النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ - ٥ - العلو بالشخص الضعيف : وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى : الرابع أن يعلو بالشخص الضعيف إِسناده وهو عنده من رواية الثقات نازل ، فيقتصر على العالي ، ولا يطول بإضافة النازل إليه ، مكتفياً بمعرفة أهل الشأن في ذلك . وهذا العذر قد رویناه عنه تنصیصاً ، وهو خلاف حاله فما رواه عن الثقات أولاً ثم أتبعه بمن دونهم متابعة . وكأَن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته . روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي أنه حضر أَبا زرعة ، وذكر صحيح مسلم ، وإِنكار أبي زرعة عليه روايته عن أَسباط بن نصر ، وقطن بن نسير ، وأَحمد بن عيسى المصري ، وأَنه قال : يطرق لأَهل البدع علينا فيجدون السبيل بأن يقولوا إِذا احتج عليهم بحديث : ليس هذا في الصحيح . قال سعيد بن عمرو : فلما رجعت إلى نيسابور ذكرت لمسلم إِنكار أبي زرعة ، فقال لي مسلم : إِنما قلت : صحيح ، وإِنما أُدخلت من حديث أَسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إِلا أَنه ربما وقع إلي عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية أَوثق منهم بنزول ، فأَقتصر على ذلك . وأَصل الحديث معروف من رواية الثقات ... وقال أي مسلم لمحمد بن وارة : وإِنما أَخرجت هذا الكتاب وقلت : هو صحاح ، ولم أَقل إن ما لم أُخرجه من الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيف ، وإِنما أَخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون مجموعاً عندي وعند من يكتبه عني ، ولا يرتاب في صحته ، فقبل عذره وحمده . (١٦ - مكانة الصحيحين ) - ٢٤٢ - قال الشيخ [ ابن الصلاح ] : وقد قدمنا عن مسلم أنه قال : عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أَشار أن له علة تركته ، وكل ما قال : إِنه صحيح وليست له علة فهو هذا الذي أخرجته ... (١). وقال إبراهيم بن أبي طالب قلت لمسلم : كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح ؟ فقال : ومن أين كنت آتي بنسخة حفص ، اهـ. وذلك أَن مسلماً لم يرو في صحيحه عن واحد ممن سمع حفصاً إلا عن سويد، وروى فيه عن واحد عن ابن وهب عن حفص (٢). وسأذكر أَمر سويد بعد قليل إن شاء الله . وقال الحافظ الحازمي رحمه الله : قد يكون الحديث عند البخاري ثابتاً وله طرق بعضها أرفع من بعض ، غير أنه يحيد أحياناً عن الطريق الأَصح لنزوله ، أَو يسأم تكرار الطرق ، إلى غير ذلك من الأعذار . وقد صرح مسلم بنحو ذلك (٣) . ثم ذكر ما نقلته عن النووي . ٦ - الجرح لم يثبت عندهما: لقد تقدم قولي أن جهات الضعف متباينة متعددة ، وأهل العلم مختلفون في أسباب الجرح ، فمدارك الجرح عند الفقهاء هي غيرها عند المحدثين ، كما أَن أَئمة الحديث يختلفون وتتباين أحوالهم ، فرب راوٍ هو موثوق به عند ابن مَهدي ، مجروح عند يحيى بن سعيد ، وبالعكس ، كما أَن الجرح قد يكون أحياناً مبهماً غير مفسر ولا مبين (١) شرح صحيح مسلم (١ : ٢٤ - ٢٦). (٢) التبصرة (١: ٣١٠) وفتح الباقى (١: ٣١٠) وفتح المغيث (١: ٣٠٣). (٣) شروط الأئمة الخمسة (٦٠). - ٢٤٣ - السبب ، كما قد يكون ممن هو دون المجروح ... وقد يكون من المتشددين الذي يجرح بالغلطة والغلطتين ... وكل هذه لابد من أخذها بالاعتبار . والبخاري ومسلم رحمهما الله تعالى هما أئمة هذا الشأن ، وفرسان ميدانه ، ووحيدا دهره ، وقريعا عصره ، إتقاناً وانتقاداً وبحثاً وسبراً وبعد إحاطة علم . كما أنهما مجتهدان في الجرح والتعديل ، وليسا مقلدين في هذا الميدان - فما ثبت عندهما جرحه فهو ضعيف عندهما - وإِن عدله غيرهما ، وما ثبت عندهما عدالته فهو عدل عندهما وإِن جرحه غيرهما . وهذا أَمر غفل عنه كثير من الناس . قال الحافظ الحازمي رحمه الله : أَما