النص المفهرس
صفحات 121-140
-١٢٨١ - الروايات شيءٍ، وهي كلها صحيحة ، بنقل العدل عن العدل ، وهي متداولة بين الفقهاء ، محتج بها)) . لكن الحافظ ابن حجر رحمه الله قال فى نكته : ((بل فيها القليل من ذلك)) . القسم الرابع : الأحاديث الأفراد الغرائب التي رواها الثقات العدول، ٠٠٫٠ ولم يخرج منها البخاري شيئاً ، وانتخب مسلم منها بعض الأحاديث . القسم الخامس : أحاديث جماعة من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم ولم تتواتر الرواية عن آبائهم عن أجدادهم بها إِلا عنهم ، كصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ... وأجدادهم صحابة . وأحفادهم ثقات . فهذه يحتج بها ، مخرجة في كتب الأئمة دون الصحيحين . ١٥ قال الحاكم رحمه الله: ((فهذه الأقسام الخمسة في كتب الأَئمة، فيحتج بها ، وإن لم يخرج منها في الصحيحين حديث يعني غير القسم الأول)». ثم ذكر الأقسام الأخرى . المرسل ، المدلس إذا لم يذكر سماعه ، وما أَسنده ثقة وأرسله ثقات ، وروايات الثقات غير الحفاظ العارفين ، وروايات المبتدعة إذا كانوا صادقين (١). قلت : وأما ما ذكره الحا کم رحمه الله تعالى في القسم الأول وهو كون (١) انظر جامع الأصول (١: ١٦٠ - ١٧٢) وشرح صحيح مسلم (٢٧:١-٢٨) وتدريب الراوى (١: ١٢٥ - ١٤٢). ١٢,٢ الصحابي الذي يروي له صاحب الصحيح يشترط أن يكون له راويان ثقتان ، فالذي يظهر أن الحاكم رحمه الله قد تراجع عن هذا القيد ، وذلك لما وجده في الصحيحين من وجود بعض الصحابة لا يروي عنهم إلا واحد . قال الإِمام السخاوي رحمه الله: (( وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابة من ذلك ، وإِن كان مناقضاً لكلامه الأول ، ولعله رجع عنه إلى هذا ، فقال : الصحابي المعروف إذا لم نجد له راوياً غير تابعي واحِد معروف احتججنا به ، وصححنا حديثه ، إذ هو صحيح على شرطهما جميعاً ، فإن البخاري قد احتج بحديث قيس بن أبي حازم عن كل من: مرداس الأسلمي ، وعدي بن عميرة ، وليس لهما راوٍ غيره، وكذلك احتج مسلم بأحاديث أبى مالك الأشجعي عن أبيه، وأَحاديث مجزاة بن زاهر الأسلمي عن أبيه)» . ٤ : قال السخاوي رحمه الله: ((وحينئذ فكلام الحاكم قد استقام ، وزال - بما تممت به - عنه الملام، وإن كان الذي أخرج حديث عدي إنما هو مسلم لا البخاري ، مع كون قيس لم ينفرد عنه ، والذي أخرج حديث زاهر إِنما هو البخاري لا مسلم ، نعم أخرجا معاً للمسيب بن حزن مع أنه لم يرو عنه سوى ابنه سعيد ، ولكن له ذكر في السير ")) .. فالذي انتخبه البخاري ومسلم هو أعلى درجات الحديث الصحيح بالاتفاق . كما جزم الإمام النووي رحمه الله تعالى بأصحية الصحيحين ، ٧٢٣- ٦:٧٢ (١) فتح المغيث للسخاوى (١: ٤٣). - ١٢٣ - وأنه ليس فيهما حديث ضعيف أو حسن - كما هو الحال في الكتب الأُخرى. وقد سئل رحمه الله تعالى: ((هل في صحيح البخاري ومسلم والمسانيد المشهورة وسنن أبي داود والترمذي والنسائي غير صحيح ؟ أو أحاديث باطلة ؟ أَو فى بعضها دون بعض ؟ )). فأجاب رضي الله عنه: ((أَما البخاري ومسلم فأحاديثهما صحيحة ، وأما باقي السنن المذكورة ، وأكثر المسانيد ففيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر والباطل ، والله أعلم)) (١). بل نقل رحمه الله تعالى الإِجماع على صحة أحاديث الکتابین ووجوب العمل بأحاديثهما، حيث قال في ((تهذيب الأسماء واللغات)): ((اتفق العلماءُ على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم ... )) ثم قال: ((وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين. ووجوب العمل بأحاديثهما)) (٣)) هـ. وقال الإِمام فصيح الهروي رحمه الله تعالى : ما روياه أَو واحد منهما ، فهو مقطوع بصحته ، أي يفيد العلم القطعي نظراً لا ضرورة))(٣). فالقطع بأصحية الصحيحين متفق عليه بين علماء الحديث قاطبة ، وأَهل السلف عامة - كما ذكره الإمام سراج الدين البلقيني رحمه الله - وسوف يأتي نصه - والإجماع على أمر ما مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأَهل فنه، فالإجماع في الفقه مرتبط بالفقهاء ، وفي النحو مرتبط بالنحويين ، وفي الحديث مرتبط بالمحدثين . (١) الفتاوى للإمام النووى (١١٩). (٢) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١: ٧٣ - ٧٤). (٣) جواهر الأصول (٢٠-٢١). - ١٢٤ - قال ابن تيمية رحمه الله: ((إذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث ، كما أن الاعتبار على الأحكام الشرعية بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي (١))) ويقول فى موطن آخر: ((فإِذا اجتمع أهل الفقه على القول بحكم لم يكن إلا حقاً ، وإذا اجتمع أهل الحديث على تصحيح حديث لم يكن إِلا صدقاً ، ولكل من الطائفتين من الاستدلال على مطلوبهم بالجلي والخفي ما يعرف به من هو بهذا الأمر حتي )) (١٧. ولهذا يرى أن جمهور الصحيحين مقطوع بصحتها . وذلك لتواترها واحتفاها بالقرائن - فيقول: ((ولكن جمهور الصحيحين متفق عليها بين أئمة الحديث ، تلقوها بالقبول ، وأجمعوا عليها ، وهم يعلمون (٣) علماً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها ويقول رحمه الله - في موطن آخر -: ((ومن الصحيح ما تلقاه بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث ، كجمهور أحاديث البخاري ومسلم - فإِن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة جمهور أحاديث الكتابين وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث ، فإِجماع أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق ، كإجماع الفقهاء على أن هذا الفعل حلال ، أَو حرام ، أَو واجب ، وإِذا أَجمع أهل العلم على شيءٍ فسائر الأُمة تبع (٤) لهم ، فإِجماعهم معصوم لا يجوز أن يُجْمعوا على خطأ ... (١) مجموع الفتاوى (١٣: ٣٥١-٣٥٢). (٢) مجموع الفتاوى (١: ٩-١٠). (٣) مجموع الفتاوى (١ : ٢٥٧). (٤) مجموع الفتاوى (١٨ : ١٧). ت ١٢٥ - :. وما قاله ابن تيمية من جمهور الصحيحين إنما هو احتراز وإلا فهو يرى أن جميع ما في البخاري صحيح وأن بعض أهل العلم انتقدوا عليه حديثين أَو ثلاثة والقول فيها قول البخاري - كما هو الحال رأي العقيلي أيضاً . وأَما عند مسلم فإنه يرى حديثين أو ثلاثة جرى فيها الوهم، ولهذا قال (( جمهور الصحيحين)) وسيأتي قول ابن تيمية في ادعائه التواتر فى كثير من متون الصحيحين ، وتلقي الأمة لهما . كما سيأتي بيان ما في هذه الأحاديث التي جرى الوهم فيها . بل إِن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يرى: كما أَن أَصح الأسانيد يدخل التفاضل فيها فكذلك ما اتفق عليه الشيخان يفضل على ما لم يتفقوا عليه حيث يقول : ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه ، بالنسبة إلى ما انفرد به أَحدهما ، وما انفرد به البخاري بالنسبة إِلى ما انفرد به مسلم ، لاتفاق العلماء على تلقي كتابيهما بالقبول . واختلاف بعضهم في أيهما أَرجح . فما اتفق عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه ، وقد صرح الجمهور بتقديم صحيح البخاري في الصحة ، ولم يوجد عن أحد التصريح (١ بنقيضه ... )) وإذا كانت الأمة - التي تلقت هذين الكتابين بالقبول والتصديق - بالإِجماع - وعلى الأخص منها أَهل الحديث . وأَوجبوا العمل بما فيهما ، وأَجمعت الأُمة على هذا التلقي ، فإن هذا الإجماع معتبر ، إِذ الأمة لا تجتمع على ضلالة كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (١) شرح نخبة الفكر (١٣). - ١٢٦ : - وبالذي قاله ابن تيمية بتلقي الأُمة لهما بالتصديق والقبول استناداً على قوله عليه الصلاة والسلام المجمع عليه (( لا تجتمع أُمتي على ضلالة)) وأَن إِجماعها معصوم من الخطأ هو الذي استدل به الإِمام ابن الصلاح ومن معه - كما ستأتي أسماؤهم - رحمهم الله تعالى، واعتمدوه من القطع بأصحية الصحيحين ، حتى جاز لإمام الحرمين رحمه الله القول: ((لو حلف إِنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته - من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما ألزمته الطلاق ... )). وللحافظ السجزي القول: ((أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أن رجلاً لو حلف بالطلاق على أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قد صح عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاله لا شك فيه ، فإنه لا يحنث )). بل زاد ابن الصلاح رحمه الله تعالى بالاعتماد على هذا التلقي فقال : ((والأُمة في إِجماعها معصومة من الخطأ ، ولهذا كان الإجماع المبتني على هذا الاجتهاد حجة مقطوعاً بها ، وأكثر إِجماعات العلماءِ كذلك . وهذه نكتة نفيسة نافعة . ومن فوائدها : القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته ، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول ، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق ، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن، والله أعلم(١). قلت : وسيأتي الجواب على هذه الأحرف اليسيرة التي انتقدها بعض الحفاظ بعد قليل إن شاء الله تعالى . (١) علوم الحديث (٢٤ - ٢٥). - ١٢٧ - ومما قاله ابن الصلاح رحمه الله من إلحاق ما انفرد به أحدهما مع المتفق عليه عندهما هو الذي أثبتناه وسوف أَذكر الأدلة على ذلك إن شاء الله تعالى . وهذا الذي ذكره علماء الحديث بعد البخاري ومسلم من أصحية أحاديث كتابيهما هو الذي كان قد ذكره الشيخان نفسهما من قبل . إذ: هما لا يذكران إلا حديثاً قد تناظر فيه مشايخهما، وأجمعوا على القول به ، والتصحيح له - كما نقلته من قبل عن الدهلوي رحمه الله. وإلى هذا المعنى أشار الإِمام مسلم رحمه الله تعالى حيث قال: لم أذكر ٠ ههنا إلا ما أجمعوا عليه . وفي صحيح مسلم : ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعته ههنا ، إِنما وضعت ههنا ما أَجمعوا عليه - كما مر - وكذا قول الإمام البخاري رحمه الله: ((ما أُدخلت في كتاب الجامع إلا ما صح ، وتركت من الصحاح مخافة الطول) وكون كل من البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى قد عرض كتابة على كبار أهل العلم بالحديث رواية ودراية وعللا ، فأَقُرُوهُ وأَثنّواْ علَيْهُ مما يدل على اتفاق أهل عصريهما على صحة ما في كتابيهما ، واعتمادهم لهما، وهذا - مع تلقي الأُمة وأهل الحديث بالذات لهما بالقبول والتصديق - كاف في الدلالة على أَصحية ذلك والقطع به . أَما أَن يأْتِى غِرُّ في آخر الزمان وليس من أَهل