النص المفهرس
صفحات 361-380
١ ٣٦١ النوع الرابع والعشرون: كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه (الوجادة) = يا رَسولَ الله؟ قال: قوم يأْتُون من بعدِكم يجدون صُحفًا يؤمنون بما فيها)، (١) وهذا استنباط حسَن - انتهت)) ٦٠/و ٠٠٠ (١) أخرجه الرامهرمزى بهذا اللفظ فى (باب فضل الناقل لسنة رسول الله ( *) من المحدث الفاصل: ١٦٣ والخطيب فى (شرف أصحاب الحديث) من طريق ابن عرفة، حديث عمروبن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا. ومن طريق أبى يعلى الموصلى، من حديث عمر، رضى الله عنه، قال: سمعت رسول الله ول﴿ل يقول لنا: ((أنبئونى بأفضل أهل الإيمان إيمانًا)) قلنا: يا رسول الله، الملائكة. قال: ((نعم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله بالمنزلة التى قد أنزلهم بها؟ بل غيرهم)). قلنا: يا رسول الله، فالأنبياء الذين أكرمهم الله بالنبوة والرسالة. قال وَله: ((هم كذلك ويحق لهم ذلك وما يمنعهم وقد أكرمهم اللّه بالنبوة والرسالة؟ بل غيرهم)). قلنا: يا رسول الله، الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة مع الأنبياء قال: ((نعم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة؟ بل غيرهم)). قلنا: يا رسول الله، فمن؟ قال : ((أقوام فى أصلاب الرجال يأتون من بعدى، يؤمنون بى ولم يرونى ويصدقون بى ولم يرونى، يرون الورق المعلق فيعملون بما فيه)) .: ٣٤،٣٣ وهو فى الترمذى بلفظ: ((أى الناس خير؟)) - مع عارضة الأحوذى ١٥٥/٧- وانظر تدريب الراوى ٦٤/٢. النوع الخامسُ والعشرون فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده اختلف الصدْرُ الأولُ رضى الله عنهم فى كتابة الحديث: فمنهم من كَرِهَ كتابةَ الحديث والعلم وأمروا بحفظِهِ، ومنهم من أجاز ذلك. وممن روينا عنه كراهةَ ذلك: ((عمرُ، وابنُ مسعود، وزيدُ بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد الخدرى)) فى جماعةٍ آخَرينَ من الصحابة والتابعين.(١) وروينا عن («أبى سَعيد الُخُدرى)) أن النبى وَ ل قال: "لا تكتبوا عنى شيئًا إلا القرآن، ومن كتب عنى شيئاً غيرَ القرآن فليمحُه" أخرجه ((مُسلمٌ)) فى صحيحه.(٢) وممن روينا عنه إباحةَ ذلك أو فعلَه: ((علىّ، وابنُه الحَسنُ، وأنس، وعبدُ الله بن عمروبن العاص)) فى جمع آخرين من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أجمعين *. : (١) بتفصيل فى (ذكر كراهية كتابة العلم) من جامع ابن عبد البر: ٦٣/١ - ٧٠ وتقييد العلم للخطيب (٥٠ - ٥١) وانظر باب كتابة العلم فى (مجمع الزوائد للهيثمى: ١٥٠/١ - ١٥١) (٢) فى باب التثبت فى الحديث وحكم كتابة العلم، من (صحيح مسلم): ٣٠٠٤/٧٢ وأخرجه الرامهرمزى فى (المحدث الفاصل: ٣٧٩ ف ٣٦٢). * المحاسن: ((فائدة وزيادة: أعْلَى من رُوِىَ عنه ذلك من الصحابة: ((عمرُ بن الخطاب)) ثم ((عثمان بن عفان)). أسند («الرامَهُرْمُزى)» فى كتابه (الفاصل) بإسنادٍ ذكره عن عمروبن أبى سفيان، أنه سمع عمرَ بنَ الخطاب يقول: "قيِّدوا العلَمَ بالكتابِ."(١) وفى كتاب "المرزبانى" من حديث عبدِ الله بن راشد قال: "قال عثمان بن عفان: قيدوا العلم. قلنا: وما تقييدُه؟ قال: تعلّموه وعلموه واستنسخوه" وجاء عن ((طلحة بن عبيدالله))= (١) المحدث الفاصل: ٣٥٨/٣٧٧، وجامع بيان العلم ٧٢/١. وعلى هامش المحاسن بخط البلقيني: هذا الكلام مناقض لما قبله فتأمل (٥/٦٠) يعنى ما روى عن كراهة عمر، رضى الله عنه، كتابة الحديث. ٣٦٢ ..... ١ أ ٣٦٣ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده = ما يقتضى جوازَ كتابة غير القرآن. وأسند ((الرامَهُرْ مزى)) عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: "كنت أذهب أنا وَأبو جعفر إلى جابر بن عبدالله ومعنا ألواحٌ صِغارٌ نكتب فيها الحديثَ"(١) وأسند ((المرزبانى)) بَسندٍ - قيل إنه جيد- عن عبد الله بن بريدة، أن أناسًا من أهل الكوفة كانوا فى سفرٍ ومعهم شدَّادُ بنُ أوس، فقال له رجلٌ: حدِّثْنا عن رسولِ اللّهِ وَ لخر. فقال: انتونى بصحيفة ودواة. فأتَوه بهما، فقال: "اكتبْ: سمعتُ رسول اللّهِوَّ" فذكر حديثًا. وجاء نحوُ ذلك عن ((ابن عباس، وأبى أمامة، وعتبانَ)) وقد سبق فى الأصل ذكرُ ((أنّس))، وعنه رواياتٌ: إحداها: أسندها ((الرامهر مزى)) وغيرُهُ، أنه كان يأمر بنيه أن يُقَيِّدوا العلمَ بالكتابِ. (٢) وأخرى، أسندها ((الرامهرمزى)) وغيره عن هبيرة بن عبدالرحمن، وأسندها ((البغوى)) فى (معجمه الكبير) عن يزيد الرقاشى: "كنا إذا أكثرنا على أنس بن مالك، ألقى إلينا مخلاة - وفى رواية الرقاشى: أتانا بمخَالٍ - فألقاها إلينا، وقال: هذه أحاديثُ كتبتُها عن رسولِ اللهِ وٍَّ)،(٣) وفى رواية الرقاشى: "سمعتُها من رسول الله الخيل وكتبتُها وعرضتُها". وعن أبى هريرة نحوُ ذلك. وعن أنسٍ أيضًا: «كَتْبُ العلم فريضة". وأما عبدُالله بنُ عمرو بن العاصى)) فإنه إنما كتب بإذنِ النبىِّ وَلَّ، جاءت عنه رواياتٌ مسنّدة: منها من رواية عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو: قلت: يا رسول الله، أكتبُ ما أسمعه منك؟ قال: "نعم" قلت: فى الغضب والرضَى؟ قال: "نعم، فإنى لا أقول إلا حقًّا)،(٤) ومنها من طريق عمروبن شعيب عن أبيه عن جدِّه: "قلنا: يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياءَ لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: بلی فاكتبوها". ومنها عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جدِّه عن النبى وَله: "قَيِّدوا العلَمَ بالكتاب"(٥) = (١) المحدث الفاصل (٣٥٥/٣٧٠) أسنده الرامهرمزى إلى عبدالله بن محمد بن عقيل بن أبى طالب، قال: كنت أنطلق أنا ومحمد بن على أبوجعفر - هو الباقر - إلى جابر .. )) فذكره. (٢) المحدث الفاصل (٣٦٨ ف ٣٢٦) والخطيب فى تقييد العلم من عدة طرق عن أنس رضى الله عنه (٩٦-٩٧) وجامع بيان العلم (٧٣/١) (٣) المحدث الفاصل ٣٦٨ وفى تقييد العلم: أتانا بمجال، وفى رواية عن هبيرة بن عبدالرحمن: جاء بصكاك (٩٥ -٩٩). (٤-٥) المحدث الفاصل ٣٦٥، ٣٦٤ف ٣١٨، ٣١٥ وجامع ابن عبدالبر ٧١/١، ٧٣، وتقييد العل: ٦٨، ٧٤-٧٥ من عدة طرق. ٥٠٠ ٣٦٤ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح = ومنها ما رواه عبدُالله بن المؤمل عن ابن جُريج، عن عطاء، عن عبدالله بن عمرو: "قلت: يا رسول الله، أقيد العلم؟ قال: نعم. قلت: وما تقييدُه؟ قال: الكتاب»(١) ورواه ((ابن فارس)) فى كتاب (مآخذ العلم) ثم قال: "لم يَرْوه عن ابن جُريح إلا عبدُ الله بنُ المؤمل».(٢) ومنها ما أسند ((الرامَهرمزى)) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: "قلت: يا رسول الله: إنى أسمع منك الشىءَ، أفأكتبه؟ قال: نعم فاكتبْه. قلتُ: إنك تغضب وترضَى. قال: إنى لا أقول فى الرِّضى والغضب إلا حقًّا))(٣) ورواه بلفظٍ آخر: "إنا نسمع منك أشياءَ أفنكتبها؟ قال: نعم. قلت: فى حالِ الرضَى والسخط، قال: فى حال الرضى والسخط».(٤) ورواه بلفظ آخرَ قال: "قالت لى قريش: إن رسول اللّه وله يتكلم فى الرضى والغضب فلا تكتب. فسألتُ رسولَ اللهِ وَ له، فقال: اكتبْ، فوالذى نفسى بيدِه ما يخرجُ منى إلا حق" (٥) وحديثُ ((عبدِالله بن عمرو بن العاصی)) صحیح، ولذلك خرجَّهِ ((الحاكم)) فى (مستدركهِ)(٦) وله شواهد. وقد جاء عن ((عبدالله بن عمرو)) أنه قال: "ما آسَى على شىءٍ إلا على الصادقة، والصادقةُ صحيفةُ استأذنتُ فيها النبىَّى ﴿ أن أكتبَ فيها ما أسمع منه، فأذِنَ لى". رواه ((الرامهرمزى)) من طريق ليث بن أبى سليم عن مجاهد؛(٣) ومن طريق ليثٍ، عن مجاهدٍ، عنه. وقال: "ما يُرغُبُنى فى الحياة إلا خَصلتانِ: الوَهْطُ، والصادقةُ: صحيفةٌ كنتُ استأذنت رسولَ الله وَّل أن أكتبها عنه فكتبتها. وهى الصادقُة، وأسند عن مجاهدٍ قال: "رأيتُ عند عبدِالله بن عمرو صحيفةً فذهبتُ أتناولها، فقال: مَهْ يا غلامَ بنى مخزومٍ: قلت: ما كنتَ تمنعنى شيئًا. قال: هذه الصادقةُ، فيها ما سمعتهُ من رسولِ اللهِ وَ لَه ليس بينى وبينه فيها أحَدٌ)، (٧ ج ٦ (١) والطبرانى فى الكبير والأوسط، من رواية عبدالله بن المؤمل عن ابن جريج (مجمع الزوائد ١٥٢/١). (٢-٣) المحدث الفاصل: ٣٦٥، ٣٦٦ ف ٣١٩، ٣٢٠ وجامع بيان العلم (٧٠/١). (٤) المحدث الفاصل ٣٦٦ ف ٣٢٢ ومستدرك الحاكم ١٠٦/١ والجامع ٧١/١. (٥-٦) المحدث الفاصل: ٣٦٦ ف ٣٢٣، وتقييد العلم: ٨٤ والجامع لابن عبدالبر: ٧٢/١ والوهْط، مال كان لعمروبن العاص بالطائف، كان ابنه عبد الله يقوم به (النهاية لابن الأثير: الواو مع الهاء) وفى الجامع: أرض تصدق بها (٧٢/١). (٧) المحدث الفاصل: ٣٢٤/٣٦٧، وبلفظ مقارب فى تقييد العلم: ٢٥ أسنده الخطيب عن مجاهد. ز ١ ٣٦٥ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتاب وتقييده ومن صحيح حديثٍ رسول اللَّهِ وَ﴿ِ الدالِّ على جوازِ ذلك: حديثُ ((أبى شاه اليمنى)) فى التماسه من رسولِ الله وَلّل أن يكتبَ له شيئًا سمعه من خطبتهِ عامَ فتح مكة، وقولُه مَالثقيل: "اكتبوا لأبى شاه،،* = وكان ((عبدُ الله بن عمرو)) بسبب الكتابةِ كثيرَ الحديث، ولذلك قال ((أبو هريرة)»: ((ما أحَدٌ من أصحابِ محمد وَلِ﴿َ أكثرَ حديثًا منى عن رسولِ اللهِ وَله إلا عبدالله بن - عمرو، فإنه كان يكتب وأنا لا أكتبُ (١))) وعنه: كنت أعى بقلبى، وكان يعى هو بقلبِهِ ويكتبُ بيدهٍ(٢). وما رواه ((عبدُ اللّه بنُ عمرو)) عن النبىِ نَّه من قولِه: «قيدِّوا العلمَ بالكتاب)) رواه ((أنس بن مالك)). وقد أسنده ((الرامهرمزى)) فى كتابه (الفاصل) فقال: ((حدثنا محمد [بن الجنيد] بن بهرام الأرجانى، ثنا لُوَيْنٌ، ثنا عبد الحميد بن سليمان عن عبد الله بن المثنى، عن عمه ثمامةً عن أنسٍ، قال: قال النبىُّ بَالَ: "قيدوا العلم بالكتابِ" قال ((لُوَيْنٌ)): لم يروِهِ غيرُ هذا الشيخ))(٣). وما جاء فى السُّنةِ جاء فى القرآنِ أيضًا، قال ((ابنُ فارس)): أعلى ما يُحتَج به فى ذلك قوله تعالى: ﴿نّ، والقَلَمِ ومَا يَسْطُرُونَ﴾ قال الحسنُ البصرى: ن، الدواة، والقلُمُ: القلم(٤). وقد ندب اللَّهُ إلى الكتابةِ فى قوله [تعالى]: ﴿فاكتُبُوهُ﴾ وفى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأُمُوا أَن تَكتُبُوهُ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾(٥) انتهت)) ٦٠/و، ظ. المحاسن : * ((فائدة: الأحاديثُ السابقة أصْرَحُ فى تعميم الإِذْنِ من حديثٍ ((أبى شاه)) لجوازٍ أن يُدَّعى فيه أنه واقعةُ عَيْنِ، ولكنه أصح وهو فى (الصحيحين)(٦). وفى الباب أحاديث= (١) أخرجه البخارى فى كتاب العلم من صحيحه، بلفظ: ما من أصحاب النبى ول﴿ أحد أكثر حديثاً .. والمحدث الفاصل: ٣٢٨/٣٦٨ بلفظه هنا، وجامع. بيان العلم ٧٠/١ بلفظ مقارب. (٢) المحدث الفاصل: ٣٦٩ ف٣٢٩. والمقابلة عليه. (٣) الجامع ١٧٣/١، والخطيب عن لوين، به، موقوفا. (٤) الطبرى عن الحسن البصرى، فى تفسير سورة القلم. وانظر (فتح البارى ٤٦٦/٨). (٥) من آية الدَّين فى سورة البقرة الآية ٢٨٢. (٦) البخارى: فى كتاب العلم (فتح البارى ٢٩/١ وكتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة مكة (٤٥/٢) ومسلم: فى كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد، على الدوام ح ٤٤٧، ٤٤٨. ٣٦٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح = غير ما سبق: منها، ما أسنده ((الرامهرمزى)» وغيرُهُ عن رافع بن خَدِيج قال: مرَّ علينا رسولُ اللّهِ وَله يومًا ونحن نتحدث فقال: ما تحدثون؟ فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله. قال: "تحدثوا وليتبوأ مقعده من كذَب علىَّ، من جهنم". ومضى لحاجته؛ وسكت القومُ فقال: ما شأنهم لا يتحدثون؟ قالوا: الذى سمعناه منك يا رسول الله. قال: إنى لم أرِدْ ذلك، إنما أردتُ من تعمد ذلك" فتحدثْنا؛ قال: قلتُ: يارسولَ اللّهِ إنا نسمع منك أشياءَ أفنكتبُها؟ قال: "اكتبوا ذاك ولا حرج)" (١) ومنها عن ((عائشة)) رضى الله عنها قالت: "دعا رسولُ اللهِوَلّهِ عَلِيًّا بأديم ودواةٍ، فأملى عليه وكتب حتى ملأ الأديم وأدارٍ عَد»(٢). وفى كلام بعضٍ من صنف من المتأخرين من المحدِّثين فى اعتراضاتٍ على ((ابن الصلاح» ذكرُ أمورٍ فى ذلك، فى أثنائها. وفى (أدب الدنيا والدين، للماوردى): رُوِى أن رجلا شكا إلى سيدنا رسولِ الله وَ لّ النسيانَ فقال: "استعمل يَدَك - أى اكتب - حتى ترجعَ إذا نسيتَ إلى ما كتبتَ»(٣). والعجبُ من محدِّث يترك نقلَ الحديثِ من كتبه ويعدِلُ إلى نقلِه من غير كتبه، والحديثُ أخرجه ((الترمذِىُّ)) فى بابِ الرُّخصةِ فى كتابة العلم فقال: ((ثنا قتيبةُ، ثناَ الليثُ عن الخليل بن مُرَّةً عن يحيى بن أبى صالح عن أبى هريرة قال: كان رجلٌ من الأنصار يجلس إلى رسول اللّه ◌َلل فيسمع من النبى وَل فقال: يا رسولَ اللّه، إنى لأسمع منك الحديثَ فيعجبنى ولا أحفظه. فقال رسول اللّه وَل: " استعنْ بيمينِكَّ- وأومأ بيده إلى الخطِّ)) قال ((الترمذى)): ((وفى الباب عن عبد الله بن عمرو، وهذا حديثٌ ليس إسنادُه بذاك القائم: سمعتُ محمد بن إسماعيلَ يقول: الخليلُ بن مرة مُنكَرُ الحديث)) (٤)= (١) فى (المحدث الفاصل (٣٦٩ ف/٣٣) وتقييد العلم: ٧٣ وجامع ابن عبد البر، باب الرخصة فى كتابة العلم (٧٠/١). (٢) المحدث الفاصل ٣٦٤، وعن عبد الله بن عمرو: ف ٣١٧ وتقييد العلم: ٧١. (٣) أدب الدنيا والدين: ٦٦ (الباب الثانى: فصل فى التعلم). (٤) الترمذى: ١٣٤/١٠ (عارضة) أبواب العلم، من الجامع فى (ما جاء فى الرخصة) والخطيب من رواية النعمان بن عبد السلام عن الخليل بن مرة، به (التقييد ٩٦) وقال الشوكانى فى (مختصر المقاصد: ٨٠ ح ٩٢): ضعيف. وانظر كشف الخفا: ١١٨/١. 7 ٣٦٧ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتاب وتقييده ولعلَّهِ وَِّ أذِنَ فى الكتابةِ عنه لمن خشى عليه النسيانَ، ونهى عن الكتابةِ عنه مَنْ وَثِقَ بحفظِهِ، مخافةَ الاتكالِ على الكتابِ؛ أو نهى عن كتابةِ ذلك عنه حين خاف عليهم اختلاطَ ذلك بصحُفِ القرآنِ العظيم، وأذِنَ فى كتابتهِ حين أمِنَ من ذلك. وأخبرنا ((أبو الفتح بنُ عبد المنعم الفراوى)) قراءةً عليه بِـ ((نيسابورَ)) جبرها اللّهُ، قال: أنا أبو المعالى الفارسى، قال: أنا الحافظُ أبو بكر البيهقى قال: أنا أبو الحسين بن بشران قال: أنا أبو عمرو بن السماك قال: نا(١) حنبلُ بنُ إسحاق قال: نا سليمانُ(٢) بن أحمد قال: نا الوليدُ - هو ابنُ مسلم - قال: ((كان الأوزاعى يقول: كان هذا العِلْمُ كريمًا يتلاقاه الرجالُ بينهم، فلما دخَل فى الكُتُبِ دَخَل فيهم غيرُ أهله))(٣) *. ثم إنه [٥١/ظ] زال ذلك الخلافُ وأجمع المسلمونَ على تسويغ ذلك وإباحتِه، ولولا تدوينُه فى الكُتبِ لدَرَسَ فى الأعصُرِ الآخرةِ؛ واللهُ أعلم. (١) ليست فى (ص). (٢) على هامش (غ): [سليمان بن أحمد هذا: نراه أبا محمد الدمشقى نزيل واسط، والله أعلم]. انظره فى (الجرح والتعديل: ١٠١/٤ ترجمة ٤٥٥) (٣) فى رواية جعفر بن محمد الفريابى عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعى يقول: كان هذا العلم شريفا إذا كان فى أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار فى الكتب ذهب نوره وصار إلى غير أهله)». ابن عبد البر فى الجامع (٦٨/١) والخطيب فى تقييد العلم (٦٤). = ثم أسند ((الترمذى)) حديث أبى هريرة الذى فيه "اكتبوا لأبى شاه»(١). وقولُ الترمذى: وفى البابِ عن ابن عمرو؛ قد تقدم حديثهُ، ويزاد على الترمذى حديث ء أنس ورافع بن خديج وعائشة، وعلىٍّ أيضًا، فقد جاء عنه مُسنَداً مرفوعاً: "إذا کتبتم الحدیثَ فاكتبوه بسنده" - انتهت)) ٦٢/و، ظ * المحاسن: ((فائدة وزيادة: فى المسألة مذهبُ ثالثٌ ذكره ((الرامهرمزى))، وهو أن من السَلفِ= (١) جامع الترمذى: ١٣٥/١٠ عارضة. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ٣٦٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح = مَن كان يكتبُ، فإذا حفِظَ محاه. رواه عن ((عبدالرحمن بن سلمةَ الجُمَحى))(١). و «محمدُ بنُ سيرين»(٢) كان لا يرى بكتابةِ الحديثِ بأساً فإذا حفظه محاه. ((وعاصمُ بن ضمرة))(٣) كان يسمع الحديث ويكتبه، فإذا حفظه دعا بمقراضٍ فقرضه. و ((هشامُ بن حسانَ)) (٤) اتفق له أنه لم يكتب إلا حديثًا واحدًا ثم محاه، وكذلك («حمادُ بن سلمة»(٥). وأما من أباح ذلك من التابعين فكثير، مثل ((الحسنِ، وعطاء، وأبى قلابة، وأبى المليح))(٦) ومن مُلَحِ ما قال: يعيبون علينا أن نكتبَ العلم وندونه وقد قال اللّهُ عز وجل: ﴿عِلُمُها عِنْدَ ربى فى كِتَابٍ لا يَضْلُّ ربِّ ولا يَنْسَى﴾(٧) ورَوَى ((الرامهر مزى)) ذلك عن قتادة، وجاء عن معاويةَ بنِ قرة: ((من لم يكتب العلم لم يعد علمُه عِدًّا))(٨) وأسند ((الرامهرمزى)) إلى عبدالله بن دينار، قال: ((كَتَب عمر بنُ عبد العزيز إلى أهل المدينة: انظروا ما كان من حديثٍ رسولِ اللهِوَّر فاكتبوه، فإنى خِفْتُ دروسَ العلم وذهابَ العلماء)) (٩). وعن ((يزيد الرقاشى)): ((حججتُ مع عمر بن عبدالعزيز = (١-٢) المحدث الفاصل فى (باب من كان يكتب فإذا حفظه محاه): ٣٨٢ الفقرتان ٣٧٠، ٣٧١ والخطيب فى الباب من تقييد العلم: ٥٩- ٦٠. (٣) الرامهرمزى فى المحدث، أسنده عن عاصم (٣٨٢ ف ٣٧١) والخطيب من طريقه، فى التقييد: ٥٩. (٤-٥) المحدث الفاصل، بالإسناد عن هشام (٣٨٣ف ٣٧٣) وعن حماد بن سلمة (ف٣٧٤). (٦) المحدث الفاصل: الفقرات: ٣٣٧، ٣٣٩ ٣٣٨، ٣٤٠ على التوالى. (٧) أسنده عن أبى المليح الهذلى: ابن عبد البر فى جامعه: ٧٣/١ والخطيب فى تقييد العلم ١٠٣ وفى