النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ النوع الحادى والعشرون: معرفة الموضوع ثم إن الواضع ربما وضع كلامًا من عند نفسِه فرواه، وربما أخذ كلامًا لبعض الحكماء أو غيرهم، فوضَعه على رسول الله،وَله. وربما غلط غالطٌ فوقع فى شِبْهِ الوضعِ من غير تعمّدٍ، كما وقع لثابت بن موسى الزاهد، فى حديثٍ: "من كثُرت صلاتُه بالليل حَسُن وجهُه بالنهار،،(١). مثال: روينا عن أبى عصمةَ، وهو نوح بن أبى مريم، أنه قيل له: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس فى فضائل القرآن سورةً سورة؟ فقال: "إنى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآنِ واشتغلوا بفقهِ أبى حنيفةً ومغازى محمد بن إسحاق، فوضعتُ هذه الأحاديثَ حِسْبةً،، (٢). وهكذا حالُ الحديثِ الطويل الذى يُروىَ عن ((أَبِىِّ بن كعبٍ)) عن النبى وَّ، فى (١) ذكر ابن أبى حاتم عن أبيه، أنه سأل عبد الله بن نمير فى هذا الحديث، فقال: هذا حديث منكر. فسأل ابن أبى حاتم أباه: ما تقول أنت فيه؟ قال: هو حديث موضوع)) مقدمة الجرح والتعديل (٣٢٧/١) ونقل العراقى فيه قول الحاكم: دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبدالله القاضى، والمستملى بين يديه، وشريك يقول: حدثنا الأعمش عن أبى سفيان عن جابر عن النبى وَل؛ ولم يذكر المتن فلما نظر إلى ثابت قال: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. وإنما أراد ثابتًا لزهده وورعه. فظن ثابت أنه روى هذا الحديث مرفوعًا بهذا الإِسناد، فكان ثابت يتحدث به عن شريك. وقال أبوحاتم بن حبان فى تاريخ الضعفاء: هذا قول شريك، قاله عقيب حديث الأعمش عن أبى سفيان عن جابر ... فأدرجه ثابت فى الخبر وسرقه منه جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك.)) فجعله ابن حيان من نوع المدرج ... (تقييد العراقى ١٣٢). - وأخرجه ابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة من سننه، باب ما جاء فى قيام الليل (ح ١٣٣٣) عن إسماعيل بن محمد الطلحى، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبى سفيان، عن جابر، مرفوعًا. وعليه من حاشية السندى: معنى الحديث ثابت بموافقة القرآن وشهادة التجربة، لكن الحفاظ على أن الحديث بهذا اللفظ غير ثابت)) وأخرج البيهقى فى (الشعب) عن محمد بن عبدالرحمن بن كامل قال: قلت لمحمد بن عبدالله بن نمير: ما تقول فى ثابت بن موسى؟ قال: شيخ له فضل وإسلام ودين وصلاح وعبادة. قلت: ما تقول فى هذا الحديث؟ قال: غلط من الشيخ، وأما غير ذلك فلا يتوهم عليه. وقد تواردت أقوال الأئمة على عد هذا الحديث فى الموضوع على سبيل الغلط لا التعمد. وخالفهم القضاعى فى مسند الشهاب فمال فى الحديث إلى ثبوته)) اهـ وحديث ثابت بن موسى أدخله ابن الجوزى فى الموضوعات (١٠٩/١) واللآلى (٣٢/٢) والشوكانى فى الفوائد المجموعة فى الأحاديث الموضوعة (ص ٣٥ ح ٧٨). (٢) حكاه الحافظ ابن حجر عن الحاكم، فى ترجمة نوح بن أبى مريم، أبى عصمة المروزى، قاضى مرو (تهذيب التهذيب ٤٨٨/١٠ ت ٨٧٦) وانظر معه ترجمته فى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم (٤٨٤/٨ ت ٢٢١٠). ٢٨٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح فضلِ القرآن سورةً