النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - قلت : لكن في بعض من ذكرهم أنهم لم يقطعوا به نظر ، إِذ قد قالوا به إِذا احتفت به القرائن ، كالآمدي مثلا : حيث قال : ((اختلفوا في الواحد العدل إِذا أَخبر بخبر هل يفيد خبره العلم)»؟. فذهب قوم إلى أنه يفيد العلم . ثم اختلف هؤلاءِ : فمنهم من قال : إِنه يفيد العلم ، بمعنى الظن لا يمعنى اليقين ، فإِن العلم قد يطلق ويراد به الظن ، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ ﴾(١) أَي ظننتموهن. ومنهم من قال : إنه يفيد العلم اليقيني من غير قرينة ، لكن من هؤلاءٍ من قال: ((ذلك مطرد في خبر كل أحد )) كبعض أهل الظاهر ، وهو مذهب أحمد بن حنبل - في إحدى الروایتین عنه - ومنهم من قال : إِنما يوجد ذلك في بعض أخبار الآحاد ، لا في الكل. وإليه ذهب بعض أصحاب الحديث . ومنهم من قال: ((إِنه يفيد العلم إذا اقترنت به قرينة ... )) والمختار حصول العلم بخبره إِذا احتفت به القرائن)) (٢). وقال ابن تيمية أيضاً: ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول ، فعملوا به ... فهذا يفيد العلم ، ويجزم بأنه صدق ، لأَن الأُمة تلقته بالقبول : تصديقاً وعملا بموجبه . والأمة لا تجتمع على ضلالة ، فلو كان في نفس الأمر كذباً لكانت الأُمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل به ، وهذا لا يجوز عليها ... (١) سورة الممتحنة: آية ١٠. (٢) الإحكام فى أصول الأحكام (٢: ٣٢). - ١٤٢ - ثم قال : ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور أحاديث البخاري ومسلم ، فإِن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين ، وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث . . ))(١) والعلم لا يأتي من كثرة العدد فحسب ، بل يكون أحياناً من صفات المخبر به ، وأحياناً من نفس الإخبار ، وأحياناً من القرائن المحتفة بالخبر. ولهذا قال : ((ولهذا كان علماءُ الحديث الجهابذة فيه ، المتبحرون في معرفته ، قد يحصل لهم اليقين التام بأخبار - وإِن كان غيرهم من العلماء قد لا يظن صدقها . فضلا عن العلم بصدقها - ومبنى هذا على أن الخبر المفيد للعلم يفيده : من كثرة المخبرين تارة، - ومن صفات المخبرين أُخرى . - ومن نفس الإخبار به أُخرى . - ومن نفس إِدراك المخبر له أُخرى . - ومن الأمر المخبر به أُخرى . فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم ، لما هم عليه من الديانة والحفظ ، الذي يؤمن معه كذبهم أو خطؤهم ، وأَضعاف ذلك العدد من غيرهم قد لا يفيد العلم . هذا هو الحق الذي لا ريب فيه ، وهو قول جمهور الفقهاء والمحدثين وطوائف من المتكلمين )) (٢) . (١) مجموع الفتاوى (١٨ : ١٦ -١٧). (٢) مجموع الفتاوى (٢٠ : ٢٥٨). - :١٤٣ - ثم قال مؤكداً أن الخبر إِذا تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم وأنه مذهب الجمهور من الفقهاءِ أَيضاً : ((فأَما الأَول [ أي ما دلالته قطعية] فيجب اعتقاد موجبه علماً وعملاً، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة ، وإِنما قد يختلفون في بعض الأخبار ، هل هو قطعي السند ، أو ليس بقطعي ؟ وهل هو قطعي الدلالة أو ليس بقطعي ؟ مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأُمة بالقبول والتصديق ، أَو الذي اتفقت على العمل به ، فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم ... ))(١). قلت : والأُمة متمثلة بأَهل الحديث قد تلقت هذين الكتابين بالقبول وأَوجبت العمل بما فيهما . بل زاد في إيضاحه أكثر حيث بين رحمه الله أَن أَكثر متون الصحيحين متواترة ، وأَن أَكثر متونهما مما يعلم علماءُ الحديث علماً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قالها ، وأن هذا في إِفادة العلم كالمتواتر . فقال بعد كلامه عن المتواتر وإِفادته العلم : ((ولهذا كان الصحيح أَن خبر الواحد قد يفيد العلم - إذا احتفت به قرائن تفيد العلم - . وعلى هذا فكثير من متون الصحيحين متواتر اللفظ عند أهل العلم بالحديث، وإِن لم يعرف غيرهم أنه متواتر . ولهذا كان أكثر متون الصحيحين مما يعلم علماء الحديث - علماً قطعياً - أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله : (١) مجموع الفتاوى (٢٠ : ٢٥٧). - ١٤٤ - تارة لتواتره عندهم . وتارة لتلقي الأُمة له بالقبول . وخبر الواحد المتلقى بالقبول يوجب العلم عند جمهور العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وهو قول أكثر أصحاب الأشعري كالإِسفراييني وابن فورك . فإِنه وإِن كان في نفسه لا يفيد إلا الظن ، ولكن لما اقترن به إجماع أهل العلم بالحديث على تلقيه بالتصديق ، كان بمنزلة إجماع أهل العلم بالفقه ، على حكم مستندين في ذلك إِلى ظاهر ، أَو قياس ، أَو خبر واحد، فإِن ذلك الحكم يصير قطعياً - عند الجمهور - وإن كان بدون الإِجماع (١) ليس بقطعي ، لأن الإجماع معصوم ... )). وقال أيضاً: ((والصحيح ما عليه الأكثرون : أَن العلم يحصل بكثرة المخبرين تارة ، وقد يحصل بصفاتهم لدينهم وضبطهم ، وقد يحصل بقرائن تحتف بالخبر ، يحصل العلم بمجموع ذلك ، وقد يحصل العلم بطائفة دون طائفة . وأيضاً ، فالخبر الذي تلقاه الأمة بالقبول - تصديقاً له أو عملاً بموجبه - يفيد العلم عند جماهير الخلف والسلف ، وهذا في معنى المتواتر))(٢) . ثم قال : ولهذا كان أكثر متوفى الصحيحين مما يعلم صحته عند علماء (١) مجموع الفتاوى (١٨: ٤٠- ٤١). (٢) مجموع الفتاوى (١٨ : ٤٨). - ١٤٥ - الطوائف من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والأشعرية ، وإِنما خالف في ذلك فريق من أهل الكلام)) (١). وهذا الذي قاله كلام نفيس ومهم يعبر عن نظرة بعيدة وسبر لأَسانيد وروايات وطرق الأحاديث . وقال أيضاً : ((وأما ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه العلماءُ من الأحكام، وهذا لا يكون إِلاصدقاً ، وجمهور متون الصحيح من هذا الضرب، وعامة هذه المتون تكون مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم من عدة وجوه ، رواها هذا الصاحب وهذا الصاحب من غير أن يتواطآ ، ومثل هذا يوجب العلم القطعي ... )) . قلت : هذا بالنسبة للمتواتر فيما اتفق عليه الشيخان ، أَو ذكره أحدهما وتواتر من غير طريقه أيضاً، أما إذا كان غير متواتر ، فإِنه إنما يفيد العلم إِذا احتفت به القرائن . قال الحافظ رحمه الله ((وقد يقع فيها ( أَي في أخبار الآحاد ) ما يفيد العلم النظري ، خلافاً لمن أبى ذلك ... ثم قال : والخبر المحتف بالقرائن أنواع : منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر ، فإِنه احتفت به قرائن : منها جلالتهما في هذا الشأن . وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما . (١) مجموع الفتاوى (١٨ : ٧٠). (٢) مجموع الفتاوى (١٨ : ٢٢). (١٠ - مكانة الصحيحين ) - ١٤٦ - وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول . وهذا التلقي وحده أقوى في إِفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر ، إِلا أَن هذا يختص بمالم ينتقده أحد من الحفاظ مما فى الكتابين ، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه ، مما وقع في الكتابين ، حيث لا ترجيح ، لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر . وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته . فإن قيل: إِنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ، منعناه . وسند المنع : أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ، ولو لم يخرجه الشيخان ، فلم يبق للصحيحين في هذا مزية ، والإِجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة (١) ... )) . قلت: وقوله ((وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه ... )) هذا بعيد، لأَنه لا يوجد حديثان - كما قال الشافعي رحمه الله - صحيحان متعارضان من كل وجه إلا على سبيل النسخ . وعلى هذا يمكن القول : أَن الحديث الموجود في الصحيحين - ولم ينتقده أحد من الحفاظ يفيد العلم إما لتواتره ، وإِما لما احتفت به من القرائن ، والله أعلم . وكون أحاديث الصحيحين تفيد العلم - إِما لتواترها - في المتوافر - وإِما لتلقي الأمة لها بالقبول - في خبر الواحد - هو مذهب عامة المحدثين وكثير من الفقهاء والمتكلمين وقد خالف في ذلك النووي رحمه الله تعالى كما سأَذكر ذلك . (١) شرح النخبة (٩) وانظر التدريب (١: ١٣٣) والمنهج الحديث (١ : ٦٣). (٢) انظر ما كتبته فى هذا المعنى (الشافعى وعلم مختلف الحديث). - ١٤٧ - والعلم القطعي متوقف على الأصحية أولا ، ثم على تلقي الأمة له بالقبول ، وهذا التلقي وحده كاف في الدلالة والحكم على الأصحية - لأَن الأُمة لا تجتمع على ضلالة ، واجتماعها معصوم من الخطأ . وقد وافق ابن كثير رحمه الله شيخه ابن تيمية ، ومن قبله الإِمام ابن الصلاح فقال: ثم حكى [ أَي ابن الصلاح] أَن الأُمة تلقت هذين الكتابين بالقبول سوى أَحرف يسيرة ، انتقدها بعض الحفاظ كالدار قطني وغيره . ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث ، لأَن الأُمة معصومة عن الخطأ ، فما ظنت صحته ووجب عليها العمل به ، لابد وأن يكون صحيحاً في نفس الأمر ، وهذا جيد . وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محيى الدين النووي ، وقال : لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك . قلت [ ابن كثيراً : وأنا مع ابن الصلاح ، فيما عول عليه وأرشد إليه ، والله أعلم .. قال : ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية ، مضمونه : أَنه نقل القطع بالحديث الذى تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأَّمة : منهم : القاضي عبد الوهاب المالكي ، والشيخ أبو حامد الإِسفراييني ، والقاضي أبو الطيب الطبري ، والشيخ أبو إِسحق الشيرازي ، من الشافعية. ١٤٨- · وابن حامد ، وأبو يعلى بن الفراء ، وأَبو الخطاب وابن الزاغوني ، وأمثالهم من الحنابلة . وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية . قال : وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم : كأبي إِسحق الإِسفراييني ، وابن فورك . قال: وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامة . وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً ، فوافق فيه هؤلاء (١) ءَ الأئمة )) وقال العلامة فصيح الهروي رحمه الله : السادس قولهم : هذا حديث صحيح متفق عليه ، أي اتفق عليه البخاري ومسلم ، لا كل الأئمة ، لكنه يستلزم اتفاق الأمة أيضاً ، لتلقيهم بالقبول . السابع : ما روياه أَو واحد ، وهو مقطوع بصحته ، أي يفيد العلم القطعي نظراً لا ضرورة ... )) (٣) . وقال الإِمام السخاوي رحمه