النص المفهرس

صفحات 381-400

٠
النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده
٣٨١
النقل، غير أنه فاسدٌ لفظًا أومعنى، أوضعيف، أو ناقص؛ مثل أن يكون غير جائز من
حيث العربيةُ، أو يكون شاذًا عند أهله يأباه أكثرهم، أو مصحَّفًا، أو ينقُصَ من جملة الكلام
كلمة أو أكثر، وما أشبه ذلك، فيُمَدّ على ما هذا سبيلُه خطٌّ، أوَّلُه مثلُ الصادِ؛ ولا يُلزَق
بالكلمة المعلّم عليها كيلا يُظَنَّ ضربًا، وكأنه صادُ التصحيح مدَّتها دون حائها، كُتبت
كذلك ليفرقَ بين ما صحَّ مطلقًا من جهة الرواية وغيرها، وبين ما صح من جهة الرواية
دون غيرها، فلم يكمل عليه التصحيح. وكتب حرف ناقص على حرف ناقص، إشعارًا
بنقصه ومرضِه مع صحة نقله وروايته، وتنبيهًا بذلك لمن ينظر فى كتابه على أنه قد وقف
عليه ونقله على ما هو عليه، ولعل غيره قد يخرج له وجهًا صحيحًا، أو يظهر له بعد ذلك
فى صحتِه ما لم يظهر له الآن. ولو غَيَرَ ذلك وأصلحه على ما عنده، لكان متعرضًا لما وقع
فيه غيرُ واحدٍ من المتجاسرين الذين غيرَّوا، وظهر الصوابُ فيما أنكروه والفسادُ فيما
أصلحوه(١).
٠٫٠
وأما تسمية ذلك ضبة، فقد بلغنا عن «أبى القاسم إبراهيم بن محمد [٥٦/ و] اللغوى،
المعروف بابن الإِفليلى)» أن ذلك لكونِ الحرف مُقْفَلا بها لا يتجه لقراءةٍ، كما أن الضبةَ
مقفلٌ بها؛ والله أعلم (٢).
قلت: ولأنها لما كانت على كلام فيه خَلل أشبهت الضبةَ التى تُجعل على كسر أو خلل،
فاستعِير لها اسمُها. ومثلُ ذلك غيرُ مستنكرِ فى بابِ الاستعارات *.
(١) قاله القاضى عياض فى خطبة (مشارق الأنوار: ٤/١) ثم فى (الإِلماع: ١٦٧).
(٢) نقله القاضى عياض قراءة بخط أبى عبدالله الحميدى محمد بن أبى نصر نزيل بغداد بإسناده عن
أبى القاسم ابن الإِفليلى إبراهيم بن محمد بن زكريا (الإِلماع: ١٦٨)."
* فى المحاسن على هامش التضمين، كتب البلقينى بقلمه:
((قول ابن الإِفليلى أوْلى، لأن ضبة القدح جُعلت جابرة للكسر الذى هو فيه. وضبة
الكتابة جُعلت منبهة على أن فيه خللا».
- وانظر تقييد العراقى: ٢١٤، وتبصرته: ١٤٤/٢.

٣٨٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ومن مواضع التضبيب أن يقع فى الإِسنادِ إرسالٌ أو انقطاع، فمن عادتهم تضبيبُ
موضعِ الإِرسال والانقطاع، وذلك من قبيل ما سبق ذكره من التضبيبٍ على الكلام
الناقص.
ويوجَدُ فى بعضِ أصول الحديث القديمة فى الإِسناد الذى يجتمع فيه جماعةٌ معطوفة
· أسماؤهم بعضها على بعض، علامة تشبه الضبةَ فيما بين أسمائهم، فيتوهم من لا خبرةً له
أنها ضبةٌ وليست بضبة، وكأنها علامةُ وصلٍ فيما بينها، أثبتت تأكيدًا للعطف، خوفًا من أن
تُجعلَ "عن" مكانَ الواو؛ والعلم عند الله تعالى.
ثم إن بعضهم ربما اختصر علامة التصحيح، فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب.
والفطنةُ من خير ما أوتيه الإِنسانُ؛ والله أعلم.
الثالث عشر: إذا وقع فى الكتابِ ما ليس منه، فإنه يُنْفَى عنه بالضرب، أو الملِّ أو
المحوِ، أو غير ذلك. والضربُ خيرٌ من الحَّ والمحو. روينا عن ((القاضى أبى محمد بن
خلاد)) رحمه الله قال: "قال أصحابنا: الحك تهمة" (١). وأخبرنى من أخبر عن ((القاضى
عياض)) قال: "سمعت شيخنا أبا بحر سفيانَ بن العاصى الأسدى، يحكى عن بعض
شيوخه أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع. حتى
لا يُبَشَر شىء، لأن ما يُبشر فيهِ ربما يصح فى رواية أخرى. وقَد يُسمع الكتابُ مرةً
أخرى على شيخ آخرَ يكون ما بُشِرَ [٥٦/ظ] وحُكَّ من روايةِ هذا، صحيحًا فى روايةٍ
الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن بُشِرَ، وهو إذا خُطَّ عليه من رواية الأولِ وصَحَّ عند
الآخرِ، اكتفى بعلامةِ الآخر عليه بِصحتهٍ،(٢).
ثم إنهم اختلفوا فى كيفية الضرب: فروينا عن ((أبى محمد بن خلاد)) قال: "أجودُ
الضرب أن لا يطمس المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطًّا جيدا بيِّنا، يدل على إبطاله،
ويُقرأ من تحته ما خُطَّ عليه) (٣) وروينا عن ((القاضى عياض)) ما معناه، أن اختياراتٍ
الضابطين اختلفت فى الضرب، فأكثرُهم على مدّ الخطّ على المضروبِ عليه مختلطًا
(١) المحدث الفاصل: ٦٠٦ ف ٨٨٣، والقاضى عياض فى الإلماع: ١٧٠ من طريقه، (باب فى الضرب
والحك والشق والمحو).
(٢) بنصه، فى الإِلماع: ١٧٠.
(٣) ابن خلاد الرامهرمزى فى (المحدث الفاصل ٦٠٦/ ٨٨٣).

٣٨٣
النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده
بالكلمات المضروبِ عليها، ويسمَّى ذلك: الشقَّ،(١) أيضًا. ومنهم من لا يخلطه ويثبته فوقه،
لكنه يَعطف طر فى الخطّ على أولِ المضروب عليه وآخرِهِ. ومنهم من يستقبحُ هذا ويراه
تسويدًا وتطليسًا، بل يُحوِّقُ على أولِ الكلام المضروب عليه بنصفٍ دائرة، وكذلك فى
آخره. وإذا كثُّر الكَلاُ المضروبُ عليه فقد يفعل ذلك فى أولِ كلِّ سطرٍ منه وآخرٍه، وقد
يكتفى بالتحويق على أولِ الكلام وآخرِهِ أجمعَ. ومن الأشياخ من يستقبح الضربَ
والتحويقَ ويكتفى بدائرة صغيرة أولَ الزيادةِ وآخرَها، ويسميها صِفْرًا كما يسميها أهلُ
الحسابِ. وربما كتب بعضهم عليه "لا" فى أولِه و"إلى" فى آخرِهِ. ومثلُ هذا يحسن فيما
صحَّ فى روايةٍ، وسقط فى رواية أخرى؛ (٢) والله أعلم.
وأما الضربُ على الحرف المُكرَّرِ، فقد تقدم بالكلام فيه ((القاضى أبو محمد ابن خلاد
الرامهرمزى)) رحمه الله على تقدمه، فروينا عنه قال: "قال بعض أصحابنا: أَوْلاهما بأن
يبطلَ الثانى، لأن الأولَ كُتِبَ على صواب، والثانى كُتِبَ على الخطأ، فالخطأ أوْلَى بالإِبطال.
وقال آخرون: إنما الكتاب علامةٌ لما يُقرأ، فأوْلَى الحرفيْنِ بالإِبقاء أدَّهمَا عليه وأجودُهما
صورةً،،(٣) وجاء ((القاضى عياض)) آخرًا، ففضَّل تفصيلا حسنًا، فرأى إن تكررَ الحرف
إن كان فى أولِ سطرِ فليضربْ على الثانى، [٥٧/و] صيانةً لأولِ السطرِ عن التسويدِ
والتشويه؛ وإن كان فى آخر سطرٍ فليُضربْ على أولهما صيانةً لآخرِ السطر فإن سلامةً
أوائلِ السطور وأواخرها عن ذلك أولى؛ فإن اتفق أحدُهما فى آخر السطر والآخرُ فى
أولِ سطرٍ آخرَ فليُضرَبْ على الذى فى آخر السطر، فإن أولَ السطرِ أوْلى بالمراعاة؛ فإن
كان التكرُّرُ فى المضاف أو المضاف إليه أو فى الصفة أو الموصوف أو نحو ذلك، لم نراع
حينئذ أولَ السطر وآخره، بل نراعى الاتصالَ بين المضاف والمضاف إليه ونحوِهما فى
(١) الإِلماع: ١٧١ وقال العراقى فى الشق: وهذا الاصطلاح لا يعرفه أهل المشرق، ولم يذكره الخطيب فى
الجامع ولا فى الكفاية، وهو اصطلاح لأهل المغرب وذكره القاضى عياض فى الإِلماع، ومنه أخذه المصنف وكأنه
مأخوذ من الشق وهو الصدع، أو من شق العصا وهو التفريق، فكأنه فرق بين الكلمة الزائدة وما قبلها من
الصحيح الثابت بالضرب عليها، ويوجد فى بعض نسخ علوم الحديث [النشق] بزيادة نون مفتوحة فى أوله
وسكون الشين. فإن لم يكن تصحيفًا من النساخ فكأنه مأخوذ من نشق الظبى فى حبالته إذا علق فيها، فكأنه
إبطال لحركة الكلمة بجعلها فى صورة وثاق يمنعها من التصرف، والله أعلم)» التقييد ٢١٦.
(٢) قوبل على الإِلماع: ١٧١.
(٣) الرامهرمزى فى المحدث الفاصل: ٦٠٧ ف ٨٨٥.

