النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه ٠ " عبد الله بن سخبرة)). وهذا غُلُوٌّ فى مذهب اتباع (١) اللفظِ والمنع من الرواية بالمعنى. ومنهم من رأى تغييرَه وإصلاحَه وروايته على الصواب؛ روينا ذلك عن ((الأوزاعى، وابنٍ المبارك)) وغيرهما. وهو مذهبُ المحصِّلين والعلماء من المحدِّثين. والقولُ به فى اللحنِ الذى لا يختلفُ به المعنى وأمثالهِ، لازمُ على مذهبٍ تجويزِ روايةِ الحديثِ بالمعنى. (٢) وقد سبق أنه قولُ الأكثرين *. وأما إصلاحُ ذلك وتغييره فى كتابِه وأصلِهِ، فالصوابُ تركُه، وتقريرُ ما وقع فى الأصلِ على ما هو عليه، مع التضبيبٍ عليه، وبيانِ الصوابِ خارجاً فى الحاشية، فإن ذلك أجمعُ للمصلحة وأنفى للمفسَدة. وقد روينا أن بعضَ أصحابِ الحديثِ رُئِىَ فى المنام وكأنه قد مَرَّ من شفتِه أو لسانِه شىء، فقيل له فى ذلك، فقال: لفظةً من حديثِ رسولِ الله وَلّ غيرتُها برأيى، ففُعِلَ بِى هذا. وكثيرا ما نرى ما يتوهمُه كثيرٌ من أهل العلم خطأً - وربما غيَرَّوه - صوابًا ذا وجدٍ .. (١) ضبطه فى ص: [أتباع] مهموزا. وانظر الباب فى (المحدث الفاصل) فقرات ٦٦٢ - ٦٧٣ و (جامع بيان العلم) ٧٨/١، وأبوابه فى (الكفاية: ٢٣٩ فما بعدها). (٢) على هامش (غ): [قال الشعبى: لا بأس أن يعرب الحديث إذا كان فيه لحن، وقال ابن حنبل: يجب، لأنهم لم يكونوا يلحنون. وقال النسائى: لا يغير ما وجد فى لغة، وما لم يوجد فى كلام العرب يغير، لأن رسول اللّهِ وَ﴾ لم يكن يلحن. ذكره كله ((ابن بطال)).] وانظر الإِلماع: ١٨٤. * المحاسن : ((زيادة: ذكر ((ابنُ أبي خيثمة)): سئل ((الشعبى وأبو جعفر محمد بن على بن حسين وعطاء والقاسم)) عن الرجل يحدِّث بالحديث فيلحن: أأحدث كما سمعتُ أو أعربه؟ فقالوا: لا، بل أَعْرِبْه (١) - انتهت.)) ٧٣/و (١) أسنده ابن عبدالبر عن أحمد بن زهير، ابن أبى خيثمة، بسنده إلى جابر، بن يزيد الجعفى الكوفى، قال: سألت عامرًا، يعنى الشعبى، وأباجعفر، يعنى محمد بن على، يعنى ابن رباح، والقاسم، يعنى ابن محمد، عن الرجل يحدث بالحديث فيلحن ... )) فذكره. (الجامع ٧٨/١). ٤٠٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح صحيح، وإن خَفِىَ واستُغرِب، لاسيما فيما يعدونه خطأ من جهةٍ العربية، وذلك لكثرةٍ لغاتِ العربِ وتشعُبِها. [٦٣/ظ] وروينا عن ((عبد الله بن أحمد بن حنبل)) قال: ((كان إذا مرَّ بأبى لحنٌ فاحشٌ غَيَره وإذا كان لحنًّا سهلا تركه، وقال: كذا قال الشيخ))(١). وأخبرنى بعضُ أشياخِنا عمن أخبره عن ((القاضى الحافظ عياض)) بما معناه واختصارُه، أن الذى عليه استمر عملُ أكثرِ الأشياخ، أن ينقلوا الروايةَ كما وصلت إليهم ولا يغيروها فى كُتبِهم، حتى فى أحرف من القرآن، استمرت الروايةُ فيها فى الكتب على خلافِ التلاوةِ المجمع عليها، ومن غير أن يجىء ذلك فى الشواذ. ومن ذلك ما وقع فى (الصحيحين، والموطأ) وغيرها. لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على خطئها هذا عند السماع والقراءة، وفى حواشى الكتبِ، مع تقريرِهم ما فى الأصول على ما بلغهم. ومنهم من جَسُرَ على تغيير الكتبِ وإصلاحِها، منهم ((أبو الوليد هشام بن أحمد الكنانى الوَقَشِى)»(٢) فإنه لكثرَةِ مطالعتِه وافتنانِهِ وثقوبٍ فهمِه وحِدَّةِ ذهنِه، جَسُرَ على الإصلاح كثيرًا، وَغلط فى أشياءَ من ذلك. وكذلك غيرُهُ ممن سلك مسلكه. والأَوْلَى سدُّ بابِ التغيير والإِصلاح لئلا يجسُرَ على ذلك مَن لا يُحسِنُ؛ والطريقُ الأول أسلم (٣) مع التبيين، فيذكر ذلك عند السماع كما وقع، ثم يذكر وجهَ صوابِه: إما من جهةِ العربية، وإما من جهة الرواية. وإن شاء قرأه أولا على الصوابِ ثم قال: وقع عند شيخِنا، أو: فى روايتنا، أو: من طريق فلان، كذا وكذا .. وهذا أولى من الأولِ كيلا يُنَقُولَ على رسولِ اللهِ وَّل، ما لم يَقُل. وأصلَحُ ما يعتمدُ عليه من الإِصلاحِ، أن يكون ما يَصلُّحُ به الفاسدُ قد ورد (١) فى الكفاية بإسناد الخطيب إلى عبدالله بن أحمد (باب ذكر الرواية عمن كان لا يرى تغيير لحن الحديث). (٢) طرة على هامش (ص): [هو مغربى أندلسى، وهو صاحب كتاب (النجم، من كلام سيد العرب والعجم) يناسب (الشهاب) للقضاعى. وله أيضا كتاب (الكوكب الدرى) فى الأحاديث النبوية أيضا.] وهو وهم: فمؤلف النجم والكوكب الدرى، هو أبو العباس أحمد بن معد الإقليشى المتوفى سنة ٥٤٩ هـ كما فى (الذيل والتكملة) وذكرهما له حاجى خليفة فى حرفى النون والكاف من الكشف. وانظر بطاقة أبى الوليد الوقشى هشام بن أحمد فى فهرس الأعلام. (٣) من متن (غ) وبهامشه: [وهو أسلم، والأول أسلم: معا] وفى مطبوعة العراقية: وهو أسلم. ٤٠٣ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه من أحاديثَ أُخَر، فإن ذاكِرَه آمِنٌ من أن يكون متقوِّلا على رسول اللّه وَّ ما لم يقل؛ والله أعلم (١)». العاشر: إذا كان الإِصلاحُ بزيادةِ شىءٍ قد سقط؛ فإن لم يكن من ذلك مغايرةٌ فى المعنى، فالأمرُ فيه على ما سبق، وذلك كنحوٍ [٦٤/و] ما رُوِىَ عن ((مالك)) رضى الله عنه أنه قيل له: ((أرأيتَ حديثَ النبى وَّةَ، يُزاد فيه الواوُ والألف، والمعنى واحد؟ فقال: أرجو أن يكون خفيفًا)). وإن كان الإصلاحُ بالزيادةِ يشتمل على معنى مغايرٍ لما وقع فى الأصل، تأكد فيه الحكم بأنه يذكر ما فى الأصل مقرونًا بالتنبيهِ على ما سقطَّ، ليسلم من معرَّةِ الخطأ، ومن أن يقول على شيخه ما لم يقل. حدَّث ((أبو نعيم الفضلُ بن دكين)) عن شيخ له بحديث قال فيه: ((عن بُحَيْنةَ)) فقال أبو نعيم: ((إنما هو ابنُ بُحينةَ، ولكنه قال: بحينة))(٢). وإذا كان مَن دُون موضعِ الكلام الساقِط معلومًا أنه أتى به، وإنما أسقطه مَنْ بعدَه، ففيه وجهٌ آخر، وهو أن يُلحقَ الساقط فى موضعِه من الكتاب مع كلمة: يعنى (٣). كما فعل (١) عياض: الإلماع ١٨٥ - ١٨٧ وانظر خطبته لمشارق الأنوار. (٢) أسنده الخطيب عن أبى نعيم فى (الكفاية: باب إصلاح الكلمة التى لابد منها) ٢٥١. (٣) طرة، على هامش (غ): [قوله: وإذا كان من دون موضع الكلام .. إلى آخره. عبر عنه ((النواوى)) فى (اختصاره) فقال: فإن عَلَمَ أن بعض الرواة أسقطه وحده، فله أيضًا أن يلحقه مع كلمة: يعنى] - متن التقريب (مع تدريب الراوى ١٠٨/٢). * المحاسن: ((فائدة: قال الإِمام ابن دقيقِ العِيدِ: ((سمعت أبا محمد بن عبد السلام، وكان أحد سلاطين العلماء، يذكر فى هذه المسألة ما لم أره لأحد، وهو أن هذا اللفظ المحتمل لا يروى على الصوابٍ ولا على الخطأ. أما على الصوابِ فلأنه لم يسمع من الشيخ ذلك، وأما على الخطأ فلأن سيدنا سيد المخلوقين وَّ، لم يقله كذلك.))