النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ - ثالثاً : تلقِّي الأمة بالقبول لهذين الكتابين والعمل بهما وتسليم صحتهما . رابعاً : ما احتفت به أحاديث الكتابين من القرائن . وقد سبق ذكر بعض هذه العوامل ويأتي تفصيل بعضها أيضاً . والله أعلم . سابعاً : لم يفصح أحد من المصنفين بصحة مافى كتابه إلا هما : لم نعلم أحداً من أهل العلم بالحديث قد أَفصح لنا - في جميع ما جمعه بالصحة إلا هذين الإمامين رحمهما الله تعالى - كما قال الإمام الحميدي رحمه الله - سواءٌ ممن سبقهما ، أَو ممن جاءَ بعدهما . قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: ((ما أُدخلت في كتاب ((الجامع)) إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول ))(١). وفي رواية عنه: (( ... وما أَدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى، وصلیت ر کیتین ، وتیقنت صحته ))(٢) وقال الإِمام مسلم رحمه الله: (( ليس كل شيءٍ عندي صحيح وضعته ههنا ، إِنما وضعت ههنا ما أَجمعوا عليه)) . قاله جواباً لأبي بكر ابن أُخت أَبِى النضر عندما سأله عن حديث أبي هريرة: هو صحيح؟ يعني (( وإِذا قرأَ فأَنصتوا)) فقال: هو عندي صحيح، فقال: لِمَ لَمْ تضعه ههنا ؟ فأَجابه بما ذكر (٣) . وأَما غيرهما سواءٌ من أصحاب السنن ففيها الصحيح والحسن والضعيف وغيرها وقد ذكروا ذلك. وأَما غيرهم فصنيعهم في كتبهم يدل (١) علوم الحديث (١٥ - ١٦) وانظر شروط الأئمة الخمسة (٤٩). (٢) هدى الساری (٤٨٩) و (٧). (٣) صحيح مسلم : كتاب الصلاة : باب التشهد . ( ٦ - مكانة الصحيحين ) - ٨٢ - على ذلك من وجود الصحيح والحسن والضعيف ولم يجزم واحد منهم بصحة كل ما في كتابه . والله أعلم . ثامناً : اعتناء العلماء بهما : لقد اعتنى العلماءُ وخاصة أهل الحديث بالصحيحين ، عناية لا نعرفها لغيرهما من الكتب ، سواءٌ من كتب الحديث أَو غيره - عدا القرآن الكريم - وقد ظهرت تلك العناية الفائقة بذلك التراث الضخم ، إِذ كم شارح لهما أو لأحدهما ، وكم مختصر وكم معلق ، وكم مستخرج عليهما أَو على أَحدهما ... كل هذا إن دل على شيءٍ فإنما يدل على هذه الميزة التي لم نعرفها لغيرهما . وقد شرح الصحيحين أئمة من مختلف المذاهب الفقهية ، وكل واحد من هؤلاءِ يدلل بهما على ما يريد . وما زال هذا الاعتناءُ قائماً حتى يومنا هذا ، إِذ نرى من العلماء الثقات في الهند وباكستان والبلاد الإسلامية الأخرى والعربية من يشرحون هذين الكتابين . كما نرى الدروس والحلقات التي يقررها أهل العلم سواء في المساجد أَو الجامعات لقراءة وتقرير وشرح هذين الكتابين ، ولم يصل غيرهما هذا المبلغ الذي وصلاه . بل إن كثيراً من أهل العلم لا يعرف كثيراً من كتب الحديث ، أَما الصحيحان فهو على إِمام بهما . - ٨٣ - تاسعاً : كثرة المستخرجات عليهما : المستخرج : - كما سيأتي - هو أن يأتي المصنّف إِلى كتاب من F كتب الحديث فيخرِّج أحاديثه بأسانيد لنفسه ، ومن غير طريق مصنَّف الكتاب ، فيجتمع معه في شيخه ، أَو في من فوقه ، ولو في الصحابي .... وقد حصل الصحيحين من المستخرجات ما لم يحصل لغيرهما . وهذا إن دل على شيءٍ فإنما يدل على العناية الفائقة التى أولا هما أهل العلم بها . وإننا نرى بعض الأَّئمة من استخرج على كل منهما في كتاب مستقل، ومنهم من استخرج عليهما في كتاب واحد ، كما أننا نرى كثيراً من الأئمة استخرج على أحدهما فقط . وإِذا عرفنا أن صحيح مسلم قد زادت عدد المستخرجات عليه على عشرين مستخرجاً ولكبار الأئمة ، بينما