هذا الشأن فيتطاول إليهما وعليهما وينتقد بالذي لا يهواه ولا يرضيه فهذا يزري بنفسه ، ولا يلتفت إليه ، لأَّنه يطعن بإجماع الأمة قبل طعنه بهذين الكتابة. ٧١٠ الكريمين . - ١٢٨ - وإذا كان الإمامان الشيخان قد صرحا نفسهما بأنهما لم يُدْخلا في كتابيهما إلا ما صح عندهما - انتقاءً من محفوظاتهما ، وكانا موضع نقاش وبحث وتمحيص من مشايخهما وأهل عصرهما - فكيف نلتفت لقول من بعدهما . مع أَنا لا ندَّعى العصمة لبشر بعد الأنبياء عليهم السلام . والله تعالى أعلم . ولهذا قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في ((الباعث الحثيث)): ((الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين ، ومن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة من الأَمر - : أَن أحاديث الصحيحين صحيحة كلها ، ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإِنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث ، على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحد منهما في كتابه ، وأَما صحة الحديث فى نفسه ، فلم يخالف أحد فيها . فلا يهولنك إرجاف المرجفين ، وزعم الزاعمين ، أن في الصحيحين أحاديث غير صحيحة ، وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم ، واحكم عن بينة ، والله الهادي إلى سواء السبيل )) (١) (١) الباعث الحثيث (٣٥). الفَصْلِ الثَّامِ أُقَا ذَهَالِلجا القطعى إِن الأخبار تنقسم إلى قسمين رئيسيين من حيث كثرة رواتها وقلتهم ، وهما : ١ - الحديث المتواتر ، وتعريفه ما رواه جمع - لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم ، من أوله إلى آخره ، ومستند روايتهم الحس. ٢ - الحديث الاحاد ، وتعريفه : ما لم يجمع شروط المتواتر . وشروط المتواتر هي : ١ - عدد كثير . ٢ - أن تكون هذه الكثرة فى جميع طبقات السند. ٣ - أَن تحيل العادة تواطؤهم على الكذب . ٤ - أن يكون مستند خبرهم الحس ، كقولهم : سمعنا ، أخبرنا ، أما مستند العقل فلا. د فإِذا اختل شرط الكثرة - في أَي طبقة من طبقات السند - فلا يسمى متواتراً ، وإِنما هو آحاد . وينقسم الآحاد : ١ - باعتبار عدد طرقه ورواياته إلى : (١) مشهور: وهو ماله طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ حد التواتر . (ب) عزيز : وهو ما لا يرويه أقل من اثنين عن اثنين في كل طبقة . ( ٩ - مكانة الصحيحين ) - ١٣٠ - (جـ) غريب : وهو ما يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من السند . ٢ - وأَما باعتبار قوته وضعفه فينقسم إلى: (١) صحيح: وهو : ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة . (ب) حسن : وهو : ما اتصل سنده بنقل العدل خفيف الضبط من غير شذوذ ولا علة . (حـ) ضعيف: وهو: ما لم يجتمع فيه صفات الحديث الحسن . فإِذا تعددت طرق الحديث الضعيف انجبر وارتفع إلى مرتبة الحسن - لكن - لغيره . كما إِذا تعددت طرق الحديث الحسن انجبر وارتفع إلى مرتبة الصحيح - لكن - لغيره . بعد هذا الاستعراض السريع لأقسام الأخبار - أَقول : أما الحديث المتواتر : فقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن دلالته قطعية ، وأنه يفيد العلم القطعي الضروري ، لا النظري ، لذا لا يصح إنكاره ولا البحث عن استدلاله لأَنه ثابت قطعاً . قال الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى: ((الباب الأول في إثبات أن التواتر يفيد العلم : أَما إثبات كون التواتر مفيداًللعلم، فهو