النص المفهرس
صفحات 21-40
الفَضَِّل الأول مُكَانَةُ السَِّ ين ◌َهَنَا اللَّهَا لقد أثنى على الشيخين كثير من شيوخهما وأقرانهما ومن جاء بعدهما، ولا أستطيع أن أَذكر كل ما قيل من مدح وثناءٍ فيهما في هذه الأَوراق القليلة ، خاصة والقصد هو الاختصار ، لذا فإني سوف أَذكر بعضاً مما قيل فيهما رحمهما الله تعالى وحشرنا معهم بمنه وكرمه ، تحت لواءٍ سيد المرسلين عليه وآله الصلاة والسلام . ما قيل فى الإمام البخاري رحمه الله تعالى(١): لقد اتفقت كلمة المثنين عليه بأَنه إِمام زمانه، وأنه نادرة عصره ، ولم ير مثل نفسه رحمه الله تعالى . قال محمد بن أبي حاتم : قلت لأبي عبدالله : كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث ؟ قال : أُلهمت حفظ الحديث وأَنا في الكتاب ، قال : وكم أتى عليك إِذ ذاك ؟ قال : عشر سنين أو أَقل ، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر ، فجعلت أَختلف إلى الداخلي وغيره ، وقال يوماً - فيما يقرأُ للناس : سفيان عن أبي الزبير عن إِبراهيم. فقلت له: يا أَبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم ، فانتهرني ، فقلت له : ارجع إلى الأصل (١) ما أذكره هنا تحت هذه الفقرة إنما هو منقول من: تاريخ بغداد (٢: ٤ - ٣٤) وطبقات الحنابلة (١: ٢٧١ -٢٧٩) وتهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (٦٧:١ -٧٦) وتهذيب الكمال (٦: ق ١٦٨ -وما بعده) وتذكرة الحفاظ (٢ : ٥٥٥ - ٥٥٧) والكاشف (٣: ١٩- ٢٠) والبداية والنهاية (١١: ٢٤-٢٨) وتهذيب التهذيب (٩: ٤٧ - ٥٥) وطبقات الشافعية الكبرى (٢: ٢١٢ - ٢٤١) ووفيات الأعيان (٤ : ١٨٨ - ١٩١) وهدى السارى (٤٧٩ - ٤٨٩) وشذرات الذهب (٢: ١٣٤ - ١٣٦). - ٢٢ - إِن كان عندك ، فدخل ونظر فيه ، ثم خرج ، فقال لي : كيف هو يا غلام ؟ قلت : هو الزبير بن عدي عن إِبراهيم ، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه ، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه : ابن كم كنت إِذ رددت عليه ؟ فقال : ابن إِحدى عشرة ... )). وقال أبو العباس بن سعيد : لو أن رجلاً كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب التاريخ تصنيف محمد بن إسماعيل البخاري . وقال حاشد بن إسماعيل : كان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل يختلف معنا إلى مشايخ البصرة - وهو غلام - فلا يكتب ، حتى أَنى على ذلك أيام، وكنا نقول له: إِنك تختلف معنا ولا تكتب، فما معناك فيما تضع؟ فقال لنا بعدستة عشر يوماً : إِنكما قد أكثرتما عليّ وألححتما ، فأَعرضا عليّ ما كتبتما؛ فأَخرجنا ما كان عندنا ، فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه، ثم قال: أَترون أني أَختلف هدراً وأَضيع أيامي ؟ فعرفنا أنهلا يتقدمه أحد . قال : وكان أهل المعرفة من أَهل البصرة يعدون خلفه فى طلب الحديث ، وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه، ويجلسونه في بعض الطريق، فیجتمع علیه ◌ُلوف - أكثرهم من يكتب عنه . قال : وكان أبو عبد الله عند ذلك شاب لم يخرج وجهه . وقال محمد بن سيار - عند قدوم البخاري البصرة - : دخل اليوم سيد الفقهاء . وقال بندار [ محمد بن بشار] : حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلم بن الحجاج بنيسابور ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى . - ٢٣ - وقال : ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل . وقال عندما رآه : مرحباً بمن أَفتخر به منذ سنين . . وقال البخاري : كان علي بن المدينى يسألني عن شيوخ خراسان . فكنت أَذكر له محمد بن سلام فلا يعرفه ، إلى أن قال لى يوماً : يا أبا عبد الله كل من أَثنيت عليه فهو عندنا الرضا .. وقال حامد بن علي : ذكر لعلي بن المديني قول محمد بن إسماعيل : ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني ، فقال : ذروا قوله ، هو ما رأى مثل نفسه . وقال فتح بن نوح : أتيت علي بن المديني ، فرأيت محمدبن إسماعيل جالساً عن يمينه ، وكان إذا حدث ، التفت إليه ، كأَّنه بهابه . وقال عمرو بن علي الفلاس : حدیث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث . وقال أبو مصعب محمد بن أبي بكر المدينى : محمد بن إسماعيل أَفقه عندنا وأَبصر من ابن حنبل ، فقال له رجل من جلسائه : جاوزت الحد ، فقال أَبو مصعب : لو أَدركت مالكاً ، ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت : كلاهما واحد فى الفقه والحديث . وقال أبو بكر بن أبي شيبة وعبد الله بن نمير : ما رأينا مثل محمد ابن إسماعيل . وقال محمود بن النضر الشافعي: دخلت البصرة ، والشام ، والحجاز والكوفة ورأيت علماءها ، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل ، فضلوه على أنفسهم - ٢٤ - وقال صالح بن محمد البغدادي : كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد ، وكنت أَستملي له ، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفاً . وقال أحمد بن حنبل : انتهى الحفظ إلى أربعة من أَهل خراسان : أبو زرعة الرازي ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ... وقال أيضاً : ما أَخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل . وقال يعقوب بن إبراهيم الدورقي : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الامة . وقال محمد بن عبد الرحمن الفقيه : كتب أهل بغداد إلى محمد ابن إسماعيل : المسلمون بخير ما بقيت لهم وليس بعدك خير حين تفتقد وقال الفضل بن العباس الرازي : جهدت الجهد على أن أجيءَ بحديث لا يعرفه فما أَمكنني ، وأَنا أَغرب على أبي زرعة عدد شعره . وقال أبو حاتم الرازي : يقدم عليكم رجل من أهل خراسان ، لم يخرج منها أَحفظ منه ، ولا قدم العراق أعلم منه . وقال محمد بن سلام - وكان قد كتب على الأحاديث التي أَحكمها البخاري : رضي الفتى ، فقيل : من هذا الفتى؟ : - هو الذى ليس مثله، محمد بن إسماعيل . وقال يحيى بن جعفر : لو قدرت أن أزيد فى عمر محمد بن إسماعيل لفعلت ، فإِن موتي يكون موت رجل، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم. وقال رجاء بن المرجى : هو آية من آيات الله يمشي على ظهر الأرض. وقال الترمذي : لم أَر أَحداً بالعراق ولا بخراسان فى معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل . - ٢٥ - وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة : ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث ولا أَحفظ له من محمد بن إسماعيل . وقال إِسحق بن راهويه : يا معشر أصحاب الحديث انظروا إلى هذا الشاب ، واكتبوا عنه ، فإِنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن [ أَي البصري ] لاحتاج إليه الناس لمعرفته بالحديث وفقهه. وقال أحمد بن نصر الخفاف : محمد بن إسماعيل أعلم في الحديث من إِسحق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيره بعشرين درجة . قال : ومن قال في محمد بن إسماعيل شيئاً فمني عليه أَلف لعنة . وقال : حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري التقي النقي الذي لم أَر مثله. وقال علي بن حجر : أَخرجت خراسان ثلاثة : أَبا زرعة