(١) وقال: هذا معنى ما قاله، أو قريب منه (١) - انتهت)) ٧٣/ظ (١) ابن دقيق العيد، فى (الاقتراح ٢٩٤ - -٢٩٥) بلفظه هنا، لا مع إختلاف يسير كما ذكر الأستاذ قحطان الدورى، محقق الاقتراح (ط أولى بغداد)، ثم نقل ما فى (المحاسن) بخروم ليست فى طبعتنا من ٤ أصله هنا وإليها رجع. ٤٠٤ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ((الخطيب الحافظ)) إذ روى عن أبى عمرَ بن مهدى، عن القاضى المحاملى بإسناده عن عروة، عن عمرةَ بنت عبدالرحمن - تعنى عن عائشة - أنها قالت: "كان رسولُ اللّهِ وَالنّ يُدنِى إلىَّ رأسَه فَأُرَجِّله" قال ((الخطيب)): كان فى أصل ابن مهدى: عن عمرة أنها قالت: ((كان رسول اللّه وَ ﴿ل يدنى إلىَّ رأسَه)) فألحقنا فيه ذكرَ ((عائشةَ)) إذ لم يكن منه بُدُّ، وعلمنا أن ((المحاملى)) كذلك رواه، وإنما سقط من كتابٍ شيخِنا أبى عمر، وقلنا فيه: ((تعنى عن عائشة))، لأجل أن ابن مهدى لم يقل لنا ذلك. وهكذا رأيتُ غيرَ واحدٍ من شيوخِنا يفعل فى مثل هذا)) ثم ذكر بإسناده عن ((أحمدَ بنِ حنبل)) رضى الله عنه قال: «سمعت وكيعًا يقول: أنا أستعين فى الحديثِ بِـ: يعنى))(١). قلتُ: وهذا إذا كان شيخُه قد رواه له على الخطأ. فأما إذا وجد ذلك فى كتابه وغلب على ظنَّه أن ذلك من الكتابِ لا من شيخه، فيتجه ههنا إصلاحُ ذلك فى كتابه وفى روايته عند تحديثهِ به [٦٤/ظ] معاً. ذكر ((أبو داودَ)) أنه قال لأحمدَ بن حنبل: ((وجدتُ فى كتابى: حجاج عن جريج عن أبى الزبير؛ يجوزُ لى أن أصلحَه: ابن جريج؟ فقال: أرجو أن يكونَ هذا لا بأسَ به))(٢). والله أعلم. وهذا من قبيلِ ما إذا دَرَس من كتابه بعضُ الإِسنادِ أو المتن، فإنه يجوز له استدراكُه من كتاب غيره، إذا عرف صحته وسكنتْ نفسُه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابِه؛ وإن كان فى المحدِّثين من لا يستجيز ذلك. وممن فعل ذلك ((نعيم بن حماد)) فيما رُوِى عن يحيى بن معين عنه. قال ((الخطيبُ الحافظ)): ((ولو بين ذلك فى حال الرواية كان أوْنَى))(٣). (١) الكفاية: باب إلحاق الاسم المتيقن سقوطه من المتن: ٢٥٣. وانظر الحديث فى (الموطأ: ك الاعتكاف ح ١) ومعه (التمهيد ٣١٦/٨، ومشارق الأنوار ٩١/٢) وسنن أبى داود: ك الصوم، باب المعتكف يدخل بيته لحاجته ح ٢٤٦٧ (٣٣٢/٢). وأخرجه البخارى فى (ك الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة) من حديث الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة، عن عائشة (معه فتح البارى ١٩٤/٤) وأخرجه مسلم فى (ك الحيض باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله) من عدة طرق: مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة، وعن الليث عن ابن شهاب عن عمرة عن عائشة، وعن عروة عن عائشة رضى الله عنها. (٢) أبو داود: مسائل أحمد ٢٨٣. وأسنده الخطيب عنه فى الكفاية ٢٥١. وفيهما: ((عن جريج عن أبى الزبير عن جابر)) رضى الله عنه. (٣) فى الكفاية: باب ما جاء فيمن دَرَس - أى بلى- من كتابه بعض الإِسناد أو المتن. (٢٥٣-٢٥٤) . i أ أ ٤٠٥ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه وهكذا الحكم فى استثباتِ الحافظِ ما شكّ فيه من كتابٍ غيره أو من حفظِهِ، وذلك مروِىٌّ عن غير واحدٍ من أهل الحديث، منهم: ((عاصم، وأبو عوانةَ، وأحمدُ بنُ حنبل)). وكان بعضُهم يبين ما تَبَّتَه فيه غيرُه. فيقول: ((حدثنا فلان، وثبتنى فلان)) كما روى عن ((يزيد بن هارون)) أنه قال: ((أنا عاصم، وتَّبتنى شعبةُ، عن عبد اللّه بن سَرْجِسَ ... )(١) وهكذا الأمرُ فيما إذا وجد فى أصلِ كتابه كلمةً من غريبِ العربية أو غيرها غيرَ مقيدةٍ وأشكلتْ عليه، فجائز أن يسأل عنها أهلَ العلم بها، ويروبها على ما يخبرونه به. رُوِىَ مثلُ ذلك عن «إسحاق بن راهويه، وأحمدَ بنِ حنبل)) وغيرهما،(٢) رضى الله عنهم؛ والله أعلم. الحادى عشر: إذا كان الحديث عند الراوى عن اثنين أو أكثرَ، وبين روايتهما تفاوتٌ فى اللفظ، والمعنى واحدٌ، كان له أن يجمعَ بينهما فى الإِسناد ثم يسوق الحديثَ على لفظٍ أحدِهما خاصةً، ويقول: أخبرنا فلان وفلان، واللفظُ لفلانٍ، أو: وهذا لفظُ فلان، قال أو قالا: أخبرنا فلان. أو ما أشبه ذلك من العبارات. ولِـ ((مسلم: صاحبِ الصحيح)) مع هذا فى ذلك عبارةٌ أخرى حسنةٌ، مثلُ قولِه: ((حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة [٦٥/و] وأبوسعيد الأشج، كلاهما عن أبى خالد، قال أبو بكر: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش)» وساق الحديثَ. فإعادتهُ ثانيًّا ذِكرَ أحدِهما خاصةً، إشعارٌ بأن اللفظَ المذكورَ له. وأما إذا لم يخص أحدَهما بالذكر، بل أخذ من لفظِ هذا ومن لفظٍ ذاك، وقال: ((أخبرنا فلان وفلان، وتقاربا فى اللفظِ، قالا: أخبرنا فلان)) فهذا غيرُ ممتنع على مذهبٍ تجويز الرواية بالمعنى. وقولُ ((أبى داودَ: صاحبِ السنَن)): ((حدثنا مُسَدَّد وأبو توبة، (٣) المعنى، قالا: حدثنا (١) الكفاية: (باب ذكر بعض الروايات عمن قال: ثنا فلان وثبتنى فلان) ٢١٨. (٢) الكفاية: باب القول فى المحدِّث يجد فى أصل كتابه كلمة من غريب اللغة غير مقيدة، هل يجوز أن يسأل عنها أهل العلم بها؟ (٢٥٥-٢٥٦). (٣) مسدد بن مُسَرْهَد بن مُسَرْبَل الأسدى البصرى، أبو الحسن: أول من صنف (المسند) بالبصرة، كان حافظًا حجة من الأئمة الأثبات، توفى سنة ٢٢٨ هـ (طبقات الحنابلة ٣٤١/١، وتذكرة الحفاظ ٨/٢). وأبو توبة، الطرسوسى، الربيع بن نافع الحلبى، روى عنه أبو داود. أخرج له الجماعة سوى الترمذى: ٢٤١ هـ. ٠ ٤٠٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح أبو الأحوص)) مع أشباهٍ لهذا فى كتابِهِ، يحتمل أن يكونَ من قبيلِ الأول، فيكون اللفظُ المسدد ويوافقه أبو توبة فى المعنى، ويحتمل أن يكون من قبيل الثانى، فلا يكون قد أورد لفظً أحدِهما خاصة، بل رواه بالمعنى عن كليهما®، وهذا الاحتمال یقربُ فى قوله: (حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل، المعنى واحد، قالا: حدثنا أبان)). وأما إذا جمع بين جماعةِ رواةٍ قد اتفقوا فى المعنى، وليس ما أورده لفظَ كلِّ واحدٍ منهم، وسكت عن البيان لذلك، فهذا مما عيب به ((البخارىُّ)) أو غيرُه؛ ولا بأسَ به على مقتضى مذهبٍ تجويزِ الرواية بالمعنى. وإذا سمع كتابًا مصنفًا من جماعةٍ، ثم قابل نسخته بأصلِ بعضِهم دون بعض، وأراد أن يذكر جميعَهم فى الإِسنادٍ ويقول: واللفظ لفلانٍ؛ كما سبق، فهذا يحتمل أن يجوزَ كالأولِ، لأن ما أورده قد سمعه بنصِّه(١) ممن ذكره أنَّه بلفظِه؛ ويحتمل ألا يجوزَ لأنه لا علم عنده بكيفيةِ روايةِ الآخرين حتى يخبرَ عنها، بخلاف ما سبق قإنه اطلع على روايةٍ غير مَنْ نَسَبَ اللفظَ إليه، وعلى موافقتهما(٢) من حيث المعنى، فأخبر بذلك ** ؛ والله أعلم. ١ (١) من (ص) وهامش (غ) والعراقية. وفى متن غ: [بنفسه] خ. ١ (٢) فى ص: [موافقتها]. * المحاسن: ((فائدة: هذا الاحتمال الثانى عجيب، إذ يلزم عليه ألا يكون رواه بلفظٍ لواحدٍ من شيخيه، وهو بعيد. وكذلك إذا قال: ((أنا فلان وفلان، وتقاربا فى اللفظِ)) فليس هو منحصرا فى أن روايته عن كل منهما بالمعنى وأن المأتىَّ به لفظ ثالث غير لفظيهما. والأحوال كلها آيلة فى الغالب إلى أنه لابد أن يسوق الحديث على لفظٍ مروى له بروايةٍ واحدة، والباقى بمعناه - انتهت)). ٧٥ / و ** ((فائدة وزيادة: إذا كان الحديث قد روى بعضَه عن جماعةٍ، ورواه كلَّه عن غيرهم، فكيف يصنع؟ لم أر من تعرض له ممن صنف فى علوم الحديث. وهو موجود فى رواية ((الزهرى)) فى حديثِ الإِفْكِ، وفيه قال الزهرى: «أخبرنى عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيدالله بن عبداللّهِ بن عتبة بن مسعود= i ٤٠٧ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه الثانى عشر: ليس له أن يزيدَ فى نسبٍ مَنْ فوقٍ شيخِه من [٦٥/ظ] رجال الإِسنادِ على ما ذكره شيخُه، مُدَرَجاً (١) عليه من غير فصْل مُميِّز. فإن أتى بفصلٍ جاز، مثل أن يقول: هو ابن فلان الفلانى، أو: يعنى ابن فلان؛ ونحو ذلك. وذكر ((الحافظ الإِمام أبو بكر البرقانى)) رحمه الله فى (كتابِ اللَّقَطِ) له، بإسناده عن «على ابن المدينى)) قال: (١) على هامش (غ) طرة: [جرت عادة المتقدمين إذا كتبوا كتابًا عن شيخ نسبوه فى أول صفحة، ثم أدرجوا عليه اسمه بأن يقولوا فى بقية الأحاديث: أنا فلان، لا ينسبونه. فهل يجوز لمن روى هذا عن الراوى أن ينسبه فى بقية الأحاديث؟ إن منعنا الرواية بالمعنى لم يجز، وإن أجزنا فقد يمكن جوازه. وحکی ((الخطيب)) عن أكثر أهل العلم أنهم أجازوه. والأولى عندنا أن يقال فيه: هو فلان بن فلان، أو: يعنى ابن فلان]. بنصه فى الكفاية ٢١٥. : = عن حديث عائشة زوج النبى و ﴿ حين قال لها أهلُ الإِفِك ما قالوا، فبرأها الله .. مما قالوا. وكلّ حدثنى طائفةٌ من الحديث، وبعضُ حديثهم يُصدِّقُ بعضًا، وإن كان بعضهم أوعى له من بعض. الذى حدثنى به عروة عن عائشة ... " وساق الحديث. وهذا فى كلام أصحابِ السِّير يوجَد كثيرًاً ولا يعلم به الإنسان القدرَ الذى رواه عن كلّ واحدٍ من الذين حدثوه طائفةً منه. وقد تعرض ((ابن الصلاح)) لشىء من ذلك فى الحادى والعشرين مما نحن فيه، لكنه لم يكمل التمثيل، وسيأتى(١). وأغرب من ذلك ما صنعه ((البخارى)) فى صحيحه فى كتاب الرقاق، فى باب كيف كان عيش النبى وَله وأصحابه وتخليهم من الدنيا: "حدثنى أبو نعيم بنجو من نصفٍ هذا الحديث، ثنا عمر بن ذر، ثنا مجاهد أن. أبا هريرة كان يقول .. " فساق حديث أصحاب الصفة وشرب اللبن (٢) .. ووجهُ الغرابة فيه أنه قال: "حدثنى أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث" ولم یبین مَنْ رَوَى عنه النصفَ الآخرَ، وهذا مما لم أره فى رواية أحد. والظاهرُ أن المراد بما ساقه بالسند أوائل الكلام دون أواخره، وبذلك یرتد قولُ من یقول: لا ندری حدثه بالنصفِ الأولِ أم بالآخر؟ انتهى)) ٧٥/ظ. (١) يأتى حديث الإفك، بإسناد الزهرى فى التفريع الحادى والعشرين، مما يلى. (٢) مثل به العراقى فى (التقييد والإيضاح: ٢٤٢). وانظر حديث البخارى فى الرقاق بهذا الإسناد، ومعه (فتح البارى ٢٢٢/١١). ٤٠٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح إذا حدثك الرجل فقال: حدثنا فلان؛ ولم ينسبه، فأحببتَ أن تنسبه فقلْ: حدثنا فلان أن فلان بن فلان حدَّثه. والله أعلم. وأما إذا كان شيخُه قد ذكر نَسبَ شيخِه أو صفتَه فى أول كتابٍ أو جزءٍ عند أول حديثٍ منه، واقتصر فيما بعده من الأحاديث على ذكر اسم الشيخ أو بعضٍ نسبِهِ - مثالُه أن أروى جزءًا عن ((الفراوى)) وأقولَ فى أوله: ((أخبرنا أبو بكر منصوربن عبدالمنعم بن عبد الله الفَراوى، قال: أخبرنا فلان)) وأقول فى باقى أحاديثه: "أخبرنا منصور، ... أخبرنامنصور" فهل يجوز لمن سمع ذلك الجزءَ منى أن يروىَ عنى الأحاديثَ التى بعد الحديثِ الأولِ متفرقةً، ويقولَ فى كلَّ واحد منها: «أخبرنا فلان، قال أخبرنا أبو بكر منصور بن عبدالمنعم بن عبدالله الفراوى قال: أخبرنا فلان)) - وإن لم أذكر له ذلك فى كلِّ واحدٍ منها - اعتمادًا على ذكرى له أولا؟ فهذا قد حكى ((الخطيبُ الحافظ)) عن أكثر أهلِ العلم أنهم أجازوه. وعن بعضِهم أن الأولى أن يقول: يعنى ابن فلان. وروى بإسناده عن ((أحمدَ بن حنبل)) رضى الله عنه أنه كان إذا جاء اسمُ الرجل غيرَ منسوب قال: يعنى ابنَ فلان(١). ورَوَى عن ((البرقانى)) بإسناده عن ((على ابن المدينى)) ما قدمنا ذكره عنه. ثم ذكر أنه هكذا رأى ((أبا بكر أحمدَ بن على الأصبهانى، نزيل نيسابور)» يفعل، وكان أحدَ الحفاظِ المجوِّدين ومن أهل الورعِ والدينِ، وأنه سأله [٦٦/و] عن أحاديث كثيرةٍ رواها له قال فيها: «أخبرنا أبو عمرو بن حمدان أن أبا يَعلى أحمد بن على بن المثنى الموصلى أخبرهم، وأخبرنا أبو بكر بن المقرئ أن إسحاق بن أحمد بن نافع حدَّثهم؛ وأنا أبو أحمد الحافظ أن أبا يوسف محمد بن سفيان الصفَّار أخبرهم". فذكر له أنها أحاديثُ سمعها قراءةً على شيوخه فى جملة نسخ نسبوا الذين حدثوهم بها فى أولها، واقتصروا فى بقيتها على ذِكْرِ أسمائهم (٢). (١-٢) الكفاية: (باب فى المحدث يروى حديثا عن شيخ ينسبه فيه ثم يروى بعده عن ذلك الشيخ). وعبارة الخطيب: ((وهذا الذى أستحسنه)) وختمها بقوله: ((فاستعمال ما ذكرتُ أنفى للظنّة، وإن كان المعنى فى العبارتين واحدًا)). ٤٠٩ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه قال: وكان غيره يقول فى مثل هذا: أخبرنا فلان، قال أخبرنا فلان، هو ابن فلان. ثم يسوق نسبه إلى منتهاه. قال: وهذا الذى أستحِبُّه لأن قومًا من الرواة كانوا يقولون فيما أجيز لهم: أخبرنا فلان أن فلانا حدثهم(١). قلتُ: جميعُ هذه الوجوه جائزٌ. وأوْلاها أن يقول: هو ابن فلان، أو: يعنى ابن فلان. ثم أن يقول: إن فلان بن فلان. ثم أن يذكر المذكورَ فى أول الجزء بعينه من غير فصلٍ ؛ والله أعلم. الثالث عشر: جرت العادةُ بحذفِ "قال" ونحوه فيما بين رجال الإِسنادِ خَطًّا، ولا بد من ذكره حالةَ القراءة لفظًا. ومما قد يُغفَلُ عنه من ذلك، ما إذا كان فى أثناء الإِسنادِ : "قرئُ على فلان، أخبرك فلان" فينبغى للقارئ أن يقول فيه: "قيل له، أخبرك فلان". ووقع فى بعضِ ذلك: "قرىُ على فلانٍ، حدثنا فلان" فهذا يُذكر فيه: قال، فيقال: "قرئُ على فلان، قال حدثنا فلان" وقد جاء هذا مصرَّحًا به خطًّا هكذا فى بعضٍ ما رويناه. وإذا تكررت كلمةُ: قال، كما فى قوله فى (كتاب البخارى): "حدثنا صالح بن حيان، قال: قال عامر الشعبى" حذفوا إحداهما فى الخَطِّ، وعلى القارئ أن يلفظَ بهما جميعًا، والله أعلم. الرابع عشر: النسُ المشهورةُ المشتملة على أحاديثَ بإسنادٍ واحدٍ - كنسخةِ ((همام بن مُنَبِّه(٢)) عن [٦٦/ظ] أبى هريرة، رواية عبدالرزاق عن معمر، عنه. ونحوِها من النسخ والأجزاء: منهم من يُجَدِّدُ ذِكر الإِسنادِ فى أولِ كلِّ حديث منها. ويوجَد هذا فى كثير من الأصولِ القديمة، وذلك أحْوَطُ. ومنهم من يكتفى بذكرِ الإِسناد فى أولها عند أول حديَّث منها، أو فى أول كلِّ مجلسٍ من مجالس سماعها، ويدرج الباقى عليه ويقول فى كلِّ حديثٍ بعده: "وبالإِسناد" أو: "وبه" وذلك هو الأغْلَبُ الأكثر(١). وإذا أراد من كان سماعُه على هذا الوجه تفريقَ تلك الأحاديثِ وروايةَ كلِّ حديثٍ منها بالإِسناد المذكور فى أولها، جاز له ذلك عند الأكثرين، منهم ((وكيع بن الجراح، (١) الكفاية، مع ما قبله. (٢) من (ص، ع) - وفى نسخة (غ) تلف من قرضة أو بلى، يحول دون قراءة الاسم. على أنه جاء فيها مرتين مقروءًا دون لبس، فى آخر هذا التفريع الرابع عشر. وانظره فى كتاب (الكفاية، للخطيب البغدادى: ٢١٤) باب ما جاء فى تفريق النسخة المدرجة وتجديد الإِسناد المذكور فى أولها لمتونها. (٣) الكفاية: ٢١٤ _ ٢١٥. ٤١٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ويحيى بن معين، وأبو بكر الإِسماعيلى)) وهذا لأن الجميع معطوف على الأول، فالإِسنادُ المذكورُ أولا، فى حُكم المذكورِ فى كلّ حديث، وهو بمثابةٍ تقطيع المتن الواحد فى أبوابٍ، بإسنادِهِ المذكورِ فى أولهِ (١)؛ والله أعلم. ومن المحدِّثين من أبى إفرادَ شىء من تلك الأحاديث المدرَجةِ بالإِسنادِ المذكور أولا، ورآه تدليسًا. وسأل بعضُ أهلِ الحديث ((الأستاذَ أبا إسحاق (٢) الأسفرائينى، الفقيه الأصولى)) عن ذلك فقال: لا يجوز(٣). وعلى هذا، من كان سماعُه على هذا الوجه، فطريقه أن يُبَيِّنَ ويحكى ذلك كما جرى، كما فعله ((مسلم)) فى صحيحه فى (صحيفة همام بن منبه) نحو قوله: "أخبرنا محمد بن رافع، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أنبأنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة" وذكر أحاديثَ منها: "وقال رسولُ اللهِ وَّهُ: إن أدنى مَقعدِ أحدِكم فى الجنة أن يقول له: تَمَنَّ،(٣) الحديث. وهكذا فعل كثيرٌ من المؤلفين*؛ والله أعلم. (١) الكفاية، مع ما قبله. (٢) على هامش (غ): [أبو إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن مهران، الإِمام فى الفقه والأصول، وهو أحد الثلاثة الناصرين مذهب السنة: الأشعرى والباقلانى، والأسفرائينى هذا، أبو إسحاق]. (٣) على هامش (غ): [قال الشيخ: وهذا عندنا على طريق الأولى، ولو أفرد بعضها لم يمتنع، إذا كانت العبارة كعبارة مسلم، والله أعلم]. تأتى عبارة ((مسلم)) فى الفقرة التالية. (٤) كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٠/١٨٢) ولفظ الإسناد: وحدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة. * المحاسن: ((فائدة: قد صنَع ((البخارى)) ما يقتضى الاحتياطَ فى ذلك، فأشكل على الناسِ ما صنعه، فقال فى ترجمة "لا تبولوا فى الماء الدائم": حدثنا أبو اليمان أنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد أن عبدالرحمن بن هرمز الأعرج حدثه، أنه سمع أباهريرة أنه سمع رسول الله وَلّه يقول: "نحن الآخرون السابقون" وبإسناده قال: "لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم الذى لا