ظاهر، خلافاً للسمنية ، حيث حصروا العلوم في الحواس وأنكروا هذا ، وحصرهم باطل ... وأَما بطلان مذهب الكعبي حيث ذهب إلى أن هذا العلم نظري ، فإنا نقول : النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك ، وتختلف فيه الأحوال ، فيعلمه - ١٣١ - بعض الناس دون بعض ، ... ونحن لا نجد أنفسنا شاكِّين في وجود مكة، ووجود الشافعي رحمه الله ... )) الخ كلامه (١) . وقال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (( فالمتواتر يفيد العلم: ويجب تصديقه ، وإِن لم يدل دليل آخر ، وليس في الأخبار ما يعلم صدقه بمجرده إِلا المتواتر ، وما عداه إِنما يعلم صدقه بدليل آخر يدل عليه ، سوى نفس الخبر، خلافاً للسمنية ... )) (٣) . وقال الآمدي رحمه الله: (( والحق أن المتواتر في اصطلاح المتشرعة : عبارة عن خبر جماعة مفيد بنفسه العلم بمخبره ... )) ثم قال: ((اتفق الكل على أن خبر التواتر مفيد للعلم بمخبره خلافاً للسمنية والبراهمة ، في قولهم : لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها ، ودليل ذلك : ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضروري بالبلاد النائية ، ـبه والأمم السالفة والقرون الخالية ... ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته ، وظهر جنونه أو مجاحدته (٣))). وقال ابن اللحام رحمه الله : فالمتواتر لغة : المتتابع ، واصطلاحاً : خبر جماعة مفيد للعلم بنفسه . وخالفت السمنية في إفادة المتواتر العلم ، وهو بهت ... )) .. وقال الشوكاني : «وقد اختلف في العلم الحاصل بالتواتر هل هو ضروري (١) المستصفى (١ : ١٣٢ - ١٣٣). (٢) روضة الناظر (٩٣). (٣) الإحكام فى أصول الأحكام (٢: ١٥). (٤) المختصر فى أصول الفقه (٨١). - ١٣٢ - أُو نظري ؟ فذهب الجمهور إلى أنه ضروري ، وقال الكعبي وأبو الحسين البصري : إِنه نظري ... والحق قول الجمهور ... ))" . قلت : والكعبي ، وأبو الحسين البصري هما من المعتزلة . وقال ابن النجار رحمه الله : وكون خبر التواتر مفيداً للعلم : هو قول أئمة المسلمين . والعلم الحاصل بخبر التواتر ضروري عند أصحابنا [ الحنابلة ] والأكثر ... ))(٢). ولخص الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قول علماء الحديث عندما قال : فالأَول المتواتر ، وهو المفيد للعلم اليقيني ، فأخرج النظري على ما يأتي تقريره بشروطه التي تقدمت . واليقين : هو الاعتقاد الجازم المطابق ، وهذا هو المعتمد أَن الخبر المتواتر يفيد العلم الضروري . وهو الذي يضطر الإِنسان إليه ، بحيث لا يمكنه دفعه . وقيل : لا يفيد العلم إلا نظرياً ، وليس بشيءٍ . لأن العلم بالتواتر حاصل لمن ليس له أهلية النظر كالعامي . إِذ النظر ترتيب أمور معلومة أو مظنونة ، يتوصل بها إلى علوم، أو ظنون . وليس في العامي أَهلية ذلك ، فلو كان نظرياً لما حصل لهم. (١) إرشاد الفحول (٤٦). (٢) شرح الكوكب المنير (٢: ٣٢٦). - ١٣٣ - ولاح بهذا التقرير الفرق بين العلم الضروري والعلم النظري . إِذ الضروري يفيد العلم بلا استدلال ، والنظري يفيد ، لكن مع الاستدلال على الإفادة ، وأن الضروري يحصل لكل سامع ، والنظري لا يحصل إلا لمن فيه أهلية النظر ... )) (١) . ومن هذا يتضح أن المتواتر يفيد العلم الضروري اليقيني عند عامة المسلمين ، خلافاً لبعض المعتزلة ، وبعض الفرق الضالة الكافرة كالسمنية والبراهمة التي كانت تعيش في الهند . وهذه الإفادة اتفق عليها علماءُ الحديث والفقه والأصول . وأما خبر الآحاد : فقد اختلف الفقهاءُ والمحدثون والأصوليون فيما بينهم هل يوجب العلم - مع العمل - أم يفيد الظن مع وجوب العمل - وهذا إِذا كان الحديث صحيحاً . قال الشيخ محمد محمد السماحي : علمت أن الصحيح في خبر الآحاد - المستوفي شرائط القبول - أنه يفيد الظن ، وهل يفيد القطع ؟ ١ - ذهب أحمد- في رواية عنه - أَن خبر العدل الضابط يفيد العلم ، إِفادة مطردة في كل خبر ، وحكاه ابن عبد البر عن الكرابيسي ، وابن حزم عن داود .. ٢ - وحكى السهيلي عن بعض الشافعية : أنه يفيد القطع، بشرط أن يكون في إِسناده إِمام مثل : مالك وأحمد وسفيان ، وإلا فلا يوجبه . (١) شرح نخبة الفكر (٥-٦). - ١٣٤ - ٣ - وقال بعض المحدثين: قد يفيد العلم مع التجرد عن القرائن ، وقد لا يفيد : أي لا يطرد في كل خبر . ٤ - وحكى الشيخ أبو إِسحق في (( التبصرة)) عن بعض المحدثين، أنه يفيد القطع في حديث مالك عن ابن عمر ، وشبهه . ٥ - وذهب ابن الصلاح مع آخرين بقطعية ما جاء في الصحيحين، غير ما انتقده عليهما بعض الحفاظ . ٦ - وجعل الأستاذ الإِسفراييني وابن فورك - المستفيض: واسطة بين المتواتر والآحاد وزعما أنه يقتضي العلم نظراً ، والمتواتر يقتضيه ضرورة ، وجعل الجصاص - من الحنفية - المشهور مثل المستفيض - على قولهما : يفيد العلم نظراً ، وحكم بكفر جاحده . ٧ - ومختار إِمام الحرمين والغزالي والآمدي والإِمام الرازي وابن الحاجب ـ ورواية عن أحمد - أَن خبر الواحد قد يفيد العلم بقرائن غير اللازمة ولو كان المخبر غير عدل . ٨ - والأكثر من الفقهاء والمحدثين لا يفيد العلم مطلقاً سواءٌ بقرائن (١) أَو لا (١) اهـ . وقال الصنعاني : واعلم أن الأقوال في خبر الواحد في إفادته العلم ثلاثة : كما ذكره ابن الحاجب والعضد وغيرهما : الأول : أنه يفيد العلم بنفسه مطرداً ، أي كلما حصل خبر الواحد حصل العلم ، وهو قول أحمد بن حنبل . (١) المنهج الحديث فى علوم الحديث - قسم الرواية (٧٢). - ١٣٥ - الثانى : أنه لا يحصل به العلم ، ولا يطرد ، أي ليس كلما حصل حصل العلم به . الثالث : أنه لا يحصل العلم به إلا بقرينة ١١١هـ. قلت: فحصل من هذا ثلاثة أقوال : طرفان ووسط . الأول : أنه يفيد العلم بنفسه ، وهذا مذهب الظاهرية والكرابيسى وأحمد في رواية قصيرة - وحكاه ابن خويز منداد عن الإمام مالك ، وغيرهم والثانى : أَنه لا يفيد العلم ، بل يفيد الظن - مع وجوب العمل به - وهذا مذهب كثير من الفقهاءِ ، والنووي والعز بن عبد السلام . والثالث :: وهو - أَعدل الأَقوال وأَوسطها - أنه يفيد العلم إذا احتفت به قرائن ، وهذا مذهب عامة أهل الحديث وأَهل السلف عامة وكثير من محققي الفقه والأصول والكلام من شافعية ومالكية وحنفية وحنابلة وغيرهم . ولما كان الصحيحان قد احتفت بهما قرائن مثل : ١ - جلالة قدر الشيخين، وأَنهما عالما زمانهما دراية ورواية وعللاً .... ٢ - التصريح بصحة هذين الكتابين من الشيخين أنفسهما ، ولا نعلم واحداً - كما قال الحميدي رحمه الله - من أفصح بصحة جميع ما في كتابه - سوى البخاري ومسلم ، بينما يوجد في غيرهما من (٢) توضيح الأفكار (١: ٢٦ - ٢٧): - ١٣٦ - كتب الحديث ، الصحيح والحسن والضعيف ، بل في بعضها المنكر بل في بعضها الموضوع أيضاً . ٣ - ثم تلقي الأُمة - متمثلة بأَهل الحديث - لهذين الكتابين بالقبول ، وأن هذين الكتابين لهما ميزة لا توجد عند غيرهما ، وهذا التلفي وحده كافٍ في الدلالة على القرينة القوية . لأَن إِجماع الأمة