لم يحظ بعض كتب السنة الأربعة بمستخرج واحد فقط. وقل مثل ذلك بالنسبة لصحيح البخاري . فهذا يدل على مدى العناية والقبول لهذين الكتابين . ولا شك فإن هذه منقبة عالية وميزة قيمة ومزية نادرة، وخاصة إِذا عرفنا فوائد المستخرجات - كما سنذكرها إن شاء الله تعالى بعد أربعة فصول . عاشراً : تلقى الأمة هما بالقبول : لقد تلقت الأمة هذين الكتابين الجليلين بالقبول ، وظهر ذلك واضحاً فى العمل بهما وقراءتهما والتسليم لهما ، والعناية بهما ، واقتناهما إذ لا تخلو مكتبة من المكتبات منهما .. إلا نادراً - وليس ذلك خاصاً بطلاّب العلم ، بل إننا نرى إقبال الشباب المثقف عليهما بشكل منقطع النظير ، ولا نرى هذا الإقبال على غيرهما من كتب الحديث . - ٨٤ - وهذا التلقِّي - عملاً وتصديقاً - يعتبر من أكبر الدلائل على الجزم بصحة أحاديث الكتابين وإِفادتهما العلم - كما سيأتي - وخاصة إِذا عرفنا أن الأُمة معصومة من الخطأ . ولهذا قال الإمام النووي رحمه الله: (( وأجمعت الأُمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما ... )) (١). حادى عشر : جلالة رجالهما : إِن أَكثر رواة الأخبار ثقات عدول من زمن الصحابة الكرام إِلى النصف الثاني من القرن الثالث . وإِن الشيخين رحمهما الله تعالى اختارا من الرجال - على العموم - الدرجة العليا من هؤلاء الرجال . قال الإِمام الحاكم رحمه الله تعالى: (( فليعلم طالب هذا العلم : أَن أَكثر رواة الأخبار ثقات ، وأَن الدرجة العليا للذين في (( صحيحي البخاري ومسلم )) وأَن الباقین أُکثرهم ثقات .... ))(٣) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح النخبة: ((ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأَصحية ما وافقه شرطهما ، لأَن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح ، ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم ، فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم ، وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بدليل ... )) ). وبنحوه قال ابن تيمية رحمه الله تعالى . (١) تهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١: ٧٤). (٢) جامع الأصول (١ : ١٧٢). (٣) شرح نخبة الفكر (١٤ - ١٥). - ٨٥ - ثانى عشر : دقة الشيخين فيهما : لقد ضرب الشيخان رحمهما الله تعالى المثل الأعلى في الدقة والضبط والإتقان في الصحيحين . ويتضح هذا جلياً في إيراد الأسانيد وإعادتها . وقد يظن الجاهل أن هذا التكرار مخل ، وليس كذلك ، وإِنما أَعاد الشيخان الإسناد لنكت خفية أو جلية . ولا أستطيع ضرب الأمثلة لكثرتها وإِنما أَشير هنا إِشارات . إِن البخاري رحمه الله تعالى : قد يعيد السند ويغير فيه شيخه لأن أحد الرواة فيه قد صرح بالسماع أَو اللُّقِي ، أَو ذكر قصة تدل على ذلك ، وهو معروف بالتدليس - مع جلالته وثقته - أو يشك في سماعه من شيخه ، فيعيد هذا السند - ولو بنزول - ليبين ذلك (١). كما يتضح أيضاً في عناوينه والتي هي متون أحاديث ، لينبه على هذا الحديث وإلى الاستنباط ليبين موطن الخلاف ، أَو يرد على زعم قائم ، وقد لا يجزم في المسألة ليبين أن فى الأَمر سعة ... وأما عند مسلم فهو واضح وبشكل جَلِيٌّ من إيراده الأسانيد بعد ذكره للحديث بسند الأصل . وقد يكون قد سمع اسم الراوي من غَير بيان أبيه أو نسبه فيقول - وهو ابن فلان - أَو : وهو الفلاني - ولا يسوق ذلك في معرض الرواية ، لأنه لم يسمع ذلك من شيوخه أَو يقول: واللفظ لفلان : أو قال فلان حدثنا ، وقال فلان أخبرنا ومن تصفح الصحيحين اتضح له ذلك بشكل جَلِيٍّ . والله أعلم . (١) انظر: مسألة الاحتجاج بالشافعى فيما أسند إليه والرد على الطاعنين بعظم جهلهم عليه - للخطيب البغدادى - بتحقيق المصنف (ص ٥٧ - ٦٦): - ٨٦ - ثالث عشر : كون الشيخين أعلم الناس بهذا الفن : إِن من المسلم به كون البخاري ومسلم أعلم أهل عصرهما في الحديث دراية ورواية وعللاً وضبطاً ، إِذ أَخذ البخاري عن علي بن المديني والذهلي ومثل ذلك أخذ مسلم - وعن البخاري أيضاً . وقد سلم لهما بذلك أقرانهما ومن جاء بعدهما ، ولا يعرف بعدهما من يتقدم عليهما في سعة الرواية والاستنباط ، وأكبر دليل على ذلك كون البخاري رحمه الله انتقى صحيحه من زهاءٍ ستمائة ألف حديث ، وجعله حجة بينه وبين الله . - كما مر - كما كتب عن أكثر من ألف شيخ من الحفاظ . وأخرج مسلم صحيحه من زهاءٍ ثلاثمائة ألف حديث مسموعة . أَما غيرها فالعلم عند الله . ومكث كل منهما في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة . وقصة امتحان كل منهما في حفظه وتسليم علماء عصره له معروفة ومسطرة . رابع عشر : جلالة قدرهما : إِن كلا من البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى . كان مضرب المثل في الدين والخلق والعلم والحلم والتواضع ... إِن البخاري الذي انتقى صحيحه من زهاء ستمائة ألف حديث ، عرض كتابه على كبار علماء عصره : علي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهم. فاستحسنوه وشهدوا بصحته . ومثل ذلك فعل مسلم رحمه الله، حيث عرض صحيحه بعد تأليفه على أبي زرعة الرازي وغيره . إِن البخاري رحمه الله سئل عن خبر حديث فقال: ((يا أَبا فلان - ٨٧ - تراني أَدلس ! تركت عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر ، وتركت مثله أو أكثر منه لغيره لي فيه نظر)) كما مر . جلس يتفكر كم أدخل في تصانيفه من الحديث قال: ((فإِذا نحو من مائتي ألف حديث )) . والرجل كلما عظم وارتفع شأنه كلما كثر الطَّلاَّبُ عليه ، وتوافدوا إليه ، وهكذا كان شأن الشيخين : قال الفربري - راوي الصحيح عن البخاري- ((سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إسماعيل تسعون ألف رجل. فما بقي أحد يروي عنه غيري )) . قلت : لأَّهم توقُّوا قبله ، لكن بقي بعد الفربري أبو طلحة منصور ابن محمد بن علي بن قريبة البزدوي . بتسع سنين . والله أعلم. وما ذكرته هنا من مزايا الصحيحين إنما هو غيظ من فيض ، فالعناية بهما مع عدم معرفة كثير من كتب الحديث لأكبر دليل على تلك الحظوة التى منحها الله الشيخين وصحيحيهما ، وكيف لا وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على صحتهما ، وأنهما أصح كتب الحديث ، بل الكتب بعد كتاب الله تعالى. والله أعلم(١) . (ب) مزايا صحيح البخارى : لقد امتاز صحيح البخاري على غيره من كتب الحديث - بما فيها صحيح مسلم - بميزات كثيرة ، ومهمة ، أُذكر بعضها ، وهي : (١) انظر فصل : علو مكانة الصحيحين ، وغيره من الفصول فى هذا الكتاب ففيه زيادة فوائد. - ٨٨ - أولا - لقد ذهب الجمهور إلى أن صحيح البخاري أصح من صحيح مسلم وذلك من وجوه : (١) إِن الذين انفرد البخاري بالإِخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلاً ، والمتكلم فيه منهم نحو ثمانين رجلاً . والذين انفرد مسلم بالإِخراج لهم دون البخاري : ستمائة وعشرون رجلاً ، المتكلم فيه منهم مائة وستون رجلاً . (٢) إِن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيهم أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وجالسهم وعرف أحوالهم . واطلع على أحاديثهم ، بخلاف مسلم . (٣) إِن الذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيهم لم يكثر من تخريج أحاديثهم ، وسيأتي بحث هذه المسألة بشكل مفصل والجواب عنها في الباب الثاني إِن شاء الله تعالى. ثانياً - إِن البخاري رحمه الله يخرج عن الطبقة الأولى - البالغة في الحفظ والإتقان - أصولاً ، ويخرج عن الطبقة التى تليها في التثبت وطول الملازمة اتصالا وتعليقاً . بينما مسلم يخرج عن هذه الطبقة أصولاً أيضاً . كما قرره الحازمي . (١). ثالثاً - إِن شرط البخاري في صحيحه أضيق من شرط مسلم في صحيحه - كما ذكره في مقدمة كتابه - وذلك أن البخاري رحمه الله يشترط (١) شروط الأئمة الخمسة (٤٣). .٤٠ - ٨٩ - أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه - ولو مرة - واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة مع احتمال اللَّقي. وقد يخرج البخاري رحمه الله الحديث الذي لا تعلق له بالباب أصلاً ليبين سماع راو من شيخه . لكونه أخرج له قبل ذلك معنعناً . رابعاً - إِن الأحاديث التي انتقدت عليهما نحو مائتين وعشرة - كما سيأتي - وقد اختص البخاري منها بثمانين إلا اثنين ، ومسلم بمائة ، واشتركا في اثنين وثلاثين ، ولا شك أن ما قل الانتقاد فيه أرجح مما كثر ، علماً بأن هذه الانتقادات مبنية على علل ليست قادحة - كما سيأتي في الباب الثاني إن شاء الله تعالى . خامساً - إِن الإمام البخاري رحمه الله كان - كما يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرح النخبة - أجل من مسلم في العلوم ، وأعرف بصناعة الحديث منه ، وإن مسلماً تلميذه وخريجه ، ولم يزل يستفيد منه ، ويتبع آثاره ، حتى قال الدارقطني : لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاءَ ، اهـ. وهذا مع ما فيه من المبالغة ، إِلا أَنه يدل على رفعة درجة البخاري وأنها أَعلى من مسلم رحمهما الله تعالى . و کیف لا. وقد قالمسلم للبخاري بعد أن قبَّل بين عينيه - دعني حتى أُقبِّل رجليك يا أُستاذ الأستاذين وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث في (١) علله سادساً - إِن الصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أَتم منها فى مسلم وأشد . (١) انظر: هدى السارى (٤٨٨) ومعرفة علوم الحديث (١١٣ - ١١٤). - ٩٠ - كما أن صحيح البخاري أَكثرهما فوائد لما فيه من الاستنباطات الفقهية ، والنكت الحكمية ، والمعارف الظاهرة والغامضة ، التي احتار في بيان كثير منها الشراح ، وعجزوا . سابعاً - كما أن صحيح البخاري هو أول كتاب يفرد الأحاديث الصحيحة في كتاب مستقل . ثامناً - وقال الحافظ ابن حجر - بعد ذكره اعتماد المغاربة على صحيح مسلم - : وإِذا امتاز مسلم بهذا فللبخاري في مقابلته من الفضل ما ضمنه في أبوابه من التراجم التي حيرت الأفكار . وما ذكره الإمام أبو محمد ابن أبي جمرة عن بعض السادة قال : ما قرىء صحيح البخاري في شدة إلا فرجت ، ولا ركب به في مركب فغرق . اهـ. إلى غير ذلك من الميزات التى يمتاز بها صحيح البخاري ، ومن أراد زيادة الإطلاع فعليه بكتب المصطلح (١) . والله أعلم (جـ) مزايا صحيح مسلم : إِن مما امتاز به صحيح مسلم عن صحيح البخاري أُموراً أولا - كونه أسهل متناولاً من حيث إنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به . جمع فيه طرقه التى ارتضاها ، واختار ذكرها ، وأَورد فيه أَسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة ، فيسهل على الطالب النظر في (١) انظر هدى السارى (١١) وشرح النخبة (١٣ - ١٤) وفتح المغيث (١: ٢٤-٢٥) وتدريب الراوى (١: ٩٢ - ٩٣)، وتوجيه النظر (١٢٢ .. ) وغيرها . - ٩١ - وجوهه ، واستثمارها ، ويحصل له الثقة بجميع ما أُورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري ، فإنه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة ، وكثير منها يذكرها فى غير بابه ، الذي يسبق إلى الفهم أنه أولى به ، وذلك لدقيقة يفهمها البخاري منه ، فيصعب على الطالب جمع طرقه ، وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث . قال النووي رحمه الله: ((وقد رأيت جماعة من الحفاظ المتأخرين غلطوا في مثل هذا فنفوا رواية البخاري أحاديث ، هي موجودة في صحيحه في غير مظانها السابقة إلى الفهم . ثانياً - ومما يمتاز به صحيح مسلم عن صحيح البخاري أَن مسلماً رحمه الله يسوق الحديث بكامله في الباب الواحد - ولو كان الحديث طويلاً .. كما هو الحال في المزية الأولى حيث يجمع طرقه فيه - ولا يكرر ذلك في أبواب أَو كتب مختلفة - إلا نادراً - بخلاف البخاري رحمه الله تعالى فإنه يقطع الحديث الواحد حسب مواضيعه ، فيضعه في موضعين أو ثلاثة أَو سبعة أو أكثر ، وفي هذا صعوبة كبيرة في الحصول على كامل الحديث بخلاف صحيح مسلم . ثالثاً - ومما يمتاز به صحيح مسلم أنه ليس فيه بعد الخطبة إِلا الحديث السرد . ولم يمازجه غير الصحيح ، فليس فيه ما في البخاري من أقوال التابعين وأتباع التابعين ، والنصوص الفقهية ، وذلك في العناوين . كما لم يتصد مسلم لما تصدى له البخاري رحمهما الله تعالى من استنباط الأحكام . قال الحافظ ابن حجر : ولهذا نرى كثيراً ممن صنف في الأحكام من المغاربة يعتمد على كتاب مسلم في سياق المتون، دون البخاري لتقطيعه لها. اهـ. - ٩٢ - رابعاً - إِن الإِمام مسلماً رحمه الله صنف كتابه في بلده ، بحضور أصوله ، في حياة كثير من مشايخه ، فكان يتحرز في الألفاظ ، ويتحرى في السياق، بخلاف الإِمام البخاري رحمه الله فقد صح عنه أنه قال : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر . لهذا ربما يعرض له الشك . خامساً - إِن الإمام مسلماً رحمه الله تعالى لم يكثر من المعلقات في صحيحه وإِنما هي اثنا عشر حديثاً فقط (١) بخلاف ما هو موجود في صحيح البخاري حيث هو كثير جداً . وأَغلب هذه المعلقات قد رواها موصولة في أصل الكتاب ،واكتفى بكون ذلك معروفاً عند أهل الحديث ، وإِنما رواها فى المتابعات والشواهد. والله أعلم . سادساً- ومما امتاز به الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه هو التحري الدقيق فمن ذلك : (١) اعتناوه بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا، وتقييده ذلك على مشايخه وفي روايته ، وكان من مذهبه رحمه الله الفرق بينهما ، وأَن حدثنا لا يجوز إِطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، وأخبرنا لما قرى على الشيخ . وهذا هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أَهل العلم بالمشرق ومذهب أكثر أهل الحديث . (٢) تحريه في روايته من صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة، كقوله حدثنا محمد بن رافع قال : حدثنا عبد الرزاق : حدثنا معمر (١) بخلاف ماذكره الحافظ أبو على الغسانى وأخذه عنه أبو عبد الله المازرى صاحب (المعلم)) وانظر شرح صحيح مسلم (١٦:١ - ١٩). - ٩٣ - عن همام قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أحاديث