٣٨٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الخط، فلا نفصل بالضرب بينهما، ونضرب على الحرف المتطرف من المتكرر، دون
المتوسط (١).
وأما المحو فيقارب الكشطَ فى حُكمه الذى تقدم ذكره. وتتنوع طرُقُه، ومن أغربِها
- مع أنه أسلمُها - ما رُوِىَ عن ((سَحْنونَ بنِ سعيد التنوخى (٢) الإِمام المالكى)» أنه كان
ربما كَتب الشىءَ ثم لَعِقَه.(٣) وإلى هذا يومِىءُ ماروينا عن ((إبراهيم النخَعى)) رضى الله
عنه، أنه كان يقول: "من المروءةِ أن يُرَى فى ثوبِ الرجلِ وشفتيه مدادٌ".(٤) والله أعلم.
الرابع عشر: ليكنْ فيما تختلف فيه الرواياتُ قائمًا بضبطِ ما تختلف فيه فى كتابِهِ،
جيدَ التمييزِ بينها كيلا تختلطَ وتشتبه فيفسُدَ عليه أمرُها. وسبيلُه أن يجعل أولا متنَ كتابِه
على روايةٍ خاصة، ثم ما كانت من زيادة لروايةٍ أخرى ألحقها أو من نقصٍ أعلم عليه،
أو من خلافٍ كتبه، إما فى الحاشيةِ وإما فى غيرِها؛ مُعَيِّنًا فى ذلك كلَّ منَ رواه، ذاكرًا
اسمَه بتمامِه، فإن رمز إليه بحرفٍ أو أكثر، فعليه ما قدمنا ذكرَه، من أنه يبين المرادَ
بذلك فى أولِ كتابِه أو آخرِه كيلا يطولَ عهدهُ به فينسى، أو يقع كتابه إلى غيرِهِ،
[٥٧/ظ] فيقعَ من رموزِه فى حيرة وعَمى. وقد يُدفَعُ إلى الاقتصار على الرموز عند
كثرة الروايات المختلفة، واكتفى بعضُهم فى التمييز بأن خص الرواية الملحقةً
بالحُمرة. فَعل ذلك ((أبو ذر الهروى)) من المشارقة، ((وأبو الحسن القابِسى))(٥) من
المغاربة، مع كثيرٍ من المشايخ وأهلِ التقييد. (٦) فإذا كانت فى الرواية الملحقةِ زيادة
على التى فى متنِ الكتابِ كتبَها بالحُمرة، وإن كان فيها نقصٌ والزيادةُ فى الرواية التى
(١) قوبل على الإِلماع: ١٧٢.
(٢) على هامش (ص): [هو من القيروان، إمام كبير، صاحب عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك].
(٣-٤) فى الإِلماع: ١٧٤ بسند القاضى عياض إلى سحنون، ثم سحنون عن إبراهيم النخعى.
(٥) حاشية على هامش (ص): [هو إمام فقيه من بلاد إفريقية، القيروان قديمًا. واليوم قاعدة إفريقية
تونس. وهذا القابسى له مختصر الموطأ اسمه: الملخص].
(٦) قال عياض فى (باب ضبط اختلاف الروايات):
((وأوْلى ذلك أن يكون الأم على رواية مختصة. ثم ما كانت من زيادة الأخرى ألحقت، أو من نقص أعلم
عليها، أو من خلاف خرج فى الحواشى، وأعلم على ذلك كله بعلامة صاحبه: من اسمه أو حرف منه للاختصار
لاسيما مع كثرة الخلاف والعلامات، وإن اقتصر على أن تكون الرواية الملحقة بالحمرة، فقد عمل ذلك كثير من
الأشياخ وأهل الضبط كأبى ذر الهروى وأبى الحسن القابسى وغيرهما، فما أثبت لهذه الرواية كتبته بالحمرة، وما
نقص منها مما ثبت للأخرى حُوِّق بها عليه)). الإِلماع: ١٨٩.
1

٣٨٥
النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتاب وتقييده
فى مَتْنِ الكتابِ، حَوَّق عليها بالحمرة. ثم على فاعلِ ذلك تبيينُ من له الروايةُ المعلمةُ
بالحمرةٍ، فى أول الكتابِ أو آخرِه على ما سبق؛(١) والله أعلم.
الخامس عشر: غلب على كتَبةِ الحديث الاقتصارُ على الرمز فى قولهم: حدثنا، و:
أخبرنا. غير أنه شاع ذلك وظهر حتى لا يكاد يلتبس. أما ((حدثنا)) فيكتب منها شطرها
الأخير وهو الناء والنون والألف، وربما اقتُصِرَ على الضمير(٢) منها وهو النون والألف .*
وأما أخبرنا، فيكتب منها الضمير المذكور مع الألف أولا. وليس بحسَنٍ ما تفعله طائفة
من كتابة أخبرنا بألف، مع علامة حدثنا المذكورة أولا، وإن كان ((الحافظُ البيهقى)) ممن
فعله. وقد يكتب فى علامة أخبرنا: راء بعد الألف، وفى علامةِ حدثنا: دال فى أولها. وممن
رأيت فى خطه الدال فى علامة حدثنا: ((الحافظ أبو عبد الله الحاكم، وأبو عبدالرحمن
السلمى، والحافظ أحمد البيهقى))(٣) والله أعلم.
وإذا كان للحديث إسنادانٍ أو أكثر، فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسنادٍ إلى إسناد،
ما صورتُه "ح" وهى (٤) حاء مفردةٌ مهملة. ولم يأتنا عن أحد ممن يُعتَمدُ، بيانٌ لأمرها. غير
أننى وجدت بخط ((الأستاذ الحافظ أبى عثمان الصابونى، والحافظ أبى مسلم عمر بن على
الليثى البخارى، والفقيه المحدِّث أبى سعد الخليلى)»(٥) - رحمهم الله- فى مكانها بدلا عنها:
(١) قابل على الإِلماع، وانظر فتح المغيث ١٨٠/٢.
(٢) من (غ) وهامش (ص) وفى متنها [على الضميرين] (خ).
(٣) طرة على هامش (غ):
[وجدت بخط شيخنا أبى بكر أيده الله: قلت: ورأيت الدال فى خط الحافظ أبى طاهر أحمد بن محمد السلفى
وصورته: دثنا. هكذا صوره أيده الله]
وقابل على (التبصرة ١٥٣/٢-١٥٤) وفيها نقل العراقى عن ابن الصلاح فى (فتاويه).
(٤) حاشية من (ص): [هذه الحاء المفردة كثيرًا ما تقع فى كتاب مسلم، وتقع فى غيره].
(٥) من متن (غ) ومتن ابن الصلاح بالتقييد والإيضاح (٢١٨) وفى (ص) وهامش (غ) وتضمين المحاسن:
[أبى سعيد] الخليلى. وقال السخاوى فى الفتح ١٩٣/٢ ((والفقيه المحدث أبى سعد محمد بن أحمد بن محمد بن
الخليل الخليلى)) وهو ما فى طبقات السبكى ٦٣/٤ ولباب ابن الأثير ٤٥٨/١ - الخليلى - وأرخا مولده فى ذى
الحجة سنة ٤٦٧ هـ ووفاته سنة ٥٤٨ هـ فى المحرم.
: المحاسن :
((فائدة: فيه إيهام، إلا على طريقة من لا يفرق بينهما . - انتهت)) ٦٨/و