الرازي بالري ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى ، وعبد الله بن عبد الرحمن بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل عندي أَبصرهم وأعلمهم وأَفقههم . وقال عبدالله بن عبد الرحمن [ الدار مي] السمرقندى : قد رأيت العلماء بالحرمين والحجاز والشام والعراقين فما رأيت فيهم أَجمع من أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري . وقال : أَفقهنا وأَعلمنا وأَغوصنا وأكثرنا طلباً . وقال عبد الله بن محمد الجعفي المسندي : محمد بن إسماعيل إِمام ، فمن لم يجعله إِماماً فاتهمه . وقال مسلم بن الحجاج : لا يبغضك إِلاَّ حاسد ، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك . - ٢٦ - وقد اجتمع أربعمائة من علماء الحديث بسمرقند فركبوا أَسانيد وأدخلوا إِسناد الشام فى إِسناد العراق ، وخلطوا الرجال فى الأَسانيد ، وجعلوا متون الأحاديث على غير أَسانيدها ، ثم قرؤوها على البخاري ، فرد كل حديث إلى إِسناده، وقَوّم تلك الأحاديث والأسانيد كلها . وكذلك صنع في بغداد عندما قلبوا له مائة حديث ، فسلم له الجميع وعرفوا فضله وتمكنه وقوة حفظه . وقال قتيبة بن سعيد : رحل إليَّ من شرق الأرض وغربها خلقٌ ، فما رحل إلي مثل محمد بن إسماعيل البخاري . وقال العجلى : رأيت أَبا حاتم وأَبا زرعة يجلسان إِليه يسمعان ما يقول ... )) . وكان محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأَسامي والكنى والعلل، وهو يمر فيه كالسهم، كأنه يقرأُ ((قل هو الله أحد)). وقال عبد الله بن حماد الآملى : وددت أني شعرة فى صدر محمد ابن إسماعيل . وقال الإِمام مسلم - وقبل بين عينيه - : دعني أُقبل رجليك يا أُستاذ الأُستاذين ، وسيد المحدثين ، وطبيب الحديث في علله . وقال البخاري رحمه الله : إنى لأرجو أَن أَلقى الله وليس أَحد يطالبني أني اغتبته . وقال: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث إِلَا وأَذکر إِسناده. وقال أبو بكر الأعين : كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفرياني وما في وجهه شعرة . - ٢٧ - صنف التاريخ الكبير وعمره ثماني عشرة سنة في الليالى المقمرة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم . وقال نعيم بن حماد : محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة . وقال عبدان بن عثمان : ما رأيت بعيني شاباً أَبصر منه . وقال إِبراهيم بن محمد بن سلام : إِن الرتوت [ أَى الرؤساء ] من أصحاب الحديث مثل : سعيد بن أبي مريم المصري ، ونعيم بن حماد ، والحميدي ، والحجاج بن منهال ، وإِسماعيل بن أبي أُويس ، والعربي ، والحسن الخلال ، ومحمد بن ميمون - صاحب ابن عينية - ومحمد بن العلاء، والأشج ، وإِبراهيم بن المنذر الخزامي ، وإِبراهيم بن موسى الفراء. كلهم كانوا يهابون محمد بن إسماعيل ، ويقضون له على أنفسهم فى النظر والمعرفة . قلت : فهؤلاءِ شيوخه وبمقام شيوخه ، فما بالك بمن هم دونه !! رحمه الله . قلت : والثناء عليه كثير جداً ، أَفرده بعضهم في مؤلفات ، وهؤلاء كلهم إِما من شيوخه أَو أَقرانه أَو تلاميذه ، رحمه الله تعالى . وأما ما قيل فى الإمام مسلم رحمه الله تعالى(١): لقد اتفقت كلمة المثنين عليه بأنه إمام زمانه بعد الإِمام البخارى رحمه الله. (١) ما أذكره هنا تحت هذه الفقرة إنما هو منقول من: الجرح والتعديل (٨: ١٨٢- ١٨٣) وتاريخ بغداد (١٣: ١٠٠ - ١٠٤) وطبقات الحنابلة (١: ٣٣٧ - ٣٣٩) وتهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (٢: ٨٩-٩٢) وتهذيب الكمال (٧: ق ١٢٤ - وما