الله تعالى عند قول العراقي رحمه الله : ((وأقطع بصحة لما قد أَسندا)): أَي أَن الذي أَورده البخاري ومسلم مجتمعين ومنفردين ، بإسناديهما المتصل ... مقطوع بصحته ، لتلقي الأمة - المعصومة في إِجماعها عن الخطأ، (٣) كما وصفها صلى الله عليه (١) مختصر علوم الحديث (٣٥-٣٦). (٢) جواهر الأصول فى علم حديث الرسول (٢٠ - ٢١). (٣) انظر ما كتبه الرازى رحمه الله فى المحصول (٢: ١: ٢٩٣ - ٢٩٤) عن عصة إجماع الأمة . وأن الأمة لاتجتمع على الكفر . - ١٤٩ - وسلم بقوله: ((لاَ تَجْتَمِعُ أُمّي عَلَى ضَلاَلَةٍ)) - لذلك بالقبول من حيث الصحة وكذا العمل ، ما لم يمنع منه نسخ أو تخصيص أو نحوهما . وتلقي الأُمة للخبر - المنحط عن درجة المتواتر - بالقبول ، يوجب العلم النظري ((كذا له)) أَي لابن الصلاح ، حيث صرح باختياره له ، والجزم بأنه هو الصحيح . وإلا فقد سبقه إلى القول بذلك في الخبر المتلقى بالقبول : الجمهور من المحدثين والأصوليين وعامة السلف ، بل وكذا غير واحد في الصحيحين . ولفظ الأُستاذ أبي إسحق الإِسفراييني: ((أهل الصنعة مجمعون على أَن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها ، ولا يحصل الخلاف فيها بحال ، وإِن حصل ، فذاك اختلاف في طرقها ورواتها . قال : فمن خالف حكمه خبراً منها وليس له تأويل سائغ للخبر ، نقضنا حكمه . لأَن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول)) ... ثم قال السخاوي رحمه الله : لكن قد وافق اختيار ابن الصلاح جماعة من المتأخرين ، مع كونه لم ينفرد بنقل الإجماع على التلقي ، بل هو في كلام إِمام الحرمين أيضاً ، فإِنه قال : لإِجماع علماء المسلمين على صحتهما . وكذا هو في كلام ابن طاهر وغيره ، لاشك - كما قال عطاء - : أَن ما أَجمعت عليه الأُمة أقوى من الإِسناد . ونحوه قول شيخنا : الإِجماع على القول بصحة الخبر ، أَقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق ، وكذا من القرائن المحتفة التي صرح غير واحد بإِفادتها العلم . - ١٥٠ - لا سيما وقد انضم إلى هذا التلقي الاحتفاف بالقرائن ، وهي : جلالة قدر مصنفيهما ، ورسوخ قدمهما في العلم ، وتقدمهما في المعرفة بالصناعة وجودة تميز الصحيح من غيره ، وبلوغهما أَعلى المراتب في الاجتهاد والإِمامة في وقتهما ... ))(١). وقال الإِمام الصنعاني: (( إِن خبر الواحد يفيد الظن ، فإِذا حفته القرائن أَفاد العلم))، كما قال الحافظ في النخبة وشرحها : وقد يقع فيها - أي أخبار الآحاد المنقسمة إلى مشهور وعزيز وغريب . وهي أقسام الآحاد - ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار . اهـ. وقلنا في نظم النخبة : وقد يفيد العلم أعني النظري إِذا أَتت قرائن للخبر ثم قال: وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يبعث الآحاد إلى الأقطار يدعون إلى الإيمان ، ولابد فيه من العلم ، ولا يكفي فيه الدخول بالظن ، وكان يرتب على خبر الآحاد ما يرتب على ما يفيد العلم ، كقبوله خبر الوليد بن عقبة في قصة بني المصطلق ، وإرادته صلى الله عليه وآله وسلم غزوهم، استناداً إلى خبره، حتى أنزل الله ﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبٍَ﴾ (٢) ... ثم المراد من العلم هنا بخبر الآحاد ، العلم بالمعنى الخاص ، وهو الاعتقاد الجازم المطابق ، الذي لا يبقى معه شك ولا شبهة . فقول الزين ((العلم الظاهر)) يريد به هذا المعنى، إِذ العلم بالمعنى الأَعم لا خلاف في إِفادة خبر الآحاد له ... )) (٣). (١) فتح المغيث (١: ٤٦ - ٤٨). (٢) سورة الحجرات : آية ٦ . (٣) توضيح