النص المفهرس
صفحات 321-340
- ٣٢١ - عن مسلم - وهذا عند الجمهور - ثم ما انفرد به مسلم عن البخاري ، ثم ما كان على شرطهما ... قال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى فأولها : صحيح أخرجه البخاري ومسلم جميعاً ، الثاني : صحيح انفرد به البخاري - أي عن مسلم - الثالث : صحيح انفرد به مسلم - أي عن البخاري - ... ثم قال : وأعلاها - أي أقسام الصحيح - الأول : وهو الذي يقول فيه أَهل الحديث كثيراً : صحيح متفق عليه ، يطلقون ذلك ، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم ، لا اتفاق الأُمة عليه ، لكن اتفاق الأُمة عليه لازم من ذلك ، وحاصل معه ، لاتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول ، وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته ... () . وقد لخص الإِمام العراقي ذلك فى منظومته فقال : ثم البخاري ، فمسلم ، فما وأَرفع الصحيح مرويهما فمسلم ، فشرط غير يكفي شرطهما حوى، فشرط الجعفي فإِذا كان علماءُ الحديث قد اتفقوا على أن ما اتفق عليه البخاري ومسلم هو أعلى درجات الصحيح - وهذا بالإِجماع - ثم يليه عند الجمهور ما انفرد به البخاري عن مسلم ، ثم يليه ما انفرد به مسلم عن البخاري . فيكون قول المنتقد متعارضاً تمام التعارض مع ما اتفق عليه علماء الحديث إذ كيف يكون صحيحاً وفي أَعلى درجات الصحة - حسب ما انفقوا عليه . ثم يقبل قول منتقد بعدهم ؟ (١) علوم الحديث (٢٣ - ٢٤) وانظر البحث السابق (أقسام أحاديثهما). (٢١ - مكانة الصحيحين ) -: ٣٢٢ - بل مما يثير الدهشة أن بعض المنتقدين كالدارقطني رحمه الله تعالى، قد طعنوا باثنين وثلاثين حديثاً وهي قد اتفق عليها البخاري ومسلم وقد قال ابن تيمية رحمه الله : والبخاري أحذق وأَخبر بهذا الفن من مسلم ، ولهذا لا يتفقان على حديث إِلا يكون صحيحاً لاريب فيه ، قد اتفق أهل العلم على صحته ... (١). فيتقدير توجيه كلام المنتقد يكون قوله معارضاً لما اتفق عليه علماء الحديث من علو صحة المتفق عليه ثم عاو صحة ما انفرد به أَحدهما ، ولا ريب في تقديم ما اتفق عليه علماءُ الحديث على قول المنتقد ، ورد الاعتراض ، وبيان صحة أحاديث هذين الكتابين . والله أعلم. ٥ - تعارض قول المنتقد مع ما اتفق عليه العلماء المعاصرون للشيخين على صحة الكتابين : إِن كلا من البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى بعد أن انتهيا من تأليف كتابيهما عرضاه على أئمة عصرهم ممن هم بمثابة الشيوخ أو الأقران لهما فوافقوهما على صحة هذين الكتابين - وهذا وإن دل على حسن صنيع الشيخين، وتواضع أهل العام بعضهم لبعض إِلَّ أَنه يدل دلالة أُخرى ، ألا وهي اتفاق علماء عصرهما - ممن هم من أهل الحديث دراية ورواية وجرحاً وتعديلا وعلماً بعلل الأحاديث ومن أهل الاستقراء والتتبع وجمع الطرق - على صحة هذين الكتابين . قال أبو جعفر : محمود بن عمرو العقيلي : لما ألف البخاري كتاب (١) مجموع الفتاوى ( ١٨: ١٩- ٢٠). - ٣٣٣ - الصحيح ، عرضه على أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي ابن المدينى ، وغيرهم ، فاستحسنوه ، وشهدوا له بالصحة، إِلا في أربعة أحاديث . (١) قال العقيلي : والقول فيها قول البخاري ، وهي صحيحة وبنحوه قال ابن تيمية رحمه الله أيضاً (٢). وقال مكي بن عبد الله : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أَشار أَن له علة تركته (٣). فعلماءُ الجرح والتعديل ، والرواية والدراية ، والعلل والأسانيد ، يقرون بصحة أحاديث هذين الكتابين ، ويشهدون لها ، ويستحسنونها ثم يأتي من هُم دونهم مكانة ، وعلماً، وهو يقلد ويعتمد على أقوال المتقدمين المجتهدين في الجرح والتعديل والمعرفة ، فينتقد صحة بعض هذه الأحاديث !. فبتقدير توجيه كلام المنتقد يكون قوله معارضاً لما اتفق عليه المعاصرون للشيخين - الذين هم بمثابة الشيوخ والأقران لهما ، وبمثابة الأساتذة والأعلام لمن بعدهم - وهم أحذق وأخبر بهذا الفن ممن بعدهم ، ولا ريب في تقديم قول هؤلاء الأعلام - أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين، وأبي زرعة، والبخاري ومسلم ... على قول المنتقد ، ورد الاعتراض ، وخاصة إذا علمنا أن من هؤلاء الأعلام المتشددَ الذي يطعن بالغلطة والغلطتين ، والمتوسطَ المعتدل . وليس فيهم المتساهل (١) هدى السارى (٧) و ( ٤٨٩). (٢) انظر مجموع الفتاوى (١٨: ١٩) و (١: ٢٥٦). (٣) هدى السارى (٣٤٧). - ٣٣٤ - فقول هؤلاءِ أُولى بالأُخْذ به ، ويستدل بشهادتهم وإقرارهم ، واستحسانهم. على صحة هذه الأحاديث في هذين الكتابين ، والله تعالى أعلم. ٦ - تعارض قول المنتقد مع ورود هذه الألفاظ نظيفة فى المستخرجات إِن من فوائد المستخرجات - كما مر - قول الحافظ ابن حجر رحمه الله : وكل علة أُعل بها حديث في أحد الصحيحين ، جاءت رواية المستخرج سالمة منها ، فهي من فوائده ، وذلك كثير جداً (١). والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى من أَهل الاستقراء والتتبع والتحقيق الدقيق وله دراية بالصحيح زادت على عشرات السنين . وقوله في هذا الباب حجة معتمدة . وقد ذكرت فوائد المستخرجات في بابها فانظرها هناك . فإذا كانت هذه الأحاديث قد جاءت في مصنفات المعاصرين والمتأخرين قليلاً عن الشيخين سالمة نظيفة ، وقد صرح كل من الشيخين بصحة أَصل الحديث، وبتقدير توجيه كلام المعترض المنتقد يكون انتقاده في اختلاف الروايات وطرق الأحاديث لا في صحة الأحاديث في أُصول متونها . وهذا واضح وبين وممكن من طريقة الانتقاء ، إذ ينتقي صاحب الصحيح تلك الطريق وينتقد غيره بالطريق الأُخرى، فجاءت المستخرجات لتجمع بين الطرق وتزيل اللبس والله أعلم. ٧ - كون الشيخين مجتهدين . والمنتقد مقلد : إِن مما اتفق عليه أهل العلم بالحديث أَن البخاري ومسلماً رحمهما (١) تدريب الراوى (١ : ١١٦). - ٣٫٢٥ - الله تعالى كانا من المجتهدين في الجرح والتعديل وعلوم الحديث ... كما نص كثير من الفقهاء على أنهما من المجتهدين في الفروع الفقهية أيضاً - أَي ليسا مقلدين لإمام من أئمة الفقه المتبوعين - وإِن نوزع هذا - إِلاَّ أنه لم ينازع في كونهما مجتهدين في علوم الحديث ، واختيار الصحيح ، ومعرفة الصحيح من السقيم ، والمعروف والمنكر وغير ذلك . بينما من جاء بعدهما فالغالب عليهم التقليد لهما ولغيرهما من أَهل عصرهما ، وذلك لبعد العهد عن الرواة ، وعدم المعاصرة للمجرحين والمعدلين ، فينقلون كلام المتقدمين ثم يستنبطون منه القول الذي يعتمدونه . وبتقدير كلام المنتقد يكون قوله معارضاً لقول المجتهد ، ولا ينتقض کلام مجتهد بکلام مقلد . جاء في مقدمة (( فيض الباري على صحيح البخاري )) ما لفظه : ثم إن الدارقطني تتبع على البخاري في أَزيد من مائة موضع ، ولم يستطع أن يتكلم إلا في الأسانيد بالوصل ، والإِرسال (١) - غير موضع : وهو ((إذا جاءَ أحدكم، والإمام يخطب ، فليصل ركعتين ، وليتجوز فيهما)) فإنه تكلم فيه مما يتعلق بحال المتن . ووجهه أَن الدارقطني يمشي على القواعد الممهدة عندهم ، فينازعه من القواعد ، وشأن البخاري أرفع من ذلك ، فإِنه يمشي على اجتهاده ، وينظر إلى خصوص المقام ، وشهادة الوجدان ، وإِنما القواعد لغير الممارس (١) قلت : لقد جاءت تلك الأسانيد