النص المفهرس

صفحات 1-20

تأليف
الدكتور
أستاذ الحديث الشارك
بجامعة الإمام محمد بنام سعود الإسلامية

٧
١
كَرَ الضّ
تأليف
الدكتور
خَلَيْاِبْرَاهِيم ◌ُلَحَاظِرُ
أستاذ الحديث المشارك
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٠٢ هـ
المطبعة العربية الحديثة
٨ شارع ٤٧ بالمنطقة الصناعية بالعباسية
تليفون : ٨٢٦٢٨٠ القاهرة

لله
Y
جـ
٠

(( أجمع أهل العلم: الفقهاء وغيرهم: أَن رجلاً لو حلف بالطلاق أَن
جميع ما فى كتاب البخاري مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قد صح عنه ، ورسول اللهصلى الله عليه وسلم قاله، لا شك فيه، لا يحنث،
والمرأة بحالها فى حبالته )).
الحافظ أبو نصر الوائلي السجزي
(( لو حلف إِنسان بطلاق زوجته: أن ما فى كتاب البخاري ومسلم مما
حكما بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، لما أَلزمته الطلاق ،
ولا حنث ، لإجماع علماء المسلمين على صحتهما)).
إمام الحرمين
(( أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان
مقطوع بصحة أصولها ومتونها . ولا يحصل الخلاف فيها بحال ، وإِن
حصل فذاك اختلاف فى طرقها ورواتها .
فمن خالف حكمه خبراً منها . وليس له تأويل سائغ للخبر ، نقضنا
حكمه، لأَن هذه الأخبار تلقتها الأُمة بالقبول )).
أبو إِسحق الإِسفراييني
((أجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ، ووجوب العمل
بأحاديثهما)).
الإمام النووي

- ٦ -
(( ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد
القرآن)) .
الإِمام ابن تيمية
(( أما الصحيحان : فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من
المتصل المرفوع صحيح بالقطع ، وأَنهما متواتران إِلى مصنفيهما ، وأنه كل
من يهون من أمرهما فهو مبتدع، متبع غير سبيل المؤمنين)).
شاه ولي الله الدهلوي
((إِن مزية الصحيحين ثابتة ثبوت الجبال الرواسي ، لا ينكرها
إِلاَّ غمر يزري بنفسه وهو لا يشعر)).
طاهر الجزائري

بالته الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذى خلق السموات والأرض ، وجعل الظلماتِ والنورَ ،
ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .
والحمد لله الذى لا يُؤَدَّى شكرُ نعمةٍ من نِعمِه إِلاَّ بنعمةٍ منه ،
توجب على مُؤَدِّي ماضي نِعِهِ بأَدائها: نعمةً حادثةً يجب عليه شكرُه بها.
ولا يبلغ الواصفون كُنْه عظمتِه ، الذي هو كما وصف نفسه ،
وفوق ما يصفه به خلقه .
أَحْمده حَمْدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعِزَّ جلاله ،
وأَستعينه استعانةَ من لا حَوْل له ولا قوةَ إِلاَّ به .
وأَستهديه بهداه الذي لا يَضل من أَنعم به عليه .
وأَستغفره لما أَزلفتُ وأَخَّرْتُ : استغفارَ من يُقِرّ بعبوديته، ويعلم
أَنه لا يغفر ذَنْبَه ولا يُنْجيه منه إِلاَّ هو .
وأَشهد أن لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له ، وأَن سيدنا محمداً
عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم : خيرتُه المصطفى لوحيه ، المنتخَبُ
لرسالته ، المفضَّلُ على جميع خلقه ، بفتح رحمته ، وختم نبوته ، وأمُّ
ما أُرسل به مرسلٌ قبله ، المرفوعُ ذِكْرُه مع ذكره فى الأُولى ، والشافعُ
المشفَّعُ في الأُخرى ، أَفضلُ خَلْقِهِ نفساً ، وأَجمعُهم لكل خُلُق رضيه فى
دين ودنيا ، وخيرُهم نَسَباً وداراً .
!
١