إيداع البخاري ومسلم كتابيهما حديث نفر نسبوا إلى نوع من الضعف فظاهر ، غير أنه لم يبلغ ضعفهم حداً يرد به حديثهم ، مع أَنا لا نقر بأن البخاري كان يرى تخريج حديث من ينسب إلى نوع من أنواع الضعف ، ولو كان ضعف هؤلاء قد ثبت عنده لما خرج حديثهم(١) . وعلق شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني رحمه الله تعالى على قول ابن الصلاح رحمه الله وذلك دالٌّ على أنهم [ أَي البخاري ومسلم وأبو داود ] ذهبوا إلى الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه ، ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة ... ] بقوله : فائدة : قد يقال : لا يلزم ذلك ، لجواز أن يكون لم يثبت عندهم (١) شروط الأئمة الخمسة (٥٧) . - ٢٤٤ - الجرح وإِن فسر ، هذا هو الأقرب ، فإِن المذكورين [ أَي عكرمة مولى ابن عباس ، وإسماعيل بن أبي أويس ... ] ما من شخص منهم إلا ونسب إِلى أَشياء مفسرة من كذب وغيره ، يعرفها من يراجع كتب القوم ، ولكنها لم تثبت عند من أخذ بحديثهم ووثقهم وروى عنهم(١) اهـ. قلت : ومن يراجع تراجم هؤلاء المذكورين - وقد سبق نص ابن الصلاح كاملا - في هدي الساري للحافظ ابن حجر رحمه الله يرى أَن تلك الاتهامات غير ثابتة - وإِن فسرت - ولذلك لم يعتد بها الشيخان وغيرهما ، لأنها باطلة غير صحيحة ، وهي مجرد اتهامات لا غير. وقال الحافظ السخاوي رحمه الله في معرض تعليقه على قول الحافظ . أبي الفضل الحازمي رحمه الله ((شرطهما أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته ... )) قال: وما ادعاه من الاتفاق على ثقة نقلتهما قد لا يخدش فيه وجود حكاية التضعيف في بعضهم من قبلهما ، لتجويز أنهما لم يرياه قادحاً ، فنزلا كلام الجمهور والمعتمد عندهما منزلة (٢) الإِجماع (٢). فعكرمة مولى ابن عباس التابعي احتج به البخاري وأصحاب السنن وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقروناً بسعيد ابن جبير ، وإِنما تركه لكلام مالك فيه ، وقد تعقب جماعة من الأئمة ذلك، وصنفوا في الذب عن عكرمة منهم: أَبو جعفر ابن جرير الطبري ، ومحمد بن نصر المروزي، وأَبو عبد الله ابن منده ، وأبو حاتم ابن حبان ، وأَبو عمر ابن عبد البر ، وغيرهم . (١) محاسن الاصطلاح (٢٢١). (٢) فتح المغيث (١ : ٤١). - ٢٤٥ -- وقد رُمي رحمه الله بالكذب والبدعة وقبول الجوائز ، وليس من الأَمرين الأولين شيءٌ يصح، وقد أثنى عليه الأئمة الكبار من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، لذا احتج به البخاري رحمه الله(١). وأَما سويد بن سعيد فهو صدوق في نفسه كما قال أبو حاتم وصالح جزرة ويعقوب بن شيبة وغيرهم ، وكان أحمد ينتقي عليه لولديه فيسمعان منه. وأثنى عليه خيراً . وما ورد فيه من جرح فهو غير مفسر وأكثر من فسر الجرح فيه ذكر أنه لما عمي ربما تلقن الشيء ، وهذا وإِن كان قادحاً ، فإِنما يقدح فيما حدث به بعد العمى ، وما حدث به قبل ذلك فصحيح ، ولعل مسلماً إِنما أَخرج عنه ما عرف أنه حدث به قبل عماه ، أوما صح عنده بنزول طلباً للعلو ، لا ما تفرد به ، وأَما إنكار يحيى ابن معين عليه حديث أبي سعيد مرفوعاً (( الحسن والحسين سيدًا شباب أهل الجنة)) فإِنما أَنكره لظنه أنه تفرد به عن أبي معاوية ولا يحتمل التفرد، وهو لم ينفرد به ، بل هو في مسند المنجنيقي - وكان ثقة - عن أبي كريب عن أبي معاوية كما رآه الدارقطني في مصر - لذا تخلص منه سويد ولم ينكر عليه ومن أَنكر في ذلك فهو واهم . ولذا جاز أن يروي عنه مسلم ولا عيب عليه في ذلك (٢) والله أعلم. ٧ - الضعف منجبر بطول الملازمة : إِن المراد بالضعف الذى ينجبر هو ما كان في الحفظ ، أَما الضعف في الدين فإِنه لا ينجبر ، وكلما طالت الملازمة بين اثنين كلما كان (١) انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب (٧: ٢٦٣) وهدى السارى (٤٢٥) فقد أطال فيهما ترجمته ، ورد جميع تلك التهم بالأدلة الصحيحة الصريحة ، فانظرها فيهما . (٢) انظر تهذيب التهذيب (٤: ٢٧٢) والتبصرة (١: ٣٠٩) وفتح الباقى (١: ٣٠٩). - ٢٤٦ - أحدهما أَعرف وأحفظ بكلام الآخر من غيره . وكلما قلت الملازمة كان أحدهما أقل معرفة وحفظاً ممن تطول ملازمته ، وعلى هذا جرى عرف أهل الحديث . فيقولون مثلا : فلان مقبول إِذا روى عن فلان أَو عن أهل الشام مثلا ، ضعيف في فلان ، أَو في غير أهل الشام . وهذا أَمر مستفيض ومعروف عند أهل الحديث . وقد يقع نظر الجاهل على عبارات أهل الحديث هذه في بعض الرواة فيعتقد ضعف كل ما رووه ، وهذا خطأً مشين ، ووهم فاضح . قال الحافظ أبو الفضل الحازمي رحمه الله: (( وقد يخرج البخاري - أحياناً - عن أعيان الطبقة الثانية ، ومسلم عن أَعيان الطبقة الثالثة . وقال قبل قليل : الطبقة الثالثة : جماعة لزموا الزهري مثل أهل الطبقة الأولى [ أي كانوا طويلي الملازمة ] غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح فهم بين القبول والرد ))(١). فأَعيان هذه الطبقة هم الذين طالت ملازمتهم للزهري لكنهم قد وقع فيهم الطعن في حفظهم أو ضبطهم لا في دينهم . وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير : ومراده [ أي الحازمي] بإخراج مسلم لحديث من لم يسلم من غوائل الجرح ، إِذا كان طويل الملازمة ، هو أن يكون متكلماً عليه بضعف في حفظه لا في دينه ، فإِن ضعف الحفظ ينجبر بطول الملازمة ، وهذا معروف من عرف المحدثين ، ولذا تجدهم يقولون في كثير من الرواة : إنه قوي إِذا روى عن فلان ، ضعيف إِذا روى عن فلان ، فاعرف ذلك (٢) اهـ . (١) شروط الأئمة الخمسة (٤٧، ٤٣ - ٤٤). (٢) تنقيح الأنظار (١: ١٠٧) بشرح توضيح الأفكار. ٠ - ٢٤٧ - قال الصنعاني معلقاً على قوله: ((فإِن ضعف الحفظ ينجبر بطول الملازمة)): فتلحقه طول الملازمة بالحفاظ المتقنين. ثم قال : فهذا كلام حسن جداً ، وفائدة جليلة ، فإِنه قد يقول الناظر - إِذا رأَى أَمة الحديث يقولون مثلاً في إسماعيل بن عياش : إنه مقبول إِذا روى عن أهل الشام، ضعيف في روايته عن غيرهم - : إنه كيف يقبل في قوم ويضعف في آخرين ؟ فإِنه إذا كان فيه شروط الرواية كاملة قبل في الفريقين ، وإِلا رد فيهما(١) . قلت : وهذا هو الحاصل عملياً ، وذلك أن يكون الراوي دخل مصراً من الأمصار فلم يحكم الرواية فضعف في روايته عن أهل ذلك المصر - مع أنه ثقة ضابط - وقد يلتقي بشيخ من الحفاظ فلم يحكم روايته عنه فيضعف في روايته عن ذلك الشيخ ، بينما هو ثقة فيما أتقن . وهذا هو الذي حصل فعلا . وقد مثل الحازمي رحمه الله بحماد بن سلمة فقال : وعلى هذا يعتذر لمسلم في إخراجه حديث حماد بن سلمة ، فإنه لم يخرج إلا رواياته عن المشهورين نحو ثابت البناني وأيوب السختياني ، وذلك لكثرة ملازمته ثابتاً ، وطول صحبته إياه ، حتى بقيت صحيفة ثابت على ذكره وحفظه بعد الاختلاط ، كما كانت قبل الاختلاط ، وأما حديثه عن آحاد البصريين ، فإن مسلماً لم يخرج منها شيئاً لكثرة ما يوجد في رواياته عنهم من الغرائب ، وذلك لقلة ممارسته لحديثهم (٢)اهـ. وحماد بن سلمة بن دينار البصري أَحد الأَّمة الأَثبات ، إِلا أَنه ساء حفظه في الآخر، أثنى عليه الكثيرون حتى قال الذهبي: وحماد إِمام (١) توضيح الأفكار (١ : ١٠٧). (٢) شروط الأئمة الخمسة (٤٧). - ٢٤٨ - جليل ، وهو مفتي أهل البصرة مع سعيد بن أبي عروبة . وقد احتج به مسلم في أحاديث عدة في الأُصول وتحايده البخاري . حتى نكت عليه ابن حبان وقال الحاكم في المدخل : ما خرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول إلا من حديثه عن ثابت ، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة . زاد البيهقي : إِن ما عدا حديث ثابت لا يبلغ عند مسلم اثني عشر حديثاً . فإِخراج مسلم عنه - مع أنه اختلط أو تغير حفظه - إنما هو روايته عن ثابت ، لأنه - كما قال يحيى بن معين - : هو أَعلم الناس بثابت ، وقال أحمد بن حنبل . إِذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه ... )) فطول ملازمته - مع الضعف الذي حصل له - أَجبر روايته واعتبرت كما لو لم يكن قد حصل له الضعف(١) . قلت : روى له البخاري - تعليقاً - في موضع واحد فقط في كتاب الرقاق. وذلك عقب حديث أنس - مرفوعاً ـ ((لو أَن لابن آدم وادياً من ذهب أَحب أن يكون له واديان ... )) الحديث . قال البخاري : وقال لنا أَبو الوليد حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أُبَيُّ قال : كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ((أَلهاكم التكاثر))(٣). قال الحافظ في الهدي: وهذه الصيغة (( قال لنا ... )) يستعملها البخاري في الأحاديث الموقوفة ، وفي المرفوعة أَيضاً إِذا كان في إِسنادها من لا يحتج به عنده . اهـ . (١) انظر ميزان الاعتدال (١: ٥٩٠) الهدى أيضاً (٣٩٩) والمدخل ( ق : ٥٧ ب) (٢) صحيح البخارى : كتاب الرقاق : باب ما يتقى من فتنة المال، وقول الله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة ). - ٢٤٩- ٨ - جهل بعض الحفاظ ببعض الرواة: ومن جملة الاعتراضات وجود بعض الرواة في الصحيحين قد نص عليهم بعض الحفاظ بالجهالة ، ومن نظر في كتاب الجرح والتعديل ، أو غيره من كتب الجرح والتعديل يرى الحكم على بعض الرواة بالجهالة، وهذا الحكم نابع في بعض الأحيان - من عدم معرفة ذلك الحافظ بأمثال هؤلاء الرواة ، بينما يكون هذا الراوي معروفاً عند غير ذلك الحافظ . وقد يطلع بعض أهل العلم - من الذين غلب عليهم العجلة في الحكم، وعدم البحث والتمحيص - فيرى تلك العبارة أَو ذلك الحكم - وحسن الظن في الأئمة وما وقع في نفوس الكثيرين من الثقة والتقليد مما يجعل طالب العلم يأخذ بهذا الحكم ، فيطعن في أحاديث - هي صحيحة - لأَنه بنى طعنه على ذلك الحكم الصادر عن جهل ذلك الحافظ بذلك الراوي . بينما يكون هذا الراوي من المعروفين بالعدالة عند غيره ، ومن المشهورين في الطلب والحفظ والضبط . فمن ذلك : أحمد بن عاصم البلخي أَبو محمد : قال أبو حاتم : مجهول . بينما قال الذهبي في الميزان : بل هو مشهور ، روى عنه البخاري في الأدب . قلت : وذكره ابن حبان في الثقات وقال عنه : روى عنه أهل بلده(١) إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي : جهَّله ابن القطان ، بينما قال (١) انظر الجرح والتعديل (٢: ٦٦) وميزان الاعتدال (١: ١٠٦) وهدى السارى (٤٦٠) وتدريب الراوى (١: ٣٢٠). - ٢٥٠ - ابن أبي حاتم : روى عنه الزهري ، وابناه ؛ إسماعيل وموسى ، وروى عنه أيضاً سعيد بن سلمة بن أبي الحسام . زاد الذهبي في الكاشف : وأبو حازم ، وعدة . قلت : وذكره ابن حبان في الثقات (١). أسامة بن حفص المدني : قال اللالكائي مجهول ، ولم يذكره البخاري في التاريخ . قال الحافظ كذا قال اللالكائي ، وقد ذكره البخاري في تاريخه في آخر باب من اسمه أسامة ، فقال : أسامة بن حفص المدني عن هشام بن عروة سمع منه محمد بن عبد الله . اهـ. وقال الحافظ أيضاً وعنه أبو ثابت المديني [ قلت هو محمد بن عبد الله] ويحيى بن إبراهيم ابن أبي قتيلة . وقال الذهبي في الكاشف: وعنه إِبراهيم بن حمزة، وعدد وقال في الميزان : روى عنه أَربعة (٢). بيان بن عمرو أبو محمد البخاري ، قال أبو حاتم مجهول . بينما روى عنه البخاري وأبو زرعة ، وعبيد الله بن واصل وغيرهم ووثقه ابن المديني وابن حبان وابن عدي ، وقال عنه : هو عالم جليل ، لذا قال الحافظ : وجهالة بيان ارتفعت برواية هؤلاء عنه وعدالته ثبتت أيضاً (٣) . الحسين بن الحسن بن يسار : قال أبو حاتم مجهول . بينما روى عنه أَحمد بن حنبل والزعفراني والفلاس وبندار وغيرهم ، وقد وثقه .