بعد) وتذكرة الحفاظ (٢ : ٥٨٨ - ٥٩٠) والكاشف (٣ : ١٤٠) والعبر فی خبر من غير ( : - ) والبداية والنهاية (١١: ٣٣ -٣٥) وتهذيب التهذيب (١٠ : ١٢٦ - ١٢٨) وشذرات الذهب (٢: ١٤٤ - ١٤٥) ووفيات الأعيان (٥: ١٩٤ - ١٩٥) - ٢٨ - قال الخطيب البغدادي : أَحد الأئمة من حفاظ الحديث وهو صاحب المسند الصحيح . قال محمد بن إبراهيم : سمعت أَحمد بن سلمة يقول : رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما . ويكفيك هذه الشهادة من هذين الإِمامين الجليلين في الجرح والتعديل وعلل الحديث ، ومعرفة الصحيح من السقيم . وقال أبو علي الحسين بن علي النيسابوري : ما تحت أديم السماء أَصح من كتاب مسلم بن الحجاج فى علم الحديث . وقال أبو سعيد بن يعقوب : رأيت فيما يرى النائم ، كأن أَبا علي الزغوري يمضي في شارع الحيرة ، وبيده جزءٌ من كتاب مسلم - يعني ابن الحجاج - فقلت له : ما فعل الله بك ؟ فقال : نجوت بهذا - وأشار إلى ذلك الجزء . وقال الحسين بن منصور : سمعت إِسحق بن إبراهيم الحنظلى [ ابن راهويه ] - وذكر مسلم بن الحجاج - فقال: ((مردا كابن بوذ)) قال المنكدري : وتفسيره : أَى رجل كان هذا ؟ وقال محمد بن يعقوب الأخرم : قلما يفوت البخارى ومسلماً ما يثبت من الحديث . وقال ابن أبي حاتم : كتبت عنه بالري ، وكان ثقة من الحفاظ ، له معرفة بالحديث سئل أبي عنه ، فقال : صدوق . وقال أَبو عمرو المستملي : أَملي علينا إِسحق بن منصور سنة إِحدى وخمسين [ أى ومائتين ] ومسلم ينتخب عليه ، وأَنا أَستملي ، فنظر إِسحق ابن منصور إلى مسلم ، فقال : لن نعدم الخير ، ما أَبقاك الله للمسلمين . ١ - ٢٩ - وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء - شيخ مسلم : كان مسلم من علماء الناس ، وأوعية العلم ، ما علمته إلا خيراً . وقال ابن الأَخرم : إِنما أَخرجت مدينتنا هذه من رجال الحديث ثلاثة : محمد بن يحيى ، وإِبراهيم بن أبي طالب ، ومسلم . وقال أبو بكر الجارودي : حدثنا مسلم بن الحجاج ، وكان من أَوعية العلم . وقال مسلمة بن قاسم : ثقة جليل القدر من الأئمة . وقال بندار : الحفاظ أربعة : أبوزرعة، ومحمد بن إسماعيل ، والدارمي ، ومسلم . وقال أبو قريش الحافظ : حفاظ الدنيا أربعة : فذكر منهم مسلماً . وقال ابن الشرقى : سمعت مسلماً يقول : ما وضعت شيئاً في كتابي هذا المسند إلاّ بحجة ، وما أَسقطت منه شيئاً إلا بحجة . وقال أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري : سمعت أبا العباس ابن سعيد بن عقدة - وسألته عن محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري ، أيهما أَعلم ؟ - فقال : كان محمد بن إسماعيل عالماً ، ومسلم عالم ، وكررت عليه مراراً وهو يجيبنى بمثل هذا الجواب ... )) . قال الخطيب : إِنما قفا مسلم طريق البخاري ، ونظر في علمه ، وحذا حذوه . . وقد هجر مسلمٌّ محمدَ بن يحيى الذهلي ، وجمع كل ما كان كتب منه وبعث به على ظهر حمال إلى باب محمد بن يحيى ، لأنه وقع في البخاري ، حتى استحكمت الوحشة بينهما . - ٣٠ - وقال الإمام النووي رحمه الله بعد ذكره الرواة عن مسلم : وأَجمعوا على جلالته وإمامته وورعه وحذقه في هذه الصنعة ، وتقدمه فيها ، وتضلعه منها ، ومن أكبر الدلائل على جلالته وإِمامته وورعه وحذقه وقعوده في علوم الحديث ، واضطلاعه منها ، وتفننه فيها ، كتابُه الصحيحُ الذى لم يوجد في كتاب قبله ولا بعده - من حسن الترتيب وتلخيص طرق الحديث بغير زيادة ولا نقصان ، والاحتراز من التحويل في الأَسانيد عند اتفاقها من غير زيادة ، وتنبيهه على ما فى ألفاظ الرواة من