٢) الروض الأنف (٢: ١٤٩) وعيون الأثر (١: ١٤٧) .
(٣) العجالة السنية على ألفية السيرة النبوية (٧١):