(١) انظر: الجرح والتعديل (٢: ١١١) والتهذيب (١: ١٣٨) والكاشف (١: ٨٦) والتدريب (١: ٣٢٠). (٢) انظر الكاشف (١: ١٠٣) وميزان الاعتدال (١: ١٧٤) والتهذيب (١: ٢٠٦): (٣) نظر الجرح والتعديل (٢: ٤٢٥) والتهذيب (٥٠٠:١) الميزان (١ : ٣٥٦) والتدريب (١ : ٣٢٠). - ٢٥١ - أحمد والنسائي والساجي وابن حبان وغيرهم . لذا قال الذهبي : ثقة(١). الحكم بن عبد الله البصري أبو النعمان : قال أبو حاتم : مجهول . بينما روى عنه أبو قدامة السرخسي ، وأَبو موسى ، ومحمد بن المنهال الضرير، وعقبة بن مكرم ، وأحمد بن محمد البزي ، ومحمد بن مالك العنبري، قال عنه عقبة بن مكرم : كان من أصحاب شعبة الثقات ، وقال البخاري : حديثه معروف كان يحفظ ، وقال الخطيب : كان ثقة يوصف بالحفظ ، وقال الذهلي : كان ثبتاً في شعبة ... سمعت عبد الصمد يثبته ويذكره بالحفظ ، وقال ابن حبان في ثقاته : روى عنه أَهل الكوفة ... ) (٣) وعباس بن الحسين أبو الفضل القنطري البصري ، قال أبو حاتم : مجهول . بينما روى عنه البخاري ، والحسن بن علي المعمري ، ومحمد ابن عبيد القنطري ، وعبد الله بن أحمد ، وموسى بن هارون الحافظ، وثقه أحمد بن حنبل ، وابنه عبد الله ، وابن حبان ، لذا قال الحافظ عنه في التقريب : ثقة (٣) . فجهل أَبى حاتم أو ابن القطان أَو غيرهما من أهل الحفظ والنقد ببعض الرواة مع سعة اطلاعهم وسبرهم وإحاطتهم ، لا يضر بهم هم ولا يخفض من شأنهم الرفيع ، ولا يحط من مقدارهم العظيم ، فإنهم بشر لم يحيطوا بكل ما في الكون ، كما أنه لا يضر بأولئك الرواة الذين جهلهم حافظ وعرفهم حفّاظ ، وعدم معرفة الحافظ بهم نابع (١) انظر الجرح والتعديل (٣: ٤٩) والكاشف (١: ٢٣٠) والتهذيب (٢: ٣٣٥). (٢) انظر الجرح والتعديل (٣: ١٢٢) والتهذيب (٢: ٤٢٩). (٣) انظر الجرح والتعديل (٦: ٢١٥) والتهذيب (٥: ١١٦) والتقريب (١: ٣٩٦). - ٢٥٢ - من قصوره لا من عدم شهرتهم ومعرفتهم ، وإحاطة العبد - مهما علا وسما وعلم وعرف - إنما هي جزءٌ مما هو كائن ، وصدق الله العظيم : ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾(١). وقد قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى : ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً ، وأكثرها ألفاظاً ، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي ، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها ، حتى لا يكون موجوداً فيها من يعرفه . والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء ... )) (١) . فالإحاطة الكاملة لا يُعلم وجودها عند شخص إنما منهم الجامع لأكثرها - وإِن ذهب عليه بعضه ، ، ومنهم الجامع لأقل مما جمع غيره . والله يغفر لنا ولهم جميعاً ومما سبق يتضح أن الطعون الموجهة إلى بعض رواة الصحيحين "لا تخلو أن تكون في بعضهم قد ورد الجرح مبهماً غير مفسر ولا مبين السبب . أو يكون في بعضهم قد ذكر الجرح مفسراً لكنه لا يضر كما هو الحال فيمن اتَّهموا ببعض البدع والمعتقدات . وقد قدمت بيان ذلك ، وأنه لا ترد رواية كل مبتدع ، إنما الذي ترد روايته من كانت بدعته (١) سورة الإسراء (آية: ٨٥). (٢) الرسالة (٤٢). - ٢٥٣ - مكفرة - من غير تأويل - أَو أَن يكون ممن يستبيح الكذب في الرواية نصرة لمذهبه أو جماعته ، أَو أَن يكون داعية ، أَما إِذا لم تكن بدعته مكفرة ، ولم يكن داعية لبدعته ، ولا ممن يستبيح الكذب نصرة لمذهبه فعامة أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قبلوا روايته ، واعتمدوها . وقد تكون تلك الطعون - في بعض الرواة أيضاً - مما لا يقبلها عامة أهل العلم ، فهي طعون مردودة كما هو الحال فيما يقع بين الرواة من طعن بسبب الاختلاف في العقائد أَو المذاهب، والأفكار، أَو الأَقطار ، أو ما يكون بين الأَقران من تحامل