اختلاف في متن أو إِسناد ، ولو في حرف ، واعتنائه بالتنبيه على الروايات المصرحة بسماع المدلسين ، وغير ذلك مما هو معروف في كتابه ... وقال أيضاً : اعلم أن مسلماً رحمه الله أَحد أَعلام أَتمة هذا الشأن ، وكبار المبرزين فيه ، وأَهل الحفظ والإتقان ، والرحالين في طلبه إلى أَممة الأَقطار والبلدان ، والمعترف له بالتقدم فيه ، بلا خلاف عند أَهل الحذق والعرفان ، والمرجوع إلى كتابه والمعتمد عليه في كل الأزمان . ثم قال : ومن حقق نظره في صحيح مسلم رحمه الله واطلع على ما أودعه في إِسناده وترتيبه ، وحسن سياقه ، وبديع طريقه ، من نفائس التحقيق ، وجواهر التدقيق ، وأنواع الورع ، والاحتياط ، والتحري في الروايات ، وتلخيص الطرق ، واختصارها ، وضبط متفرقها وانتشارها ، وكثرة اطلاعه ، واتساع روايته ، وغير ذلك مما فيه من المحاسن والأُعجوبات، واللطائف الظاهرات والخفيات ، علم أنه إِمام لا يلحقه من بعد عصره ، وقل من يساويه ، بل يدانيه من أَهل دهره ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ ، والله ذو الفضل العظيم . وقال بندار [ محمد بن بشار ] : حفاظ الدنيا أربعة : أبوزرعة - ٣١ - بالري ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور ، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي بسمرقند ، ومحمد بن إسماعيل البخاري ببخارى . وقال الذهبي : مسلم بن الحجاج الإِمام الحافظ حجة الإِسلام أبو الحسين القشيري النيسابوري صاحب التصانيف ... وقال ابن عقدة: أَما مسلم فقلما يوجد له غلط في العلل ، لأنه كتب المسانيد ، ولم يكتب المقاطيع ، ولا المراسيل . وقال الحافظ ابن حجر : حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط ، لم يحصل لأحد مثله ، بحيث إن بعض الناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل ، وذلك لما اختص به من جمع الطرق ، وجودة السياق ، والمحافظة على أداءِ الألفاظ ، كما هي ، من غير تقطيع ولارواية بمعنى ، وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين ، فلم يبلغوا شأوه وحفظت منهم أكثر من عشرين إِماماً ممن صنف المستخرج على مسلم ، فسبحان المعطي الوهاب .اهـ. قلت : وكثرة المستخرجات على صحيح مسلم إنما تدل - بلا ريب - على مدى عناية الأئمة الحفاظ بهذا الكتاب ، وبالأولى بالتسليم لمؤلفه بالمكانة ورفعة الدرجة ، والله أعلم . الفَضَّيْلِ الثَّانِىّ طريْقَهَنَا فِى تَأليفُ الصَّحِّيَحِيْنِّ لقد اشتهرت الروايات عن الشيخين رحمهما الله تعالى في مقدار حفظهم والآلاف من الأحاديث الصحيحة التي انتقوا منها الصحيحين . فعن محمد بن حمدويه قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخارى يقول: أَحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتى ألف حديث غير صحيح (١). وعن علي بن الحسين بن عاصم البيكندي قال : قدم علينا محمد ابن إسماعيل ، فاجتمعنا عنده ، ولم يكن يتخلف عنه من المشايخ أَحد ، فتذاكرنا عنده ، فقال رجل من أصحابنا - أَراه حامد بن حفص - سمعت إسحق بن راهويه يقول : كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي ! قال : فقال محمد بن إسماعيل : أَو تعجب من هذا ؟ لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف حديث من كتابه! وإِنما عنى نفسه)) (١). وكم ترك من أحاديث تعد بالألوف لأَّنه وقع له نظر في راويها . فعن محمد بن أبي حاتم قال : سئل محمد بن إسماعيل عن خبر حديث، فقال : يا أَبا فلان ! تراني أُدلس؟ تركت أَنا عشرة آلاف حديث لرجل لي فيه نظر، وتركت مثله أَو أَكثر منه لغيره لي فيه نظر)) (٣) . (١) تاريخ بغداد (٢: ٢٥) وتهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١: ٦٨). (٢) تاريخ بغداد (٢ : ٢٥) وهدى السارى (٤٨٧). (٣) تاريخ بغداد (٢ : ٢٥). (٣ - مكانة الصحيحين ) - ٣٤ - فلقد كان رحمه الله آية من آيات الله في الحفظ وسعة الاطلاع، وكثرة الرواية. وأما سبب تأليفه لكتابه الصحيح ، فقد وردت روايتان في ذلك: فعن إِبراهيم بن معقل النسفي قال : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل يقول : كنت عند إِسحق بن راهويه ، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتاباً مختصراً لسنن النبي صلى الله عليه وسلم : فوقع ذلك في قلبي ، فأخذت في جمع هذا الكتاب - يعني كتاب الجامع )) (١) . وعن محمد بن سليمان بن فارس قال : سمعت البخاري يقول : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم ، وكأنني واقف بين يديه ، وبيدي مروحة أَذب بها عنه ، فسألت بعض المعبرين ، فقال لي : تذب عنه الكذب ، فهو الذى حملني على إخراج الجامع الصحيح (١) . ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد أن ذكر كيف كان الأَئمة على رأس المائتين يجمعون الأحاديث : فقل إِمام من الحفّاظ إِلاَّ وصنف حديثه على المسانيد ... ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معاً، كأبي بكر بن أبي شيبة ، فلما رأَى البخاري رضى الله عنه هذه التصانيف ، ورواها ، وانتشق رياها ، واستجلى محياها ، وجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين ، والكثير منها يشمله التضعيف. فلا يقال لغثه سمين ، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أَمين ، وقوّى عزمه على ذلك ما سمعه من أُستاذه أَمير المؤمنين في الحديث والفقه إسحق بن إبراهيم الحنظلي (١) تاريخ بغداد (٢: ٨) وتهذيب الأسماء واللغات القسم الأول (١: ٧٤) وغيرهما. (٢) هدى السارى (٧) وتهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١ : ٧٤). - ٣٥ - المعروف بابن راهويه (١) ... ثم ذكر الروايتين اللتين ذكرتهما قبل قليل. قلت : ولا تعارض بين الروايتين ، فيحمل أنه سمع كلام إِسحق ، ثم رأَى الرؤيا ، أو العكس ، وكله صحيح . والبخاري رحمه الله تعالى لم يذكر في هذا الكتاب كل مروياته ومحفوظاته ، وإِنما ذكر جزءاً يسيراً جداً مما يحفظ ، وإِنما انتقاه من حفظه . فقد ثبت عنه من طرق كثيرة قوله : أُخرجت هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زهاءٍ ستمائة ألف حديث. وجعلته حجة بيني وبين الله (٢). لأنه لو أَخرج كل مروياته لطال الكتاب جداً . وكيف لا وقد روى عن ألف شيخ من الحفاظ كما رواه عنه جعفر بن محمد القطان (٣). ولم يُدخل في كتابه إلا الصحيح . قال إبراهيم بن معقل : سمعت محمد بن إِسماعيل يقول : ما أَدخلت في كتابي الجامع إِلّ ما صح ، وتركت من الصحاح لحال الطول (٤). وكلما أراد أن يضع حديثاً بعد أن ينتخبه اغتسل وصلى ركعتين . فعن الفربري رحمه الله قال : قال لي محمد بن إسماعيل البخاري : ماوضعت فى كتاب الصحيح حديثاً إِلا اغتسلت قبل ذلك ،وصليت ركعتين(٥). (١) هدى السارى (٦) . (٢) تاريخ بغداد (٢: ٨) وتهذيب الأسماء (١: ٧٤) وهدى السارى (٧) وغيرهم (٣) تاريخ بغداد (٢: ١٠) وتهذيب الأسماء (١: ٧٣ - ٧٤) وغيرهما . (٤) تاريخ بغداد (٢: ٨-٩) وتهذيب الأسماء (١ : ٧٤) وغيرهما . (٥) تاريخ بغداد (٢: ٩) وتهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١: ٧٤). -- ٣٦ - وذلك أنه ينظر في تلك الأحاديث في الباب ، ويوازن بينها ، ويقارن