سورة. بحث باحثٌ عن مخرَجِه، حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعةً [٢٦ / و] وضعوه(١). وإن أتَر الوضْعِ لَبَيِّنٌ عليه. ولقد أخطأ ((الواحدىُّ المفِّسر)) ومَنْ ذكره من المفسرين(٢)، فى إيداعهِ تفاسيرهَم، والله أعلم *. (١) فى تقييد العراقى (١٣٤): أبهم المصنف ذكر هذا الباحث الذى بحث عن هذا الحديث، وهو مؤمل بن إسماعيل. فروينا عن مؤمل أنه قال: حدثنى شيخ بهذا الحديث فقلت: من حدثك به؟ فقال: حدثنى رجل بالمدائن، وهو حى. فسرت إليه فقلت: من حدثك؟ فقال: شيخ بعبادان. فصرت إليه فأخذ بيدى فأدخلنى بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثنى. فقلت: يا شيخ، من حدثك؟ فقال: لم يحدثنى أحد، ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن)». وحكاها الخطيب فى الكفاية، بسنده إلى محمود بن غيلان، أبى أحمد المروزى، عن مؤمل بن إسماعيل العدوى البصرى. قابل على (الكفاية: ٤٠١). (٢) ((لكن، من أبرز إسناده فى ذلك كالثعلبى والواحدى، فهو أبسط لعذره إذ أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه. وأما من لم يسند، فخطؤه فاحش)». العراقى فى التبصرة (٢٧١/١). : المحاسن : ((فائدة وزيادة : لا يقال: الإِقرار بأنه كذب لا يعرفنا أنه موضوع، لأنه إذا اعترف الإِنسان بالكذب على سيدنا رسول الله وسلّ- الذى ليس الكذبُ عليه كالكذب على غيره- فجائز أن يكذبَ على نفسِه، إما للتنفير عن ذلك الحديث المروى، أولنوع آخر، ليحصل لغيره الريبةُ والشك فيه؛ لأنا نقول: إذا كان الحديث لا يعرف إلا من طريق ذلك الشخص، كان إقراره بذلك مسقطًا لروايته، وقد حكم الشرع على المقر بمقتضى إقراره، وإن كان يحتمل أن يكون فى نفس الأمر خلافه. فلا نظر إلى ذلك، ويحكم على الحديث بأنه موضوع، ولا يصح إنكار وقوع الوضع. ومنهم من قرر وقوعه بأنه قد ورد فى الحديث: "أنه سيُكذَبُ علىّ، فإن كان هذا صحيحًا وقع الكذب، وإلا فقد حصل المقصود. = 1 i ٢٨٣ النوع الحادى والعشرون: معرفة الموضوع = وفيه نظر بالنسبة إلى الأحاديث الموجودة الآن، لأن الاستقبال فى: سَيُكْذَبُ، لا يعين زمنها، وقد بقيت أزمان. وكل هذا الكلام عند أئمة الحديث ضعيف ولهم طرق فى معرفة ذلك، وملكة يعرفون بها الموضوع. وشاهده: أن إنسانًا لو خدم إنسانًا سنينَ، وعرف ما يحب وما يكره، فجاء إنسان ادعى أنه يكره شيئًا يعلم ذلك أنه يحبه، فبمجرد سماعه يبادر إلى تكذيب من قال إنه يكرهه. وجعل بعضهم من ذلك ما خالف الكتابَ وصحيح السنة. وقال بعض هؤلاء الجهلة فى الحديث الصحيح المشهور الذى رواه خلق كثير من الصحابة "من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"(١): نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له. وهذا من عظيم جهلهم وعدم عقلهم وكثرة افترائهم، فإن شريعته مكملة، لا تحتاج إلى غيره. وما سبق من الذى "أكثر من جمع الموضوعات" كأنه ((ابن الجوزى))، والاعتراضُ عليه متوجه كما سبق، ومن جهة أنه ذكر أشياء فيها حسنٌ بل وصحيحٌ أيضًا. والحديث الذى رواه ثابت بن موسى، رواه ابن جميع فى (معجمه) عن غير طريق ابن موسى فقال: ثنا أحمد بن محمد بن سعيد الرقى، ثنا أبو الحسين محمد بن هشام بن الوليد، ثنا جُبَارة بن