بعضهم على بعض ، أو من طعن الورعين فيمن دخلوا في أُمور الدنيا ، أو قباوا هدايا السلطان ، أَو دخلوا في بعض أُموره ، أو كان المجرِّح دون المجروح مكانة ، أَو ثقة ، أَو قدراً ، أَو علماً ، أو كان متأخراً عليه في الزمان .. كما يوجد في بعض من جرح بسبب جهل بعض الحفاظ بهم ، بينما عرفهم آخرون ممن هم أعلم أَو أَعلى قدراً ممن جهلهم ، ومثل هذا لا يضر أيضاً . كما أن بعضهم قد وقع فيهم الجرح وهو لا يصح أن يطلق على إطلاقه بهم ، كما لا يصح أن يعتمد عليه في رد جميع رواياتهم ، وإِنما الصواب في أمرهم التفصيل ، وذلك كأن يكون بعضهم ضابطاً لكتابه دون حفظه ، والعكس كذلك ، أو أن يكون ضعيفاً في بعض الشيوخ ثقة في الآخرين ، أو أن يكون ضعيفاً بالنسبة لروايته عن أهل بلد معين هو ثقة معتمد في روايته عن غيره من البلاد ، أَو أَن يكون قد اختلط في آخر عمره ، أَو في فترة من الفترات ، أَو تغير حفظه ، فتجبر ما كان من طول الملازمة ممن لم يتغير حفظه فيمن لازمه . - ٢٥٤ - ٠. كما أن بعض من طعن فيهم إنما رويا له في المتابعات والشواهد لا في الأُصول . وهذا لا يضر أيضاً لأَن الحديث قد ذكره صاحب الصحيح بسند نظيف . وهكذا : وعلى هذا يمكنني القول بأن هذا الاعتراض - وهو إِخراجهما عن بعض من تكلم فيهم - لا يلحقهما ، بل هو مردود بالأجوبة التى ذكرتها. وبانَ أَن رواة الصحيح عدول، وأَن ما ذكره هؤلاء يتعارض مع توثيق صاحب الصحيح - الذي هو أعلم وأَضبط وأتقن ممن جاءوا بعده ، ولا يقال عند تعارض الجرح والتعديل . يقدم الجرح ، لأن الجرح الذي يقدم ما كان مفسراً ، أَما هنا فالتعديل هو المقدم ، لأن مع المعدل زيادة ليست عند المجرح ، وإن كان الجرح المبهم غير معتبر عند الجمهور أيضاً . والله أعلم . احتياط الشيخين : لقد احتاط الشيخان [ البخاري ومسلم ] رحمهما الله تعالى حيطة شديدة في صحيحيهما ، فقد قال كل منهما إنه لم يخرج إلا حديثاً صحيحاً متفقاً على صحته ، ولم يقل لا أُخرج إلا حديث من اتفق على عدالة رواته ، لأن ذلك يتعذر لاختلاف الناس في الأسباب المؤثرة في الضعف . لقد قالا ذلك، وكأَنما ينظران - بنور الله تعالى - إلى ما سيقع بعدهما من اعتراض عليهما ، فسبقا المعترضين بالجواب على اعتراضهم حتى لا يلحقهم ذلك الاعتراض . قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: (( لم أُخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً ، وما تركت من الصحيح أكثر)). ٠ ٢٥٥= وفي رواية عنه: ما أُدخلت في كتابي ((الجامع)) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول . وقال الإِمام مسلم رحمه الله تعالى : ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعته ههنا - يعني في كتابه الصحيح - إِنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه . وقد تقدم هذان القولان - فيما سبق . وإِذا كان البخاري رحمه الله تعالى - والذي يحفظ مائة ألف حديث صحيح - قد انتقى كتابه من ستمائة ألف حديث ، ومسلم رحمه الله تعالى قد انتقى كتابه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة . فإِنهما بعملهما هذا قد قطعا الطريق على غيرهما ممن جاء بعدهما ، باختيار أُصول من الأحاديث وكل واحد من هذه الأحاديث المنتقاة مروية بطرق كثيرة قد تصل المئات. نقل عن الحافظ أبي إسماعيل الأَنصاري المروي أنه كتب حديث : ((إنما الأعمال بالنيات )) من حديث سبعمائة من أصحاب راويه يحيى ابن سعيد الأنصاري . وقال الإسماعيلي - عقب قول البخاري : وما تركت من الصحيح أكثر ، مانصه : لوأخرج كل حديث عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة ، ولذكر طرق كل واحد منهم إذا صحت . وقال الجوزقي : إنه استخرج على أحاديث الصحيحين فكانت ، خمسة وعشرين ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقاً(١). فإذا كان طرق ما في الصحيحين بلغت عند الجوزي هذا الرقم الكبير من الألوف - ولا شك أنه يوجد عند غير الجوزقي من الطرق ما لم يذكره الجوزقي أيضاً - فكيف يكون أصل هذه الألوف من الصحة . ؟؟ (١) فتح المغيث (١ : ٢٨). - ٢٥٦ - إن الشيخين رحمهما الله تعالى قد مكثا في صحيحهما ما يقرب أو يزيد عن خمسة عشر عاماً ، وهما ينتقيان أحاديث هذين الكتابين من محفوظاتهما ومسموعاتهما ومروياتهما، وبعد انتقائهما عرضا الكتابين على علماء عصرهما من أَهل النقد والمعرفة والحفظ والرواية ، وقد أقروا صحة الكتابين - كما سبق وبينته - وأثنوا على مؤلفيهما ، ومن ثم اعتمد أهل العلم على هذين الكتابين ، وتلقوهما بالقبول ، وحكموا عليهما - بعد سبر واستخراج ومطالعة ومراجعة - بالصحة والعلو. إِن قول الشيخين لم يخرجا إِلا الصحيح ، قول قاطع ، وحكم جازم إذ أصل الحديث صحيح - عندهما وعند غيرهما من أهل النقد والحفظ والرواية - لكن اختار الشيخان هذه الطريق أَو الطرق وعندهما وعند غيرهما طرق أخرى له ، وهو صحيح بالنسبة للطرق الأُخرى أيضاً . ولما كانت وجهات النظر بالنسبة للجرح والتعديل متباينة ، وكل من الشيخين مجتهداً غير مقلد في الجرح والتعديل ، وحكمهما على من رويا له بالعدالة أو بالانجبار جعلهما يخرجان هذه الطريق، وتركا غيره لاعتبارات كثيرة - التنوع في الإِسناد ، كثرة الملل من تكرار سند واحد ، في رواية من أُخرجا له زيادة مهمة ، تنبيه على أمر معين . الحضور والنشاط ... الخ . وعلى أي فلا اعتراض على الشيخين وقد حكما بصحة أَحاديثهما ، وحكم غيرُهم كذلك بصحة أُصول أحاديثهما. ولم يحكما باتفاق الحفاظ على عدالة رواتهما - لعلمهما باختلاف وجهات نظر علماء الجرح والتعديل . وإِن كانوا معدلين عندهما - لاجتهادهما - ومن لازم الحكم على صحة كتابيهما عدالة رواتهما . والله أعلم الفَضَّيْلِ الثَّانِى أَنْقَى كِلِ مَنْهَابالأَخْامْ عَن ◌ِعْضِ الشَّيُوخُ لقد استشكل بعض أهل العلم على البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى انفراد كل منهما بالرواية عن بعض الرواة دون الآخر ، فقد انفرد البخاري بالرواية عن أربعمائة وخمسة وثلاثين رجلاً لم يرو عنهم مسلم كما انفرد مسلم بالرواية عن ستمائة وعشرين رجلا، لم يرو عنهم البخاري. وهذا الإشكال ليس وارداً على الشيخين رحمهما الله تعالى ،ولايلزمهما البتة وذلك - يعود في نظري والعلم عند الله تعالى - لعدة أمور : أولا : كل من البخارى ومسلم رحمهما الله تعالى مجتهد : والمجتهد في فروع الشريعة لا يلزمه أن يقلد مجتهداً آخر ، وإلا لما صار مجتهداً ، ومثل ذلك يقال في غير الفروع ، وكما يختلف المجتهدون في الاستنباط بناءً على الاستدلال بالنصوص من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وعلى فهم النصوص ، والضوابط والقواعد التى وضعها ، كذلك الحال بالنسبة للرواية ، فقد يختلف أحد الشيخين في الأخذ عن أَحد الرواة بناءً على ما صح عنده وثبت أو ترجح ، بينما يختلف حكم الشيخ الآخر بالنسبة لهذا الراوي نفسه . وكما لا يلزم مجتهد برأي مجتهد آخر كذلك الحال هنا . وسياتي مزيد تفصيل في فقرة تالية إن شاء الله، والله أعلم ( ١٧ - مكانة الصحيحين ) - ٢٥٨ - ثانياً : فارق السن وبدء السماع : إن الإمام مسلماً تلميذ للإِمام البخاري وخريجه ، لكنه شاركه في كثير من شيوخه ، ومعنى هذا قد فات الإِمام مسلماً كثير من الشيوخ الذين روي عنهم البخاري مباشرة لفارق السنين ، وتقدم السماع عند البخاري على مسلم ، وتقدم اللقي . فالبخاري رحمه الله ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة . بينما كانت ولادة مسلم رحمه الله سنة أربع ومائتين .. وكان أول سماع الإِمام البخاري رحمه الله سنة خمس ومائتين ، أي بعد ولادة الإِمام مسلم بسنة . وأول