فيما بينها ، فإِذا وقع اختياره على أَحدها ، وانشرح صدره له ، لا يكتبه في موضعه حتى يغتسل ويصلي ركعتين ، ليكون العمل كله مباركاً خالصاً ، وإلا لو أراد أن يكتب كل ما يحفظ فإن الأمر يطول جداً . روى الإسماعيلي رحمه الله عنه - عنه قال : لم أُخرج فى هذا الكتاب إلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر . قال الإِسماعيلي : لأنه لو أخرج كل صحيح عنده لجمع فى الباب الواحد حديث جماعة من الصحابة ، ولذكر طريق كل واحد منهم - إِذا صحت - فيصير كتاباً كبيراً جداً))(١). ولهذا قال رحمه الله - ما أَدخلت في كتابي الجامع إِلاَّ ما صح ، وتركت من الصحاح مخافة الطول - وفي رواية - حتى لا يطول )). وقد استمر رحمه الله تعالى في تأليف هذا الكتاب ست عشرة سنة . فعن عبد الرحمن بن رساين البخاري قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : صنفت كتابي الصحاح لست عشرة سنة ، خرجته من ستمائة ألف حديث ، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى(٢). أما الأَّماكن التي ألف فيها هذا الكتاب فقد اختلفت الروايات في ذلك - والجمع سهل فيها . فعن عمر بن محمد بن بجير البجيري قال : سمعت محمد بن إسماعيل (١) هدى السارى (٧) . (٢) تاريخ بغداد (٢ : ١٤). - ٣٧ - يقول : صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام ، وما أدخلت فيه حديثاً حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته (١) . وعن عبد القدوس بن همام قال: (( سمعت عدة من المشايخ يقولون : حول محمد بن إسماعيل البخاري تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين(٣))). وقال النووي رحمه الله : وقال آخرون - منهم أبو الفضل محمد ابن طاهر المقدسى : صنفه ببخارى ، وقيل : بمكة ، وقيل : بالبصرة . وكل هذا صحيح . : قال النووي رحمه الله : ومعناه أنه كان يصنف فيه ، في كل بلدة من هذه البلدان ، فإِنه بقي فى تصنيفه ست عشرة سنة - كما سبق - ثم ذكر رواية أبي عبد الله محمد بن علي قال : سمعت البخاري يقول : أَقمت بالبصرة خمس سنين مع كتبي ، أُصنف وأَحج في كل سنة ، وأرجع منمكة إلى البصرة . قال البخاري : وأَنا أَرجو أن يبارك الله تعالى للمسلمين في هذه المصنفات (٣) . : وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : إِنه ابتدأَ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام ، ثم كان يخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها ، ويدل عليه قوله : إِنه أَقام فيه ست عشرة سنة ، فإِنه لم يجاور مكة هذه المدة كلها ، وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ : أَن (١) هدى السارى (٤٨٩). (٢) تاريخ بغداد (٢: ٩) وتهذيب الأسماء واللغات - القسم الأول (١: ٧٤). (٣) تهذيب الأسماء واللغات- القسم الأول - (٧٤:١-٧٥) وهدى السارى (٤٨٨). - ٣٨ - البخاري حول تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره ، وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين . قلت [ أَى الحافظ ] : ولا ينافي هذا أيضاً ما تقدم ، لأنه يحمل على أنه في الأَول كتبه فى المسودة، وهنا حوله إلى المبيضة))(١) اهـ. قلت : ومما يشهد أَنه لم يكتب في مكان واحد ، وإِنما كان يحول الأحاديث سواءٌ من حفظه أو من كتاب إِلى آخر بعد انتقائه واختياره ما قاله أَ حيد بن أبي جعفر- وإِلى بخارى - قال محمد بن إسماعيل يوما : رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر )) (٢) . ولما انتهى الإمام البخاري رحمه الله تعالى من تبييض كتابه ((الصحيح)) عرضه