- ٨ -
فصلَّى الله عليه كلما ذكره الذاكِرُون ، وغفل عن ذِكْرِه الغافِلون ،
وصلى عليه فى الأَوّلين والآخِرِين ، أَفْضَلَ وأَكثرَ وأَزْكَى ما صلى على
أَحَدٍ من خلقه، وزكانا وإياكم بالصَّلاة عليه، أَفْضَل ما زكَّى أَحداً
من أُمته بصلاته عليه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته ، وجزاه الله
عنا أَفضل ما جَزَى مرسَلاً عن من أُرسل إليه ، فإنه أَنقذنا به من
الَلَكَة ، وجعلنا في خيرِ أُمَّةٍ أُخرجت للناس، دائنين بدينه الذى ارتضى،
واصطفى به ملائكته ومن أَنعم عليه من خَلْقه، فلم تُمْسِ بنا نعمة ظهرت
ولا بطنت ، نلنا بها حظًّا في دين ودنيا، أَو دُفع بها عنا مكروه فيهما
وفي واحد منهما : إِلاَّ ومحمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم سَبَبُها، القائدُ
إلى خيرها ، والهادي إلى رُشدها ، الذائدُ عن المَلَكَةِ وموارِدِ السوءِ في
خلاف الرُّشد ، المنَبِّهُ للأسباب التي تورد الهَلكة ، القائمُ بالنصيحة
في الإِرشاد والإِنذار فيها ، فصلَّى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى
آل سيدنا محمد ، كما صلى على سيدنا إبراهيم وآل سيدنا إبراهيم ،
إنه حميد مجيد (١) .
إِن الله تعالى فرض على الناس طاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم :
وأَلْزَمَهم الانتهاءَ إِلى حكمه ، فمن قَبِلَ عن رسوله صلى الله عليه وآله
وسلم فبفرض الله قَبِلَ .
كما جعل الله تعالى طاعة رسوله محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم عينَ
طاعته تعالى ، وحكمَه صلى الله عليه وسلم حكمَه تعالى، ومبايعته صلى الله
عليه وآله وسلم مبايعتَه تعالى ، فمن قَبِل عن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم فَعَن الله قَبِل ، لما افترض الله من طاعته ، كما من قبل عن الله
(١) مقتبس من كلام الإمام الشافعى رحمه الله تعالى الموجود فى مقدمة ((الرسالة)) له.

فرائضه في كتابه قبل عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سننه بفرض
الله طاعة رسوله على خلقه ، والانتهاء إلى حكمه .
والآيات في وجوب طاعة النبى الكريم صلى الله عليه وآله وسلم
كثيرة ، سواء المقترنة بطاعة الله تعالى أَو المعطوفَة عليها .
كما جعل سُنته صلى الله عليه وآله وسلم وَحْياً يُوحِيه إليه ، لأَّنه
المتكفل بحفظه وعصمته ، ولم يتركه لغيره ، كما جعل تعالى من مهام
النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم تعليم الحكمة - وهى السُّنة -
المعطوفة على الكتاب .
لقد علِم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أَن ما ثبت عن رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم هو اللازم لجميع من عرفه ، لا يقويه ولا يوهنه
شيء ، بل الفرض الذي على الناس اتباعه، ولم يجعل الله تعالى هذا
لأحدٍ من خلقه سواه ، كما لم يجعل لأحد معه أمراً يخالف أمره .
فحفظ الصحابة الكرام رضي الله عنهم سنة نبيهم صلى الله عليه
وآله وسلم بشكل لم يَعهَد له تاريخ البشرية مثيلا ، فنقلوا لنا كل ما صدر
عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم - من قول أو فعل أو تقرير - بالإضافة
إلى نقلهم وصفه الشريف عليه وآله الصلاة والسلام .
لقد نقلوا أُموراً عرضية لا تخطر على بال ، ولكنه الحب الذي
جعلهم ينظرون إلى ما يصدر عنه صلى الله عليه وآله وسلم على أنه دين
يجب أَخذه ونقله والعمل به ولا يصح العنود عنه ، أو التخاذل ،
متمثلين في ذلك كله أمر الله عز وجل .
:

- ١٠ -
ومن حفاظهم عليها : ذلك التطبيق الدقيق الذي فعلوه ، والإنكار
الشديد على كل من خالفها - ولو كانت المخالفة يسيرة - بالإِضافة
إلى تدوين بعضهم لما سمعه من النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن حفاظهم عليها : احتجاجهم بالكتاب الكريم على حُجِّيَّتها
ووجوب تطبيقها ، وتذاكرهم إياها فى مجالسهم . ورحلاتهم من أجل
سماعها ، والتثبت في روايتها ... (١) .
ثم فعل التابعون وتابعوهم بإِحسان كذلك. واشتركوا جميعاً في الأجر
في الدفاع عنها ، والرد على الزنادقة والمغرضين والمشككين في حجيتها .
وبدأ علماؤهم في تدوينها - مع حفظهم لها في صدورهم ، وتطبيقهم لها
عمليًّا في حياتهم - حتى قل أو ندر وجود عالم ليس له مؤلف أَو مؤلفات
حتى عصر التدوين .
فظهرت الموطآت ، ثم المصنفات ، ثم المسانيد ، والمجامع ... وهكذا .
وكان الأئمة الكرام يجمعون في كتبهم الأحاديث النبوية مضافاً إِليها
أقوال الصحابة والتابعين ، حتى جاءَ الإِمام محمد بن إسماعيل البخاري
رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنته ، فأَفرد الأحاديث عن غيرها ، ومیز
الصحيح عن غيره ، وألف كتاباً مختصراً - بإشارة شيخه إسحق بن
راهويه رحمه الله - بجمع بعض ما صح عنده من الأحاديث، ولم يستوعب
كل ما صح عنده ، ولم يلتزم ذلك ، كما لم يلتزم أن يروي عن كل ثقة
عنده ، لأَن القصد عنده هو تأليف كتاب مختصر . لا جميع ما صح
عنده ، وإلاّ فقد ثبت عنه أنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح . ومائتي
ألف حديث غير صحيح. وكتابه هو ((صحيح البخارى)) .
(١) انظر ((بدعة دعوى الاعتماد على الكتاب دون السنة )) للمؤلف .
:

- ١١ -
ثم فعل من بعده تلميذه وخريجه وزميله الإمام مسلم بن الحجاج
القشيري رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنته ، ففعل مثل ما فعل الإِمام
البخاري ؛ حيث جمع بعض ما صح عنده - ولم يضع فى كتابه كل
ما صح عنده - .
لقد كان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى أعلم أهل عصرهما ، وهما
فى الحفظ والضبط والإتقان والرواية وعلل الحديث والجرح والتعديل ،
فى الدرجة العليا . المشهود لهما بذلك عندمن عاصرهما ومن جاء بعدهما .
وقد عرضا كتابيهما - تمشياً مع عادة أهل العلم والفضل - على بعض
شيوخهما وأَقرانهما فأَقروهما على ذلك . فكان بمثابة الاتفاق من أَهل
عصرهما على هذين الكتابين .
وقد سبر علماء الحديث هذين الكتابين بعدهما - مع ما كان عليه
مؤلفاهما من الحفظ والضبط والأمانة - واعتنت الأُمة بهما اعتناءً عجيباً
لا يزيد عليه إلا اعتناؤُها بالقرآن الكريم. فكم من مستخرِج، ومختصِر،
وشارح ، ومحش ، حتى زاد ما كتب عنهما على المئات .
فاتفقت كلمة المحدثين على أَن أَعلى درجات الحديث الصحيح :
ما اتفق عليه البخاري ومسلم ، ثم ما انفرد به البخاري ، ثم ما انفرد به
مسلم (١) ثم ...
كما اتفقت كلمة علماء الحديث على أَن أَصح كتب الحديث
(٢)
قاطبة ، بل أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى البخاري ومسلم
(١، ٢) خلافاً لبعض المغاربة وأبى أحمد النيسابورى حيث قدموا صحيح مسلم على
صحيح البخارى. وهذا لا يضر طالما المفارقة بينهما، مع إضافة موطأ الإمام مالك رحمه اللّه
فى أحاديثه المتصلة المرفوعة .