٣٨٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
"صح" صريحةً. وهذا يُشعِرُ بكونِها رمزًّا إلى: صح؛ وحَسُن إثباتُ "صح" ههنا لئلا يُتَوهُّمَ
أن حديث هذا الإِسناد سَقَط، ولئلا يركبَ الإِسنادُ الثانى على الإِسنادِ الأول فُيُجعلا
إسنادًا واحدًا. وحكى لى بعضُ من جمعتنى وإياه الرحلةُ بخراسانَ عمن وصفه بالفضل
من الأصبهانيين، أنها حاءٌ مهملة من: التحويل، أى من إسناد إلى إسنادٍ آخرَ. وذاكرتُ
فيها بعضَ أهلِ العلم من أهلِ المغرب،(١) وحكيت له عن بعض من لقيت من أهل
الحديث أنها حاءٌ مهملة، إشارة إلى قولنا: الحديث، فقال لى: "أهل المغرب، وما عرفت
بينهم اختلافًا، يجعلونها حاءً مهملة، ويقول أحدهم إذا وصل إليها: الحديث". وذكر لى أنه
سمع بعضَ البغداديين يذكر أيضًا أنها حاءٌ مهملة، وأن منهم من يقول، إذا انتهى إليها فى
القراءة: "حا" ويمر.
وسألت أنا الحافظَ الرحال ((أبا محمد عبدالقادر بن عبدالله الرهاوى رحمه الله)) عنها،
فذكر أنها حاء من: حائل، أى تحول بين إسنادين. قال: ولا يُلْفَظ بشىءٍ عند الانتهاءِ
إليها فى القراءة. وأنكر كونها من: الحديث، وغير ذلك، ولم يعرف غيرَ هذا عن أحدٍ من
مشايخه، وفيهم عددٌ كانوا حُفَّاظَ الحديث فى وقتِه.
وأختار أنا - والله الموفق - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: "حا" ويمر، فإنه
أحوَطُ الوجوه وأعدلها؛(٢) والعلم عند الله تعالى.
السادسَ عشر: ذكر («الخطيبُ الحافظُ)) أنه ينبغى للطالبِ أن يكتبَ بعد البسملة
اسمَ الشيخ الذى سمع الكتابَ منه وكنيته ونسبَه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظِه.
قال: وإذا كتب الكتابَ المسموعَ فينبغى أن يكتبَ فوق سطرِ التسمية أسماءَ من سمع
معه وتاريخَ وقتِ السماع، وإن أحبَّ كتبَ ذلك فى حاشيةِ أولٍ ورقةٍ من الكتاب، فكُلًا قد
فعله شيوخُنا؛ والله أعلم.
[٥٨/ظ] قلتُ: كِتْبَةُ التسميعِ حيث ذَكَره، أحوَطُ، وأحْرَى بأنْ لا يخفى على من
(١) فى (ص): [الغرب].
(٢) نقله الشمس السخاوى فى (فتح المغيث ١٩٣/٢) وقال: "والظاهر كما قال بعض المتأخرين أن ذلك
من اجتهاد أئمتنا فى شأنها، من حيث إنهم لم يتبين لهم فيها شىء من المتقدمين. قال الدمياطى - الحافظ شرف
الدين أبو محمد ٧٠٥ هـ -: ويقال إن أول من تكلم على هذه الحرف ابن الصلاح، وهو ظاهر من صنيعه لاسيما
وقد صرح فى أول المسألة بقوله: ولم يأتنا عن أحد ممن يعتد به بيان لأمرها.".
i
٠
أ
:

م
٣٨٧
النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده
يحتاجُ إليه، ولا بأسٍ بكتبتِهِ آخرَ الكتابِ وفى ظهرِهِ، وحيث لا يخفى موضعهُ. وينبغى أن
يكونَ التسميعُ بخطّ شخصٍٍ موثوق به غير مجهولِ الخطَّ، ولا ضيرَ حينئذٍ فى أن
لا يكتبَ الشيخُ المسمعُ خَطَّه بالتصحيح. وهكذا لا بأس على صاحبِ الكتابِ إذا كان
موثوقًا به، أن يقتصر على إثباتِ سماعِه بخطّ نفسِه، فطال ما فعل الثقاتُ ذلك.
وقد حدثنى بجروَ ((الشيخُ أبو المظفرِ بنُ الحافظ أبى سعد المروزى)) عن أبيه عمن
حدثه من الأصبهانية، أن ((عبدالرحمن بن أبى عبدالله ابن مَنْده)) قرأ ببغدادَ جزءًا على
((أبى أحمدَ الفَرضى)) وسأله خطَّه ليكون حُجةً له. فقال له أبو أحمد: يا بنى، عليك
بالصدقِ، فإنك إذا عُرِفتَ به لا يكذبك أحدٌ، وتُصَدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير
ذلك، فلو قيل لك: ما هذا خط أبى أحمد الفرضى، ماذا تقول لهم؟
ثم إن على كاتبِ التسميع التحرى والاحتياطَ، وبيانَ السامع والمسموع والمسموع
منه (١)، بلفظٍ غير محتمل، ومجانبةَ التساهل فيمن يُثبتُ اسمَه، والحذرَ من إسقاطِ اسم أحدٍ
منهم لغرضٍ فاسد. فإن كان مُثِبتُ السماع غيرَ حاضرٍ فى جميعِه، لكن أثبته معتمدًا على
إخبارِ مَن يثق بخبره من حاضريه، فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى.
ثم إن من ثَبَتَ سماعُه فى كتابِهِ، فقبيح به كتمانُه إياه ومنعهُ من نقل سماعِه ومن نَسخ
الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به. روينا عن ((الزهرى)) أنه قال: ((إياك وغُلُولٌ
الكُتبِ. قيل له: وما غُلول الكتب؟ قال: حَبْسُها عن أصحابها))(٢). وروينا عن
((الفضيل بنِ عِيَاضٍ)) رضى الله عنه أنه قال: ليس من فعالِ أهل الورع ولا من
فعالِ الحكماء، أن يأخذَ سماعَ رجل فيحبسَه عنه، ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه - وفى
رواية: ولا من [٥٩/ و] فعال العلماء أن يأخذ سماعَ رجل وكتابه فيحبسه عليه-)».
فإن منعه إياه، فقد روينا أن رجلا ادَّعى على رجلٍ بالكوفة سماعًا منعه إياه فتحاكما إلى
قاضيها ((حفص بن غياث)) فقال لصاحب الكتاب: ((أخرج إلينا كُتُبَك، فما كان من
(١) فى النسخ المطبوعة، ومتن ابن الصلاح بمطبوعة التقييد والإيضاح ٢٢٠: [السامع والمسموع منه]
بإسقاط: المسموع. ولعل النساخ حسبوه مكررًا. وليس كذلك. وفى تقريب النووى: ((وبيان السامع
والمسمع والمسموع)) ٩٠/٢.
(٢) انظر: التقييد والإيضاح ٢٢٠، والتبصرة ١٦١/٢
وانظر فصل إعارة الكتب عند الحاجة، من (تذكرة السامع والمتكلم للبدر ابن جماعة): ١٦٧.
<