على كبار علماء عصره من المحدثين الحفاظ ، والعارفين بالعلل ، والجامعين للروايات . قال أبو جعفر العقيلي رحمه الله: لما صنف البخاري كتابه ((الصحيح)) عرضه على : ابن المديني ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وغيرهم . فاستحسنوه . وشهدوا له بالصحة ، إِلّ أربعة أَحاديث . قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهى صحيحة)) (٣) .. وقد كثر الرواة لهذا الكتاب حتى لا يعلم كتاب - بعد كتاب الله تعالى - كثر عدد الرواة عن مصنفه مثل هذا الكتاب . (١) هدى السارى (٤٨٩). (٢) تاريخ بغداد (٢ : ١١). (٣) هدى السارى (٤٨٩) وتهذيب التهذيب (٩ : ٥٤). - ٣٩ - قال محمد بن يوسف الفربري رحمه الله - راوي الصحيح عن البخارى - : سمع كتاب الصحيح لمحمد بن إِسماعيل تسعون ألف رجل ، فما بقي أحد يروي عنه غيري )) (١) . وإِنما أَطلق الفربري رحمه الله تعالى ذلك بناءً على ما فى علمه ، وإلا فقد تأخر عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن علي بن قريبة البزدوي ، بتسع سنين ، لأنه توفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة (٢) بينما كانت وفاة الفربري رحمه الله سنة عشرين وثلاثمائة . وآخر من حدث بالبخاري فى بغداد : الحسين بن إسماعيل المحاملي ١٠ (٣) رحمه الله وقد كان الإمام البخاري رحمه الله تعالى يحفظ جميع ما أدخل في مصنفه لا يخفى عليه شيءٌ . فعن محمد بن أبي حاتم قال : قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل : تحفظ جميع ما أُدخلت في المصنف ؟ قال : لا يخفى علي جميع ما فيه (٤). وكيف يخفى عليه وقد جلس ليلة يتفكر كم سطّر في مصنفاته، فبلغت مائتي ألف حديث ، فالذي يتذكر هذا العدد الكثير يغيب عنه العدد القليل ؟ . قال وراقه : سمعته يقول : ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في تصانيفي من الحديث ، فإِذا نحو من مائتي ألف حديث . (١) تاريخ بغداد (٢: ٩) وانظر تهذيب الأسماء واللغات (١: ٧٣) وفيه وقع (٧٠٠٠٠). (٢) هدى السارى (٤٩١) وانظر شذرات الذهب (٢: ٢٨٧) لتاريخ وفاة الفربرى (٣) تاريخ بغداد (٢: ٥). (٤) تاريخ بغداد (٢ : ٩). - ٤٠ - وقال أيضاً : لو قيل لي تَمَنَّ، لما قمت حتى أَروي عشرة آلاف حديث - (١) في الصلاة خاصة هذا وقد ألف جميع كتبه ثلاث مرات ، كما قال : وصنفت جميع کتبي ثلاث مرات )»(٢) رحمه الله تعالى . وقد فعل الإمام مسلم رحمه الله تعالى فعل أستاذه الإمام البخارى رحمه الله تعالى . من حيث الانتقاء ، والمدة التي استمر في تأليف هذا الكتاب . قال الحسين بن محمد الماسرجسي : سمعت أبي يقول : سمعت مسلم ابن الحجاج يقول : صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث (٣) مسموعة )) (٣) . وقال أحمد بن سلمة - وهو رفيق الإِمام مسلم فى الرحلة - : كتبت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة ، وهو اثنا عشر ألف (٤) حدیث ))(٤) . ثم إن مسلماً رحمه الله تعالى - مع تقدمه في العلم والمعرفة - عرض كتابه الصحيح بعد الانتهاء منه على علماء عصره ، ممن لهم معرفة تامة في العلم والجرح والتعديل ، كأبي زرعة الرازي رحمه الله تعالى: فقد قال : مكي بن عبد الله : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : عرضت كتابى هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أَشار أَن له علة تركته)) (٥) . (٢،١) هدى السارى (٤٨٧). (٣) تاريخ بغداد ( ١٣: ١٠١) وطبقات الحنابلة (١ : ٣٣٨) وتذكرة الحفاظ (٢ : ٥٨٩) . (٤) تذكرة الحفاظ (٢ : ٥٨٩ ) (٥) هدى السارى (٣٤٧) .