رواية بإسناد الرامهرمزى: ((قالوا لقتادة: نكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أن تكتب وقد أخبرك اللطيف الخبير أنه يكتب فقال: ﴿علمها عند ربى .. ﴾ - الآية ٥٢ من سورة طه. (٨) المحدث الفاصل (٣٧٢ ف ٣٤٠، ٣٤١) وتقييد العلم: ١٠٩ وجامع بيان العلم ٧٤/١. (٩) على هامش المحاسن بخط الشيخ: يمكن أن يقال العكس فيقال: لولا تدوينه لما وقع التقاعد والكسل الآن (٦٢/ظ). وانظر: المحدث الفاصل: ٣٧٣ ف ٣٤٦. وفى كتاب العلم من صحيح البخارى، باب كيف يقبض العلم، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر بن حزم: ((انظر ما كان من حديث رسول اللّه وَ لّ فاكتبه. فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء». وانظر (فتح البارى ١/ ١٤٠) وبإسناد ابن عبد البر عن ابن شهاب: أمرنا عمر بن عبد العزيز بكتابة السنن، فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا (الجامع ٧٦/١). ٣٦٩ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتاب وتقييده ثم إن على كَتَبةِ الحديثِ وطلبتِهِ، صرفَ الهمةِ إلى ضبطٍ ما يكتبونه أو يُحصِّلونه بخطّ الغير من مروياتهم، على الوجهِ الذى رَووه شكلا ونَقْطًّا يؤمَنُ معهما الالتباسُ. وكثيرًا ما يتهاون الواثقُ بذهنِهِ وتيقظِهِ، وذلك وخيمُ العاقبة، فإن الإِنسانَ مُعَرَّضٌ للنسيانِ، وأولُ ناسٍ أولُ الناس. وإعجاُمُ المكتوبِ يمنع من استعجامِهِ، وشكلُه يمنع من إشكاله. ثم لا ينبغى أن يتعنى بتقييد الواضح الذى لا يكاد يلتبس، وقد أحسن من قال: إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ (١). وقرأتُ بخطُّ صاحبٍ كتاب (سماتِ الخطُّ ورقومه: على بنِ إبراهيم البغدادى) فيه: أن أهل العلم يكرهون الإِعجامَ والإِعرابَ إلا الملتبس. وحَكَى غيرُهُ عن قوم أنه ينبغى أن يُشكَّلَ ما يُشكِّلُ وما لا يُشكِلُ، وذلك لأن المبتدئُ وغيرَ المتبحرِ فى العلم، لا يميزُ ما يُشكِلُ مما لا يُشكِل، ولا صوابَ الإِعرابِ من خطئهِ (٢)؛ والله أعلم. وهذا بيانُ أمورٍ مفيدةٍ فى ذلك: أحدها: ينبغى أن يكونَ اعتناؤه - من بين ما يلتبس - بضبطِ الملتبس من أسماءٍ الناسٍ، أكثرَ، فإنها لا تُستدرَكُ بالمعنى ولا يَستَدِلُّ عليها بما قبلُ وبعدُ(٣). الثانى: يُستَحَبُّ فى الألفاظ المشكلة، أن يُكَرِّرَ ضبطَها بأن يضبطَها فى متنِ الكتابِ ثم يكتبها قُبالَةَ ذلك فى الحاشيةِ مفردةً مضبوطةً، فإن ذلك أبلَغُ فى إبانتها وأبعَدُ من التباسِهاِ، وما ضبطَه فى أثناءِ الأسطر ربما داخلَه نَقْطُ غيره وشَكلُه، مما فوقَه وتحتَه، لاسيما عند دقّةٍ الخطِّ وضيق الأسطُر؛ وبهذا جرى رسمُ جماعةٍ من أهلِ الضبط(٤)؛ واللّهُ أعلم. (١-٢) مثله فى المحدث الفاصل (٦٠٨ ف ٦٨٨) والإلماع (١٥٠ - ١٥٢). (٣-٤) انظر فيه (النقط والشكل) من المحدث الفاصل: ٦٠٨ ف ٨٨٦، والإلماع: ١٥٠ - ١٥٧ بمزيد تفصيل. ومعها تقييد العراقى: ٢٠٥. = فحدثتُه بأحاديثَ عن أنس بن مالك فكتبها، وقال: ليس عندى مالٌ فأعطيك، ولكنْ أفرض لك فى الديوان. ففرض إلى] أربعمائة درهم.))(١) ومن أباح ذلك كثيرٌ، وهم الجُم الغَفير. والآن فهو مُجمَعٌ عليه لا يتطرق خلافٌ إليه. انتهى)) ٦٢/ظ - ٦٣/و (١) المحدث الفاصل: ٣٤٣/٣٧٢ وتابع فى الباب، الفقرات (٣٤٤-٣٦١) منه. ٣٧٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح : الثالث: يُكرهُ الخَطُّ الدقيقُ من غير عُذرِ [٥٢/و] يقتضيه. روينا عن ((حنبل بنِ إسحاق)) قال: "رآنى أحمدُ بن حنبَل وأنا أَكتبُ خطًّا دقيقًا فقال: لا تفعلْ، أحْوَجٌ ما تكونُ إِليه يخونُك"(١). وبلغنا عن بعضِ المشايخ أنه كان إذا رأى خطًّا دقيقًا قال: "هذا خَطُّ مَنْ لا يوقنُ بالخلفِ من اللّهِ تعالى". والعُذْرُ فى ذلك، هو مثلُ أن لا يجدَ فى الورقِ سَعَةً، أو يكونَ رحَّالا يحتاج إلى تدقيقٍ الخَطِّ لَيَخِفَّ عليه مَحمِلُ كتابِهِ، ونحو هذا. الرابع: يُختار له فى خطَّه التحقيقُ دون المشْقِ والتعليق. بلغنا عن ((ابن قتيبة)» قال: قال عمرُ بن الخطاب رضى اللّهُ عنه: "شرُّ الكتابة المشْقُ، وشرُّ القراءةِ الهَذرمةُ، وأجْوَدُ الخطِّ أَبينَهُ .. (٢) والله أعلم. الخامس: كما تُضَبَطُ الحروفُ المعجمةُ بالنقطِ، كذلك ينبغى أن تضبطَ المهمَلاتُ غيرُ المُعجَمةِ، بعلامة الإِهمال لتدلَّ على عدم إعجامها . وسبيلُ الناسِ فى ضبطِها مختلف: فمنهم من يَقْلِبُ النقطَ، فيجعل النقطَ الذى فوق المعجمَاتِ، تحت ما يشاكِلُها من المهملات، فينقط تحت الراء والصاد والطاء والعين، ونحوِها من المهملات. وذكر بعضُ هؤلاء أن النّقَطَّ التى تحت السين المهملة تكون مبسوطةً صفًا، والتى فوق الشين المعجمةِ تكون كالأثانى(٣). ومن الناس من يجعل علامةَ الإِهمال فوق الحروفِ المهمَلة كقُلامةِ الظفرِ مُضْجَعَةً على (١) على هامش (ص): [ويروى عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه قال لتلميذه وكان يقرمط: لا تقرمطْ فإنك إن عشت ندمت وإن مت شتمت]. القرمطة: دقة الكتابة (القاموس). (٢) المشق: سرعة الكتابة، والهذرمة: سرعة الكلام والقراءة (القاموس). (٣) على هامش (غ) طرة: [قال القاضى عياض، قال محمد بن الزيات فى صفة دفتر فيما ذكره - لنا - بعض شيوخنا : شكلا لمرتاب ولا المفكر وأرى وشوما فى كتابك لم تدع ندب الخدوش تلوح بين الأسطر] نقط وأشكال تلوح كأنها قوبل على (الإِلماع ١٥٧ - ١٥٨) ووقع فى طبعته فى الشطر الأخير: * ندب الخدش * وانظر تخريج الزميل الأستاذ السيد صقر على هامشه. İ ٣٧١ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتاب وتقييده قَفَاها. ومنهم من يجعل تحتَ الماءِ المهملة حاءً مفردةً صغيرة، وكذا تحت الدالِ والطاءِ والصادِ والسين والعين، وسائر الحروف المهملة الملتبسةِ مثل ذلك". فهذه وجوه من علامات الإِهمال شائعةً