٣٨٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
سماع هذا الرجلِ بخطٌّ يدِك ألزمناك، وما كان بخطُّه أعفيناك منه)). قال ((ابنُ خلاد)):
((سألت أبا عبدالله الزبيرى عن هذا، فقال: لا يجىء فى هذا البابِ حُكْمٌ أحسن من
هذا، لأن خطَّ صاحبِ الكتابِ دالَّ على رضاه باستماع صاحبِه معه» قال ابنُ خلاد: وقال
غيره: ليس بشىء(١) وروى («الخطيبُ [أبو بكر الحافظ (٢)])) عن إسماعيلَ بنِ إسحاق
القاضى (٣)، أنه تُحوكِمَ إليه فى ذلك فأطرق مليًّ ثم قال للمدَّعى عليه: "إن كان سماعُه فى
كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعُه فى كتابك بخطُّ غيرك فأنت أعلم".
قلت: ((حفصُ بن غياث))(٤) معدود فى الطبقة الأولى من أصحابٍ أبى حنيفة،
و ((أبو عبدالله الزبيرى)) من أئمة أصحاب الشافعى، و((إسماعيل بن إسحاق)) لسانُ
أصحابٍ مالكٍ وإمامهم، وقد تعاضدت أقوالهم فى ذلك، ويرجع حاصلُها إلى أن سماع
غيره إذا ثبت فى كتابِه برضاه فيلزمه إعارتهُ إياه. وقد كان لا يبين لى وجهُه، ثم وجّهتُه
بأن ذلك بمنزلة شهادةٍ له عنده، فعليه أداؤها بما حَوَتْه، وإن كان فيه بذلُ مالِهِ، كما يلزم
متحملَ الشهادةِ أداؤها وإن كان فيه بذلُ نفسِه، بالسعى إلى مجلسِ الحكم لأدائها؛*
والعلم عند الله تبارك تعالى.
(١) المحدث الفاصل: ٥٨٩ ف٨٣٨ (منع السماع).
(٢) سقط من متن (غ، ص) وأضيف بهامش (ص) لحقا. وجاء على هامش (غ): [أبو بكر الحافظ، سقط
من أصل الشيخ. وأبوبكر الحافظ، هو الخطيب البغدادى].
(٣) على هامش (ص): [كان قاضى بغداد. وهو مالكى، صاحب أحكام القرآن]- توفى سنة ٢٨٢ هـ.
(٤) فى الهندية، ومطبوعة (ع) ٢٢١: [جعفر بن غياث] تصحيف.
انظر ترجمة ((حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعى، أبى عمر الكوفى)) قاضى بغداد ثم الكوفة،
الحافظ الإِمام القدوة، من جلة أصحاب أبى حنيفة، ١٩٤ هـ - (تاريخ بغداد ١٨٨/٨ ت ٤٣١٣، وتذكرة
الحفاظ ٢٩٧/١ والفوائد البهية: ٦٨ وتهذيب التهذيب ٤١٥/٢) حديثه عند الستة.
* المحاسن:
((فائدة: عندى فى توجيهه غيرُ ما قال ((ابن الصلاح)) وهو أن مثلَ هذا من المصالح
العامة التى يُحتاج إليها مع حصول عُلْقة بين المحتاج والمحتاج إليه، يقتضى إلزامَه بإسعافه
فى مقصِده. أصله: إعارةُ الجدار لوضع جذوع الجار. وقد ثبت فى (الصحيحين) =
i

٣٨٩
النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده
ثم إذا نسخ الكتابَ فلا ينقل سماعّه إلى نسختِه إلا بعد المقابلةِ المرضية. وهكذا
لا ينبغى لأحدٍ أن ينقل سماعًا إلى شىء من النسخ أو يثبتَه فيها عند السماع ابتداءً،
إلا بعد المقابلة المرضية بالمسموع، كيلا يغتر أحدٌ بتلك النسخةِ غير المقابلة؛ إلا أن يُبَيِّنْ
مع النقلِ وعنده، [٥٩/ظ] كونَ النسخةِ غيرَ مقابلة؛ واللّه أعلم.
(١) على هامش (غ) يخط ابن الفاسى: بلغت المقابلة بأصل قوبل على أصل المسمع رحمه الله، ثم مقابلة
ثانية. وبلغت سماعًا بقراءتى فى المجلس الخامس عشر.
= وغيرهما من طريق أبى هريرة رضى الله عنه، الحديثُ فيه(١). وقال بوجوب ذلك
جمع من العلماء، وهو أحدُ قولى الشافعى رضى الله عنه. وإذا كان يلزم الجار بالعارية،
مع دوام الجذوع فى الغالب، فلَأَنْ يلزم صاحبَ الكتاب مع عدم دوام العرية، أَوْلَى. وكأن
الشيخ ابن الصلاح إنما قاسَه على أداء الشهادة من جهة أنها متفق عليها، لكن الفرق
بينهما أن فى الشهادة حقا يتعلق بالحكم الذى هو نظام الأمور العامة والخاصة. فلو لم
يقل بلزوم الأداءِ لَتعطَّلَ هذا النظامُ، بخلاف العارية فيما نحن فيه. والأقربُ فى القياس
والتوجيه ما ذكرتُه. ولا يقال: تخرجت على قول مرجوح فى المذهب، لأنا بَيْنًّا
الأولويةَ التى تقتضى رجحانَ الإِلزام فيما نحن فيه - انتهت)) ٦٩/ظ.(٢)
(١) حديث أبى هريرة رضى الله عنه، قال رسول وهلهو: "لا يمنع جارٌ جارَه أن يغرز خشبة فى
جداره".
أخرجه (خ) فى كتاب المظالم، باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة فى جداره. وأخرجه (م) فى كتاب
المساقاة، باب غرز الخشب فى جدار الجار.
(٢) نقله، عنه السيوطى فى (تدريب الراوى ٩٢/٢).

النوع السادس والعشرون
فى صفةٍ روايةٍ الحديث وشرطِ أدائه وما يتعلق بذلك
وقد سبق بيانُ كثيرٍ منه فى ضمن النوعين قبلَه.
شدَّد قومٌ فى الروايةِ فأفرطوا، وتساهل فيها آخرون ففرَّطوا: ومن مذاهب التشديد
مذهبُ من قال: لا حُجةَ إلا فيما رواه الراوى من حفظِه وتذكّرِهِ، وذلك مروِىٌّ عن
مالك وأبى حنيفة رضى الله عنهما. وذهب إليه من أصحاب الشافعى ((أبو بكر الصيدلانى
المروزى)»(١).
ومنها مذهبُ من أجاز الاعتمادَ فى الرواية على كتابِه، غير أنه لو أعار كتابه وأخرجه من
يدِه لم ير الروايةَ منه لغييتِه عنه. وقد سبقت حكايتنا لمذاهبَ عن أهلِ التساهل، وإبطالُها، فى
ضمن ما تقدم من شرح وجوهِ الأخذ والتحمل. ومن أهل التساهل قوم
سمعوا كتُبًا مصنفةً وتهاونوا، حتى إذا طعنوا فى السنِّ واحتيج إليهم، حملهم الجهلُ والشَره
على أن روَوها من نُسَخ مشتراةٍ أو مستعارةٍ غير صحيحةٍ ولا مقابلة، فَعَدَّهم ((الحاكم
أبو عبد الله الحافظ)) فى طبقات المجروحين. قَال: وهم يتوهمون أنهم فى روايتها
صادقون. وقال: وهذا مما كثُر فى الناسِ وتعاطاه قومٌ من أكابرِ العلماء والمعروفين
بالصلاح.
قلت: ومن المتساهلين ((عبدُ اللّه بن لهيعةَ المصرى)) تُركَ الاحتجاجُ بروايته، مع
جلالتِه، لتساهِلِه. ذُكِرَ عن ((يحيى بنِ حسان))(٢) أنه رأى قومًا معهم جزء سمعوه من
((ابن لهيعة)) فنظر فيه فإذا ليس فيه حديثٌ [٦٠/و] واحد من حديث ابن لهيعة، فجاء
(١) انظر تبصرة العراقى: ١٦١/٢ وفتح المغيث: ٢٠١/٢ - ٢٠٣.
(٢) [هو التنيسى. روى عنه الشافعى] من هامش (غ) أبو زكريا التنيسى المصرى. ت٢٠٨ هـ عن أربع
وستين سنة. (التهذيب، والخلاصة، والعبر) ووقع فى طبعة اللباب: التنيسى، أبوزكريا يحيى بن [أبى حسان].
٣٩٠
٠٠