- ١٢ -
كما اتفقوا على أن كل حديث فيهما فقد تجاوز القنطرة . وأَما
ما انتقد عليهما فلم ينزله عن مرتبة الصحيح ، وإِنما انتقد بناءً على قواعد
الشيخين ، أَو على قواعد ضعيفة كما سأَبينه إن شاء الله تعالى .
كما أَن مما لابد من معرفته أَن أَغلب أحاديث الصحيحين قد اتّفق
عليها عندهما .
كما أن مما لابد من معرفته أَن أَغلب متون هذين الكتابين متواترة،
وهى مروية من طرق أُخرى غير طرق هذين الكتابين .
كما أَن الأُمة قد تلقت هذين الكتابين بالقبول ، فمنذ زمن مصنفيهما
والكتابان يزدادان مكانة فى نفوس المسلمين .
ومع هذا فقد ظهر فى العصر الحالي أُناس تتلمذوا على أيدي اليهود
والنصارى ، فساءَهم كما ساءَ أَسيادهم من قبل سلامةُ الإِسلام وصفاؤه ،
وما بذله الأئمة السابقون في تثبيت هذا الصفاء ، فصار هواهم الطعن فى
السنة الشريفة ، والنيل منها ، تقليداً لما جاءَ من المستشرقين ، وامتثالاً
الأَمر الحاقدين ، وإِحياءً لآراءِ الضالين الكفرة المنحرفين ، ورغبة في
تشويه الدين ، وطعناً في رسول رب العالمين ، صلى الله عليه وآله وسلم إلى
يوم الدين ، وإِيقاعاً في خيرة الخلق أجمعين ، بعد النبيين والمرسلين .
وخبثاً وحقداً على الإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلى المسلمين .
فهم يزرون بأنفسهم ، ويخرجون بها من دائرة المسلمين وهم لا يشعرون.
كما أن منهم من قال ذلك بمحض التقليد ، ومنهم لأجل التجديد ،
وكل هؤلاءٍ أَتوا بأمر عظيم ، وخطر جسيم . وبلوى بلية .

- ١٣ -
إِن العداء للسنة النبوية قديم . فقد حاول المغرضون المشككون أن
يشككوا في أهميتها، ويطعنوا فى حجيتها . وينالوا من مكانتها . ويهونوا
من قدرها ، ولكن الله تعالى الذى تكفل بحفظ هذا الدين - فقال ﴿ إِنا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (١): والدين: كتاب وسنة، إِذ هي
الشارحة والمبينة عن الله تعالى معنى ما أَراد في كتابه . عدا عن كونها
وحياً أُوحي إليه صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الَوَى إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحِى﴾ (٢) - قد حفِظَ ذلك على
مر العصور ، وذهبت أقوال المشككين أدراج الرياح ، ورجعوا يلعقون
عن أجسادهم اللعنات ، وبقيت طعونهم سبةً في وجوههم على مر التاريخ ،
وبقيت السنة وستبقى كذلك - بإذن الله تعالى - محفوظة بحفظ الله
لدينه ، رغم حقد الحاقدين ، وتشكيك المشككين ، وطعن المنحرفين ،
وستعود طعون المعاصرين - بإذن الله تعالى - جراحات في شخصياتهم ،
وسهاماً فى قلوبهم ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾(٨) وكيف لا، والله تعالى هو الحافظ
والمتكفل بذلك .
إِن أعداءُ الإِسلام - من الكفرة اللئام - لما عرفوا جيداً أنهم لن
يستطيعوا إِخضاع المسلمين ، وإخراجهم من دينهم بقوة السيف والسلاح،
أُوخوا إِلى طلائعهم من المبشرين والمستشرقين أن يزعزعوا المسلمين فى
دينهم، وهذه هي المهمة الرئيسية على حد قول زعيمهم ((زويمر)) لأَن
انتقال المسلم من الإِسلام ودخوله فى النصرانية ، يعتبر عندهم كرامة
للمسلم !!! سبحانك ربنا .
(١) سورة الحجر : ٩.
(٢) سورة النجم : ٣ - ٤
(٣) سورة آل عمران : ١١٩.

