النص المفهرس

صفحات 41-60

- ٤١ -
قلت : فانتقاءُ البخاري رحمه الله تعالى كتابه الصحيح وعدداًحاديثه
سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً - بالمكرر ، سوى المتابعات
والمعلقات . على حسب ما حرره الحافظ ابن حجر - رحمه الله - وعدته
بالمكرر والمعلقات والمتابعات واختلاف الروايات تسعة آلاف واثنان
وثمانون حديثاً . وأَما بغير المكرر فعدته - كما حرره الحافظ ابن حجر
رحمه الله : ألفان وسمائة واثنان فقط . فانتقاؤه هذا الكتاب بهذا
العدد القليل من ستمائة ألف حديث ، أَمر يدفع على الدهشة والتقدير بآنٍ
واحد ، والمدة التى مكث ينتقي ويستخير ويختار فيها ست عشرة سنة
إِنما هو جهد كبير يحتاج منا إلى تقدير وشكر .
ومثله مسلم رحمه الله فعدد ما فيه - بترقيم محمد فؤاد عبد الباقى
رحمه الله ثلاثة آلاف وثلاثة وثلاثون حديثاً ، وقد جمعتها حسب
ترقيمه فبلغت أربعة آلاف وستمائة وستة عشر حديثاً ، وأَما بالمكرر فقد
ذكر الميانجي أنها ثمانية آلاف، وقال أحمد بن سلمة - كما مر - اثنا عشر
ألف حديث . وعلى أَي العددين كان فانتقاؤُه من ثلاثمائة ألف حديث
مسموعة ، وبمدة خمسة عشر عاماً يبعث على الدهشة والتقدير أيضاً .
ويكون انتقاء هذا العدد القليل ، من تلك المئات من الألوف من
الأحاديث المسموعة إنما يكون اختيار زبدة تلك الروايات والطرق ، وسوف
أذكر ذلك مفصلا إِن شاءَ الله تعالى في (( بدعة التصحيح على الصحيحين))
فانظره هناك .
وهنا أُحب أَن أَذكر مناقشة جرت بيني وبين أحد الهنود ممن يتكلمون
في هذا الموضوع ، وأَذكر ما يتعلق فى انتقاء البخاري رحمه الله من
المناقشة .

- ٢ ! -
قال : لقد قرأ في هدي الساري أن البخاري انتقى صحيحه من
ستمائة ألف حديث .
قلت نعم .
قال : وفي مدة ستة عشر عاماً .
قلت : نعم .
قال : فإِذا كان عدد أحاديث البخاري اثنا عشر ألفاً فكيف يستطيع
أن يغتسل لكل حديث ، أَو يتوضأ ويصلي ركعتين ، وعدد الأحاديث
التى انتقى منها ستمائة ألف. فمعنى ذلك أنه اغتسل سمائة ألف مرة
وصلى ستمائة ألف مرة ، وهذا شيءٌ لا يعقل ، لذا بطل استدلالكم يا معشر
مثبتي السنة .
قلت : وهذه مغالطة ومجازفة ، وخطأ في العلم ، وفي الفهم.
قال : وأين ذلك ؟
قلت : إِن عدد الأحاديث في البخاري من غير المكرر ألفان وستمائة
واثنان كما أثبته الحافظ ابن حجر رحمه الله ، وأَما بالمكرر من غير
المعلقات والمتابعات ، فسبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعون حديثاً .
وإِذا كان عدد أيام السنة ثلاثمائة وستين يوماً - مثلاً - فمعنى ذلك
يكون عدد الأيام التى مكث ينتقي فيها خمسة آلاف وسبعمائة وستين
يوماً)) فإِذا قسمت عدد الأحاديث الموجودة فى البخارى من غير المكرر -
وهي ألفان وستمائة واثنان على ستة عشر عاماً وهي خمسة آلاف وسبعمائة
وستون ، فيكون الجواب أَنه في كل أربعة أيام ونصف تقريباً ينتقي
حديثين فقط .