يجرى، ثم يغتسل منه" (١) فكأن البخارى سمعه من أبى اليمان فى الأول= (١) صحيح البخارى: ك الوضوء، باب الماء الدائم. ٤١١ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه الخامس عشر: إذا قَدَّم ذِكر المتن على الإِسنادِ أو ذكرَ المتنِ وبعضِ الإِسناد، ثم ذكَرَ الإِسنادَ عقيبَه على الاتصال، مثل أن يقول: قال رسول الله وَل كذا وكذا؛ أو يقول: روى [٦٧ /و] عمروبن دينار عن جابر عن رسول الله و لل كذا وكذا؛ ثم يقول: أخبرنا به فلان قال أنا فلان؛ ويسوق الإِسناد حتى يتصلَ بما قدَّمِهِ، فهذا يلتحق بما إذا قَدَّمَ (١) الإِسنادَ فى كونِه يصير به مسنِدًا للحديث لا مرسلا له. فلو أراد من سمعه منه هكذا أن يُقدم الإِسنادَ ويؤخرَ المتنَ ويُلَفَّقَه كذلك، فقد ورد عن بعضِ من تقدم من المحدِّثين أنه جوَّز ذلك(٢). قلتُ: ينبغى أن يكونَ فيه خلافٌ نحو الخلافِ فى تقديم بعضٍ مَتْنِ الحديث على بعض. وقد حكى ((الخطيبُ)) المنعَ من ذلك، على القول بأن الرواية على المعنى لا تجوز؛ (١) كذا ضبطه فى (غ) بالقلم، مبنيًّا للمعلوم. وضبطه فى (ص) مبنيًّا للمجهول، بالقلم أيضًا. (٢) الكفاية: (باب ما جاء فى إرسال الراوى للحديث وإذا سئل بعد ذلك عن إسناده ذكره) ٢١٢. = بالإِسناد مردفًا عليه - قائلا: وبإسناده - حديثَ البَوْلِ، فأورده كما سمعه. ولو ذكر حديثَ البولِ بالسندِ لأوهم أنه سمعه بالسند؛ ولم يقع ذلك. ويدل لهذا أنه ذكر حديث: "نحن الآخرون السابقون" فى (باب الجمعة)(١) بالسند، من غير أن يذكر حديثَ البولِ فى الماء الدائم، إذ لا حاجةً له به هناك. وهذا الاحتياطُ يحتمل أن يكون للورَع والخروجِ من الخلاف المذكور، ويحتملُ أن يكونَ مذهبُ البخارى أنه لا يجوز، كمختار ((الأستاذ أبى إسحاق)). ومثلُ ذلك ما وقع فى البخارى فى (علامات النبوة): أخرج حديثَ ((شبيب بن غَرقدةَ)) عن الحَىِّ عن ((عروة)) فى قصةِ الشاة والدينار(٢) - انتهى)). (١) باب فرض الجمعة. (٢) يشير إلى ما فى إسناد ((البخارى)) لهذا الحديث عن ((شبيب بن غرقدة)) قال: سمعت الحىَّ يحدثون عن عروة "أن النبى و ﴿ أعطاه دينارًا يشترى له به شاة ... " الحديث (كتاب المناقب، باب علامات النبوة فى الإسلام) وانظر (فتح البارى ٤١٠/٦ - ٤١١) وسنن الدارقطنى (ك البيوع ح ٢٨ - ٣٠) ١٠/٣ ومعجم شيوخ التاج السبكى (ل ٢١٤/١ - ٢١٥) مخطوط دار الكتب. ٤١٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح والجوازَ، على القولِ بأن الرواية على المعنى تجوز. ولا فرقَ بينهما فى ذلك*(١)؛ والله أعلم. وأما ما يفعلهُ بعضُهم من إعادةٍ ذكر الإِسناد فى آخرِ الكتاب أو الجزء بعد ذكرِه أولا، فهذا لا يرفع الخلافَ الذِى تقدم ذكره فى إفرادِ كلِّ حديث بذلك الإِسنادِ عند روايتها، لكونه لا يقعُ متصلا بكلِّ واحدٍ منها. ولكنه يفيد تأكيدًا واحتياطًا ويتضمن إجازةً بالغةً من أعلى أنواعِ الإِجازات؛ والله أعلم. السادس عشر: إذا روَى المحدِّثُ الحديث(٢) بإسناد ثم أتبعه بإسنادٍ آخر وقال عند انتهائه: "مثله" فأراد الراوى عنه أن يقتصرَ على الإِسنادِ الثانى ويسوق لفظَ الحديث المذكور عقيبَ الإِسناد الأول، فالأظهَرُ المنعُ من ذلك **. (١) قابل على كفاية الخطيب (ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة على كلمة) ١٧٥. (٢) من (غ، ع) وفى (ص): [إذا روى المحدث بإسناد] بإسقاط الحديث. * المحاسن: ((فائدة: ما ذكره ((ابن الصلاح)) من التخريج ممنوعٌ. والفرقُ أن تقديم بعضٍ الألفاظِ على بعضٍ قد يؤدِّى إلى الإِخلالِ بالمقصودِ، فى العَطْفِ وعَوْدِ الضمير ونحوِ ذلك. بخلافِ السنّدِ: فإن تأخّرَ بعضِه أو كلَّه على المتن، فى حُكم المقدم فلذلك جاز تقديمه ء ولم يتخرج على الخلاف. وقد ذكر ابن الصلاح أنه يجرى فيه ما تقدم من الخلاف، ولم يتقدم له ذلك - انتهت)) ٧٧/ظ ** المحاسن: ((فائدة: وما قدمه ((ابن الصلاح)) من الأظهر، فيه نظر، ولاسيما إذا قال كما يقول ((مسلم)): مثله، سواء. فإن الأرجحَ خلافُ ما قال إنه الأظهر. ويدل لما رجحناه من الجواز أن ((البيهقى)) صنع ذلك حتى فى الموضع المحتمل. وذلك أن ((الدارقطنى)) فى (سننه) خرَّج من طريق أبى هريرة حديثَ: "تقول المرأة: أُنفِقْ علىَّ وإلا طلِّقنى))(١) ثم خرَّج من حديث سعيد بن المسيب عن أبى هريرة فى الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته= (١) سنن الدارقطنى: كتاب النكاح، باب المهر (ح ١٩١ - ١٩٤) ٢٩٧/٣. أ ٤١٣ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه وروينا عن ((أبى بكر الخطيب الحافظ)) رحمه الله قال: كان ((شعبةُ)) لا يجيز ذلك. وقال بعضُ أهلِ العلم: يجوز ذلك إذا عرف أن المحدِّثَ ضابطٌ متحفظ يذهب إلى تمييز الألفاظِ وعدِّ الحروف. فإن لم يعرف ذلك منه، لم يجز ذلك. وكان غيرُ واحدٍ من أهل العلم إذا رَوَى مثلَ هذا، يورد الإِسنادَ ويقول: [٦٧/ظ] مثل حديثٍ قبله، متنُه كذا وكذا؛ ثم يسوقه. وكذلك إذا كان المحدث قد قال: نحوه، قال: "وهذا هو الذى أختارُه))(١). أخبرنا ((أبو أحمد عبد الوهاب بن أبى منصور على بن على البغدادى (٢))» شيخ الشيوخ بها، بقراءتى عليه بها، قال: أخبرنى والدى رحمه الله، قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الصريفينى، قال أخبرنا أبو القاسم بن حُبَابة(٣)، قال حدثنا أبو القاسم عبد اللّه بن محمد البغوى، قال حدثنا عمرو بن محمد الناقد، قال حدثنا وكيع قال، قال ((شعبة)): "فلانٌ عن فلان، مثلُهُ: لا يجزئ." قال ((وكيع)): "وقال سفيان الثورى: يُجزئ". (١) أبو بكر الخطيب: الكفاية (باب ما جاء فى المحدث يروى حديثًا ثم يتبعه بإسناد آخر) ٢١٢. (٢) على هامش (ص): [هو ابن سكينة، مشهور ببغداد]= من شيوخ ابن الصلاح وصيغة التحمل فى هذا الإِسناد فى (غ): [أنا] وما هنا من (ص، ع). (٣) بهامش ص: [هذا صاحب البغوى]=أبو القاسم بن حبابة، عبيدالله بن محمد بن