٣٩١
النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه
ابن لهيعة فأخبره بذلك. فقال: ما أصنع؟ يجيئونى (١) بكتابٍ فيقولون: هذا من حديثك،
فأحدثهم به))(٢).
ومِثلُ هذا واقعٌ من شيوخ زماننا"، يجىء إلى أحدِهم الطالبُ بجزءٍ أو كتابٍ فيقول:
هذا روايتك. فيمكنه من قراءته عليه مقلدًا له، من غير أن يبحث بحيث تحصل له الثقةُ
بصحة ذلك.
والصواب ما عليه الجمهور، وهو التوسطُ بين الإِفراط والتفريط. فإذا قام الراوى فى
الأخذ والتحمل بالشرط الذى تقدم شرحُه، وقابَل كتابَه وضَبطَ سماعَه على الوجه الذى
سبق ذكرُه، جازت له الروايةُ منه، وإن أعاره وغاب عنه، إذا كان الغالبُ من أمره
سلامته من التغيير والتبديل. لاسيما إذا كان ممن لا يخفى عليه فى الغالبِ، لو غُيَّرَ شىءٌ
منه وبُدِّل، تغييرُهُ وتبديلهُ. وذاك لأن الاعتمادَ فى باب الرواية على غالب الظنِّ، فإذا
حصل أجْزَأ، ولم يُشترط مَزِيدٌ عليه؛ والله أعلم.
(١) هكذا رسمه فى النسخ، وفى مطبوعتى (الكفاية والتقييد).
(٢) أسنده ابن حبان: فى النوع السابع من المجروحين، من طريق نعيم بن حماد، قال: سمعت يحيى بن
حسان يقول،" فذكره ٦٩/١ وفيه [يجيئون بكتاب].
والخطيب من طريق أبى حازم عمر بن إبراهيم بسنده إلى نعيم بن حماد. (الكفاية باب ترك الاحتجاج بمن
عرف بالتساهل فى الرواية: ١٥٢).
* المحاسن:
((كذا قال ابن الصلاح، وفيه نظر: فالواقع من شيوخ زمانِه وزمانِنا، ليس كالواقع
من ابن لهيعة وأنظاره؛ لأن السندَ فى هذا الزمان غيرُ منظورٍ إلى رجاله، وإنما المطلوبُ
بقاءُ السلسلة، وقد تقدم ما يرشد لذلك - انتهى)) ٧٠/و
- وانظر معه (فتح المغيث ٢٠٨/٢).

٣٩٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
تفريعات:
أحدُها: إذا كان الراوى ضريرًا ولم يحفظ حديثَه من فم من حدثه، واستعان بالمأمونين
فى ضبطِ سماعه وحفظٍ كتابِه ثم عند روايتهِ فى القراءةِ منه عليه، واحتاط فى ذلك على
حسبٍ حاله، بحيث يحصلُ معه الظنُّ بالسلامةِ من التغيير، صحت روايتُه. غير أنه أوْلى
بالخلافِ والمنعِ من مثلِ ذلك من البصير". قال ((الخطيب الحافظ)): ((والسماعُ من
البصير الأمىِّ والضرير اللذين لم يحفظا من المحدِّثِ ما سمعاه منه، لكنه كُتِبَ لهما، بمثابة
واحدة. قد منع منه غير واحد من العلماء، ورخّصَ فيه بعضُهم)). والله أعلم (١).
الثانى: إذا سمع كتابًا ثم أراد روايته من نسخة ليس فيها سماعُه، ولا هى مقابلة
بنسخةِ سماعِه، غير أنه سُمِع منها على شيخِه، لم يجز له ذلك. [٦٠/ظ] قطع به ((الإِمامُ
أبو نصر بن الصباغ الفقيه)) فيما بلغنا عنه. وكذلك لو كان فيها سماحُ شيخِه أو روى
منها ثقةٌ عن شيخِه، فلا يجوز له الروايةُ منها اعتمادًا على مجردٍ ذلك، إذ لا يؤمَنُ أن
يكونَ فيها زوائدُ ليست فى نسخة سماعه. ثم وجدتُ ((الخطيبَ)) قد حكى مِصداقَ ذلك
عن أكثر أهلِ الحديث، فذكر فيما إذا وجَد أصلَ المحدِّثِ ولم يُكْتَب فيه سماعُه، أو وجد
(١) الكفاية: باب القول فيمن كان معوله على الرواية فى كتبه لسوء حفظه: ٢٢٨.
وانظر معه فى (الكفاية: باب القول فى تلقين الضرير والأمى) ٢٥٧.
:
* المحاسن:
((فائدة: قد تمنع الأولوية من جهة تقصير البصير، فيكون الأعمى أوْلى بالجواز، لأنه
أتى باستطاعتِه (١) - انتهت)) ٧٠/ ظ.
(١) نقله السخاوى، وأضاف: وقال شيخنا - ابن حجرَ: إذا كان الاعتماد على ما كتب لهما فهما سواء،
إذ الواقف على كتابهما يغلب على ظنه السلامة من التغيير أو عكسها. على أن ((الرافعى)» قد خص الخلاف فى
الضرير بما سمعه بعد العمى. فأما ما سمعه قبله فله أن يرويه بلا خلاف. يعنى بشرطه. وفى نفى الخلاف
توقف"
(فتح المغيث ٢٠٨/٢).
1
i

٣٩٣
النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه
نسخةً كتبت عن الشيخ تسكن نفسُه إلى صحتها، أن عامةً أصحابِ الحديث منعوا
من روايته من ذلك. وجاء عن ((أيوب السختيانى، ومحمد بن بكر البرسانى))
الترخُّصُ فيه(١).
قلت(٢): اللهم إلا أن يكون له إجازةٌ من شيخه عامة لمروياته أو نحو ذلك، فيجوز
له حينئذ الروايةُ منها، إذ ليس فيه أكثرُ من رواية تلك الزيادات بالإِجازة بلفظِ
((أخبرنا)) أو ((حدثنا)) من غير بيانٍ للإِجازة(٣) فيها؛ والأمرُ فى ذلك قريبٌ يقع مثلُه فى
محلّ التسامح. وقد حكينا فيما تقدم أنه لا غنى فى كلِّ سماع عن الإِجازة (٤)، ليقع
ما يسقط فى السماع على وجهِ السهو وغيره من كلماتٍ أو أكثرَ، مرويًّا بالإِجازة، وإن لم
يُذكر لفظُها. فإن كان الذى فى النسخة سَماعُ شيخِ شيخِه، أو هى مسموعةٌ على شيخٍ
شيخِه، أو مرويةٌ عن شيخ شيخِه، فينبغى له حينئذ فى روايته منها، أن تكون له إجازةٌ
شاملة من شيخه، ولشيخِه إجازة شاملة من شيخِه؛ وهذا تيسيرٌ حسنٌ هدانا اللّهُ له - وله
الحمدُ - والحاجةُ إليه ماسَّةٌ فى زمانِنا جدًّا؛ والله أعلم.
الثالث: إذا وجد الحافظُ فى كتابِهِ خلافَ ما يحفظه، نظر: فإن كان إنما حفظ ذلك من
كتابِهِ فليرجعْ إلى ما فى كتابه، وإن كان حَفظه من فم المحدِّثِ فليعتمدْ حِفظَه دون ما فى
كتابِهِ إذا لم يتشكك. وحَسَنُ أن يذكرَ الأمرين فى روايته، فيقول: ((حفظى كذا، وفى كتابى
كذا)» هكذا فعل («شُعبةُ)) وغيرُه. وهكذا إذا خالفه فيما يحفظه بعضُ الْحُفَّاظ، فليقلْ:
((حفظى كذا وكذا، وقال فيه فلان، أو: قال فيه غيرى كذا وكذا)) أو شبه هذا من
الكلام. كذلك فعل («سُفيان الثورى)» وغيرُه؛ والله أعلم.
الرابع: إذا وجد سماعَه فى كتابِه وهو غير ذاكر لسماعِه ذلك، فعن «أبى حنيفةَ))
رحمه الله، وبعض أصحاب ((الشافعى)) رحمه الله، أنه لا يجوز له روايته. ومذهبُ الشافعى
وأكثرِ أصحابِهِ، وأبى يوسفَ ومحمد، أنه يجوزُ له روايته.
(١) الكفاية: ٢٥٧ (باب القول فيمن سمع من بعض الشيوخ أحاديث لم يحفظها ثم وجد أصل المحدِّث
بها ولم يُكتب فيها سماعه ... )
(٢) على هامش (غ): [قال المؤلف، شيخنا المعلى رضى الله عنه.] خ.
(٣) فى (ص) [بالإِجازة]
(٤) فى (ص): [من الإِجازة]