معروفة. وهناك من العلاماتِ ما هو موجود فى كثير من الكتبِ القديمة ولا يفطن له كثيرون: كعلامةِ مَنْ يجعل فوق الحرفِ المهمَلِ خَطًا صغيرًا، وكعلامةٍ من يجعل تحت الحرفِ المهمل مثلَ الهمزة. [٥٢/ظ] واللهُ أعلم. السادس: لا ينبغى أن يصطلح مع نفسِه فى كتابه بما لا يفهمه غيرُهُ فيوقِعَ غيرَه فى حيرة، كفعلٍ من يجمع فى كتابه بين روايات مختلفة، ويرمز إلى رواية كل راوٍ بحرفٍ واحد من اسمه أو حرفين وما أشبه ذلك. فإن بَيْنَ فى أول كتابه أو آخره مرادَه بتلك العلامات والرموز، فلا بأس. ومع ذلك فالأولى أن یتجنب الرمزَ، ویکتب عند كلِّ روایةٍ اسم راوبها بكمالِهِ مختصَراً، ولا يقتصر على العلامة ببعضه؛ والله أعلم. السابع: ينبغى أن يجعل بين كل حديثين دارةً تفصل بينهما وتميز. وممن بلغنا عنه ذلك من الأئمة: ((أبو الزناد، وأحمدُ بن حنبل، وإبراهيم بن إسحاق الحربى، ومحمد بن جرير الطبرى)) رضى الله عنهم. واستحب ((الخطيبُ الحافظ)) أن تكون الداراتُ غُفْلا، فإذا عارض فكلّ حديثٍ يفرغ من عرضه ينقط فى الدارة التى تليه نقطةٌ أو يخط فى وسطها المحاسن: ((فائدة: والخاء لا تدخل فى هذا، وإنما ترك ذكره لوضوحه. وقد أسند المرزبانى عن محمد بن عبيدالغسانى، قال: حدثنى أبى قال: كتبت بين يدى معاوية كتابًا فقال لى: يا عبيد، أرقش كتابك فإنى كتبت بين يدى رسول الله فقال لى: "يا معاوية، ارقش كتابك." قال: قلت: وما رَقْشُه يا أمير المؤمنين؟ قال: أعطِ كل حرف ما ينوبه من النقط (١). وهذا عام فى كل حرف كما قدمنا، ويستدل به لهذا الطريق. انتهت.)) ٦٣/ظ (١) أسنده الرامهرمزى عن عبيد بن أوس الغسانى، فى المحدث الفاصل (٦٠٨ ف ٦٨٨). ((وعبيد بن أوس الغسانى، سيد أهل الشام، كاتب معاوية بن أبى سفيان». ٠ ابن حبيب فى: المحبر: ٣٧٧ (أسماء أشراف الكتاب). ٣٧٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح خطًّا. قال: وقد كان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك، أو فى معناه؛ والله أعلم(١). الثامن: يُكرَه(٢) له فى مثل ((عبدِ الله بن فلان بن فلان)) أن يكتب ((عبد» فى آخر سطر، والباقى فى أوّلِ السطر الآخَر. وكذلك يكره فى ((عبد الرحمن بنِ فلان)) وفى سائرِ الأسماءِ المشتملة على التعبيد اللّه تعالى، أن يكتبَ ((عبد)) فى آخرِ سطرٍ، واسم اللّهِ مع سائرِ النسبِ فى أولِ السطرِ الآخر. وهكذا يُكره أن يكتَبَ: ((قال رسول)» فى آخرٍ سطرٍ، ويكتَبَ فى أولِ السطرِ الذى يليه: ((اللّه صلى اللّه تعالى عليه وآله وسلم)) وما أشبهً ذلك؛ والله أعلم. التاسع: ينبغى أن يحافظَ على كِتبةِ الصلاة والتسليم على رسولِ الله وَلَ [٥٣/و] عند ذكرِه، ولا يسأمٍ من تكريرِ ذلك عند تكررهٍ، فإن ذلك من أكبرِ الفوائد التى يتعجلُها طلبةُ الحديث وكَتَبْتُه. ومَن أغفل ذلك حُرِمَ حِظًّا عظيمًا. وقد روينا لأهلِ ذلك مناماتٍ صالحةً". وما يكتبهُ من ذلك فهو دعاء يُثبِتُه، لا كلامٌ يرويه، فلذلك لا يتقيد فيه (١) انظر فى المحدث الفاصل: (الدائرة بين الحديثين) ٦٠٦ ف ٨٨٢. وانظر معه (الاقتراح ٢٦٠، ٢٩٠) آداب طالب الحديث، وآداب كتابته. (٢) فى تقييد العراقى: ((اقتصر المصنف فى هذا على الكراهة. والذى ذكره الخطيب فى (كتاب الجامع) امتناع ذلك، فإنه روى عن أبى عبد الله ابن بطة أنه قال: هذا كله غلط قبيح فيجب على الكاتب أن يتوقاه ويتأمله ويتحفظ منه. قال الخطيب: وهذا الذى ذكره أبو عبدالله صحيح فيجب اجتنابه. انتهى. واقتصر ابن دقيق العيد فى (لاقتراح) على جعل ذلك كله من الآداب، لا من الواجبات، والله أعلم)). التقييد والإيضاح: ٢٠٨. * المحاسن : ((فائدة: فى كتاب (أنوار الآثار، المختصة فى فضل الصلاة على النبى المختار، للحافظ التُّجيبى): وكما تصلى على نبيِّك صلى الله عليه وسلم بلسانك، فكذلك تخط الصلاة عليه ببنانك مهما كتبت اسمه المبارك فى كتاب، فإن لك بذلك أعظم الثواب. فقد روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه قال: قال رسولُ الله آلآ: "من کتب عنی علًا و کتب معه صلاته علىّ، لم يزل فى أجرٍ، ما قُرِئ ذلك الكتابُ" (١) ورُوِىَ عن أبى هريرة رضى الله عنه= (١) وأسنده الخطيب كذلك عن أبى بكر رضى الله عنه (شرف أصحاب الحديث: ٣٥). ٣٧٣ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده = عن رسول الله وَخيقول "من صلى علىَّ فى كتابٍ لم تزل الملائكةُ تستغفر له ما دام اسمى فى ذلك الكتاب"(١) ولذلك قال سفيان الثورى: "لو لم يكن لصاحبِ الحديث فائدةٌ إلا الصلاة على رسولِ الله وَ﴿ فإنه يصلى عليه ما دام فى ذلك الكتاب"(٢). ثم حَكَى مناماتٍ فى ذلك عن محمد بن أبى سليمان وعن عبيد اللّه الفزارى، وعن سفيان بن عيينة، وعن عبد الله بن عبد الحكم لما رأى الشافعى فى المنام. وإنما لم نذكرها لأن ((ابن الصلاح)) قد أشار إليها. ثم إنما يُستدل بماروى عن النبى وَلّ كما تقدم؛ وقد جاء بإسنادٍ صحيح من طريق عبدالرازق عن معمر عن ابن شهاب عن أنسٍ، يرفعه: "إذا كان يومُ القيامة جاء أصحابُ الحديث. وبأيديهم المحابرُ فيرسل الله عز وجل إليهم جبريل عليه الصلاة والسلام فيسألهم: من أنتم؟ - وهو أعلم - فيقولون: أصحاب الحديث. فيقول الرب جل وعلا: ادخلوا الجنةَ فطالما كنتم تصلون على نبيى فى دار الدنيا)، (٣) وهذا يُعُمُّ صلاتهم بلسانِهم وبكتابتهم. وفى (تاريخ أصبهانَ) للحافظ أبى نعيم الأصبهانى، فى ترجمة ((جعفر بن محمد الخشاب)) أسند إلى أبى ضمرةً أنسٍ بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "قال النبى وَلإر: ما من كتاب يُكتَبُ فيه صلى الله على محمد، إلا صلى الله وملائكته على من كتب ذلك ما دام اسمى فى ذلك الكتاب" صلى اللّه عليه أفضل الصلاة والسلام. انتهت)) ٦٤/وظ (١) أورده الشوكانى فى (الفوائد المجموعة) وقال: ((فى إسناده من لا يحتج به، وقد روى من طرق ضعيفة جدا)). ٢٣٩ح ٤٢ وقال السيوطى: ((وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا فهو مما يحسن إيراده فى هذا المعنى. ولا يلتفت إلى ذكر ابن الجوزى له فى الموضوعات -اللآلئ- فإن له طرقا تخرجه عن الوضع وتقتضى أن له أصلا فى الجملة: فأخرجه الطبرانى من حديث أبى هريرة، وأبو الشيخ، والديلمى - فى مسند الفردوس- من طريق آخر، عنه. وابن عدى من حديث أبى بكر الصديق، والأصبهانى - يعنى قوام السنة أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل، شيخ حفاظ الوقت: ٥٣٨ هـ- فى ترغيبه، وأبونعيم فى تاريخ أصبهان من حديث عائشة رضى الله عنها. (تدريب الراوى: ٧٥/٢) ويأتى سند أبى نعيم، فيما يلى من (٢) أسنده الخطيب عن سفيان بن عيينة، (شرف أصحاب الحديث: ٣٦). المحاسن. (٣) نقله السيوطى من المحاسن وقال: ((وهذا الحديث رواه الخطيب عن الصورى-أبى عبدالله محمد بن على بن عبدالله، من شيوخه- عن أبى الحسين ابن جميع عن محمد بن يوسف بن يعقوب الرقى عن = ٣٧٤ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح بالرواية، ولا يقتصر فيه على ما فى الأصل. وهكذا الأمرُ فى الثناء على اللّهِ سبحانه عند ذكر اسمِه نحو: عزَّ وجل، وتبارك وتعالى، وما ضاهى ذلك". وإذا وُجِدَ شىءٌ من ذلك قد جاءت به الروايةُ، كانت العنايةُ بإثباتِهِ وضبطِه أكثرَ. وما وُجِدَ فى خَطِّ ((أبى عبدِ الله أحمدَ بنِ حنبلَ)) رضى الله عنه، من إغفالِ ذلك عند ذكر اسم النبى وَلّ، فلعل سبَّبَه أنه كان يرى التقيدَ فى ذلك بالرواية، وعَزَّ عليه اتصالُها فى ذلك فى جميع مَن فوقه من الرواة. قال ((الخطيبُ أبو بكر)): وبلغنى أنه كان يُصَلّى على النبىِ وَلِّ نُطْقًّا لا خَطٌَّ". قال: وقد خالفه غيرهُ من الأئمةِ المتقدمين فى ذلك. ورُوِىَ عن ((على ابن المدينى، وعباس بن عبدالعظيم العنبرى)) قالا: "ما تركنا الصلاةَ على رسول اللّه وَّه فى كلّ حديثٍ سمعناه، وربما عَجِلْنا فنبيض الكتابَ فى كل حديثٍ حتى نرجعَ إليه". والله أعلم. ثم ليتجنبْ فى إثباتها نقصين: أحدهما، أن يكتبها منقوصةً صورةً، رامزًا إليها بحرفين أو نحو ذلك؛ والثانى أن يكتبها منقوصةً معنى، بأن لا يكتب: وسلم؛ وإن وجد ذلك فى خط بعض المتقدمين. سمعت ((أبا القاسم منصوربن عبدالمنعم، وأم المؤيد بنت أبى القاسم)) بقراءتى عليهما، قالا: سمعنا أبا البركات عبدالله بن محمد الفراوى لفظًا قال: سمعت المحاسن : * زاد النووى فى (مختصره): وهكذا الترضى والترحم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار. انتهى)) ٦٥/و ** المحاسن: ((فائدة: لا يقال: لعل سببه أن كان يكتب عَجِلًا لأمرٍ اعتاده، فيترك ذلك للعجلة لا للتقيُّدِ بالرواية وشبهها. لأنا نقول: تركُ مثل هذا الثواب بسبب الاستعجال، لا ينبغى أن يُنْسَب للعلماء الجبال. انتهت)) ٦٥/و = الطبرانى عن الزبير عن عبدالرزاق، به، وقال: إنه موضوع، والحمل فيه على الرقى؛ قلت: له طريق غير هذه عن أنس، أوردها الديلمى فى مسند الفردوس (تدريبُ الراوى ٧٥/٢). وأبو سعد السمعانى أخرجه فى أدب الإملاء (٥٣) من طريق الدبرى عن عبد الرزاق. ٣٧٥ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده المقرئ ظريفَ بن محمد يقول: سمعت عبدَالله (١) بن محمد بن إسحاق الحافظِ [٥٣/ظ] قال: سمعت أبى يقول: سمعت حمزةَ الكنانى يقول: "كنت أكتب الحديثَ، وكنت أكتب عند ذكر النبى: صلى الله عليه، ولا أكتب: وسلم. فرأيت النبى وَ ل﴿ فى المنام فقال لى: ما لك لا تُتم الصلاةَ علىَّ؟ قال: فما كتبتُ بعد ذلك: صلى الله عليه، إلا كتبت: وسلم" قلت: ويُكرَه أيضًا الاقتصارُ على قوله: عليه السلامُ. والله أعلم (٢). العاشر: على الطالبِ مقابلةُ کتابِه بأصلِ سماعه وكتابٍ شيخه الذى يرويه عنه، وإن كان إجازةً. روينا ((عن عروة بن الزبير)» رضى الله عنهما، أنه قال لابنه هشام: كتبتَ؟ قال: نعم؛ قال: عارضتَ كتابك؟ قال: لا؛ قال: لم تكتب. (٣) وروينا عن ((الشافعى الإِمام)) وعن ((يحيى بن أبي كثير)) قالا: "من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاءَ ولم يستنج".(٤) وعن ((الأخفشِ)) قال: "إذا نُسِخ الكتابُ ولم يُعارض، (١) ذُيِّل المتن فى الأصلين، ومتن ابن الصلاح بالتقييد والإيضاح، بما نصه [وقع فى الأصل، فى شيخ المقرى ظريف: ((عبدالله)) وإنما هو ((عبيدالله)) بالتصغير؛ محمد بن إسحاق، أبوه، هو أبو عبدالله ابن منده. فقوله الحافظ، إذن مجر ور]. وفى ترجمة أبى عبد الله ابن منده، محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده (٣١٠ -٣٩٥هـ) أنه سمع بمصر من حمزة بن محمد الكنانى، روى عنه أولاده: عبدالرحمن وعبدالوهاب وعبيد الله. (تقييد ابن نقطة ل ١١ وتذكرة الحفاظ ١٠٣١/٣) ونقل الذهبى فى ترجمة حمزة بن محمد الكنانى: قال (ابن منده: سمعت حمزة الكنانى يقول ... / فذكر رؤياه بلفظ مقارب لما هنا (التذكرة: ٩٣٣/٣). (٢) [بلغ السماع بقراءتى فى المجلس الرابع عشر] على هامش (غ) بخط ابن الفاسى. (٣) الرامهرمزى فى باب المعارضة (٥٤٤ف ١/١٨) وأخرجه الخطيب فى باب المقابلة وتصحيح السماع (الكفاية: ٢٣٧) وابن عبد البر فى باب معارضة الكتاب (الجامع ٧٧/١) وعياض فى (الإِلماع ١٦٠) من طريق الرامهرمزى. (٤) أسنده ابن عبد البر عن الأوزاعى ويحيى بن أبى كثير (الجامع ٧٧/١) وأسنده عن يحيى: الخطيبُ فى الكفاية (٢٣٧) والسمعانى فى أدب الإملاء (٧٨). ونبه العراقى على أنه إنما يُروَى عن الأوزاعى ويحيى بن أبى كثير قال: وكأنه سبق قلم من الأوزاعى إلى الشافعى. وقال: ولم أر لهذا ذكرا عن الشافعى فى شىء من الكتب المصنفة فى علوم. الحديث، ولا فى شىء من مناقب (الشافعى، والله أعلم (التقييد ٢١٠). ٣٧٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ثم نُسِخ ولم يُعاَرَض، خرج أعجميًّا .