- ٤٣ -
وأيضاً أنه كان يغتسل لكل حديث ينتقيه . بعد استخارة الله تعالى
وتيقن صحته ، لا أنه يغتسل لعدد الأحاديث المنتقى منها .
فإِذا كان يغتسل في كل يومين وربع - مثلا - مرة ، فهل هذا كثير
قال : لا ، قلت : والانتقاء يختلف أيضاً حسب النشاط والهمة ، والحضور
والفتور ، فقد ينتقي حديثاً في يوم ويمكث ستة أيام أو أكثر أَو أَقل
ثم ينتقي حديثاً آخر ، إنما المهم أنه انتهى من انتقاء هذا الكتاب
- بأحاديثه - في هذه الفترة من السنين.
فانقطع الرجل ، وفرح الحاضرون . والحمد لله على نعمائه .
إن المغالطين الذين ينكرون السنة يتصيدون فى الماء العكر ، ويُدلون
بشبههم بقصد إِبعاد المسلمين عن سنة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم
بكل وسيلة ، وإِن كان الكذب الصراح ، ولكن المولى تعالى الذي تكفل
بحفظ دينه ، هو لهم بالمرصاد ، ويهيء لهم من يكشف زيفهم ، ويطفىء
نارهم ، ويخمد شوكتهم ، ويجتث أساسهم - وإِن لم يكن لهم أساس -
والحمد لله على نعمائه .

الفَصل الثَّالِثُ
عَلَوْ مُكَانَةُ الصَِّ حِين
۔۔
لقد اعتنى العلماءُ قديماً بالصحيحين - وما زالوا - اعتناءً ليس له
مثيل من قبل ولا من بعد ، إلا ما كان من اعتنائهم بالقرآن الكريم ،
وهذا واضح من كثرة المؤلفات التى أُلفت عليهما من شروح ومسْتَخْرَجات
ومستدرَ كات وتعاليق ، وملخصات ... ولهذا لابد من ذكر بعض ما قيل
فيهما من ثناءٍ ، ذاكرين أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ، ثم نتكلم
على أحاديثهما ثم ما انتقد عليهما ... إلخ .
قال الدهلوي رحمه الله : وكتب الحديث على طبقات مختلفة ،
ومنازل متباينة ، فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث ، فنقول:
هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات :
وذلك لأَن أَعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر ، وأَجمعت الأُمة
على قبوله ، والعمل به .....
ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يُعتد بها ، واتفق
على العمل به جمهورُ فقهاء الأمصار ، أَو لم يختلف فيه علماءُ الحرمين
خاصة .....
أَو كان قولاً مشهوراً معمولاً به فى قُطرٍ عظيم ، مروياً عن جماعة
عظيمة من الصحابة والتابعين .
ثم ما صح ، أو حسن وشهد به علماء الحديث ....
:

- ٤٦ -
فالصحة : أَن يَشترط مؤلِّفُ الكتاب على نفسه إِيرادَ ما صح أَوحسن.
والشهرة : أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرةً على أَلْسنة المحدثين
قبل تدوينها ، وبعد تدوينها .
فيكون أئمةُ الحديث قبل المؤلف رووها بطرق شتى ، وأَوردوها في
مسانيدهم ومجاميعهم ، وبعد المؤلف اشتغلوا برواية الكتاب ، وحفظه ،
وكشف مُشكله ، وشرح غريبه ، وبيان إِعرابه ، وتخريج طرق أحاديثه،
واستنباط فقهها ، والفحص عن أحوال رواتها ، طبقة بعد طبقة ، إِلى
يومنا هذا ، حتى لا يبقى شيءٌ مما يتعلق به غير مبحوث عنه ، إِلا
ما شاءَ الله ،
ويكون نقادُ الحديث قبل المصنّف وبعده وافقوه في القول بها ،
وحَكموا بصحتها ، وارتضوا رأي المصنِّف فيها ، وتلقوا كتابَه بالمدح
والثناءِ .
ويكون أَئمةُ الفقه لا يزالون يستنبطون عنها ، ويعتمدون عليها ،
ويعتنون بها .
ويكون العامة لا يخلون عن اعتقادها وتعظيمها .
وبالجملة، فإِذا اجتمعت هاتان الخصلتان ((الصحة والشهرة)) كملا
في كتاب ، كان من الطبقة الأولى ، ثم ، وثم ، وإِن فقدتا رأساً لم يكن
له اعتبار ، وما كان أعلى حد في الطبقة الأولى فإِنه يصل إلى حد التواتر،
وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ، ثم إلى الصحة القطعية، أَعني القطع
المأخوذ في علم الحديث المفيد للعمل ، والطبقة الثانية إلى الاستفاضة
أَو الصحة القطعية . أَو الظنية ، وهذا ينزل الأَمر .