منها ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ)) الحديث. وذلك لأَن الصحائف والأجزاء والكتب المشتملة على أحاديث بإِسناد واحد إِذا اقتصر عند سماعها على ذكر الإِسناد في أولها ولم يجدد عند كل حديث منها . وأَراد إِنسان ممن سمع كذلك أَن يفرد حديثاً منها غير الأَول بالإِسناد المذكور في أَولها ، فقد ذهب الأكثرون إلى جواز ذلك"، لأَن الجميع معطوف على الأول، ومنع الأستاذ أبو إِسحق الإِسفراييني . وقد سلك مسلم رحمه الله هذا الطريق ورعاً واحتياطاً وتحرياً وإتقاناً. (٣) ومن تحريه قوله: ((حدثنا عبد الله بن مسلمة : حدثنا سليمان - يعني ابن بلال - عن يحيى -وهو ابن سعيد)) - فلم يستجز رحمه الله أَن يقول : سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، لكونه لم يقع في روايته منسوباً ، فلو قاله منسوباً لكان مخبراً عن شيخه أَنه أَخبره بنسبه ، وهو لم يخبره . (٤) ومن ذلك احتياطه في تلخيص الطرق وتحول الأسانيد ، مع إيجاز العبارة وكمال حسنها . سابعاً - ومن ذلك حسن ترتيبه وترصيفه الأحاديث على نسق يقتضيه ءَ تحقيقه ، وكمال معرفته بمواقع الخطاب ، ودقائق العلم ، وأصول القواعد وخفيات علم الأسانيد ، ومراتب الرواة ، وغير ذلك . - ٩٤ ١ ثامناً - ومما امتاز به صحيح مسلم اعتناؤه بضبط اختلاف لفظ الرواة ، کقوله : حدثنا فلان وفلان - واللفظ لفلان- قال ، أَو قالا : حدثنا فلان . وإذا كان بينهما اختلاف في حرف من متن الحديث ، أَو صفة الراوي ، أَو نسبه ، أَو نحو ذلك ، فإنه يبينه. وربما كان بعضه لا يتغير به معنى ، وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى ، ولكن كان خفياً . لا يتفطن له إلا ماهر فى العلوم الحديثية ، مع اطلاع على دقائق الفقه (١) ومذاهب الفقهاء ... )) كما يمتاز صحيح مسلم بأنه ثاني مصنف يجميع الحديث الصحيح المجرد ، إِذ الأول هو صحيح البخاري . وهناك غير ذلك مما امتاز به ، والله أعلم . (١) انظر شرح صحيح مسلم (١: ٢١ - ٢٣) وفتح المغيث (١ : ٢٣) وتدريب الراوى (١ : ٩٤ - ٩٥). الفَصْلُ السَّادِسِّ أَقْنَقْم ◌َحَدِيثِالصِِّ حَيْق بعد الذي مر يمكنني أن أُقسم أحاديث الصحيحين إلى ثلاثة أقسام هي: ١ - القسم الأول : ما اتفقا عليه . ٢ - القسم الثاني: ما انفرد به أَحدهما ولم يخرجه الآخر ، ولم ينتقد من أحد الحفاظ الذين جاءوا من بعد الشيخين رحمهما الله تعالى . ٣ - القسم الثالث: ما انتقد عليهما ، سواء مما اتفقا عليه ، أو انفرد به أحدهما . أما هذا القسم ((الثالث)) فسوف أُفرد له فصلاً مستقلاً أَتكلم فيه عليه بشكل مفصل إن شاءَ الله تعالى ، والجواب عنه . لقد مر أن أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى : كتابا البخاري ومسلم كما أن ما روياه مقطوع بصحته ، واتفاق أهل العلم على ذلك . وسأُذكر كلام أهل العلم بالحديث أَن ما روياه - أَو أَحدهما - هو أعلى درجات الحديث الصحيح ، وأن ما اتفقا عليه هو أَعلى درجة مما انفرد به أحدهما ، وأن ما انفرد به أَحدهما أَعلى مما رواه غيرهما . وعلى هذا يكون ما روياه أو أحدهما هو أَصح الصحيح قال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى: (( وأعلاها - أى أقسام - ٩٦ - الحديث الصحيح - الأول ، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً : صحيح متفق عليه . يطلقون ذلك ، ويعنون به اتفاق البخاري ومسلم ، لا اتفاق الأُمة عليه ، لكن اتفاق الأمة عليه لازم من ذلك ، وحاصل معه ، لاتفاق الأمة على تلقِّي