الأفكار (١: ٢٦ - ٢٧). - ١٥١ - وقال الإمام الشوكاني : « اعلم أن الخلاف الذي ذكرناه في أُول هذا البحث من إِفادة خبر الآحاد الظن أو العلم ، مقيد بما إِذا كان خبر واحد لم ينضم إليه ما يقويه ، وأما إِذا انضم إليه ما يقويه ، أَو كان مشهوراً ، أو مستفيضاً ، فلا يجري فيه الخلاف المذكور . ولا نزاع في أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه . فإنه يفيد العلم ، لأن الإِجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه . ءُ وهكذا خبر الواحد إِذا تلقته الأمة بالقبول ، فكانوا بين عامل به ، ومتأول له . ومن هذا القسم أحاديث صحيحي البخاري ومسلم ، فإِن الأمة تلقت ما فيهما بالقبول ، ومن لم يعمل بالبعض من ذلك فقد أوله ، والتأويل (١) فرع القبول . والبحث مقرر بأدلته في غير هذا الموضع. وذهب الجصاص - من الحنفية - إِلى نحو ما ذهب إليه ابن تيمية ومن ذهب مذهبه في أن خبر الواحد يفيد التواتر إذا تلقته الأمة بالقبول (٢). وجزم الحافظ السيوطي رحمه الله بالذي جزم به ابن الصلاح وابن كثير وغيرهما فقال بعد قوله (( وقال ابن كثير : وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه. قلت [ السيوطي ]: وهو الذي اختاره، ولا أَعتقد سواه(٣) )). (١) إرشاد الفحول (٤٩ - ٥٠). (٢) أحكام القرآن (١: ٣٨٦) وانظر قواعد فى علوم الحديث ( ٥٨ - ٦٣) ففيه فائدة . (٣) تدريب الراوى (١ : ١٣٤). - : ١٥٢ - وقال في منظومته : والحكم بالصحة والضعف على كتاب مسلم ، أَو الجعفي ، سوى ظاهره ، لا القطع إلا ما حوى قطعاً به ، وكم إِمام جنحا ما انتقدوا ، فابن الصلاح رجحا ظناً به ، والقطع ذو تصويب(١) والنووي رجح في التقريب وقد توسع الإِمام الظاهري ابن حزم رحمه الله تعالى في ذلك ، فجعل خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجب العلم والعمل معاً ، وقد أَطال النفس في إيراد الأدلة على صحة هذه الفكرة مما لا مجال لنقله هنا لأنه طويل في حوالي عشرين صفحة. فقال تحت (( فصل ، في هل يوجب خبر الواحد العدل : العلم مع العمل ، أَو العمل دون العلم ؟)). قال أبو محمد: قال أبو سليمان [ داود الظاهري ] والحسين بن على الكرابيسي ، والحارث بن أسد المحاسبي وغيرهم : إِن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجب العلم والعمل معاً ، وبهذا نقول . وقد ذكر هذا القول أَحمد بن إسحق المعروف بابن خويز منداد عن مالك بن أنس))(٢). (١) ألفية الحديث للسيوطى (٣). (٢) الإحكام فى أصول الأحكام (١: ١١٩) وانظر تكملة قوله (١: ١١٩ -١٣٨) ففيه فائدة كثيرة وردود على منكرى ذلك ، وأدلة على صحة قوله قوية - ١٥٣ - فإِذا كان خبر الواحد العدل - ولو لم تحتف به قرائن - ما دام رواته ثقات يوجب العلم والعمل ، فما بالك بالذي هو أصح الصحيح ، المنتقى من مئات الألوف من الأحاديث ، ولم يحكم غيره على كتابه بالصحة سواه ، مع علو درجته ، وبسطته في العلم والفهم والوعي والإِدراك. ثم تلقي الأمة - متمثلة بعلماء الحديث - له بالصحة والعمل، فلا شك أن هذا يوجب العلم قبل الذي فقد ذلك كله . وقبل الخوض في مقالة الإمام النووي رحمه الله تعالى . أحب أن أقول : إِن علماء الشريعة في هذه الأمة ثلاثة أقسام ، المتكلمون والفقهاءُ والمحدثون . فالمتكلمون قد عرف من حالهم أنهم يردون كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ، ولو كان من الأُمور الظنية ، فإِن أَورد عليهم من ذلك حديث صحيح عند المحدثين ، أَولوه إِن وجدوا تأويله قريب المأخذ ، أو ردوه مكتفين بقولهم : هذا من