سماع الإِمام مسلم رحمه الله سنة ثماني عشرة ومائتين (١) فهذا الفارق في السن ، والفارق في قدم السماع يجعل الإمام البخاري سابقاً الإِمام مسلماً في كثير من الشيوخ لم يدركهم مسلم رحمه الله . ومما لا شك فيه أن البخاري رحمه الله قد انفرد بالرواية خلال تلك السنوات الأربع عشرة التي سبقت سماع مسلم عن شيوخ ، ويكون من هؤلاء الشيوخ الذين سمع منهم البخاري لم يدركهم مسلم لوفاتهم قبل بدئه السماع ، وخاصة الأوائل منهم . ثالثاً : ما كان فوق ذلك فحسب أسانيد الشيوخ : إن هؤلاء الشيوخ الذين انفرد البخاري رحمه الله بالسماع منهم خلال السنوات الأربع عشرة من سنة خمس ومائتين - بدءُ سماعه ، إلى سنة (١) انظر تذكرة الحفاظ للذهبى (١ صـ ٥٥٥، ٥٨٨) فى ترجمة الشيخين فيه ... - ٢٥٩ - ثماني عشرة ومائتين وهي بدءُ سماع مسلم - ولم يكن مسلم قد أدركهم لتقدم وفائهم، وهؤلاء الشيوخ يروون بأسانيد لهم ، قد وصلت إلى الإِمام البخاري ،ومما لا شك فيه أن بعض تلك الأَسانيد لم تصل إلى الإِمام مسلم أيضاً ، فيكون البخاري رحمه الله قد انفرد بالرواية عن رواة - وهم فوق شيوخه لم يدركهم ولم تحصل لمسلم الرواية عنهم ، وإِن كان هذا العدد قليلا ، والله أعلم . رابعاً : حافظة كل منهما : : إن كلا من الإمامين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى بشر ، متاز بمزايا قد يوجد منها عند غيره ، وقد ينفرد ببعضها ، ومما لا شك فيه أن كلا من البخاري ومسلم قد أكرمهما الله تعالى بحافظة قوية فريدة ، ونبوغ فريد ، واستحضار عجيب وميزات جعلت من الاثنين مضرب المثل ، لكن البخاري رحمه الله تعالى قد امتاز على مسلم بسعة الحافظة وكثرة الرواية . فالبخاري رحمه الله قد انتفى صحيحه من ستمائة ألف حديث ، بينما انتقى مسلم رحمه الله صحيحه من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ، والروايات عن سعة وكثرة حفظ البخاري أكثر مما عند مسلم . ومعنى هذا أَن بعض تلك الروايات ليستِ عند مسلم . ويكون البخاري قد انفرد ببعض الأَسانيد أَو الشيوخ ، وهم ليسوا عند مسلم . ومثل ذلك العكس أَيضاً . والله أعلم خامساً : لم يقصدا الإخراج عن كل ثقة : لم يقصد البخاري ومسلم رحمهما الله الإخراج عن كل ثقة ، وإِنما كان قصدهما الاختصار ، فكما أنهما لم يذكرا في كتابيهما كل حديث - ٢٦٠ - صحيح ، ولم يلتزما ذلك ، كذلك لم يخرجا عن كل ثقة عدل لا جرح فيه ، وهذا واضح من الانتقاء الذي فعلاه في الصحيحين ، ولو التزما الإِخراج عن كل ثقة للزمهما أن يخرجا عن أكثر من ثلاثين ألفاً من الرواة ، بينما لا يتجاوز عدد رجال الصحيحين عن ألفى رجل وأربعمائة وخمسين . قال الحافظ أبو بكر الحازمي رحمه الله : ولا أعلم أحداً من فرق الإِسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخري المعتزلة فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة ، واعتبروا في الرواية ما اعتبروا في الشهادة ، وما مغزى هؤلاءٍ إِلا تعطيل الأحكام ، كما قال أبو حاتم ابن حبان .. فإن قيل : فإِن كان الأمر على ما ذكرت [ أي من غير اعتبار العدد] فإن الحديث إِذا صح سنده وسلم من شوائب الجرح ، فلا عبرة بالعدد والإِفراد . وقد يوجد على ما ذكرت حديث كثير ، فينبغي أن يناقش البخاري في ترك إخراج أحاديث هي من شرطه ، وكذلك مسلم ومن بعده . قلت : الأمر على ما ذكرت من أن العبرة بالصحة لا بالعدد ، وأما البخاري فلم يلتزم أن يخرج كل ما صح من الحديث حتى يتوجه عليه الاعتراض ، وكما أنه لم يخرج عن كل من صح حديثه ولم ينسب إلى شيءٍ من جهات الجرح وهم خلق كثير يبلغ عددهم نيفاً وثلاثين ألفاً ، لأن تاريخه يشتمل على نحو من أربعين ألفاً وزيادة ، وكتابه في الضعفاء دون سبعمائة نفس ، ومن خرجهم في جامعه دون ألفين ... (١). (١) شروط الأئمة الخمسة (٤٧ - ٤٨).