- ٤٧ -
فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراءِ في ثلاثة كتب : الموطأ ، وصحيح
ءُ
البخاري ، وصحيح مسلم .....
ثم قال: أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع مافيهما من المتصل
المرفوع صحيح بالقطع ، وأنهما متواتران إلى مصنفیهما، وأنه کل من يهون من
أمرهما فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين ...
ثم قال : وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما ،
ولم يذكراها .... ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثاً قد تناظر فيه
مشايخهما ، وأجمعوا على القول به والتصحيح له ، كما أشار مسلم حيث
قال: لم أَذكرههنا إِلاَّ ما أَجمعوا عليه(١)، ... فالشيخان كأَّساتذتهما
كانا يعتنيان بالبحث عن نصوص الأحاديث : في الوصل ، والانقطاع ،
وغير ذلك حتى يتضح الحال ... )) (٢)
وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته :
محمد وخُص بالترجيح
أول من صنف في الصحيح
أَبي عليٌّ فضلوا ذا لو نَفَعْ
ومسلمٌ بعدُ . وبعضُ الغرب معْ
ثم قال رحمه الله فى التبصرة : أول من صنف فى جمع الصحيح
محمد بن إسماعيل البخاري ، وكتابُه أَصحُّ من كتاب مسلم عندالجمهور
وهو الصحيح .
(١) يريد مسلم بقوله ((ما أجمعوا عليه)): كما قال البلقيني رحمه الله: أربعة : أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين، وعثمان بن أبى شيبة، وسعيد بن منصور الخراسانى- ( محاسن الإصطلاح:
٩١) وانظر التدريب (١: ٩٨). وسيأتى ذكر ذلك مفصلا إن شاء الله تعالى:
(٢) حجة الله البالغة (١: ٢٨٠ - ٢٨٣).

- ٤٨ -
وقال النووي : إِنه الصواب .
والمراد ما أَسنده دون التعليق والتراجم .
وقوله: ((ومسلم بعد )) أَى بعد البخاري في الوجود والصحة .
وقوله: ((وبعض الغرب )) أَى بعض أَهل الغرب على حذف المضاف ،
أى وذهب بعض المغاربة والحافظ أبو عَلي : الحسين بن علي النيسابوري
شيخ الحاكم إلى تفضيل مسلم على البخاري ، فقال أبو علي : ما تحت
أديم السماءِ أَصَح من كتاب مسلم في علم الحديث .
وحكى القاضي عياض عن ((أَبي مروان الطبني(١))) قال : كان من
شيوخي من يفضل كتاب مسلم على كتاب البخاري .
قال ابن الصلاح : فهذا إِن كان المراد به أن كتاب مسلم يترجح بأن
لم يمازجه غير الصحيح .... فهذا لا بأس به ، .... وإِن كان المراد به أن
كتاب مسلم أصح صحيحاً فهذا مردود على من يقوله. اهـ .
وعلى كل حال فكتاباهما أَصح كتب الحديث (٣).
وما قاله الحافظ العراقي رحمه الله من أن الكتابين هما أَصح كتب
الحديث فهذا أمر متفق عليه بين علماء الحديث لا يخالفهم فيه أَحد .
ولهذا سأَذكر نصوص عدد من أئمة الحديث في تفضيل الكتابين على
غيرهما ، وإِن كان جمهور علماء الحديث يصرحون بتفضيل صحيح
البخاري على صحيح مسلم ، مع وجود مزايا فى كل منهما .
(١) ضبطه الحافظ السخاوى رحمه الله فى فتح المغيث : بضم المهملة ، ثم موحدة ساكنة
على المشهور بعدها نون، مدينة بالمغرب من عمل أفريقية، اهـ. وانظر معجم البلدان. ( ٤ : ٢١)
(٢) التبصرة والتذكرة (١: ٣٩ - ٤٠) وانظر علوم الحديث لابن الصلاح (١٥).
وطے