- ١٤ -
لذا فقد ألف المبشرون والمستشرقون رسائل في الطعن بالسنة ، والنيل
منها ، وأَفنوا أوقاتاً كثيرة في ذلك ، وانتقل هذا الداءُ إِلى بعض المسلمين
المستغرِبين: باسم البحث العلمي تارة . وباسم التجديد تارة أخرى، واسم
الاستعلاء ، والتقليد ... وهكذا ، وقبل هذا وبعده : الحقد الدفين الذي
استولى عليهم ، فاستغلوا غباوة بعض الأقلام المأجورة ، ولا تدري أنها
حفرت قبورها بأَيديها .
إِن تلك الإدعاءات والطعونات قد ظهرت بأشكال مختلفة ، لكنها كلها
ترمى عن قوس واحدة، فظهرت بشكل خُطبٍ في محافل، وبشكل مقالات
ظهرت في مجلات وجرائد ، وبشكل كتب طبعت ... إلخ.
وظهرت تارة في العداء الصريح للصحابة الكرام رضي الله عنهم ،
وخاصة المكثرين منهم ، كأبي هريرة وابن عباس وعائشة وابن عمر
وابن عمرو ...
كما ظهرت في العداء لرجال الحديث بعدهم ممن لهم وزنهم فى الرواية
والدراية ، كالزهري ...
وتارة باسم الحفاظ على الإِسلام والغيرة عليه ، وتقريبه لغير المسلمين،
فطعنوا فى كل حديث لا يوافق هوى غير المسلمين(١)، أَو المحسوبين
على الإِسلام .
وظهرت جماعات في المشرق الإسلامي وبعض الأقطار العربية تُسمي
أنفسها ((بالقرآنيين)) ومذهبهم أن السنة لا يصح الاعتماد عليها ، وهي
(١) انظر ((حديث الذبابة)) للمؤلف : فقد خصصه للرد على هذا الافتراء والإنكار .
أ

- ١٥ -
نفس الفكرة التى كان قد نادى بها بعض الزنادقة والرافضة فى العصر
العباسي - على اختلاف بینھم -
ووصل الأمر ذروته عندما تبنى أحد المسؤولين فى بعض الأقطار
الإسلامية الدعوة - وبشكل سافر - لمحاربة السنة النبوية الشريفة ، والنيل
منها ، فنهى عن ذكرها على المنابر ، والاعتماد عليها ، ودرسها وتدريسها ،
والمشتكى إلى الله عز وجل (١) .
وإذا كانت بعض تلك الكتب والمقالات والدعوات ، قد عممت
الطعن بالسنة كلها ، فإِن بعضها الآخر خُصص للطعن بالصحيحين بالذات
وذلك لما أَشاعوه ويشيعوه - كذباً وافتراءً - بأَن جمهور العلماء والمحدثين
يشيرون إلى الاكتفاء بالصحيحين ... ثم يذكرون بعض الأحاديث التي
لا توافق هواهم المنحرف،فيطعنون بها ،ویشککون من بعد ذلك بالصحیحین.
وهذا وإِن كان افتراءً على الأُمة ، وعلى علماء الحديث بالأَخص
- من ادعائهم الاعتماد عليهما فقط - إلّا أَنه أيضاً من أكبر عوامل الهدم
والتخريب ، إذ كيف يُدعى إلى الاكتفاء بهما ، ثم يأتي الطعن بهما ،
فماذا يبقى بعدهما من كتب الحديث .
لا شك أن الطعن بالصحيحين جريمة كبرى ، ورزية عظمى ، وبلية
رزية ، ومعصية خطيرة ، وانحراف في السلوك والتفكير . وكيف لا يكون
كذلك وهما أصح الصحيح ، فإِذا طعن فيه ، فالطعن فيما بعده أَسهل .
وأمرأُ على النفوس الضعيفة .
ولما للصحيحين من أهمية كبرى عند علماء المسلمين ، ومن ثم عند
عامة المسلمين ، حيث تلقاهما علماءُ الأُمة بالقبول ، وأجمعوا على العمل
(١) انظر ((بدعة دعوى الاعتماد على الكتاب دون السنة)) للمؤلف ، فقد خصصه
للرد على هذه الفكرة الكافرة الحاقدة .