المُغَلَّس، عن كثير بن سليم عن أنس ... مرفوعا (٢). انتهى)). ٣٩/ظ (١) حديث "من كذب علىَّ" يأتى تخريجه فى النوع الثلاثين (المشهور) وانظر (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) ح ١-٤ وباب إثم من كذب على النبى ◌ّ﴾ فى كتاب العلم من صحيح البخارى، ومقدمة مسلم، ومقدمة السنن لابن ماجه. وانظر فيه (فتح البارى ١٤٣/١). (٢) أورده العراقى فى الباب، وقال ردًّا على من اعترضوا به على ابن الصلاح: وهذا الاعتراض عجيب فإن المصنف لم يقل إنه لم يُرْوَ إلا من طريق ثابت بن موسى، ومع ذلك فهذا الطريق، فى سند ابن جميع أضعف من طريق ثابت، لضعف كثير بن سليم وجبارة. (التقييد: ١٣٣) النوع الثانى والعشرون معرفة المقلوب هو نحوُ حديثٍ مشهورٍ عن («سالم)) جُعِلَ عن ((نافع)) ليصير بذلك غريبًا مرغوبًا فيه. وكذلك ما رويناه أن ((البخارى)) رضى الله عنه قدم بغداد، فاجتمع قبلَ مجلسهِ قومٌ من أصحاب الحديث، وعمدوا إلى مائة حديثٍ، فقلبوا متونَها وأسانيدها وجعلوا مَتْنَ هذا الإِسناد لإِسنادٍ آخر، وإسنادَ هذا المتنِ لمتنٍ آخرَ، ثم حضروا مِلسَه، وألقوها عليه، فلما فرغوا من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، التفت إليهم فردَّ كلَّ مَتْنِ إلى إسناده، وكلّ إسنادٍ إلى مَتْنِه، فأذعنوا له بالفضل (١). ومن أمثلتِهِ، ويصلحُ مثالا للمعلَّل: مارويناه عن إسحاق بن عيسى الطَّاعِ، قال: أخبرنا جرير بن حازم عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله وَلٍ: "إذا أقيمت الصلاةُ فلا تقوموا حتى تَرونى" قال إسحاق بن عيسى: فأتيت حمادَ بن زيد فسألتُه عن الحديث، فقال: وَهِمَ أبو النضر، إنما كنا جميعًا فى مجلس ثابت البنانى، وحجاجُ بن أبى عثمان معنا، فحدثنا حجاجُ الصّوَّافُ عن يحيى بن أبى كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رسول اللّه وَل قال: "إذا أقيمت الصلاةُ فلاتَقوموا حتى ترونى"(٢)، فظن أبو النضر (١) فى ترجمته بتاريخ بغداد، وتقييد ابن نقطة، وتذكرة الحفاظ. (٢) ((وهذا الحديث مشهور ليحيى بن أبى كثير عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه عن النبى وص له. وهكذا رواه الأئمة الخمسة من طرق عن يحيى. وهو عند (م، س) من رواية حجاج بن أبى عثمان الصواف عن يحيى. وجرير إنما سمعه من حجاج فانقلب عليه. وقد بين ذلك حماد بن زيد فيما رواه أبو داود بالمراسيل)) العراقى فى التبصرة ٢٨٧/١. - وكذلك رواه أبو داود فى (السنن: صلاة: ح ٥٣٩) من طرق عن يحيى، منها رواية حجاج الصواف. وانظر (فتح البارى ٨١/٢) ٨٤ ٢ ٢٨٥ النوع الثانى والعشرون : معرفة المقلوب أنه فيما حدثنا ثابتٌ عن أنس - أبو النضر هو جرير بن حازم - والله أعلم *. المحاسن : («زيادة: ما سبق هو القلب فى الإسناد. وقد يقع القلب فى المتن، ويمكن تمثيله بما رواه خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنّيْسة، قالت: قال رسول اللّه وَل: "إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا" وإن كانت المرأة منا ليبقى عليها شىء من سحورها فتقول لبلال: أمهل حتى أفرغ من سحورى. رواه الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما. قال ابن خزيمة: هذا خبر قد اختلف فيه - يعنى على خبيب - رواه شعبة عنه عن عمته أنيسة فقال: "ابن مكتوم أو بلال ینادی بليل)»(١)؛ وروى ابن خزيمة عن عائشة: أن رسول الله وال قال: "إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر. والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة، أن رسول الله وهل قال: "إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم" وكان رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ.(٢) فالرواية بخلاف ذلك مقلوبة، لا سيما إذا كان الشك وقع فى طريق الراوى لها - شعبة - ولكن لم يجعل ابن خزيمة وابن حبان ذلك من المقلوب، بل قال ابن خزيمة إنه لا تضاد بين الخبرين "إذ جائز أن يكون النبى وم لل جعل الليل نوايب بين بلال وبين ابن أم مكتوم، فحين تكون نوبة أحدهما ليلا، تكون نوبة الآخر عند طلوع الفجر فجاء الخبران على حسب الحالين)).(٣) وقال ابن حبان: ليس بين الخبرين تضاد لأن النبى وَلَّه = (١) صحيح ابن خزيمة: ٢١٠/١ (ح ٥٠٥). (٢) حديث ابن عمر فى الموطأ، ك الصلاة باب قدر السحور من القراءة (ح١٤): يحيى عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. وفى البخارى. ك الأذان، باب أذان الأعمى، من رواية القعنبى عن مالك عن سالم بن عبدالله بن عمر عن أبيه (انظر التمهيد ٥٥/١٠-٥٧) وفتح البارى (٦٧/٢) وهو فى مسلم، كتاب الصوم باب الدخول فى الصوم بطلوع الفجر، من رواية الزهرى عن سالم عن أبيه، ورواية نافع عن ابن عمر (ح ٣٦-٣٨/ ١٠٩٢) ورواه الشافعى عن مالك عن الزهرى عن سالم عن أبيه، وعن القعنبى عن مالك عن الزهرى عن سالم مرسلا (المسند ١٠). (٣) صحيح ابن خزيمة: ٢١٢/١ (ح ٥٠٥) وانظر ترجمة خبيب بن عبدالرحمن بن خبيب بن يساف الأنصارى فى (تهذيب التهذيب ١٣٦/٣) وترجمة عمته أنيسة بنت خبيب بن يساف، فى نساء الإصابة (رقم ١٢٦) وفيه حديثها فى الأذان، وفى نساء تهذيب التهذيب (٤٠٣/١٢). ٢٨٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح فصل: قد وفينا بما سبق الوعدُ بشرِحه من الأنواع الضعيفة والحمدُ لله، فَلْنُنَبه الآن على أمورٍ مهمة: أحدها: إذا رأيتَ حديثًا بإسنادٍ ضعيف، فلكَ [٢٦/ظ] أن تقول: هذا ضعيف؛ وتعنى أنه بذلك الإِسناد ضعيفٌ. وليس لك أن تقول: هذا ضعيف، وتعنى به ضَعْفَ مَتْنِ الحديث، بناءً على مجرد ضعفِ ذلك الإِسناد؛ فقد يكون مرويًّا بإسنادٍ آخرَ صحيح يَثبتُ بمثلِه الحديثُ؛ بل يتوقف جوازُ ذلك على حُكم إمام من أئمة الحديث، بأنه لم يُرْوَ بإسناد يثبتُ به، أو بأنه حديثٌ ضعيف، أو نحو هذا، مفسِّرًا وجهَ القدح فيه. فإن أطلق ولم يفسِّر، ففيه كلامُ يأتى إن شاء الله تعالى، فاعلم ذلك، فإنه مما يُغلَطُ فيه، والله أعلم. الثانى: يجوزُ عند أهل الحديث وغيرهم، التساهلُ فى الأسانيد، ورواية ما سِوَى الموضوعِ من أنواع الأحاديث الضعيفةِ من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سِوَى صفاتٍ اللّه تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما. وذلك كالمواعظ، والقصص، وفضائلِ الأعمال وسائرٍ فنون الترغيب والترهيبِ وسائر ما لا تعلقَ له بالأحكام والعقائد. وممن روينا عنه التنصيص على التساهل فى نحو ذلك: عبدُ الرحمن بن مهدى، وأحمد بن حنبلَ (١)، رضى الله عنهما *. (١) الخطيب، فى الكفاية (باب التشدد فى أحاديث الأحكام) بأسانيده. (والتجوز فى فضائل الأعمال) وانظر مقدمة النووى لشرح مسلم (١٢٥/١). = كان جعل أذان الليل بين بلال وبين ابن أم مكتوم نوبًا)) فجزم ابن حبان به - ولم يقل : لعل؛ كما قال شيخه - وهو بعيد. ومع ذلك فدعوى القلب لا تبعد، ولو فتحنا باب التأويلات لأندفع كثير من علل المحدثين. ويمكن أن يسمى ذلك المعكوسَ؛ ولكن لم أر من تعرض له. انتهت)) ٤٠/و ظ * المحاسن : ((زيادة: زاد ((الخطيبُ)) السفيانين، ويحيى بن محمد. انتهت)) ٤١/و. - فى الكفاية (ص١٣٤، ١٣٥) ويحيى بن محمد، هو الذهلى. أ أ : .٠ ٢٨٧ النوع الثانى والعشرون : معرفة المقلوب الثالث: إذا أردتَ روايةَ الحديثِ الضعيف بغير إسنادٍ فلا تقلْ فيه: قال رسول الله ** كذا وكذا، وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه وه ل ◌ّ قال ذلك، وإنما تقول فيه: رُوِىَ عن رسولِ اللهِ وَالل كذا وكذا، أو: بلغنا عنه كذا وكذا، أو: ورد عنه، أو: جاء عنه، أو: رَوَى بعضُهم؛ وما أشبه ذلك. وهذا الحكم فيما تشك فى صحتِه وضعفِه. وإنما تقول: قال رسول الله وَالر، فيما ظهر لك صحته بطريقه الذى أوضحناه أولا، والله أعلم (١). (١) على هامش ص (١٩ أ) بلاغ قراءة ناصر الدين ابن العديم، وعمه زين الدين والشمس الحلبى، بخط : : العراقى. ، النوع الثالث والعشرون [٥/٢٧] معرفة صفةٍ مَن تُقبلُ روايتُه، ومن تُرَدُّ روايتُه وما يتعلق بذلك من قَدحٍ وجَرح وتوثيق وتعديل أجمع جماهيرُ أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يُحتُجُّ بروايته أن يكون عَدلا ضابطًا لما يرويه. وتفصيله: أن يكون مسلمًا بالغًّا عاقلا، سالمًا من أسبابِ الفسق وخوارمِ المروءة*، متيقظًا غير مغفل، حافظًا إن حدَّث من حفظه، ضابطًا لكتابه إن حَدَّث من كتابه. وإن كان يُحدث بالمعنى اشتُرط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعانى. والله أعلم. ونوضح هذه الجملةَ بمسائلَ: إحداها: عدالةُ الراوى تارةً تثبتُ بتنصيصٍ مُعدلين(١) على عدالته، وتارةً تثبت بالاستفاضةِ؛ فمن اشتهرت عدالتُه بين أهل النقل أو نحوهم من أهلِ العلم وشاع الثناءُ (١) ضبطه فى (غ) على التثنية. قلًا، انظر المسألة الرابعة فيما يلى. * المحاسن: ((فائدة: لا يعترض على ما سبق بقول ((الخطيب)) إن المروءة لم يشترطها أحد إلا (الشافعى)». لأنا نقول: سيأتى عن ((شعبة)) أنه ترك حديثَ شخص لأنه رآه يركُض على برذون، وهذا يقتضى أن مذهب ((شعبة)) التشديدُ باعتبار المروءة. انتهت)) ٤١/و - انظر الرسالة للإِمام الشافعى، باب خبر الواحد: ١٥٩ والمحدث الفاصل، للقاضى ابن خلاد الرامهرمزى، (باب القول فيمن يستحق الأخذ عنه) ص ٤٠٣ والكفاية للخطيب البغدادى (باب وصف من يحتج بحديثه ويلزم قبول روايته) ٢٣ وتقييد العراقى (١٣٦) وتبصرته (٢٩٣/١-٢٩٤). ٢٨٨ ١٠ ٢٨٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته عليه بالثقة والأمانة، استغنىَ فيه بذلك عن بَيِّنةٍ شاهدةٍ بعدالتِه تنصيصًا. وهذا هو الصحيحُ فى مذهبٍ ((الشافعى)) وعليه الاعتماد فى فن أصول الفقه (١). وممن ذكر ذلك من أهل الحديث ((أبو بكر الخطيبُ الحافظ)) (٢)، ومثّل ذلك بِـ: ((مالكٍ، وشعبةَ، والسفيانين، والأوزاعى، والليثِ، وابنِ المبارك، ووكيع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلىِّ ابن المدينى)) ومن جرى مجراهم فى نباهة الذكر واستقامة الأمر(٣)؛ فلا يُسأل عن عدالةِ هؤلاء وأمثالهِم، وإنما يُسأل عن عدالة مَنْ خِفِىَ أمُرُه على الطالبين. وتوسَّعَ «ابنُ عبد البر الحافظ)» فى هذا فقال: كلُّ حاملِ علم معروف العنايةِ به، فهو عدل محمولٌ فى أمرِهِ أبدًا على العدالةِ حتى يتبينَ جرحُه، لقوله وَّ: "يَحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عَدَولُه،، (٤). وفيما قاله انِّساعٌ غير مرضِيٍّ، " والله أعلم. (١) المحدث الفاصل: ٤٠٤ فقرة ٤١٩. (٢) فى: (الكفاية) باب المحدث المشهور بالعدالة. وقد اقتصر ابن الصلاح هنا على أحد عشر إمامًا، من ستة عشر مثل بهم ((الخطيب)) فى (الكفاية) الخمسة الباقون هم: حماد بن زيد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدى، ويزيد بن هارون وعفان بن مسلم. (٣) "والاشتهار بالصدق والبصيرة والفهم". (الكفاية) ص ٨٧. (٤) ابن عبد البر، التمهيد: ٥٨،٢٨/١. المحاسن : ((فائدة: وجه كونه غيرَ مرضى، أن الحديث لم يصح، فإنه رُوِىَ مرفوعًا من حديث أسامة بن زيد وأبى هريرة وابن مسعود وغيرهم، وفى كلها ضعف (١). وقال ((الدارقطنى»: "لا يصح مرفوعًا - يعنى مسندًا إنما هو عن إبراهيم بن عبدالرحمن العذرى عن النبى وص 19(٢)) وقال ((ابن عبدالبر)): "روى عن أسامة بن زيد وأبى هريرة بأسانيد= (١) أخرجه الخطيب من حديثهم مرفوعًا، فى باب قوله وَ ل: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فى (شرف أصحاب الحديث) ٢٨-٢٩. (٢) وأخرجه الخطيب من حديث معان بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى، قال: قال رسول اللّه وَ ل﴿ فذكره. وأسند فيه عن مهنى بن يحيى أنه سأل الإِمام أحمد عن هذا الحديث وقال: كأنه كلام موضوع. فقال أحمد: لا، هو صحيح .. وقال: معان بن رفاعة لا بأس به (٢٩) وفى استدراك ابن نقطة على= ٢٩٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الثانية: يُعرَفُ كونُ الراوى ضابطًا، بأنُ تُعتَبر رواياتُه برواياتِ الثقاتِ المعروفين بالضبطِ والإِتقان، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعتى لرواياتهم، أو موافقةً لها فى الأغلب، والمخالفة نادرة، عرَفْنا حينئذ [٢٧/ظ] كونه ضابطًا ثبتًا؛ وإن وجدناه كثيرَ المخالفةِ لهم عرفنا اختلالَ ضبطِهِ ولم نحتج بحديثهِ، والله أعلم. الثالثة: التعديلُ مقبولٌ من غير ذكرٍ سببه، على المذهب الصحيح المشهور، لأن أسبابه كثيرةٌ يصعب ذكرها، فإن ذلك يُحوِجُّ المُعَدِّل إلى أن يقولَ: لم يفعل كذا،ٍ لم يرتكب كذا، فعل كذا وكذا؛ فيعدد جميعَ ما يفسق بفعلِه أو بتركهِ، وذلك شاقُ جدًّا . . وأما الجرحُ، فإنه لا يُقَبلُ إلا مُفَسَّرًا مبيَّنَ السبب، لأن الناسَ يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح، فيطلق أحدُهم الجرح بناءً على أمرٍ اعتقده جرحًا وليس بجرحٍ فى نفسِ الأمر، فلابد من بيان سببِهِ لُيُنظَرَ فيه: أهو جرح أم لا؟ وهذا ظاهرٌ مقررٌ فى الفقه = كلها مضطربة غير مستقيمة". (١) وحينئذ فلا يصح الاحتجاج به، ولو صح لكان محمولا على الأمر كما حمله جماعة من العلماء على ذلك. وقد جاء بسند جيد، أن ((عمر بن : الخطاب)) كتب إلى أبى موسى: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا فى حَدِّ، أو مُجرَّبًا عليه شهادةُ زورٍ، أو ظنينًا فى ولاءٍ أو نسب» (٢) وهذا يقوِّى ما قال ((ابنُ عبدالبر)) لكن كلام ابن عبدالبر، مخصوص بحمَلَة العلم كما تقدم، ولو صح الحديثُ لكان أقوى من ذلك. انتهت)) ٤١/و، ظ = الإِكمال (هامش ٤١٣/١): وإبراهيم بن عبدالرحمن العذرى من أهل دمشق، حدث عن النبى وعليه: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" الحديث. روى عنه معان بن رفاعة السلامى، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عياش. وهو مرسل، وإبراهيم ليست له صحبة)). اهـ (١) انظر أسانيد ابن عبد البر لهذا الحديث، فى (التمهيد ٥٨/١) والحديث أخرجه ابن حجر من مختلف طرقه فى ترجمة ((إبراهيم بن عبدالرحمن العذرى)) بالقسم الرابع من حرف الألف فى (الإِصابة). (٢) من رسالة القضاء لعمر رضى الله عنه. أخرجها الدارقطنى فى كتاب الأقضية والأحكام من سننه (باب كتاب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى الأشعرى) من طريقين (ح ١٥، ١٦) وأخرجها البيهقى فى السنن الكبرى، كتاب القضاء، وكتاب الشهادات. وعدد جم تقصاهم الأستاذ الزميل الدكتور أحمد سحنون فى (رسالة القضاء لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب: توثيق وتحقيق) لدرجة دكتوراه الدولة فى علوم الإِسلام، بإشرافى، مخطوطة بدار الحديث الحسنية بالرباط. لاء ء النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ومن تردروايته ٢٩١ وأصولِه *. وذكر ((الخطيبُ الحافظُ))(١) أنه مذهبُ الأئمةِ من حُفَّاظِ الحديثِ ونقاده، مثل ((البخارى، ومسلم)) وغيرهما. ولذلك احتج ((البخارى)) بجماعةٍ سبق من غيره الجرحُ لهم، كَـ: عكرمةَ مولى ابن عباس رضى الله عنهما، وكإسماعيل بن أبى أويس، وعاصم بن على، وعمر و بن مرزوق، وغيرهم. واحتج ((مسلم)) بِـ: سُوَيد بن سعيد، وجماعةٍ اشتهر · الطعنُ فيهم، وهكذا فعل ((أبو داود السجستانى))؛ وذلك دالٌّ على أنهم ذهبوا إلى أن الجرحَ لا يثبتُ إلا إذا فُسِّرَ سببُه ** ، ومذاهبُ النقاد للرجالِ غامضة مختلفة. وعقد «الخطيب))(٢) بابًا فى بعض أخبار من استفسِر فی جرچِه، فذکر ما لا يصلُح جارخًا. منها عن ((شعبة)) أنه قيل له: لم تركت حديثَ فلان؟ فقال: "رأيته يركُضُ على بِرْذَوْن فتركتُ حديثه". ومنها عن ((مسلم بن إبراهيم)» أنه سئل عن حديث الصالح (١) فى الكفاية، باب القول فى الجرح هل يحتاج إلى كشف أو لا؟ (ص ١٠٨). (٢) فى الكفاية (باب ذكر بعض أخبار من استفسر فى الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة) ص ١١٠-١١٤ ...