- ٤٩ -
قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى بعد نقله لتفضيل
بعض المغاربة وأبي علي النيسابوري لصحيح مسلم ما لفظه : لم ينفع - يريد
التصريح بتفضيل مسلم على البخاري-لعدم تصريحهم بالتفضيل، وإِن كان
كلامهم ظاهراً فيه عرفاً ، ولأَن البخاري اشترط فى الصحة اللقي ، ومسلم
اكتفى بالمعاصرة وإِمكان اللقي ، ولاتفاق العلماء على أن البخاري أَجل
منه ، وأَعلم منه ببضاعة الحديث ، مع أَن مسلماً تلميذه ، حتى قال
الدارقطني: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاءً .
وقيل : هما سواءٌ .
وقيل : بالوقف .
وبالجملة : فكتاباهما أَصح كتب الحديث(١).
وقال الإِمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى : أَول من صنف الصحيح :
البخارى أَبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم ، وتلاه أبو الحسين
مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري - من أَنْفسِهم .
ومسلم مع أنه أَخذ عن البخاري واستفاد منه ، يشاركه في أكثر
شيوخه ، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز (٢).
وقال الإمام النووي رحمه الله : أَول مصف في الصحيح المجرد
صحيح البخاري ، ثم مسلم . وهما أصح الكتب بعد القرآن ، والبخاري
أَصحهما وأكثرهما فوائد ، وقيل: مسلم أَصح، والصواب الأول (٣) اهـ.
(١) فتح الباقى (١: ٤٠).
(٢) علوم الحديث لابن الصلاح (١٣ - ١٤).
(٣) التقريب - بشرح التدريب (٨٨:١-٩١)
( ٤ - مكانة الصحيحين )

- ٥٠ -
قال السيوطي رحمه الله مبيناً سبب ذلك : والسبب في ذلك ما رواه
عنه إبراهيم بن معقل النسفي قال: ((أَي البخاري)) كنا عند إِسحق
ابن راهويه فقال : لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي صلى الله
عليه وآله وسلم . قال : فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع الجامع
(١)
الصحيح
وعنه أيضاً قال: ((أَي البخاري )) رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، وكأنني واقف بين يديه ، وبيدي مروحة أَذب عنه ، فسأَلت
بعض المعبرين ، فقال لي : أَنت تذب عنه الكذب ، فهو الذي حملني
على إخراج الجامع الصحيح .
قال : وأَلفته فى بضع عشرة سنة (٢).
قلت: ويحتمل أن الذي حمله على إخراجه الأمران معاً ، فكان
قد رأى رؤياه ، ووافق قول إِسحق رحمه الله ، فنشط على إخراج الجامع
الصحيح ، والله أعلم
وبناءً على هذا ولما حواه الصحيحان من الدقة في الشروط والرواية
اتفقت كلمة عامة أهل العلم على أَصحية هذين الكتابين وعلى أَصحية
أَحاديثهما .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى فى شرحه لصحيح مسلم : اتفق
العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز : الصحيحان:
البخاري ومسلم ، وتلقتهما الأمة بالقبول ، وكتاب البخاري أَصحهما .
(١) التدريب (٨٨:١) وانظر شروط الأئمة الخمسة (٥٠-٥١) وهدى السارى (٧).
(٢) تدريب الراوى (١: ٨٨) وانظر: هدى السارى (٧) ..