خالية من هذه العلل أيضاً فى المستخرجات . - ٣٢٦ - على حد التحديد للعوام ، فيما لم يرد به التحديد من الشارع ، ورتبتهما أعلى من الكل بعد اختلاف يسير بينهما ... (١) أي بين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى. والله تعالى أعلم . هذا ما أمكنني قوله زيادة على ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ، وليس لي فيه فضل إنما هو تطفل على موائدهم ، والله يجزي المحسن بإحسانه ، وهو القادر عليه . وأما من حيث التفصيل : وأما الجواب عن هذه الأحاديث المنتقدة على الصحيحين ، من حيث التفصيل إنما يكون حسب أقسام هذه الأحاديث ، وقد قسمها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى إلى ستة أقسام ، وأَنا أَذكرها مع بيان الأمثلة على ما ذكره الحافظ رحمه الله لتكون أَوقع في القبول إن شاء الله تعالى في نفس القارىء المنصف الذى يبغي الحقيقة ، والوصول إلى الحق . قال الحافظ رحمه الله : وأما من حيث التفصيل ، فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم أقساماً . القسم الأول منها : ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإِسناد . فإِن أَخرج صاحب الصحيح الطريق المزيدة ، وعلله الناقد بالطريق الناقصة ، فهو تعليل مردود - كما صرح به الدارقطني - [ كما سيأتي في المثال ] (١) مقدمة فيض البارى (٥٧ ) - ٣٢٧ - لأن الراوي إِن كان سمعه ، فالزيادة لا تضر ، لأنه قد يكون سمعه بواسطة عن شيخه ، ثم اقیه فسمعه منه . وإِن كان لم يسمعه في الطريق الناقصة ، فهو منقطع ، والمنقطع من قسم الضعيف، والضعيف لا يعل الصحيح . قلت : مثال: فيما إذا كان الراوى ثقة وكيفما دار الحديث دار على ثقة(١). قال الدارقطني : وأخرجا جميعاً - يعني البخاري ومسلماً - حديث الأَعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس يعني في قصة القبرين ((وأَن أَحدهما كان لا يستبرىءُ من بوله)). قال الدارقطني في انتقاده : وقد خالفه منصور ، فقال : عن مجاهد عن ابن عباس ، وأخرج البخاري حديث منصور على إِسقاطه طاوساً . اهـ. أَي رواية الأعمش فيها زيادة طاوس بينما رواية منصور ليس فيها ذكر لطاوس . قال الحافظ رحمه الله : وهذا الحديث أخرجه البخاري في - الطهارة عن عثمان بن أبى شيبة عن جرير ، وفي الأدب عن محمد بن سلام عن عبيدة بن حميد كلاهما عن منصور به . ورواه من طريق أُخرى من حديث الأَعمش، وأخرجه باقي الأَئمة الستة من حديث الأعمش أيضاً ، وأخرجه أبو داود أيضاً والنسائي وابن خزيمة في صحيحه من حديث منصور أيضاً . (١) هو المثال رقم ٢ من الأحاديث التى أجاب عنها الحافظ رحمه الله فى هدى السارى. - ٣٢٨ - وقال الترمذى بعد أن أخرجه : رواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس ، وحديث الأعمش أَصح ، يعني المتضمن للزيادة . قلت : رواه البخاري في الجنائز وفي الطهارة، والنسائي في الجنائز، وابن ماجه في الطهارة كلهم من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس . ورواه البخاري في الطهارة - تعليقاً - وفي الأدب ، ومسلم في الطهارة ، وأبو داود في الطهارة، والترمذي في الطهارة والنسائي في الطهارة، وابن ماجه في الطهارة: كلهم من طريق وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس . ورواه البخاري في الجنائز من طريق جرير عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس . ورواه مسلم أيضاً في الطهارة من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس(١) . ورواه البخاري في الطهارة وفي الأدب ، وأبو داود في الطهارة ، والنسائي