٣٩٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قلت: هذا الخلاف ينبغى أن يُبْنَى على الخلافِ السابق قريبًا، فى جوازِ اعتماد الراوى
على كتابه فى ضبطٍ ما سمعه، فإنّ ضَبْطَ أصلِ السماع كضبطِ المسموع، فكما كان
الصحيحُ وما عليه أكثرُ أهلِ الحديث، تجويزَ الاعتمادِ على الكتاب المصونِ فى ضبط
المسموع، حتى يجوز له أن يروىَ ما فيه، وإن كان لا يذكر أحاديثَه حديثًا حديثًا؛ كذلك
ليكنْ هذا إذا وُجِدَ شرطُه، وهو أن يكون السماع بخطُّه أو بِخَطَّ من يثق به، والكتابُ
مصون بحيث يغلب على الظنِّ سلامةُ ذلك من تطرُّق التزوير والتغيير إليه، على نحو
ما سبق ذكره فى ذلك. وهذا إذا لم يتشكك فيه وسكنتْ نفسُه إلى صحته، فإن تشكك فيه
لم يجز الاعتمادُ عليه"؛ والله أعلم.
الخامس: إذا أراد روايةَ ما سمعه على معناه دون لفظِهِ، فإن لم يكن عالما عارفًا
بالألفاظِ ومقاصدها، خبيرًا بما يُحيل معانيها، بصيرًا بمقادير التفاوت بينها، فلا خلافَ أنه
لا يجوزُ له ذلك، وعليه ألا يروى ما سمعه إلا على اللفظ الذى سمعه من غير [٦١/ظ]
تغيير. فأما إذا كان عالمًا عارفًا بذلك، فهذا مما اختلف فيه السلفُ وأصحابُ الحديثِ
وأربابُ الفقه والأصول؛ فجوَّزه بعضُ المحدِّثين، وطائفةٌ من الفقهاءِ والأصوليين من
الشافعيين وغيرهم.(١) ومنعه بعضُهم فى حديثٍ رسول اللّهِ وَلّه، وأجازه فى غيره(٢).
(١) على هامش (غ): [حكى ((ابن بطال)) هذين القولين: الجواز والمنع. وزاد أنه يجب مراعاة اللفظ
إذا خاف وقوعَ اللبس بتغييره، مثل أن يكون معناه غامضًا أو محتملا للتأويل، فلا يغير. فأما إذا كان
المعنى ظاهرا فلا بأس].
(٢) على ورقة ملصقة بنسخة (غ): (قال الشيخ: ومما وقع فى اصطلاح المتأخرين، أنه إذا روى كتاب
مصنفٍ بيننا وبينه وسائط، تصرفوا فى أسماء الرواة وقلبوها على أنواع، إلى أن يصلوا إلى المصنف، فإذا=
* المحاسن:
((فائدة: عدُ العلم أشدُّ من الشِّ. فإن كان المراد أنه شكّ فى السماع فلا يحسن، وإن
كان المراد أنه شك فى تطرقِ التزويرِ ونحوِه، فغلبةُ ظن السلامةِ يخرجه، فلا حاجة إلى
قيدٍ بعده. وشبَّهه بعضُهم بما إذا نسى الراوى سماعهَ، فإنه يجوز لمن سمعه الراويةُ،
ولا يضره نسيانَ شيخِه. ولا يصح هذا التشبيهُ، لأن الراوى فيما نحن فيه غيرُ متذكر،
وفى الصورة المذكورة متذكر ولكن أصله ناسٍ - انتهت.)) ٧١ / و

٣٩٥
النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه
والأصحُ جوازُ ذلك فى الجميع إذا كان عالماً بما وصفناه، قاطعًا بأنه أدَّى معنى اللفظ
الذى بلغه؛ لأن ذلك هو الذى تشهد به أحوالُ الصحابة والسلف الأولين، وكثيرًا
ما كانوا ينقلون معنى واحدًا فى أمرٍ واحد بألفاظٍ مختلفة،(١) وما ذلك إلا لأن مُعَوَّلهم كان
على المعنى دون اللفظٌ.
= وصلوا إليه تبعوا لفظه من غير تغيير. وهذا فيه بحثان: أحدهما: أنه ينبغى أن يحفظ فيه شروط الرواية
بالمعنى، فقد رأينا من يعبر فى هذه الرواية بعبارات لعل المروى عنه لو أراد التعبير عنه لم يستجز ذلك أو لم
يستحسنه، فهذا خارج عن الرواية بالمعنى، فليراع ذلك، مثاله أن يقول الشيخ: «أخبرنا فلان ابن فلان"
فيقول الراوى عنه: "أنا فلان، قال أنا الإِمام العلامة أوحد الزمان" إلى غير ذلك من ألفاظ التعظيم التى لو
عرضت على الشيخ قد لا يختارها ولا يرى المروىَّ عنه أهلا لها، فكيف يسوغ أن يحمل عليه ما يجوز أنه
لا يراه؟ ثم إن هذه إشارة لذلك الشخص بهذه المرتبة، وقد أخبر هذا الراوى عن شيخه بهذه المرتبة، وأنه
شاهد بها؛ ومن ذلك أن أرباب الأصول اشترطوا فى الرواية بالمعنى عدم الزيادة والنقصان بالنسبة إلى الترجمة
والمترجم عنه، ونرى بعض أهل الحديث قد لا يلتزم ذلك، فيذكر الرواية عن شخص ويزيد فيه تاريخ السماع
إذا كان يعلمه، وإن لم يذكره الشيخ، وربما زاد فيه: بقراءة فلان أو بتخريج فلان؛ وإن لم يسمع ذلك أو لم يقرأه،
وكل هذا زيادة عما يحمله لفظا ومعنى، فلا يجرى على قانون أهل الأصول.
البحث الثانى: الذى اصطلحوا عليه من عدم التغيير للألفاظ، بعد وصولهم إلى المصنف، ينبغى أن ينظر فيه:
هل هو على سبيل الوجوب أو هو اصطلاح على سبيل الأول؟ وفى كلام بعضهم ما يشعر بأنه ممتنع لأنه وإن
كان له الرواية بالمعنى، فليس له تغيير التصنيف. وهذا كلام فيه ضعف، وأقل ما فيه أنه يقتضى تجويز هذا فيما
ينقل من المصنفات المتقدمة إلى أجزائنا وتخاريجنا، فإنه ليس فيه تغيير التصنيف المتقدم، وليس هذا جاريًا على
الاصطلاح فإن الاصطلاح على ألا تغير الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة، سواء رويناها فيها أو نقلناها
منها/ طرة].
(١) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: [قال أبوبكر ابن العربى فى (الأحوذى، شرح الترمذى)=
* المحاسن:
((فائدة: وسنّدُ ذلك من السنة ما ذكره ((أبو نعيم)» فى كتابه (معرفة الصحابة) فى
ترجمة سليمان بن أكيمة، يسنده إلى يعقوب بن عبدالله بن سليمان بن أكيمة الليثى، عن
أبيه عن جده قال: أتينا رسول اللّهِ وَله، فقلنا له: بأبينا أنت وأُمّنا يا رسول الله، إنا
لنسمع منك الحديثَ فلا نقدر أن نؤديه كما سمعناه. فقال: "إذا لم تُحِلُّوا حرامًا، ولم تُحرِّموا
حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس." (١) وذكره ((ابنُ منده)» فى كتابه (معرفة الصحابة)،=
(١) أخرجه الطبرى فى (المنتخب من ذيل المذيل) بسنده إلى يعقوب بن عبدالله بن سليمان بن أكيمة
الليثى عن أبيه عن جده (ص ٥٦٥) ط أولى ذخائر. وأخرجه الخطيب بهذا اللفظ من طريق الطبرى بإسناده
(الكفاية: ١٩٩ باب ذكر الحجة فى إجازة رواية الحديث على المعنى).