- ٥١ ــ
وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة ، وقد صح أن مسلماً كان ممن
يستفيد من البخاري ، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث .
وهذا الذى ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري ، هو المذهب المختار ،
الذى قاله الجماهير ، وأَهل الإتقان والحذق والغوص على أسرار الحديث.
وقال أبو علي : الحسين بن علي النسابوري الحافظ شيخ الحاكم
أبى عبد الله ابن البيع : كتاب مسلم أَصح ، ووافقه بعض شيوخ المغرب .
والصحيح الأول .
وقد قرر الإمام الحافظ الفقيه النظار أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله
فى كتابه (( المدخل )) ترجيح كتاب البخاري .
وروينا عن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله أنه قال : ما في
هذه الكتب كلها أجود من كتاب البخاري ... )) (١) .
وقال في تهذيب الأسماء واللغات : واتفق العلماءُ على أَن أَصَح
الكتب المصنفة صحيحاً : البخاري ومسلم ، واتفق الجمهور على أن
صحيح البخاري أَصحهما صحيحاً ، وأَكثرهما فوائد ... ثم قال :
وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما))(١).
ثم ذكر الإمام النووي رحمه الله مزايا صحيح مسلم - فانظرها في
شرحه إن رغبت .
(١) شرح صحيح مسلم (١ : ١٤):
(٢) تهذيب الأسماء واللغات (١: ٧٣ - ٧٤).
٠٠٠

- ٥٢ -
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى معلقاً على قول الإمام النسائي
رحمه الله : والنسائي لا يعني بالجودة إِلا جودة الأسانيد ، كما هو المتبادر
إلى الفهم من اصطلاح أهل الحديث .
ومثل هذا من مثل النسائي غاية في الوصف ، مع شدة تحريه وتوقيه
وتثبته في نقد الرجال ، وتقدمه في ذلك على أهل عصره ، حتى قدمه
قوم من الحذاق في معرفة ذلك على مسلم بن الحجاج ، وقدمه الدارقطني
وغيره فى ذلك وغيره على إِمام الأئمة أبي بكر بن خريمة - صاحب
الصحيح )) (١) .
وأَما قول الحافظ أبي على النيسابوري رحمه الله، فسيأتى الجواب عنه.
وقال الحافظ البدر العينى رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح البخاري :
اتفق علماء الشرق والغرب على أنه ليس بعد کتاب الله تعالی اصحمن صحیحی
البخارى ومسلم ، فرجح البعض - منهم المغاربة - صحيح مسلم على
صحيح البخاري ، والجمهور على ترجيح صحيح البخاري على مسلم ، لأَنّه
أكثر فوائد منه .. ))(٢).
وقال ابن تيمية رحمه الله : إن الذى اتفق عليه أهل العلم أنه ليس بعد
القرآن كتاب أصح من كتاب البخارى ومسلم .
وإِنما كان هذان الكتابان كذلك ، لأَّنه جرد فيهما الحديث الصحيح
المسند، ولم يكن القصد بتصنيفهما ذكر آثار الصحابة والتابعين ، ولاسائر
الحديث من الحسن والمرسل وشبه ذلك .
(١) هدى السارى (١٠ - ١١).
(٢) عمدة القارى (١ : ٥ )

- ٥٣ -
ولا ريب أن ما جرد فيه الحديث الصحيح المسند عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فهو أصح الكتب ، لأَنه أَصح منقولاً عن المعصوم
- صلى الله عليه وسلم - من الكتب المصنفة .. )(١).
وقال أيضاً في موضع آخر: ((وأَما كتب الحديث المعروفة مثل :
البخاري ومسلم ، فليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخارى ومسلم بعد
القرآن))(١) .
ويكفيك هذه الشهادة من ناقد خبير عالم بصير بالصحيح والسقيم .
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: (( ونتفاوت درجات الصحيح بحسب
قوة شروطه ، وأول من صنف في الصحيح المجرد : الإِمام البخاري ،
ثم مسلم ، وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز .. ))(٣).
وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ((فتح المغيث)) شارحاً أَبيات
ألفيته: ((اعلم أن درجات الصحيح تتفاوت بحسب تمكن الحديث
من شروط الصحة وعدم تمكنه ، وإِن أَصح كتب الحديث البخاري ثم
مسلم - كما تقدم - أَنه الصحيح ، وعلى هذا فالصحيح ينقسم إلى سبعة
أقسام : أَحدها - وهو أَصحها - ما أخرجه البخاري ومسلم . وهو الذي
يعبر عنه أهل الحديث بقولهم: (( متفق عليه)) والثاني : ما انفرد به
البخاري . والثالث : ما انفرد به مسلم ... )) ).
(١) مجموع الفتاوى لابن تيمية (٣٢١:٢٠).
(٢) مجموع الفتاوى (١٨ : ٧٤) .
(٣) الخلاصة فى أصول الحديث للطيبى (٣٦).
(٤) فتح المغيث للحافظ العراقى (١: ٢٣ - ٢٤).

- ٥٤ -
وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى: ((أَول من اعتنى
بجمع الصحيح : أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، وتلاه
صاحبه وتلميذه : أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري . فهما أَصح
كتب الحديث ، والبخاري أرجح ... كما هو قول الجمهور ، خلافاً
لأَبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب (١))).
وقال الإِمام فصيح الهروي رحمه الله تعالى: (( أَول من صنف في
الصحيح المجرد: الإِمام البخاري . ثم مسلم ، وكتاباهما أصح الكتب بعد
كتاب الله تعالى )).
وأما قول الشافعي: ((ما أعلم شيئاً بعد كتاب الله أَصح من موطأ مالك،
فقبل وجود الكتابين، ثم البخاري أَصحهما صحيحاً عند الجمهور .. ))(١)
وقال الإِمام السخاوي رحمه الله تعالى: (( أول من صنف فى الصحيح
- السابق تعريفه - كتاباً مختصاً به : الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
كما صرح به أبو علي ابن السكن ، ومسلمة بن قاسم وغيرهما .... ولتقدم
البخاري فى الفن ، ومزيد استقصائه خص ما أَسنده فى صحيحه - دون
التعاليق والتراجم وأقوال الصحابة والتابعين - بالترجيح على سائر
الصحاح ، ومسلم بعد - بضم الدال - أي بعد البخاري ، وضعاً ورتبة .
وحذف المضاف إليه ونوى معناه للعلم به )) .
هذا ما ذهب إليه الجمهور من أَهل الإتقان والحذق والخوض على
الأسرار ... ثم قال: ((وبالجملة : فكتاباهما أَصح كتب الحديث ... (١)).
(١) مختصر علوم الحديث [الباعث الحثيث](٧-٨).
(٢) جواهر الأصول فى علم حديث الرسول ص (١٨).
(٣) فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للسخاوى (١: ٢٢ -٢٦).