إسحاق البغدادى (٣٨٩ هـ) راوى الجعديات عن أبى القاسم البغوى عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز (ت٣١٧هـ). = قال: "يفرق بينهما (١)، ثم أخرج من حديث أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى وَلَ﴿ مثله(٢). فهذا مع احتمالِهِ أن يكون مثلَ الموقوفِ وأن يكون مثلَ المرفوع قبلَه، خرَّجه ((البيهقى))(٣) بطريق الدارقطنى وفيه لفظُ المرفوع، فروى بإسنادِه إلى أبى هريرة أن النبى وَلّ قال: "إذا أعسر الرجلُ بنفقةِ امرأته يفرق بينهما" ولم يقع ذلك فى (كتابِ الدارقطنى) ولا فى كتابٍ من أخذ عنه ((الدارقطنى)) إلا بلفظة: ((مثله) (٤) المحتملة. وحينئذ فإذا زال الاحتمالُ جاز أن يأتىَ بذلك اللفظِ بالسند الذى فيه لفظة: مثله؛ - انتهت)). ٧٨/و. (١-٢) سنن الدارقطنى: كتاب النكاح، باب المهر (ح ١٩١ - ١٩٤) ٢٩٧/٣. (٣) السنن الكبرى: كتاب النفقات، باب الرجل لا يجد نفقة المرأة (٤٧٠/٧). (٤) سنن الدارقطنى: نكاح، المهر (ح ١٩٤). - وانظر (فتح المغيث ٢٥٩/٢ - ٢٦٢). ٠ ٤١٤ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح وأما إذا قال: نحوه؛ فهو فى ذلك عند بعضهم كما إذا قال: مثله. نبِّتنا بإسنادٍ عن ((وكيع)) قال: "قال سفيان: إذا قال: نحوه، فهو حديث". وقال ((شعبة)): "نحوه، شَكّ". وعن ((يحيى بن معين)) أنه أجاز ما قدمنا ذكره فى قوله: مثله، ولم يجزه فى قوله: نحوه. قال (الخطيبُ :. وهذا القولُ على مذهبٍ من لم يُجز الروايةَ على المعنى. فأما على مذهب من أجازها، فلا فرقَ بين: مثله، و: نحوه(١). قلت (٢): هذا له تعلُّقُ بما رويناه عن ((مسعود بن على السِّجزى)) (٣) أنه سمع الحاكم أبا عبدالله الحافظَ يقول: أن مما يلزم الحديثى من الضبط والإتقان أن يفرق بين أن يقول: مثله، أو يقول: نحوه؛ فلا يحل له أن يقول: مثله، إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد، ويحل أن يقول: نحوه، إذا كان على مثلِ معانيه. والله أعلم. السابع عشر: إذا ذكر الشيخُ إسناد الحديثِ ولم يذكر من متنه إلا طرفًا ثم قال: وذكّر الحديثَ. أو قال: وذكر الحديث بطولِه. فأراد الراوى عنه أن يروىَ الحديثَ بكمالِه وبطوله، فهذا أولى بالمنع مما سبق ذكره فى قولِه: مثله أو: نحوه. فطريقُه أن يبيِّن ذلك بأن يقتصَّ ما ذكره الشيخُ على وجهِه ويقول: ((قال - وذكر الحديثَ بطوله)) [٦٨/و] ثم يقول: ((والحديثُ بطوله هو كذا وكذا)) ويسوقه إلى آخره. وسأل بعضُ أهل الحديث ((أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الشافعى)) (٤) المقدم فى الفقه والأصول، عن ذلك فقال: لا يجوز لمن سمع على هذا الوصف أن يروى الحديث بما فيه من الألفاظ على التفصيل. (١) الخطيب فى الكفاية، بإسناده إلى وكيع: ٢١٤ (باب ما جاء فى المحدث يروى حديثًا ثم يتبعه بإسناد ، آخر). (٢) من هنا حتى نهاية هذا التفريع السادس عشر، ساقط من متن (ص) وأضيف بالهامش: (٥٢أ) لحقا. (٣) فى متن (غ) [السجستانى] وعلى هامشه: السجزى، من أصل الشيخ شمس الدين. وهو ما فى متن ابن الصلاح بالتقييد والإيضاح (٢٣٨) نسبة إلى سجستان على غير قياس (اللباب ١٠٤/٢) والضبط منه. ومسعود بن على، أبو سعيد السجزى: تلميذ الحاكم أبى عبدالله. أكثر منه، وله عنه سؤالات. توفى سنة ٤٣٨ هـ (تذكرة الحفاظ ١١١٧/٣ طبقات الحفاظ ٩٧١/٤٢٨). (٤) [أبو إسحاق الأسفرائينى، إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإِمام فى الفقه والأصول. وهو أحد الثلاثة الناصرين مذهب أهل الحديث والسنة: أبو إسحاق هذا، وأبو الحسن الأشعرى، وأبو بكر الباقلانى رضى الله عنهم وعن جميع المسلمين] من هامش (غ). - قال النووى: ((قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح: وكان الأستاذ أبو إسحاق ناصرًا لطريقة الفقهاء فى أصول الفقه مضطلعًا بتأييد مذهب الشافعى فى مسائل من الأصول أشكلت على كثير من المتكلمين الشافعيين حتى جبنوا عن موافقته .. )) تهذيب الأسماء ١٦٩/٢ - ١٧٠). ١ ٤١٥ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط أدائه وسأل ((أبو بكر البرقانى الحافظُ الفقيه)) أبا بكر الإسماعيلى الحافظَ الفقيه عمن قرأ إسناد حديثٍ على الشيخ ثم قال: وذكر الحديث؛ هل يجوز أن يُحدِّثَ بجميع الحديث؟ فقال: إذا عرف المحدِّثُ والقارئ ذلك الحديثَ فأرجو أن يجوز ذلك، والبيانُ أوْلى أن يقولَ كما كان . قلتُ: إذا جوَّزنا ذلك، فالتحقيقُ فيه أنه بطريق الإِجازة فيما لم يذكره الشيخ، لكنها إجازةٌ أكيدةٌ قويةٌ من جهاتٍ عديدة، فجاز لهذا مع كونٍ أوله سماعًا، إدراجُ الباقى عليه من غير إفرادٍ له بلفظ الإِجازة*؛ والله أعلم. الثامن عشر: الظاهرُ أنه لا يجوز تغيير "عن النبى" إلى: "عن رسول الله (وَله". وكذا بالعكس، وإن جازت الروايةُ بالمعنى؛ فإن شرطَ ذلك أن لا يختلفَ المعنى، والمعنى فى هذا مختلف. وثبت عن ((عبدالله بن أحمد بن حنبل)) أنه رأى أباه إذا كان فى الكتاب (النبى)) فقال المحدِّث: "عن رسول الله ( ال))؛ ضرب وكتب: عن رسول اللّه وَل. وقال ((الخطيبُ أبو بكر)): "هذا غيرُ لازم، وإنما استحبَّ ((أحمدُ)) اتباعَ المحدِّث فى لفظه، وإلا فمذهُبه الترخيصُ فى ذلك." (١) ثم ذكر بإسناده عن ((صالح بن أحمد بن حنبل)) قال: "قلت لأبى: يكون فى الحديث: قال رسول اللّه وَله، فيجعل الإِنسان: قال النبى وَلَّه. قال: أرجو ألا يكونَ به بأس"(٢) وذكر ((الخطيبُ)) بسَنده عن ((حماد بن سلمة)) [٦٨/ظ] أنه كان يُحدِّث وبين يديه ((عفان، وبَهْزٌ)) فجعلا يغيران ((النبى وَّةِ)) من (١-٢) الكفاية: (باب القول فى تغيير: عن النبى وَّه، إلى: عن رسول اللّه وَلقول، هل يلزم ذلك؟) ٢٤٤. * المحاسن : ((فائدة: وعلى تقدير الإِجازة، لا يكون أولى بالمنع من: مثله، و: نحوه. إذا كان الحديث بطوله معلومًا لهما كما ذكر ((الإسماعيلى)) بل يكون أولى بالجواز. انتهت)) ٧٩/و - وانظر (التقييد