٣٩٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ثم إن هذا الخلافَ لا نراه جاريًا ولا أجراه الناسُ فيما نعلم فيما تضمنته بطون
الكتب، فليس لأحدٍ أن يغير لفظَ شىءٍ من كتاب مصنّف، ويُثبت بدلَه فيه لفظًا آخرَ
بمعناه، بل الروايةُ بالمعنى رَخْص فيها من رخص لما كان عليه فى ضبطِ الألفاظ والجمودِ
عليها من الحَرَج والنّصب؛ وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتبِ،
ولأنه إن مَلَكَ تغيير اللفظِ فليس يملك تغيير تصنيفِ غيره؛ والله أعلم.
السادس: ينبغى لمن روى حديثًا بالمعنى أن يُتبعه بأن يقول: أو كما قال، أو نحو هذا
وما أشبه ذلك من الألفاظ. رُوِىَ ذلك من الصحابة عن ابن مسعود وأبى الدرداء وأنَسٍ،
رضى الله عنهم." قال ((الخطيب)): "والصحابة أربابُ اللسانِ وأعلم الخلق بمعانى الكلام،
= فى نقل الحديث بلفظه أو بمعناه: والصحيح أن للصحابة أن ينقلوه بالمعنى قطعًا وليس ذلك لغيرهم. والدليل عليه
أن الصحابة كلهم قالوا: أمر رسول الله (# بكذا، ونهى عن كذا، وهذا نقل لقوله على المعنى، واقه أعلم].
- وانظر فى هذا الباب: كفاية الخطيب: ذكر الرواية عمن أجاز النقصان فى الحديث ولم يجز
الزيادة ١٨٩، وإلماع عياض: ١٧٤ وفتح المغيث ٢١٢/٢.
= ولفظُه: "قلت يا رسول الله: إنى أسمع منك الحديث لا أستطيع أن أرويَه كما أسمع
منك، يزيد حرفًا أوينقص حرفًا، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تحلوا حرامًا،
ولا تحرموا حلالا، وأصبتم المعنى فلا بأس" قال: فذُكِر ذلك للحسن بن أبى الحسن
فقال: "لولا هذا ما حدثنا". وهذا يدل على أن مذهبَ الحسن الجوازُ، ومقابله عن
ابنِ سيرين. وقيل: يجوز بلفظٍ مرادف (١) - انتهت)». ٧١/ظ
(١) وقابل على تخريج ابن حجر لهذا الحديث، والذى بعده، فى ترجمة سليم بن أكيمة الليثى
:
(الإصابة: ق أول ترجمة ٣٤٢٧) ١٢٤/٣ وانظر (فتح البارى ٢١٧/٢) وترجمة سليمان بن أكيمة فى
الإِرشاد للخليلى.
* المحاسن:
((فائدة: ليس فى ذلك النقل عن هؤلاء، بأنهم جوزوا نقل الحديث بالمعنى كما فهمه
بعضُ من لا يصح فهمه - انتهت)) ٧٢/و
- وانظر فى (الكفاية: ذكر الرواية عمن لم يجز إبدال حرف بحرف) ٢٣٩ و (بيان ما جاء فى تغيير نقط
الحروف لما فى ذلك من الإحالة والتصحيف) ٢٤٧.

٣٩٧
النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط ادائه
ولم يكونوا يقولون ذلك(١) إلا تخوفًا من الزلَل لمعرفتهم بما فى الرواية على المعنى من
الخطر ،،(٢).
قلت (٣): وإذا اشتبه على القارئ فيما يقرؤه فقرأها على وجه يشكك فيه، ثم قال:
أو [٦٢/و] كما قال؛ فهذا حسَنٌ، وهو الصوابُ فى مثلِه لأن قولَه: أو كما قال؛ يتضمن
إجازة من الراوى، وإذنًّا فى رواية صوابها عنه إذا بان. ثم لا يشترط إفرادُ ذلك بلَفِظِ
الإِجازة، لما بيَّناه قريبًا؛ والله أعلم.
السابع: هل يجوز اختصارُ الحديث الواحد وروايةُ بعضِه دون بعض ؟ اختلف أهلُ
العلم فيه: فمنهم من منع ذلك مطلقًا بناءً على القول بالمنع من النقل بالمعنى مطلقًا. ومنهم
من منع من ذلك مع تجويزه النقلَ بالمعنى، (٤) إذا لم يكن قد رواه على التمام مرةً أخرى، ولم
يعلم أن غيره قد رواه على التمام. ومنهم من جوَّز ذلك وأطلق ولم يُفَصِّل. وقد روينا عن
((مجاهدٍ)) أنه قال: انقُصْ من الحديث ما شئتَ ولا تَزِدْ فيه .*
والصحيحُ التفصيلُ، وأنه يجوز ذلك من العالم العارف، إذا كان ما تركه متميزًا عما .
نقله، غير متعلق به بحيث لا يختل البيانُ، ولا تختلفُ الدلالةُ فيما نقله بترك ما تركه،(٥)
فهذا ينبغى أن يجوز وإن لم يجز النقل بالمعنى؛ لأن الذى تركه - والحالةُ هذه - بمنزلة
(١) سقط من (ص).
(٢) الكفاية: (ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى): ٢٠٥.
(٣) من متن (غ، ص، ع). وعلى هامش غ [قال المؤلف شيخنا رضى الله عنه] خ.
(٤) انظر الكفاية : ١٨٩.
(٥) على هامش (غ) [قال الشيخ: إن كان اختصار الحديث مما يغير المعنى لو لم يختصر، فلا يجوز. وإن لم
يغير المعنى، مثل أن يذكر لفظين مستقلين فى معنيين، فيقتصر على أحدهما، فالأقرب الجواز لأن عمدة الرواية فى
التجويز هو الصدق، وعمدتها فى التحريم الكذب. وفى مثل ما ذكرناه، الصدق حاصل فلا وجه للمنع، فإن
احتاج ذلك إلى تغيير لا يخل بالمعنى، فهو خارج عن جواز الرواية بالمعنى].
المحاسن :
((فيه نظر، لأن الاختصار التصرف فى اللغة، ولكن المعنى بخلاف اللفظ)». بخط
/ الشيخ على هامش (٧٢/و).

٣٩٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
خبرين منفصلين فى أمرين لا تعلُّقَ لأحدهما بالآخر(١).
ثم هذا إذا كان رفيعَ المنزلة بحيث لا يتطرقُ إليه فى ذلك تهمةُ نقلِه أولا تأمّا، (٢) ثم
نقله ناقصًا، أو نقله أولا ناقصًا ثم نقله تأمّا. فأما إذا لم يكن كذلك، فقد ذكر ((الخطيبُ
الحافظ)» أن من روى حديثًا على التمام، وخاف إن رواه مرة أخرى على النقصان، أن
يُتَّهَمَ بأنه زاد فى أول مرة ما لم يكن سمعه، أو أنه نسى فى الثانى باقى الحديثِ لِقِلَّةِ ضبطهِ
وكثرةٍ غَلَطه، فواجبٌ عليه أن ينفى هذه الظَّةَ عن نفسه.(٣) وذكر ((الإِمامُ أبو الفتح سُليمُ
بنُ أيوبَ الرازى، الفقيهُ)) [٦٢/ظ] أن مَن روى بعضَ الخبر ثم أراد أن ينقلَ تمامَه،
وكان ممن يُتَّهم بأنه زاد فى حديثه، كان ذلك عُذرًا له فى تركِ الزيادة وكتمانِها.
قلتُ: مَن كان هذا حاله، فليس له من الابتداء أن يروىَ الحديثَ غيرَ تأمّ، إذا كان
قد تعيّن عليه أداءُ تمامِه، لأنه إذا رواه أولا ناقصًا، أخرج باقيَه من حيِّزِ الاحتجاج به،
(١) على هامش (غ): [قال القاضى عياض: اختلف المحدثون والفقهاء والأصوليون فى اختصار الحديث،
.
والتحديث به على المعنى، وفى الحديث بفصل منه دون كماله: فأجاز هذا كله على الجملة قوم، وهو مذهب ((مسلم
بن الحجاج)). ومنعه على الجملة آخرون وهو تحرى ((البخارى)). ورخص قوم فيما يقع من الكلمات موقع مثالها،
كالجلوس عوض القعود، والقيام عوض الوقوف، وشبهه، دون ما يمكن أن يختلف اختلافًا مّا. وجوّز آخرون
الحديث على المعنى فى غير لفظ الرسول وَل98، ومنعه فى لفظه عليه - الصلاة والسلام -، وذكر هذا عن ((مالك)).
وذهب المحققون إلى أن الراوى إذا كان ممن يستقل بفهم الكلام ومعانيه، ويعرف مقاصده، ويفرق بين الظاهر
والأظهر، والمحتمل والنص، فجائز لهذا الحديث على المعنى إذا لم يحتمل عنده سواه، وانفهم له فهماً جليًّا معناه.
وحكى غير واحد معنى هذا عن ((مالك وأبى حنيفة والشافعي)». وكذلك جوزوا الحديث ببعض الحديث، إذا لم
يكن مرتبطًا بشىء قبله ولا بعده ارتباطًا يخل بمعناه. وكذلك إن جمع الحديث حكمين أو أمرين، كل واحد
مستقل بنفسه غير مرتبط بالآخر، فله الحديث بأحدهما. وعلى هذا كله كافة الناس ومذاهبُ الأئمة، وعليه
صنف المصنفون كتبهم فى الحديث على الأبواب، وفصلوا الحديث الواحد على الأجزاء أجزاء بحكمها،
واستخرجوا النكت والسنن من الأحاديث الطوال، وهو معنى قول ((مسلم)) فى خطبته، وعمله البخارى كثيرًا فى
صحيحه. ولهذا روى الحديث الواحد عن النبى وَله بألفاظ مختلفة، فى القصة الواحدة، والمقالة الفذة، والقضية
المشهورة، من عهد الصحابة فمن بعدهم. لكن لحماية الباب من تسلط من لا يحسن، وغلط الجهلة فى نفوسهم
وظنهم المعرفة مع القصور، يجب سد هذا الباب، إذ فِعْل هذا على من لا يبلغ درجة الكمال فى معرفة المعانى،
حرام باتفاق / طرة، من الإكمال ] روجع على الإكمال: (ل ٣٠). دار الكتب بالقاهرة. مخطوط.
- وانظر (الإِلماع: ١٨١) وفيه قال القاضى عياض: وقد تقضيت الكلام فى هذا فى كتاب الإِكمال لشرح
صحیح مسلم.))
(٢) من (غ) وفى (ص، ع): [تماما].
(٣) الكفاية: (باب ذكر الرواية عمن أجاز النقصان من الحديث ولم يجز الزيادة): ١٩٣.
۔