- ٥٥ -
وقال الإِمام السيوطي رحمه الله فى ألفيته :
على الصحيحِ فقطِ البخاري
وأَوَّلُ الجامعِ باقتصارِ
على الصوابِ في الصحيح أَفضلُ
ومسلمٌ من بعدِهِ والأَوَّلُ
ترتيبَه ووضعَه قد أَحكما
ومن يُفضِّل: مسلماً فإِنما.
فكم نرى نحوهما نصیرا
وانتقدوا عليهما يسيرا
بعد القُرآنِ ولهذا قُدِّما
وليس في الكُتب أَصَحُّ منهما
لمسلمٍ ، فما حَوَى شرْطُهما(١)
مروىُّ ذَيْنِ فالبخاريِّ فما
وقال العلامة طاهر بن صالح الجزائري رحمه الله تعالى: ((أول من
صنف في الصحيح المجرد الإِمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري
الجعفى ، وتلاه الإِمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري،
وكان مسلم ممن أَخذ عن البخاري ، واستفاد منه ، وهو مع ذلك يشاركه
في أكثر شيوخه ، وكتاباهما أَصح كتب الحديث.
وأما قول الإِمام الشافعي: ((ما على وجه الأرض بعد كتاب الله أُصح
من كتاب مالك )) فإِنه كان قبل وجود كتابيهما .
وأما قول بعضهم: (( أَن مالكاً أول من صنف فى الصحيح ، فهو مسلم
غير أنه لم يقتصر في كتابه عليه ، بل أَدخل فيه المرسل والمنقطع
والبلاغات ، ومن بلاغاته أحاديث لا تعرف ، كما ذكره الحافظ
(٢)
ابن عبد البر، فهو لم يجرد الصحيح .. )) "
(١) ألفية الحديث للسيوطى (٥-٦).
(٢) توجيه النظر (٨٥ - ٨٦).

- ٥٦ -
ويتضح مما نقلته - مع قلته - أن العلماءَ متفقون على أن الصحيحين
هما أصح كتاب في الحديث ، بل أَصح كتاب بعد كتاب الله تعالى .
كما ذهب جمهور العلماء إلى أن صحيح البخاري مقدم على صحيح
مسلم ، خلافاً لما ذهب إِليه الحافظ أبو على النيسابوري ، وبعض علماءٍ
المغرب ، من تقديم صحيح مسلم على غيره .
قال أبو علي النيسابوري الحافظ : ((ما تحت أديم السماء كتاب أَصح
من كتاب مسلم بن الحجاج)) .
فأجاب ابن الصلاح رحمه الله على هذا القول: (( إِن كان المراد به
أن كتاب مسلم يترجح ، بأنه لم يمازجه غير الصحيح - فإنه ليس فيه
بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسروداً ، غير ممزوج بمثل ما في كتاب
البخاري ، في تراجم أبوابه ، من الأشياء التي لم يسندها على الوصف
المشروط فى الصحيح - فهذا لا بأس به ، ولا يلزم منه أن كتاب مسلم
أرجح فيما يرجع إلى نفس الصحيح. على كتاب البخاري .... )) (١).
كما أَجاب ملا علي القاري رحمه الله جواباً فيه زيادة على ما قاله
ابن الصلاح حيث قال: ((ثم اتفقت العلماءُ على تلقي الصحيحين
بالقبول، وأنهما أصح الكتب المؤلفة، ثم الجمهور على أن صحيح البخاري
أَرجحهما وأَصحهما .
قيل : ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه ، لأَن قول أبي علي
النيسابوري (( ما تحت أديم السماءِ أَصح من كتاب مسلم )) ليس فيه
تصريح بأَصحيته على البخاري ، لأَن نفي الأصحية لا ينفي المساواة .
(١) علوم الحديث (١٥) ..

- ٥٧ -
وتفضيل بعض المغاربة لصحيح مسلم ، محمول على ما يرجع لحسن
السياق ، وجودة الوضع والترتيب، إِذ لم يفصح أحد منهم بأَن ذلك
راجع إلى الأصحية ، ولو صرحوا به لرد عليهم شاهد الوجود ، لأن ما يدور
عليه الصحة من الصفات الموجودة في صحيح مسلم ، موجودة في صحيح
البخاري على وجه أكمل وأَسد .... )) (١) .
وقد جمع بعضهم مزايا الكتابين فقال :
لدي ، وقالوا : أَي ذين يُقدم
تشاجر قوم في البخاري ومسلم.
كما فاق في حسن الصناعة مسلم
فقلت : لقد فاق البخاري صحةً
وعلى أى حال ، فإِن لكل من الصحيحين مزايا وخصالا يمتاز بها ،
ترفعه وتعليه ، ومن أراد التوسع في هذا الموضوع ، فليرجع إلى كتب
المصطلح ، ليرى ما يزداد به قناعة وثقة واطمئناناً . والله أعلم .
(١) مرقاة المفاتيح (١: ١٦).