والإيضاح: ٢٣٩) والأحكام لابن حزم: ٨٦/٢. i ٤١٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ((رسول الله (له)). فقال لهما حماد: "أما أنتما فلا تفقهان أبدًا (١)»* والله أعلم. (١) الكفاية: الباب، ص ٢٤٤. وعلى هامش (غ): [قال النواوى: الصواب - والله أعلم - جوازه، لأنه لا يختلف به هنا معنى] فى التقريب ١٢٢/٢ [بلغت سماعًا بقراءتى فى المجلس السادس عشر] غ بخط ابن الفاسى. * المحاسن : ((فائدة: هذا أولى من جواز رواية الحديث بالمعنى، خلافًا لما تقدم. واختلافُ المعنى لا يضرُّ فى الألفاظ المنقولة، فالذى رُوِيتْ عنه واحدٌ: وَلّ. بخلاف الرواية بالمعنى، فقد يطرقها فى التغيير ما لا يفهم الراوى. ولا يُرَدُّ ذلك بحديث ((البراء)) فى (الصحيحين) (١) فى حديث: "ونبيِّك الذى أرسلتَ" للتعبد بالألفاظ فى ذلك الباب، مع ما فيه من حسن الإِتيان بالصفتين العظيمتين. انتهت)) ٧٩/و (١) حديث البراء بن عازب، رضى الله عنه، قال: قال لى النبى وَله: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت وجهى إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهرى إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذى أنزلت ونبيك الذى أرسلت. فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به". قال: فردّدتها على النبى ول فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذى أنزلت. قلت: ورسولك. قال: "لا، ونبيك الذي أرسلت". أخرجه البخارى فى (كتاب الوضوء، باب فضل من بات على وضوء) واللفظ منه. وفى كتاب الدعوات: باب إذا بات طاهرًا) مثله. (فتح البارى ٢٤٨/١، ٨٦/١١) وأخرجه مسلم فى (كتاب الذكر والدعاء، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع) من عدة طرق عن البراء. أورده الخطيب فى الحجة عمن لم يجز إبدال كلمة بكلمة (الكفاية ١٧٥) وقال العراقى: فليس فيه حجة على منع ذلك فى الرواية لأن ألفاظ الأذكار توقيفية ... وربما كان فى اللفظ سر ليس فى لفظ آخر يرادفه. ولعله أراد الجمع بين وصفه بالنبوة والرسالة فى موضع واحد، واستظهر بقول النووى هنا (التقييد ٢٤٠). ونقل فيه ابن حجر قول الخطابى: فيه حجة لمن منع رواية الحديث على المعنى، ويحتمل أن يكون أشار إلى أنه كان نبيًّا رسولا: وقال غيره: ليس فيه حجة على منع ذلك لأن لفظ الرسول ليس بمعنى لفظ النبى، ولا خلاف فى المنع إذا اختلف المعنى، أو لأن ألفاظ الأذكار توقيفية فربما كان فى اللفظ سر ليس فى الآخر ولو كان يرادفه فى الظاهر، أو ذكره احترازا ممن أرسل بغير نبوة. كجبريل وغيره من الملائكة، فلعله أراد تخليص الكلام من اللبس، أو لأن لفظ رسول مشترك فى الإطلاق، بخلاف لفظ نبى فإنه لا اشتراك فيه عرفًا (فتح البارى ٢٤٨/١) ونحوه فى (فتح المغيث ٢٦٤/٢، وتدريب الراوى ١٢٢/٢). - وانظر الدلالة القرآنية للكلمتين، فى مبحث الترادف وسر الكلمة، من كتابى (الاعجاز البيانى للقرآن الكريم) ط دار المعارف بالقاهرة. ے ٤١٧ النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه التاسعَ عشر: إذا كان سماعُه على صفةٍ فيها بعضُ الوَهَنِ، فعليه أن يذكرها فى حالة الرواية، فإن فى إغفالها نوعًا من التدليس، وفيما مضى لنا أمثلة لذلك. ومن أمثلته، ما إذا حدَّثه المحدِّثُ من حِفظِه فى حالة المذاكرة، فليقل: "حدثنا فلان مذاكرةً، أو: حدثنا فى المذاكرة." فقد كان غيرُ واحدٍ من متقدمى العلماء يفعل ذلك. وكان جماعةٌ من حُفاظِهم يمنعون من أن يُحمَلَ عنهم فى المذاكرةِ شىءٌ، منهم («عبدالرحمن بن مهدى، وأبو زُرْعةً الرازى)» ورويناه عن ((ابن المباركِ)) وغيره. وذلك لما قد يقع فيها من المساهلة مع أن الحفظَ خَوَّان، ولذلك امتنع جماعةٌ من أعلام الحُفَّاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم ((أحمدُ بن حنبل)) رضى الله عنهم أجمعين؛ والله أعلم. العشرون(١): إذا كان الحديثُ عن رجلين أحدُهما مجروح، مثل أن يكونَ عن ((ثابت البُنَانى، وأبان بن أبى عيَّاش (٢)، عن أنس)) فلا يُستحسَنُ إسقاطُ المجروح من الإِسنادِ والاقتصارُ على ذكرِ الثقة، خوفًا من أن يكون فيه عن المجروح شىء لم يذكره الثقة. قال نحوًّا من ذلك ((أحمدُ بن حنبل)) ثم ((الخطيب أبوبكر)) قال ((الخطيب)): "وكان مسلم بن الحجاج فى مثل هذا ربما أسقط المجروحَ من الإِسناد ويذكر الثقة، ثم يقول: "وآخر"، كنايةً عن المجروح" قال(٣): "وهذا القول لا فائدة فيه"". قلتُ: وهكذا ينبغي إذا كان الحديثُ عن رجلين ثقتين ألا يُسقِطَّ أحدَهما منه، لتطرقٍ مثلِ الاحتمالِ المذكورِ إليه، وإن كان محذورُ الإِسقاط فيه أقلّ. ثم لا يمتنع ذلك فى (١) سقط التفريعان: العشرون والحادى العشرون، من متن (ص) وأدرج ماقبل السقط فيما بعده. (٢) (الثقة) هو ((ثابت البنانى)» بن أسلم أبو محمد البصرى، من أثبت أصحاب أنس رضى الله عنه والمجروح هو ((أبان بن أبى عياش، قال ابن معين: متروك. (تهذيب التهذيب). (٣) الخطيب، فى الكفاية (باب فى المحدث يروى حديثًا عن رجلين أحدهما مجروح)، ٣٧٧ - ٣٧٨. المحاسن: * ((فائدة: فائدته الإعلام بأنه رواه عن رجلين، وأن المذكور لم ينفرد، وفيه إعلام بتتبع الطرق - انتهت)). ٧٩/و - وانظر تقييد العراقى: ٢٤١، وفتح المغيث ٢٦٥/٢ - ٢٧١). 