* (١). ثم إن أفضل المعارضةِ أن يعارِضَ الطالبُ بنفسه كتابَه بكتابٍ الشيخ مع الشيخ فى حالٍ تحديثهِ إياه من كتابِهِ، لما يجمع ذلك من وجوهِ الاحتياطِ والإِتقان من الجانبين.(٢) وما لم يجتمعْ فيه هذه الأوصافُ، نقص من مرتبته بقدرِ ما فاته منها. وما ذكرناه أوْلَى من إطلاق (٣) ((أبى الفضل الجارودى الحافظ الهروى)) قوله: "أصدقُ المعارضةِ مع نفسِك". (١) أسنده عن الأخفش: الخطيب فى الكفاية ٢٣٧ وابن عبد البر فى الجامع ٧٨/١. (٢) انظر فى الكفاية، باب المقابلة وتصحيح السماع (٢٣٨). (٣) [بإطلاق آفى متن (غ، ص) وعلى هامشهما: [من إطلاق - نسخة - وهو اللفظ فى متن ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح: ٢١٠ وعلى هامش (غ): [قال الحافظ السلفى شعرًا: ما يكتب الإنسان فى الإملاء وأجل أنواع الحديث بأسرها = * المحاسن: ((فائدة: أقدُ من يُنقَلُ ذلك عنه ((عروةُ))، وقد أسند كلامَه وكلامَ يحيى بن أبى كثير، ((الرامهرمزىُّ)) فى كتابه (الفاصل) فى: باب المعارضة (١). وفى المسألة حديثان مرويان عن النبى وَالطيار: أحدهما: من طريق عقيل عن ابن شهاب عن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: "كنت أكتب الوحىَ عند النبى وَلّ فإذا فرغتُ قال: اقرأه. فأقرؤه، فإذا كان فيه سقَطْ أقامَه". ذكره ((المرزبانى)) فى كتابه(٢). الحديث الثانى: ذكره ((السمعانى)) فى كتاب (أدب الإملاء) من حديث عطاء بن يسار قال: "كتب رجل عند النبى وَ ل فقال له: كتبتَ؟ قال: نعم. قال: عرضت؟ قال: لا، قال: لم تكتب حتى تعرضَ فيصحَّ،"(٣) وهذا أصْرَعُ فى المقصود، إلا أنه مُرْسَل ۔ انتھی)) ٦٥/وظ (١) المحدث الفاصل: ٥٤٤ الفقرات ٧١٨ -٧٢٠. (٢) وأسنده السمعانى فى (أدب الإِملاء: ٧٧) من رواية ابن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبيه عن جده. رضى الله عنه. (٣) أدب الإملاء، أسنده السمعانى عن عطاء (٧٨) وانظر باب معارضة الكتاب فى (جامع بيان العلم) ٧٧/١. ٣٧٧ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده ويُستحب أنه ينظر معه فى نسختِه، مَنْ حضر من السامعين ممن ليس معه نسخة، لا سيما إذا أراد النقل منها. وقد رُوِى عن ((يحيى بن معين)) أنه سئل عمن لم ينظر فى الكتاب والمحدِّث يقرأ، هل يجوز أن يُحدِّثَ بذلك عنه؟ فقال: أما عندى فلا يجوز، ولكن عامةَ الشيوخ هكذا سماعُهم (١). [٥٤/ وأقلت: وهذا من مذاهبِ أهلِ التشديد فى الرواية، وسيأتى ذكرُ مذهبهم إن شاء اللّه تعالى. والصحيحُ أن ذلك لا يُشترط، وأنه يصحُّ السماحُ وإن لم ينظر أصلا فى الكتابِ حالةَ القراءة، وأنه لا يُشترط أن يُقابله بنفسه، بل يكفيه مقابلةُ نسختِه بأصلِ الراوى وإن لم يكن ذلك حالةَ القراءة، وإن كانت المقابلةُ على يدى غيره إذا كان ثقةً موثوقًا بضبطِه(٢). قلت: وجائز أن تكون مقابلتُه بفرع قد قوبل المقابلةَ المشروطةَ بأصلِ شيخِه، أصلٍ السماع، وكذلك إذا قابل بأصلِ أصلِ الشيخ المقابَلِ به أصلُ الشيخِ، لأن الغرض المطلوب أن يكون كتابُ الطالب مطابقًا لأصلِ سماعِه وكتابٍ شيخه، فسواء حصل ذلك بواسطةٍ أو بغير واسطة. ولا يجزئُ ذلك عند من قال: لا تصح مقابلتُه مع أحدٍ غير نفسِه، ولا يُقلد غيره وَلا يكون بينه وبين كتابِ الشيخ (٣) واسطةٌ، وليقابل نسختَه بالأصل بنفسه حرفًا حرفًا حتى يكون على ثقة ويقين من مطابقتها له. وهذا مذهب متروك، وهو من مذاهب أهل التشديد المرفوضة فى أعصارنا؛ والله أعلم. أما إذا لم يعارض كتابَه بالأصل فقد سئل ((الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائينى)) عن جواز روايته منه فأجاز ذلك. وأجازه ((الحافظ أبو بكر الخطيب)) أيضًا، وبَيَّنَ شرطَه فذكر أنه يُشترَط أن تكون نسختُه نُقِلَت من الأصلِ وأن يُبَيِّنَ عند الرواية أنه لم يعارض. وحكى عن شيخه ((أبى بكر البرقانى)) أنه سأل أبا بكر الإسماعيلى: هل للرجلِ أن = وهو ثانى بيتين رواهما السمعانى بإسناده عن الحافظ أبى طاهر السلفى، أنشدهما لنفسه، وقبله: واظِبْ على كَتْب الأمالى جاهدًا من ألسن الحافظ والفقهاء (أدب الإملاء: ١١) (١-٢) قاله الخطيب فى (الكفاية: ٢٣٨، ٢٣٩). (٣) فى ص: [شيخه]. وما هنا من (غ، ع). ٠ ٣٧٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح يُحدِّثَ بما كتب عن الشيخ ولم يعارض بأصله؟ فقال: نعم، ولكن لابد أن يبينَ أنه لم . يعارض. قال(١): "وهذا هو مذهبُ أبى بكر البرقانى، فإنه روى لنا أحاديثَ كثيرةً قال فيها: أخبرنا فلانٌ، ولم أعارضْ بالأصل". قلت: ولابد من شرطٍ ثالث، وهو أن يكون ناقلُ النسخةِ [٥٤/ظ] من الأصلِ غيرَ سقيم النقلِ، بل صحيحَ النقلِ قليل السقَطِ؛ والله أعلم. ثم إنه ينبغى أن يراعىّ فى كتابٍ شيخِه بالنسبة إلى مَن فوقه، مثلَ ما ذكرنا أنه يراعيه من كتابِه، ولا يكون منه كطائفة من الطلبة إذا رأوا سماعَ شيخٍ لكتابٍ قرءوه عليه من أى نسخةٍ اتفقتْ؛ والله أعلم. الحادى عشر: المختار فى كيفية تخريج الساقط فى الحواشى - ويسمى اللحَقَ، بفتح الحاء - أن يخط من موضوع سقوطِه من السطر خطًّا صاعدًا إلى فوق، ثم يعطفه بين السطرين عطفةً يسيرة إلى جهة الحاشية التى يكتب فيها اللحَق. ويبدأ فى الحاشية بكتبة اللحق مقابلا للخط المنعطف، وليكن ذلك فى حاشية ذات اليمين. وإن كانت تلى وسطَ الورقة إن اتسعت له، فليكتبه(٢) صاعدًا إلى أعلى الورقة لا نازلا به إلى أسفل. قلت: وإذا كان اللحق سطرين أو سطورًا فلا يبتدئ بسطوره من أسفل إلى أعلى، بل يبتدئ بها من أعلى إلى أسفل، بحيث يكون منتهاها إلى جهة باطن الورقة، إذا كان التخريجُ فى جهة اليمين، وإذا كان فى جهة الشمال، وقع منتهاها إلى جهة طرف الورقة. ثم يكتب عند انتهاء اللحق: صح. ومنهم من يكتب مع صح: رجع. ومنهم من يكتب فى آخرِ اللحقِ الكلمةَ المتصلةَ به داخلَ الكتابِ فى موضع التخريج ليؤذنَ باتصالِ الكلام، وهذا اختيارُ بعضِ أهلِ الصنعةِ من أهلِ المغرب، (٣) واختيارُ ((القاضى أبى محمد بن (١) الخطيب فى الكفاية: باب المقابلة وتصحيح السماع: ٢٣٩. وعلى هامش (غ) نقلا من أصل السماع: [فإن لم يبين ذلك فإن علم كثرة الخطأ لم يرو ذلك بوجه إلا بعد المقابلة أو بعد بيان آخر لكثرة الخطأ فى الكتابة. وإن كان تغلب الصحة على الكتابة فقد يقال إن الظاهر عدم التغيير والمخالفة بعد الاطلاع عليها فى الأصل، ويكون البيان مستحبًّا. وقد يقال إن الأصل عدم وقوع هذا المكتوب: على وفق الأصل، حتى يتحقق ذلك بالمقابلة]. (٢) من (ص) وفى (غ): [أو ليكتبه]. (٣) انظره فى باب التخريج والإلحاق للنقص، من (الإِلماع: ١٦٢ - ١٦٣). ٣٧٩ النوع الخامس والعشرون : فى كتابة الحديث وكيفية ضبطِ الكتابِ وتقييده خلاد)) صاحب كتاب (الفاصل بين الراوى والواعى) (١) من أهل المشرق مع طائفة. وليس ذلك بمرضى، إذ رُبَّ كلمة تجىء فى الكلام مكررةً حقيقة، فهذا التكرير يوقعُ بعضَ الناسِ فى توَهُّم مثلِ ذلك فى بعضِه. واختار ((القاضى ابنُ خلاد)) أيضًا فى كتابه أن يمدَّ عَطْفةَ خطُّ التخريجِ من موضعِه حتى يُلحِقَه بأول اللحَق بالحاشية.(٢) [٥٥/و] وهذا أيضًا غيرُ مرضى، فإنه وإن كان فيه زيادة بيان، فهو تسخيم للكتاب وتسويد له، لاسيما عند كثرة الإِلحاقات؛ والله أعلم. وإنما اخترنا كتبةَ اللحقِ صاعدًا إلى أعلى الورقة، لئلا يخرج بعده نقصٌ آخرُ فلا يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له، لو كان كتب الأولَ نازلا إلى أسفلَ(٣). وإذا كتب الأولَ صاعدًا فما يجد بعد ذلك من نقص يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له. وقلنا أيضًا: يخرجه فى جهة اليمين، لأنه لو خرجه إلى جهة الشمالِ فربما ظهر بعده فى السطرِ نفسِه نقصٌ آخرُ، فإن خرجه قُدَّامَه إلى جهة الشمال أيضًا وقع بين التخريجين إشكال، وإن خرج الثانى إلى جهة اليمين التقت عطفةُ تخريج جهة الشمال وعطفةُ تخريج جهة اليمين، أو تقابلَتا، فأشبه ذلك الضرْبَ على ما بينهما، بخلاف ما إذا خرج الأول إلى جهة اليمين فإنه حينئذ يخرج الثانى إلى جهة الشمال فلا يلتقيان ولا يلزم إشكال، اللهم إلا أن يتأخر النقصُ إلى آخرِ السطر، فلا وجهَ حينئذ إلا تخريُجه إلى جهةِ الشمال لِقُربِهِ منها ولانتفاءِ العلة المذكورة، من حيث أنا لا نخشى ظهورَ نقصٍ بعدَه. وإذا كان النقصُ فى أول السطر، تأكد تخريجُه إلى جهة اليمين، لما ذكرناه من القُربِ مع ما سبق(٤). (١-٢) ابن خلاد الرامهرمزى فى (المحدث الفاصل: ٦٠٦ ف ٨٨٤) قال فى التخريج على الحواشى: ((وأجوده أن يخرج من موضعه حتى يلحق به طرف الحرف المبتدأ به من الكلمة الساقطة فى الحاشية. ويُكتَب فى الطرف الثانى حرف واحد مما يتصل به فى الدفتر، ليدل على أن الكلام قد انتظم)». (٣) انظر (الإلماع: ١٦٣) (٤) على هامش (غ) طرة على ورقة ملصقة، بخط ابن الفاسى: [قال القاضى عياض: قال لنا القاضى الشهيد أبو على: سمعت أبا يوسف عبدالسلام بن بندار القزوينى يقول: أنشدنى الشريف أبو على محمدبن أحمد بن أبى موسى الهاشمى لأحمد بن حنبل: يضجرْ من خمسةٍ يقاسيها من طلب العلم والحديث فلا وعند نشر الحديث يفنيها دراهم للعلوم يجمعها وكثرة اللحق فى حواشيها يضجره الضرب فى دفاتره = من أثر الحبر ليس ينقيها يغسل أثوابه وبزَّتَه ٣٨٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح وأما ما يخرج فى الحواشى من شرح أو تنبيه على غلطٍ أو اختلافِ روايةٍ أو نسخة أو . نحوِ ذلك مما ليسٍ من الأصل، فقد ذهب ((القاضى الحافظُ عياض)) رحمه الله، إلى أنه لا يُخرجُ لذلك خطَّ تخريجٍ لئلا يدخل اللبسُ ويُحسَبَ من الأصل، وأنه لا يخرج إلا لما هو من نفس الأصل، لكن ربما جُعِلَ على الحرف المقصود بذلك التخريج علامةً كالضبةِ أو التصحيح، إيذانًا به (١). قلت: التخريجُ أوْلَى وأدَلَّ وفى نفس هذا المخرَج ما يمنع الإِلباسَ. ثم هذا التخريجُ [٥٥/ظ] يخالف التخريجَ لما هو من نفس الأصل فى أن خط ذلك التخريج يقع بين الكلمتين اللتين بينهما سقط الساقط، وخط هذا التخريج يقع على نفس الكلمة التى من أجلها خُرِّجَ المخرَّجُ فى الحاشية؛ والله أعلم. الثانى عشر: من شأنِ الْحُذَّاقِ المتقنين، العنايةُ بالتصحيح والتضبيب والتمريض: أما التصحيحُ فهو كتابة "صح" على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلا فيما صح روايةً ومعنى، غير أنه عرضة للشكّ أو الخلاف، فيكتب عليه: صح؛ ليُعرَفَ أنه لم يغفل عنه، وأنه قد ضُبِطَ وصَحَّ على ذلك الوجه. وأما التضبيب، ويسمى أيضا التمريض: فيُجعل على ما صح ورودُه كذلك من جهةٍ = وقال فى ذلك القاضى عياض رحمه الله: خير ما يقتنى اللبيب كتاب محكم النقل متقن التقييد خَطَّه عارف نبيل وعانا • فصحَّ التبييض بالتسويد لم يخنه إتقانُ نقط وشكل لا، ولا عابه لحاق المزيد طرر صُففت بِيضٍ الخدود فكأن التخريج فى طُرَّتِيه فيناجيك شخصه من قريب ويناديك نصه من بعيد واختبره تجده أنس المريد فاصْحَبَنْه تجده خير جليس - الأبيات الأولى، قوبلت على ما فى (الإِلماع ١٦٥) سماع عياض من شيخه القاضى الشهيد أبى على - هو الصدفى - ووقع فى مطبوعته نسب ((عبدالسلام بن بندار)): [القروى] روجع فيه: أبو يوسف القزوينى عبدالسلام بن محمد بن يوسف بن بندار، شيخ المعتزلة وصاحب التفسير الكبير (دول الإِسلام ١٦/٢، والعبر ٣٢١/٣) وفيات سنة ٤٨٨ هـ، فيهما. وقوبلت أبيات عياض، على (الإِلماع: ١٦٥) وهى، والأبيات قبلها بنصها هنا. (١) الإِلماع ١٦٤، وقال القاضى عياض: ((وقد حدثنى بعض من لقيته ممن يُعنى بهذا الشأن، أن كُتُبَ الحكمِ المستنصر خرجت إلى أهل بيت المقابلة والنسخ بقصره، برسوم منها بعض ما ذكرناه)).