معصوم من الخطأ . ٤ - وجود المستخرجات الكثيرة على هذين الكتابين ، بحيث لا يوجد حديث فيه علة إِلا وجاءً في المستخرجات سليماً ، مما يجعل تعدد طرق حديث الصحيحين ويزيدها قوة على قوة ... إلى غير ذلك . ولما كان الأَمر متعلقاً بالحديث. والمحدثون هم أهل الشأن في ذلك، والأُّمة تبع لهم فيما يقولون في اختصاصهم ومهنتهم . لذا أَذكر أقوال أَهل العلم بالحديث بالنسبة للصحيحين . لكن قبل ذكر أَقوالهم أحب أن أُنبه على أَمر مهم جداً وهو أن كثيراً من متون الصحيحين متواترة يعلم ذلك أهل الحديث. وسوف أَذكر ذلك في أثناءِ نقلي لتلك النصوص إن شاءَ الله تعالى. فيكون الجزم في ثبوت العلم بأحاديث الصحيحين لأمرين : ١ - تارة لتواتر كثير من أحاديث الصحيحين. ٢ - وتارة لما احتفت أخبار الآحاد فيهما بالقرائن . قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وأعلاها - أي أقسام الصحيح - الأول: وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً: ((صحيح متفق - ١٣٧ - عليه )) يطلقون ذلك، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم . لا اتفاق الأُمة عليه ، لكن اتفاق الأُمة لازم من ذلك ، وحاصل معه ، لاتفاق الأُمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول . وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته ، والعلم اليقيني - النظري - واقع به ، خلافاً لقول من نفى ذلك ، محتجاً بأنه لا يفيد في أَصله إلا الظن، وإِنما تلقته الأمة بالقبول ، لأَنه يجب عليهم العمل بالظن ، والظن قد يخطىء . وقد كنت أَميل إلى هذا، وأحسبه قوياً ، ثم بان لي : أَن المذهب الذي اخترناه أولا ، هو الصحيح . لأَن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىءُ، والأُمة في إِجماعها معصومة من الخطأ . ولهذا كان الإجماع المبتني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها ، وأكثر إِجماعات العلماءِ كذلك . وهذه نكتة نفيسة نافعة ، ومن فوائدها : القول بأن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته ، لتلقي الأُمة كل واحد من كتابيهما بالقبول ، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق - سوى أحرف يسيرة - تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن. والله أعلم (١)). وقال أيضاً في شرح مسلم - كما نقله النووي -: (( جميع ما حكم مسلم رحمه الله بصحته في هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته ، والعلم (١) علوم الحديث (٢٤ - ٢٥). - ١٢٨- النظري حاصل بصحته في نفس الأمر ، وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه ، وذلك لأَن الأُمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع . وقال أيضاً : والذي نختاره أَن تلقي الأُمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري بصدقه خلافاً لبعض محققي الأصوليين ، حيث نفى ذلك ، بناءً على أنه لا يفيد في حق كل منهم إلا الظن وإِنما قبله ، لأنه يجب عليه العمل بالظن ، والظن قد يخطىءُ. قال : وهذا مندفع ، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطىءُ ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ . ثم ذكر قول إمام الحرمين . وقال في جزء له : ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ، ثابت يقيناً ، لتلقي الأُمة ذلك بالقبول ، وذلك يفيد العلم النظري، وهو في إِفادة العلم كالمتواتر ، إلا أن المتواتر يفيد العلم