- ١٦ ~
بهما ، وأنهما أَصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل . وأَنهما أُصح
الصحيح بالنسبة للحديث ، ولا نعلم كتاباً - بعد كتاب الله تعالى -
خدم ، ما خدم هذان الكتابان ، حيث كثرت الشروح والمستخرجات
والمختصرات والحواشي والمستدركات والتعليقات ... حتى زادت
على المئات .
لهذا كله، فإني أُفرد هذا البحث عن ((مكانة الصحيحين)).
وقد جعلت الكتاب في بابين .
الباب الأول: ((الثناءُ عليهما))
وتحته عشرة فصول .
الباب الثانى: ((الاعتراضات عليهما والرد عليها ))
.. وتحته سبعة فصول أيضاً .
وقد تكلمت فى الباب الأول عن : مكانة الشيخين . وعن طريقتهما
في تأليف الصحيحين. وعن علو مكانة الصحيحين . وعن شروط الصحيحين.
وعن مزايا الصحيحين . وعن أقسام أحاديثهما . وعن القطع بصحة
أحاديثهما. وعن إِفادتهما للعلم القطعي. وعن المستخرجات عليهما. وفائدة
تلك المستخرجات . وأنهما لم يستوعبا جميع الصحيح ، وإِنما أَغلب أَصح
الصحيح .
وتكلمت في الباب الثانى عن : إِخراجهما لبعض من تكلم فيهم . وعن
انفراد كل منهما بالإِخراج عن بعض الشيوخ . وأنه فاتهما كثير من
الحديث الصحيح . وعما انتقد عليهما في بعض الأحاديث ، والجواب
عن ذلك إِجمالاً وتفصيلاً . ثم أفردت للحديثين اللذين لم يجد ابن حزم
رحمه الله لهما مخرجاً مبحثين ، وكيف وجدت - مما نقلته عن أَهل
٢٠

- ١٧ -
الحديث - لهما مخرجاً. والحمد لله على فضله، ثم تكلمت على بدعة محدثة
لا عهد لأَهل الحديث بها من قبل إِلاّ في هذا العصر، ألا وهي (التصحيح
على الصحيحين )) وعدم الثقة بهما والتطاول عليهما .
ثم تكلمت على شبهة أَثارها بعض المعاصرين ألا وهي : إِمكانية
الاكتفاء بالصحيحين ونقل هذا - خطأً أَو تغافلاً - في زعمه عن الجمهور
وهو غير صحيح بل افتراءٌ عليهم .
ثم أَشرت في نهاية الكتاب إلى معرفة الحديث الموضوع - كما نص
عليه علماءُ الحديث - ليتبين - للمسلمين جميعاً - أن ما ذكره ويذكره
١
المعاصرون من هؤلاء لا ينطبق على ما صححه علماءُ الحديث سابقاً .
والحمد لله .
وفي الختام : أَسأله تعالى جل وعز أَن يجعل عملي خالصاً لوجهه
الكريم ، وأن يرزقني الصدق فى القول ، والإِخلاص في العمل ، ويحسن
نيتي وذريتي ، وأن يجعلني من خدمة دينه وحملة شرعه ، المتمثلين بسنة
نبيه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قولاً وعملاً وسلوكاً، وأن يغفر
لي ولوالدي ولوالد والدي ولأَزواجنا ومشايخنا ولأولادنا وللمسلمين ،
ويحفظنا ظاهراً وباطناً ، ويجعله ذخيرة مدخرة ليومٍ لا ينفع فيه مال
ولا بنون ، وأن يحشرنا جميعاً مع العلماء العاملين ، تحت لواءٍ سيد المرسلين
صلى الله عليه وآله وسلم ، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على
سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المدينة المنورة ٢٠ جمادى الأولى ١٤٠١ هـ
و کتب
خليل إبراهيم ملاخاطر
نزيل المدينة المنورة
(٢ - مكانة الصحيحين )

الباب الأول
البَّنَاءُ عَلَيَهَمَا
وفيه ((عشرة فصول))
الفصل الأول : مكانة الشيخين رحمهما الله تعالى .
الفصل الثانى : طريقتهما فى تأليف الصحيحين .
الفصل الثالث : علو مكانة الصحيحين .
الفصل الرابع : شروط الصحيحين .
الفصل الخامس : مزايا الصحيحين .
الفصل السادس : أقسام أحاديث الصحيحين .
الفصل السابع : القطع بصحة أحاديثهما .
الفصل الثامن : إفادتهما للعلم القطعى .
الفصل التاسع : المستخرجات عليهما .
الفصل العاش : الصحيحان لم يستوعبا جميع الصحيح . وإنما أغلب أصح
الصحيح .