في الجنائز كلهم من حديث جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس (٢) - بإسقاط طاوس بين مجاهد وابن عباس. ورواه أحمد في المسند(٣) من طريق أبي معاوية ووكيع كلاهما عن الأَعمش ومجاهد عن طاوس عن ابن عباس . مسنده من طريق شيبان عن منصور عن مجاهد عن (٣) ورواه أيضاً في ابن عباس . (١) انظر تحفة الأشراف (٥: ٢٤). (٢) انظر تحفة الأشراف (٥: ٢٢٦). (٣) مسند الإمام أحمد (١: ٢٢٥). - ٣٢٩ - ورواه أيضاً الدارمي(١) من طريق عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ءَ عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس . قال الحافظ رحمه الله تعالى : وهذا في التحقيق ليس بعلة ، لأن مجاهداً لم يوصف بالتدليس ، وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة من الأحاديث ، ومنصور عندهم أتقن من الأعمش ، مع أن الأعمش أيضاً من الحفاظ ، فالحديث كيفما دار ، دار على ثقة ، والإِسناد كيفما دار كان متصلاً ، فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث ، إذا لم يكن راويه مدلساً . وقد أكثر الشيخان من تخريج مثل هذا ... والله الموفق . فمجاهد ثبت سماعه من ابن عباس ومن طاوس ، فيحمل أنه سمعه - نازلا - عن طاوس عن ابن عباس - وهذه رواية الأعمش. ثم سمعه. من ابن عباس مباشرة - وهي رواية منصور ، وإِن كان الترمذي قد رجح رواية الأعمش ، وهي التي أكثر أئمة الحديث من تخريجها . علماً بأن وكيعاً قال : الأَعمش أَحفظ لإِسناد إبراهيم من منصور . والله أعلم . مثال : المعل بطريق ناقصة . قال الدارقطني: وأخرجا جميعاً - يعنى البخاري ومسلماً - حديث ابن جريج عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه وعمه عبيد الله ابن كعب عن كعب أن النبي صلي الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر ضحّى بدأ بالمسجد . الحديث . (١) سنن الدارمى: كتاب الصلاة والطهارة: باب الاتقاء من البول رقم ٧٤٥ . - ٣٣٠ - قال الدارقطني في انتقاده : وقد خالفه معمر ، فقال عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه ، وقال عقيل : عن الزهري عن ابن كعب عن أبيه ، وهو يشبه رواية معمر. قال الدارقطني : ورواية ابن جريج أَصح ، ولا يضره من خالفه . قال الحافظ رحمه الله: قول معمر وغيره عن عبد الرحمن بن كعب يحمل على أنه نسبه إلى جده ، فتكون روايتهم منقطعة ، وهذا الجواب صحيح من الدارقطني ، في أن الاختلاف في مثل هذا لا يضر ، كما قررنا أولاً والله أعلم . اهـ. قلت : هذا الحديث رواه البخاري في الجهاد ، ومسلم في الصلاة ، وأبو داود في الجهاد ، والنسائي في السنن الكبرى، والدارمي في الصلاة رقم (١٥٢٨) وأحمد في المسند (١) كلهم من طريق ابن جريج عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أَبيه عبد الله وعمه عبيد الله كلاهما عن أَبيهما كعب بن مالك. ورواه أبو داود في الجهاد، والنسائي في الكبرى وفي المجتبى كلاهما من طريق يونس عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن عبد الله بن كعب عن كعب بن مالك . ورواه النسائي - في الكبرى - عن عقيل عن الزهري عن عبد الرحمن ابن عبد الله عن عبد الله عن كعب . ورواه أحمد أيضاً في مسنده من طريق ابن جريج عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب (٢) . (١) المسند (٦ : ٣٨٦). (٢) المسند (٦: ٣٨٦). - ٣٣١ - ورواه النسائي - في سننه الكبرى - من طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب . قال الحافظ المزي والحافظ ابن حجر: في رواية ابن الأحمر، كذا في تحفة الأشراف، والنكت