٣٩٩
النوع السادس والعشرون : فى صفة رواية الحديث وشرط أدائه
ودار بين أن لا يرويه أصلا، فيُضيِّعَه رأسًا، وبين أن يرويَه متَّهًا فيه فيضيعَ ثمرتَه، لسقوطِ
الحجةِ فيه؛ والعلم عند الله تعالى.
وأما تقطيع المصنّف متنَ الحديث الواحد وتفريقه(١) فى الأبواب، فهو إلى الجواز أقربُ
ومن المنع أبَعَدُ. وقد فعله ((مالك، والبخارى)) وغيرُ واحدٍ من أئمة الحديث، ولا يخلو من
كراهية؛* والله أعلم.
(١) بهامش (غ): [وتفريعه، صح، معا].
وانظر فى (الكفاية: باب ما جاء فى تقطيع المتن الواحد وتفريقه على الأبواب) ١٩٣.
* المحاسن:
((فائدة وزيادة: قال ((النووى)) فى مختصره: "ما أظن أن ابن الصلاح يوافق على
الكراهية"(١) وأطلق هو وابن الصلاح الخلافَ فى الفرع، ثم أردفاه بالتفصيل. وهو
يقتضى أن لنا قولا بجوازه مطلقًا، حتى يترك الشرط والاستثناء والغاية. وهذا مما لا
يقوله أحد، وإنما يحمل التفصيل على جملة حالاته، ويتقيد القولان قبله بما إذا لم يكن
للمحذوف تعلق بالمروى. ومن ثم قال ((ابن الحاجب)) فى مختصره: "حذف بعض الخبر
جائز عند الأكثر، إلا فى الغاية والاستثناء ونحوِه".
وما تقدم من صنيع ((البخارى)) لم يفعله («الإِمامُ مسلم)) بل يسوق الحديثَ بتمامِهِ
ولا يقطعه. وقد تقدم أن ذلك من جملة أسبابِ ترجيحهِ عند جماعة. وأما حذفُ زيادةٍ
مشكوكٍ فيها فهذا شائع، كان ((مالك)) يفعله كثيرًا تورعًا، بل كان يقطع إسنادَ الحديث
إذا شكّ فى وصلِه. ومحلّ حذفِ الزيادة المشكوك فيها، زيادةٌ لا تعلّقَ للمذكورِ بها، فإن
تعلَّق ذَكَرها مع الشُّ ليعلم، كقول ((داودبن الحصين)» فى حديث: "الرخصة فى العرايا فى
خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق" فشّ، ولكن لما كان المشكوكُ فيه مما لا يسوغ حذفُه،
ذكره على الشَّ(٢) انتهى)). ٧٣/ظ
(١) متن التقريب للنووى (مع تدريب الراوى ١٠٥/٢) وانظر معه تبصرة العراقى ١٧٣/٢).
(٢) الموطأ، ك البيوع، باب ما جاء فى بيع العَريَّة ح١٤ (٦٢٠/٢) ومعه (التمهيد لابن عبدالبر: ٣٢٣/٣)
وانظر كتاب البيوع فى الصحيحين: (خ) باب الثمر على رؤوس النخل. (م) باب تحريم بيع الرطب بالتمر
إلا فى العرايا . - من طريق الإِمام مالك فيهما - مع (فتح البارى ٢٦٥/٤).

٤٠٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الثامن: ينبغى للمحدِّث ألا يروى حديثه بقراءةِ لحَّان أو مصحِّف. روينا عن ((النضر
بن شُميل)) رضى الله عنه، قال: "جاءت هذه الأحاديثُ عن الأصلِ معربة". وأخبرنا
((أبو بكر بن أبى المعالى الفراوى)) قراءةً عليه قال: أنا الإِمام أبو جَدِّى،(١) أبو عبدالله
محمدِ بن الفضل الفراوى، قال: أنا أبو الحسين عبدالغافر بن محمد بن الفارسى، قال: أنا
الإِمام أبو سليمان حمد بن محمد الخطابى قال: حدثنى محمد بن معاذ، قال: أنا بعضُ
أصحابِنا عن أبى داودَ السِّنْجِى،(٢) قال: سمعتُ الأصمعى يقول: إن أخوفَ ما أخاف
على طالبِ العلم إذا لم يعرف النحوَ أن يدخل فى جملة (٣) قولِ النّبِى وٍَّ: "من كذب
علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" لأنه ◌َّه لم يكن يلحن، فمهما رويتَ عنه حديثًا
ولَحَنتَ فيه، كذبتَ عليه(٤).
قلت: فحقّ على طالبِ الحديث أن يتعلم من النحوِ واللغةِ ما يتخلصُ به من شَيْن
اللحنِ والتحريفِ ومعرَّتهما. روينا [٦٣/و] عن ((شعبةَ)) قال: "من طلب الحديثَ ولَمَ
يبصر العربيةَ فمثلهُ مثلُ رجلٍ عليه بُرُنُسٌ ليس له رأس" - أو كما قال. وعن ((حماد بن
سلمة)) قال: "مثَلُ الذى يطلب الحديثَ ولا يعرف النحو، مَثَلُ الحمار عليه مخلاةٌ لا شعيرَ
فیها".
وأما التصحيف فسبيلُ السلامةِ منه، الأخذُ من أفواهِ أهلِ العلم أو الضبطِ، فإن مَن
حُرِمَ ذلك، وكان أخذُه وتعلمُه من بطونِ الكُتُبِ، كان من شأنه التحريفُ، ولم يُفِلِتْ من
التبديل والتصحيف؛ والله أعلم.
التاسع: إذا وقع فى روايتهِ لحنٌ أو تحريف، فقد اختلفوا: فمنهم من كان يرى أنه
يَرويه على الخطأ كما سمعه، وذهب إلى ذلك من التابعين: ((محمد بن سيرين، وأبو معمر
(١) أبو بكر ((منصور بن أبى المعالى عبد المنعم بن أبى البركات عبد الله بن أبى عبد الله محمد بن الفضل
الفراوى. حدث عن أبيه، وجده، وجد أبيه (٥٢٢ ٦٠٨ هـ) تقييد ابن نقطة ل ١٥٤/أ.
(٢) على هامش (غ): [سنج: قرية من قرى مرو، ينسب إليها أبو على السنجى الفقيه - الشافعى،
الحسين بن شعيب - والله أعلم.] والضبط من اللباب: ١٤٧/٢.
(٣) بهامش (غ): [أى عموم قوله] - عليه الصلاة والسلام.
(٤) رواه ابن خلاد الرامهرمزى فى (المحدث الفاصل: باب القول فى تقويم اللحن بإصلاح الخطأ) من
طريق الخطابى بسنده إلى الأصمعى. والقاضى عياض فى (الإِلماع ١٨٤) من طريق ابن خلاد.
%
1
i
---