أخبار الآحاد . وهي لا تفيد إلا الظن ، ولا يجوز البناء على الظن ، في المطالب الكلامية . وقد نشأ بسبب ذلك عداوة شديدة بين المتكلمين والمحدثين ، يعلمها من نظر في كتب التاريخ ، حتى جاز للمتكلمين أن يسموا كثيراً من المحدثين بالمشبهة ، وسماهم المحدثون بالمعطلة . وأَما الفقهاءُ ، فقد عرف من حالهم أنهم يؤولون كل حديث يخالف ما ذهب إليه علماءُ أَو إِمام مذهبهم ، أَو يعارضون الحديث بحديث آخر ، ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث ، والذي عارضوه ثابتاً في الصحيحين ، بل مما أخرجه الستة . - ١٥٤ - ومن نظر في تخريج كتب الفروع ، وشروح الصحيحين عرف الكثير من هذا (١) . وأما المحدثون : فهم الذين يلتزمون بما صح عندهم بناءً على دراسة الأسانيد والنظر في طرق الحديث . وهم طبقات . فمنهم : من جمع مع الحفظ ملكة الاستنباط ، والجمع بين طرق الحديث ، والمعرفة في عللها ، والمعرفة في السابق واللاحق ... فهذا قريب من الفقهاء لأنه يجمع بين الحديث والفقه . ومنهم : من لا يعرف سوى الجمع ، وهمَّه جمع طرق الحديث والإكثار من المرويات . من غير علم ولا دراية . فإن كان قاصر النظر ، حلت العداوة بينه وبين علماء الأمة . وهؤلاءٍ غير معتبر بهم - كما هو واضح عند أهل الحديث ، كما نص عليه الخطيب والذهبي وغيرهما . والذين اعترضوا على إِفادة ما حواه الصحيحان من العلم إنما أغلبهم من الفقهاء والأُصوليين كما يتضح من كلام النووي رحمه الله تعالى ، أَما أهل الحديث فقد رأيت أَقوالهم وأنهم متفقون على صحة ذلك . والعبرة بهم ، لأن الأمر مختص بهم فيما يتعلق بالحديث ، لا بالفقهاء وأَهل الكلام ، علماً أَن أَكثر أهل الكلام موافقون في هذه المسألة لأَهل الحديث - كما مر - كما أن عدداً من الفقهاء من مختلف المذاهب الفقهية موافقون لأَهل الحديث أيضاً . قال الإمام النووي في التقريب : وإذا قالوا : صحيح متفق عليه ، (١) انظر توجيه النظر (١٢٩ - ١٣١). - ٢٥٥ - أو على صحته ، فمرادهم اتفاق الشيخين ، وذكر الشيخ [ ابن الصلاح ] أن ما روياه أو أحدهما ، فهو مقطوع بصحته ، والعلم القطعي حاصل فيه. وخالفه المحققون والأكثرون ، فقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر (١) . وقال في شرح مسلم : وهذا الذي ذكره الشيخ في هذه المواضع، خلاف ما قاله المحققون والأكثرون ، فإنهم قالوا : أحاديث الصحيحين ليست متواترة إِنما تفيد الظن ، فإنها آحاد ، والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر . ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما فى ذلك . وتلقي الأُمة بالقبول إنما أَفادنا وجوب العمل بما فيهما ، وهذا متفق عليه ، فإِن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إِذا صحت أَسانيدها ، ولا تفيد إلا الظن فكذا الصحيحان . وإِنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب ، في كون ما فيهما صحيحاً لا يحتاج إلى النظر فيه ، بل يجب العمل به مطلقاً ، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر ، وتوجد فيه شروط الصحيح . ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إِجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم . وقد اشتد إِنكار ابن برهان الإمام على من قال بما قاله الشيخ ، وبالغ في تغليطه ")) . (١) التقريب - بشرح تدريب الراوى (١ :١٣٢). (٢) شرح صحيح مسلم (١ : ٢٠). - ١٥٦ - ووافق النووي ابن عبد السلام ، فقد قال السيوطي رحمه الله : وكذا عاب ابن عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول ، وقال : إِن بعض المعتزلة يرون أن الأُمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته ، قال : وهو مذهب رديء(١) اهـ. وهذا الذي قاله الإمام النووي رحمه الله تعالى ، إِنما هو منصب على أصل خبر العدل الواحد ، إذ ذهب الجمهور من المحدثين والفقهاء والأُصوليين إلى أنه يفيد الظن خلافاً للظاهرية ورواية عن مالك ورواية عن أحمد وهو قول الكرابيسي والحارث المحاسبي وغيرهم . لكن خبر الواحد إِذا احتفت به قرائن ، وكانت تلك القرائن قوية يغلب على من سمعها التصديق الجازم ، فإنما ترتفع من إفادة الظن إلى العلم ، وهذا هو مذهب عامة المحدثين وأهل السلف والجمهور من الفقهاءِ والأصوليين . ولابد من ضرب مثل يتضح فيه إفادة خبر العدل الواحد - إِذا احتفت به قرائن - للعلم . وذلك لو أُخبر مَلِكٌ بموت ولد له مشرف على الموت ، وانضم إليه القرائن من صراخ ، وجنازة ، وخروج المخدرات على حال منكرة غير معتادة دون موت مثله ، وكذا خروج الملك وأكابر مملكته ، فإنا نقطع بصحة ذلك الخبر ، ونقطع بموت الولد ، ونجد ذلك من أنفسنا وجداناً ضرورياً ، لا يتطرق إليه الشك . فحصل العلم بالخبر بضميمة القرائن ، إِذ لولا الخبر لجوزنا موت شخص آخر . (١) تدريب الراوى (١: ١٣٢) - ١٥٧ - ولولا القرائن لما حصل العلم بمجرد الخبر بل لو قامت القرائن على خلاف ذلك الخبر . فإنها تنقلب وتعد سبباً لتكذيبه ، وذلك كأَن ليس للملِك ولد مريض ، ولم يدخل عليه طبيب ، ولم يُظهر هو آثار الحزن ، ولا نسمع صوت بكاءٍ ، على ما جرت به العادة ، ولم تخرج جنازة . فهذا كله يدل على أن القرائن إِذا احتفت بالخبر أَفاد علماً (١) ولم يسلم اعتراض النووي وابن عبد السلام من ردود ، وخاصة وهو يمثل وجهة نظر بعض الفقهاء ، بينما نجد كثيراً من أهل الكلام والفقهاء قالوا بمثل ما قال ابن الصلاح وابن تيمية وغيرهما رحمهم الله تعالى . وهو قول أهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامة . قال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني رحمه الله : وما قاله ابن عبد السلام والنووي ومن تبعهما ممنوع . فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين ، رحمهم الله ، عن جماعة من الشافعية : كالإِسفراييني أبي إسحق ، وأبي حامد ، والقاضي أبي الطيب ، وتلميذه أبى إِسحق الشيرازي ، والسرخسي من الحنفية ، والقاضي عبد الوهاب من المالكية ، وجماعة من الحنابلة كأبي يعلى ، وأبي الخطاب ، وابن حامد ، وابن الزاغوني ، وأَكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم ، منهم ابن فورك ، وأهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامة ، أنهم يقطعون بالحديث الذى تلقته الأمة بالقبول . (١) انظر شرح نخبة الفكر لملا على القارى (٤٠). - ١٥٨ : - وفي ((صفوة التصوف لابن طاهر المقدسي )) وذكر الصحيحين : أجمع المسلمون على ما أخرج فيهما أو ما كان على شرطهما(١)). فقد أَلحق ابن طاهر رحمه الله ما كان على شرط الشيخين في إفادة العلم أيضاً . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (( ما ذكره النووي في شرح مسلم من جهة الأكثرين ، أَما المحققون فلا ، فقد وافق ابن الصلاح محققون )) (٢). وصدق في قوله رحمه الله فقد وافق ابن الصلاح محققون ، قلت : وهم كثيرون والحمد لله . وقال الحافظ رحمه الله تعالى أيضاً : والخبر المحتف بالقرائن أنواع منها : ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد المتواتر ، فإِنه احتفت به قرائن ، منها جلالتهما في هذا الشأن . وتقدمهما في تميز الصحيح على غيرهما . وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول ، وهذا التلقي وحده أَقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر . إِلا أَن هذا يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ مما في الكتابين ، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح ، لاستحالة (١) محاسن الاصطلاح (١٠١). (٢) تدريب الراوى (١ : ١٣٣). - ١٥٩ - أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر ، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته . فإن قيل : إنما اتفقوا على وجوب العمل به لا على صحته ، منعناه . وسند المنع : أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح ، ولو لم يخرجه الشيخان فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإِجماع حاصل على أن لهما مزية ، فيما يرجع إلى نفس الصحة ... ))(١). ويمكنني حصر الأسباب المانعة عند المعارضين ، والقائلين بعدم إِفادة حديث الصحيحين للعلم ، بثلاثة أَسباب : ١ - قالوا : إِن ابن الصلاح خالف جمهور أَرباب الكلام والأصول بقولهم إِن خبر الواحد العدل يفيد الظن . ٢ - إِن بعض المعتزلة يرون أن الأُمة إذا عملت بحديث اقتضى ذلك القطع بصحته بينما جعل ابن الصلاح رحمه الله جميع ما في الصحيحين يفيد القطع . سوى ما استثنى . ٣ - أنه بنى الحكم على تلقي الأُمة لهما بالقبول ، ولم يبين ماذا أَراد بالأُمة . ولا ماذا أَراد بتلقيها لهما بالقبول . قلت: والجواب على الأمر الأول : أَن خبر الواحد العدل يفيد الظن ، وهذا إذا كان متجرداً ، وإِنما حكم ابن الصلاح - ومعه عامة المحدثين وكثير من الفقهاء وأهل الكلام والأصول - على خبر الواحد إذا احتفت به القرائن ، لا إِذا بقي متجرداً عنها ، وأحاديث الصحيحين ، قسمان : (١) شرح النخبة (٩). - ١٦٠ - متواتر ، وهو كثير ، وآحاد ، فالمتواتر يفيد العلم اتفاقاً ، والآحاد فيهما يفيد العلم عنده - وعند من ذكرنا - لأنه احتفت به القرائن ، وأَما جمهور من ذكر من المعارضين ، فإِنما ينظرون في إجراء الحكم على خبر الواحد العدل المتجرد عن القرائن ، فاختلف الأمران . وأما على الأَمر الثاني . فقد سبق الجواب عنه في جواب الشيخ ابن تيمية ، وغيره ، وإِذا كانت الأُمة لا تجتمع على ضلالة ، ومحال عليها أن تكون كذلك ، فما أَجمعت عليه لا يكون إلا حقاً ، وكون الأُمة - متمثلة بعلماء الحديث - أَجمعت على صحة هذين الكتابين - كما مر - وإِجماعها لا يكون إِلاَّ حقاً، وما أَجمعت عليه لا يكون إِلَّ صدقاً ، لذا فإن هذا من أقوى الأدلة على الجزم بصحة أحاديث الكتابين . وكون بعض المعتزلة قد قال هذا القول ، فلا مانع أن يوافق بعض أَرباب الأَهواءِ ما عندنا من الأحكام ، وإلا فالأمر يقتضي عند المخالف أن يسقط كل حكم وافقه أَو وافق فيه أهل الأهواء ، وهذا قول رديء . وأَما الجواب على الأَمر الثالث . فقد أَفصح ابن الصلاح ومن بعده ابن تيمية من المراد ، فقد صرح أن العبرة بأَهل الحديث . وذلك قوله : وأعلاها أى أقسام الصحيح الأول ، وهو الذى يقول فيه أهل الحديث كثيراً ((صحيح متفق عليه ، يطلقون ذلك ، ويعنون به اتفاق البخارى ومسلم ، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك وحاصل معه ، لاتفاق الأمة على تلقى ما اتفقا عليه بالقبول ، والعبرة فى كل فن بأهله، لا بغيرهم . وقد نقلت كلام ابن تيمية رحمه الله في ذلك فارجع إليه فإِنه واضح ونفیس . • قال الإِمام الرازي رحمه الله - مبيناً أن اعتبار الإِجماع فى كل