الظراف. قلت : وكعب بن مالك له ثلاثة من الولد هم عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ولعبد الله بن كعب ولد هو عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب وهو الذي روى أصحاب الصحاح الحديث من طريقه - ههنا . والزهري رحمه الله واسع الرواية ، وهو يروي عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك ، ويروي عن عمه عبد الرحمن بن كعب ابن مالك ، وروايته عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك واردة في الصحاح الست سوى مسلم . وأيضاً لابد من ملاحظة أن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن مالك يروي عن أبيه - كما هو الحال في هذا الحديث - ويروي أيضاً عن جده مباشرة وهي ثابتةٍ من رواية الزهري عنه به أيضاً . فحصل أن الزهري يروي ! . عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن أبيه عن جده وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه . وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب عن جده (١). وكل هذه الروايات ثابتة في صحيح البخاري وغيره وكون الرواية الناقصة - من هذه - لا تعل الرواية الزائدة ، لمجرد الاختلاف ، لأَن الزهري رحمه الله يروي عن هؤلاء جميعاً . (١) انظر تحفة الأشراف (٨: ٣٠٩) لترجمة كعب بن مالك والرواة عنه. - ٣٣٫٢ - · نعم يمكن أن يقال : أَن الذي يضر هو كون هذه الرواية الزائدة معروفة بعبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه عن جده، أَو عن أبيه وعنمها عن أبيهما . ورواها معمر وعقيل عن عبد الرحمن بن كعب - وهو العم ـ أو عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب - عن أبيه ، ففي هذه الحالة تكون الناقصة منقطعة . فاحتاج إلى هذا التعليق خشية التعليق . وعلى أي حال فإِن رواية الشيخين صحيحة، وأن الرواية الناقصة فيها احتمال الانقطاع، وعلى صحتها فلا تعل بها رواية الصحيحين ، لأَن الكل صحيح - كما هو الحال في المثال الأول - فإذا كان هذا في الطريق الصحيح ، فكيف إذا كانت الطريق الناقصة ضعيفة ؟ والله تعالى أعلم . ثم قال الحافظ رحمه الله تعالى : وإِن أَخرج صاحب الصحيح الطريق الناقصة ، وعلله الناقد بالطريق المزيدة ، تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما صححه المصنف ، فينظر : إن كان ذلك الراوي صحابياً ، أو ثقة غير مدلس قد أدرك من روى عنه إدراكاً بيناً ، أَو صرح بالسماع إن كان مدلساً ، من طريق أُخرى، فإِن وجد ذلك اندفع الاعتراض بذلك. قلت : مثاله : قال الدارقطني : وأخرج البخاري حديث الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر [ ابن الخطاب رضي الله عنه ] : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك )». قال : وقال هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة عن عمر . وقال روح بن القاسم عن زيدبن أسلم عن أمه عن حفصة عن عمر. اهـ . - ٣٣٣ - قلت: وكأنه أراد أن يعل رواية ((أَسلم عن عمر)) برواية ((زيد عن أُمه وأبيه عن حفصة عن عمر)) بزيادة حفصة . وليس كذلك . قال الحافظ رحمه الله : الظاهر أنه كان عند زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر ، وعن أُمه عن حفصة عن عمر . لأَن الليث وروح بن القاسم حافظان ، وأَسلم مولى عمر من الملازمين له ، العارفين بحديثه . وفي سياق حديث زيد بن أسلم عن أُمه عن حفصة زيادة على حديثه عن أبيه عن عمر، كما بينته في كتاب (( تغليق التعليق )) فدل على أنهما طريقان محفوظان ... وأما رواية هشام بن سعد فإنها غير محفوظة ، لأنه غير ضابط ، والله أعلم . قلت : رواية روح التي أشار إليها وصلها الإسماعيلي عن إبراهيم ابن هاشم عن أمية بن بسطام عن يزيد بن زريع . به ، ولفظه عن حفصة قالت : سمعت عمر يقول : اللهم قتلا في سبيلك ووقاة في بلد نبيك ، قالت : فقلت : وأَنى يكون هذا ؟ قال: يأتي به الله إِن شاءَ الله. وأما رواية هشام بن سعد فقد وصلها ابن سعد في الطبقات(١) عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت أباها يقول: فذكر مثله وفي آخره قلت : وأَنى ذلك ؟ قال : إن الله يأتي بأمره أَنى شاءَ . اهـ. فبعد أن ذكر البخاري رحمه الله أَثر عمر من طريق زيد بن أسلم (١) الطبقات الكبرى (٣ : ٣٣١). - ٣٣٤ - عن أبيه عن عمر - معتمداً عليه علق سند زيد بن أسلم عن أمه عن حفصة عن عمر ، وسند زيد بن أسلم عن أبيه عن حفصة عن عمر . ولهذا قال الحافظ في الفتح : وأراد البخاري بهذين التعليقين بيان الاختلاف فيه على زيد بن أسلم . اهـ. فزيد يروي هذا الأثر عن أبيه عن عمر ، وهذا مما لا غبار عليه لأنه هؤلاء . ويرويه عن أمه عن حفصة عن عمر ، وعن أبيه عن حفصة عن عمر . لكن روايته عن أبيه عن حفصة عن عمر غير محفوظة لأَن راويها - وهو هشام - غير ضابط . فصار للحديث طريقان وكلاهما صحيح . واحد بسند عال وهو ( أسلم عن عمر ) والثاني نازل ( أُم زيد عن حفصة عن عمر ) ولا يعل أحد الطريقين بالآخر لأنهما صحيحان . ومن الممكن أيضاً أن يكون كل من والدي زيد سمعاه من حفصة لأَنهما موالي لأَبيها عمر ، وسمعه والد زيد من عمر أيضاً . علماً بأن لهذا الأثر طرقاً أُخرى . فقد رواه البخاري في التاريخ من طريق : محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القارىء عن جده عن أبيه محمد عن أَبيه عبد الله أنه سمع عمر ... )). ورواه عمر بن شبه من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر وإِسنادها صحيح . ورواه مالك وابن سعد من طريق زيد بن أسلم عن عمر فذكره مرسلاً(٦). كما يصلح المثال - في رواية هشام - أن يكون مثالاً للقسم الأول فيما إذا كان المعل به ضعيفاً , والله أعلم (١) انظر فتح البارى (٤: ١٠١). - ٣٣٥ - - ثم قال الحافظ رحمه الله : وإن لم يوجد [ أي التصريح بالسماع ممن كان مدلساً ] وكان الانقطاع فيه ظاهراً، فمحصل الجواب عن صاحب .الصحيح : أنه إنما أَخرج مثل ذلك في باب ماله متابع وعاضد ، أو ما حفته قرينة في الجملة تقوِّيه ، ويكون التصحيح وقع من حيث المجموع . قلت : مثاله : قال الدارقطني ، أخرج البخاري حديث أَبي مروان [ يحيى بن أبي زكريا الغساني ] عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم سلمة أَن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((إِذا صليت الصبح [ كذا ] فطوفي على بعيرك والناس يصلون)) . الحديث . قال الدارقطني رحمه الله : وهذا منقطع ، وقد وصله حفص بن غياث عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة ، ووصله مالك عن أَبي الأَسود [ محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ] عن عروة ، كذلك في الموطأ. قال الحافظ رحمه الله : حديث مالك عند البخاري في هذا المكان مقرون بحديث أبي مروان ، وقد وقع في بعض النسخ - وهي رواية الأصيلي - في هذا عن هشام عن أبيه عن زينب ، عن أم سلمة ، موصولاً ، وعلى هذا اعتمد المزّي في الأَطراف . ولكن معظم الروايات على إِسقاط زينب . قال أَبو علي الجيانى : وهو الصحيح [ أَي إِسقاط زينب ] ثم ساقه من طريق أبي علي ابن السكن عن علي بن عبد الله بن مبشر عن محمد بن حرب - شيخ البخاري فيه - على الموافقة ، وليس فيه زينب . وكذا أخرجه الإسماعيلي من حديث عبدة بن سليمان ، ومحاضر ، - ٣٣٦ - وحسان بن إبراهيم ، كلهم عن هشام ، ليس فيه زينب . وهو المحفوظ من حديث هشام . وإِنما اعتمد البخاري فيه رواية مالك التي أَثبت فيها ذكر زينب ، ثم ساق معها رواية هشام التي سقطت منها ، حاكياً للخلاف فيه على عروة ، كعادته ، مع أن سماع عروة من أم سلمة ليس بمستبعد ، والله أعلم . اهـ . قلت : لقد ذكر الإمام البخاري هذا الحديث في خمسة مواطن من صحيحه أربعة منها وهي في كتاب الصلاة وفي كتاب الحج : باب طواف النساء مع الرجال، وباب المريض يطوف راكباً ، وفي كتاب التفسير ، كلها من طريق مالك عن أبي الأسود عن عروة عن زينب عن أم سلمة . ومثله رواه مسلم في كتاب الحج رقم ٢٥٨، وأبو داود في الحج رقم ١٨٨٢ والنسائي في المناسك (٢٢٣:٥) وابن ماجه فيه أيضاً رقم (٢٩٦١) ومالك في الموطأ في المناسك رقم (١٢٣) أَيضاً . بينما روى البخاري في كتاب الحج سند هشام مقروناً بسند مالك فقال : حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن محمد بن عبد الرحمن عن عروة عن زينب عن أم سلمة رضي الله عنها (( شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )). وحدثني محمد بن حرب حدثنا أبو مروان یحیی بن أبي زكريا الغساني عن هشام عن عروة عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو بمكة وأراد الخروج - ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وأرادت الخروج - فقال لها رسول الله - ٣٣٧ - صلى الله عليه وسلم: ((إِذا أُقيمت الصلاة فطوفي على بعيرك والناس يصلون)) ففعلت ذلك ، فلم تصل حتى خرجت . اهـ. كذا ذكره في كتاب الحج : باب من صلى ركعتي الطواف خارجاً من المسجد . وهنا أَمران يجب التنبه لهما في هذا الحديث . وذلك إِما أَن يحمل الحديث على التعدد ، فيكون حديث هشام عن أَبيه في قصة ، وحديث عروة عن زينب عن أم سلمة في قصة ثانية ، وهذا ما نقله الحافظ عن الإمام أحمد رحمه الله ، وفي هذا لا تعارض بين الروايتين ، إِذ الأول طواف الوداع ، والثاني طواف الإفاضة (١) وإما أن يحمل الحديث على قصة واحدة ويكون عروة سمعه من زينب عن أم سلمة ، ومن أم سلمة مباشرة ، وخاصة إِذا عرفنا إمكانية سماع عروة من أم سلمة، فإِنه أَدرك من حياتها - كما قال الحافظ - نيفاً وثلاثين سنة ، وهو معها في بلد واحد . وعلى أَي من الحالتين ، فإِن البخاري رحمه الله تعالى قد ساق السندين معطوفين بعد أن جعل رواية مالك - والتي فيها ذكر زينب - اعتماده ، ويكون التصحيح قد وقع من حيث المجموع ، وإِنما ذكر السند الثاني ليبين الخلاف فيه عن عروة ، وهذا لا يضر في أصل الحديث لأَّنه ثابت عنده من خمس طرق أُخرى ، والله أعلم . ثم قال الحافظ رحمه الله : وربما علل بعض النقاد أحاديث ادعي فيها الانقطاع لكونها غير مسموعة ، كما في الأحاديث المروية بالمكاتبة (١) انظر: فتح البارى (٣ : ٤٨٦ - ٤٨٧) . (٢٢ - مكانة الصحيحين) - ٣٣٨ - والإجازة ، وهذا لا يلزم منه الانقطاع عند من يسوغ الرواية بالإِجازة، بل في تخريج صاحب الصحيح لمثل ذلك دليل على صحة الرواية بالإِجازة عنده .