1 ٤١٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الصورتين [٦٩/و] امتناعَ تحريم، لأن الظاهرَ اتفاقُ الروايتين(١). وما ذكر من الاحتمال نادرٌ بعيد، فإنه من الإدراجِ الذى لا يجوز تعمُّدُه، كما سبق فى نوعِ المدرَجِ؛ واللّه أعلم (٢). الحادى والعشرون: إذا سمع بعضَ حديثٍ من شيخ وبعضه من شيخ آخر، فخلَطه ولم يميزه، وعَزَا الحديثَ جملةً إليهما مبِّينًا أن عن أحدهما بعضَه وعن الآخر بعضه، فذلك جائزٌ. كما فعل ((الزهرى)) فى (حديث الإِفك)، حيث رواه عن عروةَ، وابن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثى، وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عائشةً. وقال: "وكلّهم حدَّثنى طائفةً من حديثها، قالوا: قالت ... " الحديث". ثم إنه ما من شىءٍ من ذلك الحديث إلا وهو فى الحكم كأنه رواه عن أحد الرجلين على الإِبهام، حتى إذا كان أحدُهما مجروحًا لم يجز الاحتجاجُ بشىءٍ من ذلك الحديث. وغیرُ جائزٍ لأحد بعد اختلاط ذلك، أن يُسقطَ ذِكْرَ أحدٍ الراويين ويروى الحديثَ عن الآخِرِ وحدَه، بل يجب ذكرُهما جميعًا مقرونًا بالإِفصاح بأن بعضَه عن أحدهما، وبعضه عن الآخر؛ والله أعلم. (١) من متن (غ) وعلى هامشها: [الراوبين] خ. ومثلها (ع). (٢) [بلغ مقابلة بالأصل المقابل بأصل السماع. ثم بلغ مقابلة عليه ثانية] (غ). المحاسن: ((فائدة: ما ذكره فى حديث الإفك، قد تقدم أن ((الزهرى)) قال فيه، بعد أن ذكر ما ذكر: "الذى حدثنى عروة عن عائشة" وساق الحديثَ من طريق عُرْوَةً على التمام. وقد تقدم ما فيه فى (الحادى عشر) من هذا النوع، فليُنظَر منه. انتهت)) ٧٩/ظ (١) حديث الإفك من طريق الزهرى بهذا الإسناد فى الصحيحين. (خ) كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضًا (فتح البارى ١٧١/٥) وكتاب المغازى، باب حديث الإفك (فتح البارى ٣٠٥/٧). (م) كتاب التوبة، باب فى حديث الإفك وقبول توبة القاذف (ح ٢٧٧٠/١٠). وهى رواية ابن إسحاق عن الزهرى بهذا الإسناد فى (السيرة ٣٠٩/٣ هشامية) خبر الإفك فى غزوة بنى المصطلق. النوع السابع والعشرون معرفةُ آدابٍ المحدِّث وقد مضى طرفٌ منها اقتضته الأنواعُ التى قبله. علم الحديث علم شريفٌ يناسب(١) مكارمَ الأخلاق ومحاسنَ الشيم، وينافر مساوىُ الأخلاق ومشاينَ الشيم. وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا، فمن أراد التصدى الإسماع الحديث أو لإفادة شىء من علومه، فليقدمْ تصحيحَ النَّة وإخلاصَها، وليطهرْ قلبَه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، ولَيَحذَّرْ بَلِيَّةَ حُبِّ الرياسة ورعوناتها. وقد اختُلِفَ فى السنِّ الذى إذا بلغه استُحِبَّ له التصدِّى لإِسماع الحديث والانتصابُ لروايته. والذى نقوله: إنه متى احتِيجَ إلى ما عنده، استُحِبَّ له التصدى لروايته ونشره [٦٩/ظ] فى أىِّ سنَّ كان(٢). وروينا عن ((القاضى الفاضل أبى محمد بن خلاد)) رحمه الله، أنه قال: الذى يصحُّ عندى من طريق الأثر والنظر، فى الحدِّ الذى إذا بلغه الناقلُ حَسُنَ به أن يُحدِّثَ، هو أن يستوفىَ الخمسين لأنها انتهاء الكهولة وفيها مجتمعُ الأَشُدِّ. قال ((سُحَبُمُ بن وثيل(٣)): (١) فى متن (ص): [مناسب] وعلى هامشه [يناسب] كما فى (غ، ز، ع). (٢) على هامش (غ) من أمالى ابن الصلاح: [قال: وذلك بحسب الزمان والمكان، فرب بلاد مهجورة يقع إليها من يحتاج إلى روايته هناك، ولا يحتاج إلى روايته فى البلاد التى يكثر فيها العلماء). (٣) سحيم بن وثيل بن عمرو، الرياحى اليربوعى الحنظلى التميمى: شاعر مخضرم. ناهز عمره المائة. كان شريفًا فى قومه، نابه الذكر. قال ابن دريد: عاش أربعين سنة فى الجاهلية وستين فى الإسلام. والشاهد من قصيدته المشهورة، أصمعية حماسية: متى أضع العمامة تعرفونى أنا ابن جلا وطلاع الثنايا وقد جاوزت حد الأربعين وماذا يطلب الشعراء منى أخو حمسين ... البيت (مؤتلف الآمدى ١٣٧، الإصابة: ق ٣ ت ٣٣٦٠، الأصمعيات ٦، شرح الحماسة للمرزوقى ٢٨/١ سمط ٠٠٠ اللآلى ٥٥٨/١) وجمهرة الأنساب: ٢١٥. ٤١٩ ٤٢٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح أخو خمسينَ مجتمعٌ أَشُدِّى ونَجَّدنى مداوَرَةُ الشئونِ قال: "وليس بمنكر أن يُحدِّثَ عند استيفاء الأربعين، لأنها حَدُّ الاستواء. ومنتهى الكمال، نُبِّى رسولُ اللهِّ وَ له وهو ابنُ أربعين؛ وفى الأربعين تتناهى عزيمة الإِنسان وقوته، ويتوفرُ عقلُه ويجودُ رأيه)،(١). وأنكر ((القاضى عياض)) ذلك على ابن خلاد وقال: "كم من السلف المتقدمين ومن المحدثين، من لم ينته إلى هذا السنِّ ومات قبلَه، وقد نَشَر من الحديث والعلم ما لا يحصى! هذا عمر بن عبدالعزيز توفى ولم يكمل الأربعين، وسعيد بن جبير لم يبلغ الخمسين، وكذلك إبراهيم النخعى؛ وهذا مالك بن أنس جلس للناس ابنَ نَّيِّفٍ وعشرين - وقيل: ابن سبع عشرة - والناس متوافرون وشيوخهُ أحياء. وكذلك محمد بن إدريس الشافعى قد أَخِذَ عنه العلمُ فى سنِّ الحداثةِ وانتصب لذلك" والله أعلم(٢). قلتُ: ما ذكره ((ابنُ خلاد)) غير مستنكر، وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدَّى للتحديثِ ابتداءً من نفسه، من غير براعة فى العلم تعجلتْ له قبل السن الذى ذكره، فهذا. إنما ينبغى له ذلك بعد استيفاءِ السنِّ المذكور فإنه مظِنّةُ الاحتياج إلى ما عنده(٣). وأما الذين ذكرهم ((عياضٌ)) ممن حدَّث قبل ذلك، فالظاهرُ أن ذلك لبراعة منهم فى العلم تقدمتْ، ظهر لهم معها الاحتياجُ إليهم فحدثوا قبل ذلك، أو لأنهم سُئلوا ذلك، إما بصريح السؤال أو بقرينة الحال. (١) القاضى ابن خلاد: المحدث الفاصل: باب القول فى أوصاف الطالب والحد الذى إذا بلغه صلح الطلب فيه. والإِلماع ٢٠٠ من طريقه. (٢) الإلماع (١٩٩ - ٢٠٨) وعلى هامش (غ): [قال القاضى عياض: وقد أنشد بعض البغداديين: إن الحدائة لاتقصر بالفتى المرزوق ذهنا لكن تذكى قلبه . فيفوق أكبر منه سنا فى (الإلماع: ٢٠٤) والبيتان فى (المحدث الفاصل للقاضى ابن خلاد، قال: ((أنشدنا أصحابنا البغداديون)) ١٩٣ ف ٩٤، وفى جامع بيان العلم لابن عبد البر ٨٥/١. (٣) قال العراقى: وقد حمل ابن الصلاح كلام ابن خلاد على محمل صحيح (التبصرة ٢٠٥/٢) ومعه مما قاله ابن خلاد فى الباب: ((فليس المعتبر فى كتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل يعتبر فيه الحركة والنضاجة والتيقظ والضبط، وقد دل قول الزهرى: ما رأيت طالبًا للعلم أصغر من ابن عيينة؛ على أن طلاب العلم فى عصر التابعين كانوا فى حدود العشرين)) المحدث: ١٨٦ ف ٤٨.