الضروري ، وتلقي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري . وقد اتفقت الأُمة على أن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته ، فهو حق وصدق)) (١). ولم يكن ابن الصلاح رحمه الله تعالى هو أول من قال بذلك ، بل سبقه أئمة من أهل الحديث والنقد من الحفاظ . قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: ((إِن ما ادعاه [ أي ابن الصلاح] من أَن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته ، قد سبقه إِليه الحافظ أبو الفضل : محمد بن طاهر المقدسي ، وأبو نصر : عبد الرحيم (١) شرح صحيح مسلم (١: ١٩ - ٢٠). - ١٣٩ - ابن عبد الخالق بن يوسف ، فقالا: إِنه مقطوع به)) (١). اهـ . وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وممن ((صرح بإِفادة ما أُخرجه الشيخان العلم النظري : الأستاذ أبو إِسحق الإِسفراييني ، ومن أَئمة الحديث: أبو عبد الله الحميدي، وأَبو الفضل بن طاهر وغيرهما)). (٢).اهـ. قلت : وكل هؤلاء قبل ابن الصلاح رحمهم الله تعالى . وقال ابن تيمية رحمه الله: ((إِن الحديث الطويل إذا روي مثلاً من وجهين مختلفين ، من غير مواطأة ، امتنع عليه أن يكون غلطاً ، كما امتنع أن يكون كذباً ... مثل حديث اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر ، فإِن من تأمل طرقه ، علم علماً قطعاً أَن الحديث صحيح وإِن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن ، وقد بين ذلك البخاري في صحيحه . فإِن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ، لأَن غالبه من هذا النحو . ولأَّنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق ، والأمة لا تجتمع على خطأ . فلو كان الحديث كذباً في نفس الأَمر ، والأَّمة مصدقة له ، قابلة له ، لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب . وهذا إجماع على خطأ ، وذلك ممتنع . فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطناً وظاهراً . (١) التقييد والإيضاح (٤١): (٢) شرح النخبة (٩) . - ١٤٠ - ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أَن خبر الواحد إذا تلقته الأُمة بالقبول تصديقاً له ، أو عملاً به ، أنه يوجب العلم . وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أُصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في . ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك. ولكن كثيراً من أهل الكلام - أَو أكثرهم - يوافقون الفقهاء. وأَهل الحديث والسلف على ذلك . وهو قول أَكثر الأشعرية، وأَبي إِسحق ، وابن فورك ، وأَما الباقلاني فهو الذي أُنكر ذلك . وتبعه مثل أَبي المعالي ، وأبي حامد ، وابن عقيل ، وابن الجوزي وابن الخطيب ، والآمدي ونحو هؤلاءٍ. والأَول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد ، وأبو الطيب، وأبو إِسحق وأَمثاله من أَئمة الشافعية . وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب وأمثاله من المالكية . وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن ابن الزاغوني من الحنبلية . وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية . وإِذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجباً للقطع به ، فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث . كما أَن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي )) (١)اهـ. (١) مجموع الفتاوى (١٣: ٣٥٠ - ٣٥٢).