ا هـ . قلت : قال الدار قطني رحمه الله - فيما نقله عنه الحافظ - عند حديث ابن أَبِي أَوفى ، مرفوعاً ((لا تتمنوا لقاء العدو .. )) الحديث: وإِنما رواه عن كتابه ، فهو حجة في رواية المكاتبة (١) وقال القاضي عياض رحمه الله : وقد استمر عمل السلف ممن بعدهم من المشايخ بالحديث بقولهم : كتب إلي فلان قال : أخبرنا فلان ، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا التحديث ، وعدّوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود - في الأَسانيد - كثير (٢). قلت : وقد عنون الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب العلم : باب ما يذكر في المناولة ، وكتاب أَهل العلم بالعلم إلى البلدان . وقال أَنس : نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق ، ورأَى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزاً .. ثم ذكر حديثين في الدلالة على صحة الكتابة والرواية به ، كما أشار إلى حديث أَمير السرية الذي أعطاه النبي صلي الله عليه وسلم كتاباً وقال: ((لا تقرأْه حتى تبلغ مكان كذا وكذا ... )) وأَن فيه الدلالة على المناولة . وهذا كله من الأدلة على مشروعية الرواية بالكتابة والمناولة، وهو (١) انظر الإلماع ص ٨٣ - ٨٧ لمعرفة حكم الرواية بالكتابة، وص (٨٨ - ١٠٧) لمعرفة أقسام الإجازة والرواية بها . (٢) الإلماع (٨٦) . - ٣٣٩ - مذهب عامة المحدثين . مع التفصيل عندهم في أنواع الإِجازة ، فانظرها في كتب المصطلح(١) . القسم الثانى منها : ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإِسناد . قال الحافظ رحمه الله : فالجواب عنه : إِن أَمكن الجمع، بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعاً ، فأُخرجهما المصنف ، ولم يقتصر على أحدهما ، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظ والعدد . قلت : مثاله : قال الدارقطني : أخرج البخاري من حديث إِسرائيل عن الأعمش ومنصور - جميعاً - عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله [ ابن مسعود ] قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غارٍ ، فنزات (( والمرسلات)) الحديث . قال الدارقطني في انتقاده : لم يتابع إِسرائيل عن الأعمش على علقمة ، أَما عن منصور فتابعه شيبان عنه ، وكذا رواه مغيرة عن إبراهيم . اهـ. يريد - أَن إِسرائيل قد خولف عن الأعمش في شيخ إبراهيم ، فإِسرائيل يقول عن الأعمش عن إِبراهيم عن علقمة ، وغيره يقول عن الأعمش عن إِبراهيم عن الأسود . قلت : قد روى البخاري هذا الحديث في أربعة مواطن من صحيحه ففي جزاء الصيد ، والتفسير عن الأعمش عن إِبراهيم عن الأسود عن عبد الله: ومثله عند مسلم في قتل الحيات من كتاب السلام . (١) انظر الكفاية (٤٤٦ - ٥٠٢) وغيرها من كتب المصطلح. - ٣٤٠ - ورواه البخاري في بدء الخلق وفي التفسير : من طريق إِسرائيل عن منصور عن إِبراهيم عن علقمة عن عبد الله ، وعن إِسرائيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، وهو عند أحمد بأرقام ٤٠٠٤ ، ٤٠٠٥، ٤٠٦٨ وعند النسائي في تفسير الكبرى . ثم بين البخاري رحمه الله وجوه الاختلاف في طرق هذا الحديث فقال : وتابعه [ أي يحيى بن آدم ] أَسود بن عامر عن إِسرائيل . وقال حفص وأبو معاوية وسليمان بن قرم عن الأعمش عن إِبراهيم عن الأسود . وقال يحيي بن حماد : أخبرنا أبو عوانة عن مغيرة عن إِبراهيم عن علقمة عن عبد الله . وقال ابن إسحق: عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عبد الله . فقول الدارقطني رحمه الله بأَن إِسرائيل لم يتابع عن الأعمش عن علقمة غير صحيح ، فقد وافق إسرائيل عن الأعمش في شيخه علقمة . أبو عوانة عن مغيرة كما ذكره البخاري - تعليقاً - ووصله الطبراني في المعجم الكبير (١) . ووافقه أيضاً سفيان الثوري كما عند أحمد في المسند (٢). ومن الذين ذكروا علقمة في أَسانيدهم ووافقوا إِسرائيل عليه ، شيبان ، وورقاءُ، وحفص بن غياث ، كما عند الطبراني في معجمه الكبير. (١) المعجم الكبير برقم ١٠١٥٨ (١٠ : ١٤٦). (٢) مسند أحمد رقم ٤٠٦٣ :