ما اتفقا عليه بالقبول ، وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته ... )) (١). وقال ابن تيمية رحمه الله: ((والبخاري أَحذق وأَخبر بهذا الفن من مسلم ، ولهذا لا يتفقان على حديث إِلا يكون صحيحاً لا ريب فيه ، قد اتفق أهل العلم على صحته ... ))(٣). وقال الميانجي رحمه الله: ((الصحيح من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراتب ، وأعلاها : ما اتفقق على تخريجه الشيخان : البخاري ومسلم ، ويتلوه ما انفرد به كل واحد منهما ، ويتلوه ما كان على شرطهما ، وإِن لم يخرجاه في صحيحيهما ، لعلة وقعت ، ثم دون ذلك في الصحة ما كان إِسناده حسناً ... ))(٣). وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في منظومته : ثم البخاري ، فمسلم فما وأرفع الصحيح مروهما فمسلم ، فشرط غير يكفي شرطهما حوى ، فشرط الجعفي وقال الحافظ السيوطي رحمه الله في ألفيته : وليس في الكتب أَصح منهما بعد القران ولهذا قدماً (١) علوم الحديث (٢٤). (٢) مجموع الفتاوى (١٨: ١٩ - ٢٠). (٣) مالا يسع المحدث جهله (٨). ١٠٠ - ٩٧ - مروىُّ ذين ، فالبخاري ، فما لمسلم ، فما حوى شرطهما كان على شرط فتى غيرهما (١) فشرط أُول ، فثان ، ثم ما وقال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى في جزءٍ له - كما نقله الإِمام النووي رحمه الله : ما اتفق البخاري ومسلم على إخراجه فهو مقطوع بصدق مخبره ، ثابت يقيناً ، لتلقي الأُمة ذلك بالقبول ، وذلك يفيد العلم النظري ، وهو في إِفادة العلم كالمتواتر ، إِلا أَن المتواتر يفيد العلم الضروري ، وتلقّي الأمة بالقبول يفيد العلم النظري ، وقد اتفقت الأُمة على أَن ما اتفق البخاري ومسلم على صحته فهو حق وصدق))(٢). وقال النووي: ((الصحيح أقسام: أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ، ثم ما انفرد به البخاري، ثم مسلم ثم على شرطهما ... ))(٣). وقال العراقى: ((اعلم أن درجات الصحيح تتفاوت بحسب تمكن الحديث من شروط الصحة وعدم تمكنه ، وأَن أَصح كتب الحديث البخاري ثم مسلم - كما تقدم - أنه الصحيح - وعلى هذا فالصحيح ينقسم إلى سبعة أقسام : أَحدها - وهو أَصحها -: ما أخرجه البخاري ومسلم وهو الذي يعبر عنه أَهل الحديث بقولهم : متفق عليه . والثاني : ما انفرد به البخاري . (١) ألفية الحديث (٦). (٢) النووى على مسلم (١: ٢٠). (٣) التقريب بأعلى التدريب (١ : ١٢٢). ( ٧ - مكانة الصحيحين ) - ٩٨ - والثالث : ما انفرد به مسلم . والرابع : ما هو على شرطهما ولم يخرجه واحد منهما . والخامس : ما هو على شرط البخاري وحده . والسادس : ما هو على شرط مسلم وحده . والسابع : ما هو صحيح عند غيرهما من الأئمة المعتمدين وليس على (١) شرط واحد منهما )). وقال الحافظ السخاوي رحمه الله معلقاً على أبيات العراقي : ((وأَرفع الصحيح مرويهما)) أي البخاري ومسلم لاشتمالهما على أَعلى الأَوصاف المقتضية للصحة ، وهو المسمى بالمتفق عليه ، وبالذي أخرجه الشيخان ، إِذا كان المتن عن صحابي واحد ، كما قيده شيخنا ، وقال : إِن في عد المتن الذي يخرجه كل منهما عن صحابي من المتفق عليه ، نظراً على طريقة المحدثين)) (٣). اهـ. وقال العلامة أبو الفيض - الهروي - رحمه الله تعالى: ((الصحيح سبعة أقسام : أَعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم ، ثم ما تفرد به البخاري ، ثم ما تفرد به مسلم ، ثم ما هو على شرطهما ، ثم ما هو على شرط البخاري ، ثم ما هو على شرط مسلم ، ثم ما صححه غيرهما من (٣) الأَئمة )) (٣). وقال الإِمام السيوطي رحمه الله تعالى: (( الصحيح أَقسام متفاوتة ، (١) التبصرة والتذكرة (١: ٦٤ - ٦٥). (٢) فتح المغيث (١ : ٣٨). (٣) جواهر الأصول (١٨ - ١٩). : - ٩٩ - بحسب تمكنه من شروط الصحة ، وعدمه ، أعلاها : ما اتفق عليه البخارى ومسلم ، ثم ما انفرد به البخاري - ووجه تأخره عما اتفقا عليه : اختلاف العلماءِ أيهما أُرجح - ثم ما انفرد به مسلم ، ثم صحيح على شرطهما ولم يخرجه واحد منهما - ووجه تأخره عما أخرجه أَحدهما: تلفي الأمة بالقبول له - ثم صحيح على شرط البخاري ، ثم صحيح على شرط مسلم ، ثم صحيح عند غيرهما مستوفى فيه الشروط السابقة)) (١). وقال شيخ الإِسلام زكريا الأنصارى رحمه الله - شارحاً أَبيات العراقي رحمه الله -: ((وأَرفع الصحيح مرويهما)) أي البخاري ومسلم، لاشتمالهما على أَعلى مقتضيات الصحة، ويعبر عنه بـ ((المتفق عليه)) أي بما اتفقا عليه، لا ما اتفق عليه الأمة . لكن اتفاق الأمة لازم من ذلك، لاتفاقهما على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول ((ثم)) مروي ((البخاري)) وحده ، لأَن شرطه أَضيق - كما مر - ((فـ)) مروي ((مسلم)) وحده ، لمشاركته للبخاري في اتفاق الأُمة على تلقى كتابه بالقبول، ((فما شرطهما)) أى فما ((حوى)): أى جمع شرطهما ، والمراد به رواتهما أو مثلهم، مع باقي شروط الصحيح، من اتصال السند ونفي الشذوذ والعلة ((فـ)) ما حوى ((شرط الجعفي)) أي البخاري، ((فـ)) ما حوى شرط ((مسلم فـ)) ما حوى ((شرط غير)) أَي غيرهما من سائر الأئمة، فهذه سبعة أقسام ))(٢). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في النخبة بعد ذكره لتعريف الصحيح لذاته : وتتفاوت رتبه بسبب تفاوت هذه الأوصاف ، ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ، ثم شرطهما ... )) . (١) تدريب الراوى (١: ١٢٢ - ١٢٣). (٢) فتح الباقى (١ : ٦٤). - ١٠٠ - وقال في الشرح : ويلتحق بهذا التفاضل : ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما ، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم لاتفاق العلماء على تلقي كتابيهما بالقبول . واختلاف بعضهم في أيهما أَرجح ، فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه ، وقد صرح الجمهور بتقديم صحيح البخاري في الصحة ، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه ... ومن ثم أي من هذه الحيثية - وهي أرجحية شرط البخاري على غيره قدم صحيح البخاري على غيره من الكتب المصنفة في الحديث ، ثم صحيح مسلم ، لمشاركته للبخاري في اتفاق العلماء على تلقي كتابيهما بالقبول سوى ما علل ، ثم يقدم فى الأرجحية من حيث الأَصحية ما وافقه شرطهما ، لأن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح ، ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم ، فهم مقدمون على غيرهم في رواياتهم ، وهذا أَصل لا يخرج عنه إلا بدليل ، فإن كان الخبر على شرطهما معاً كان دون ما أخرجه مسلم أَو مثله ، وإن كان على شرط أَحدهما فيقدم شرط البخاري وحده على شرط مسلم وحده ، تبعاً لأصل كل منهما . فخرج لنا من هذا ستة أقسام تتفاوت درجاتها في الصحة ، وثم قسم سابع وهو ما ليس على شرطيهما اجتماعاً وانفراداً ... ))(١). وقال الشيخ عبد الله خاطر العدوي رحمه الله معلقاً على قول الحافظ ابن حجر: (( ويلتحق بهذا التفاضل)) أَي الذي عليه مدار علو الإِسناد - هذا يفيد أن ما رواه الشيخان مرتبة دنّية ، وليس بأصح الصحيح ، (١) شرح نخبة الفكر (١٢ - ١٥). :