1
1

الفَصل الرابع
شروط الصَّى يَحِيْ
قال الإِمام أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله في شروط
الأئمة الستة :
اعلم أن البخاري ومسلماً - ومن ذكرنا بعدهم - لم ينقل عن واحد
منهم أنه قال : شرطت أن أُخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني،
وإِنما يَعرف ذلك من سبر كتبهم ، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم .
فاعلم أن شرط البخاري ومسلم ، أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة
نقلته إلى الصحابي المشهور ، من غير اختلاف بين الثقات الأَثبات .
ويكون إِسناده متصلاً غير مقطوع ، فإن كان للصحابي راويان فصاعداً
فحسن ، وإِن لم يكن له إلا راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي
أخرجاه » .
[ قلت : وفي بعض كلامه ما يحتاج إلى بيان كما سيأتي إن شاء الله
تعالى ] .
ثم قال محمد بن طاهر رحمه الله : وأَما أَبو داود فمَن بعده ، فإِن
كتبهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
القسم الأول : صحيح ، وهو جنس المخرج في هذين الكتابين
للبخاري ومسلم ، فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين ...

- ٦٠ -
القسم الثاني : صحيح على شرطهم ، حكى أبو عبد الله ابن منده :
أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم ،
إذا صح الحديث باتصال الإِسناد من غير قطع ولا إِرسال ، ويكون هذا
القسم من الصحيح ، فإِن البخاري قال : أحفظ مائة ألف حديث صحيح ،
ومائتي ألف حديث غير صحيح ، ومسلم قال : أخرجت المسند الصحيح
من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة ، ثم إِنا رأيناهما أَخرجا في كتابيهما
ما اتفقا عليه ، وما انفردا به قريب من عشرة آلاف (١) تزيد أو تنقص،
فعلمنا أنه قد بقي من الصحيح الكثير ، إلا أن طريقه لا يكون كطريق
ما أَخِرجاه فى هذين الكتابين ، فما أَخرجوه مما انفردوا به دونهما ،
فإنه من جملة ما تركه البخاري ومسلم من جملة الصحيح .
والقسم الثالث : أحاديث أَخرجوها للضدية فى الباب المتقدم ،
وأَوردوها لا قطعاً منهم بصحتها، وربما أَبان المخرِج لها عن علتها ، بما يفهمه
أَهل المعرفة ...
ثم ذكر عن شرط الترمذي فقال: ((وأَما أَبو عيسى الترمذي رحمه
الله فكتابه وحده على أربعة أقسام : ثم ذكر الثلاثة السابقة ، ثم قال :
وقسم رابع : أَبان هو عنه فقال : ما أَخرجت في كتابي إلا حديثاً قد
عمل به بعض الفقهاء. وهذا شرط واسع فإِن على هذا الأصل كل حديث
احتج به محتج ، أَو عمل بموجبه عامل ، أَخرجه سواءٌ صح طريقه
(١) قلت : لا ، بل هى قريب من خمسة آلاف حديث ، وذلك لأن مسلماً أخرج
جميع مافى البخارى - سوى ما يقرب من ثمانمائة حديث - كما قال الحافظان ابن حجر
فى الهدى والسيوطى فى التدريب، وإذا كان عدد مافى مسلم - على التقريب - نحواً من أربعة
آلاف حديث من غير المكرر ، لذا يكون ما فيهما من غير المكرر ، نحواً من خمسة آلاف
حديث ، والعلم عند الله. وسيأتى مزيد بحث إن شاء الله .