- وابن حِبَّان فى المجروحين: ٣٠/١. * المحاسن: ((زيادة: وذهب قوم إلى أنه لا يشترط ذلك. كما مر مثله فى التعديل على المشهور. وأُغْرَبَ من قال: يكفى الإِطلاقُ فى الجرح دون التعديل. وقيل: إن كان عالمًا بالأسباب كفى الإطلاق فيهما، وإلا لم يكف فى واحد منهما. وتقرير الأدلة فى فن الأصول. انتهت)) ٤١/ ظ ** ((فائدة: قد يقال: لا يلزم ذلك، لجواز أن يكون لم يثبت عندهم الجرح وإن فسر. هذا هو الأقرب: فإن المذكورين ما من شخص منهم إلا ونسب إلى أشياء مفسَّرة من كذبٍ وغيره، يعرفها من يراجع كتب القوم؛ ولكنها لم تثبت عند من أخذ بحديثهم ووثقهم وروی عنهم. انتهت)) ٤٢/و - وانظر فى توضيح التنقيح (١٠٢/١) مجروحين أخرج لهم الشيخان. ٢٩٢ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الْمُرِّى، فقال: "ما يُصَنْعُ(١) بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حماد". والله أعلم. قال الشيخ أبقاه الله: ولقائلٍ أن يقولَ: إنما يعتمدُ الناسُ فى جرح الرُّواةِ وردِّ حديثِهم، على الكتب التى صَنَّفها أئمةُ الحديث فى الجرح، أو فى الجرح والتعديل. وقلما يتعرضون فيها لبيانِ السبب، بل يقتصرون [٢٩/ و] على مجرد قولهم: فلانٌ ضعيف، وفلانٌ ليس بشىء، ونحو ذلك؛ أو: هذا حديثٌ ضعيف، وهذا حديثٌ غيرُ ثابت، ونحو ذلك. فاشتراطُ بيانِ السببِ يُفضِى إلى تعطيلِ ذلك، وسدٍّ بابِ الجرح فى الأغلبِ الأكثر. وجوابُه: أن ذلك وإن لم نعتمده فى إثباتِ الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه فى أن " توقَّفنا عن قبول حديثٍ من قالوا فيه مثلَ ذلك، بناءً على أن ذلك أوقَع عندنا فيهم رِيبةً يوجب مثلُها التوقُّفَ(٢). ثم من انزاحت عنه الريبةُ منهم، بِبحثٍ عن حالهِ أَوْجَبَ الثقةَ بعدالتِهِ، قبلنا حديثَه ولم نتوقّفْ، كالذين احتج بهم صاحِبا (الصحيحين) وغيرهما، ممن مسَّهم مثل هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مَخْلَصٌ حسنٌ، والله أعلم(٢). (١) على هامش ص: [قال المؤلف: يُصنَع، مقيد كذا فى أصل موثوق به عليه سماع الخطيب رحمه الله] (٢٠ أ) وما هنا عن صالح، بن بشير المرى، فى المجروحين لابن حبان ٣٧١/١ والميزان: ٣٨٩/٢. (٢) انظر الكفاية (١٠٧، ١٠٨) وتقييد العراقى (١٤١) والتبصرة (٣٠٥/١). (٣) على هامش ص (٢٠/ب) بخط العراقى: بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين ابن العديم قراءة بحث علىَّ، وعمه زين الدين عبد الرحمن، وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى سماعًا. كتبه عبد الرحيم بن الحسين. * المحاسن : ((فائدة: هذا المخلص فيه نظر، من جهة أن الريبة لا توجب التوقف؛ ألا ترى أن القاضى إذا ارتاب فى الشهود فإنه يجوز أن يحكم مع قيام الريبة؟ وإنما كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن أهل الإِنصاف والديانة والنصح يؤخذ مُسَلَّما، لاسيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو أنه كذاب أو متروك. وذلك واضح لمن تأمله. و ((الإِمام الشافعى)» يقول فى مواضع: "هذا حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث". وردَّه بذلك. انتهت)) ٤٢/ و . ؟ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته ٢٩٣ الرابعة: اختلفوا فى أنه: هل يثبت الجرحُ والتعديلُ بقولٍ واحدٍ، أو لابد من اثنين؟ فمنهم من قال: لا يثبت ذلك إلا باثنين كما فى الجرح والتعديل فى الشهادات؛ ومنهم من قال، وهو الصحيح الذى اختاره ((الحافظ أبوبكر الخطيب(١)) وغيره: إنه يثبت بواحدٍ، لأن العددَ لم يُشترَط فى قبول الخبر، فلم يشترط فى جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات(٢). والله أعلم". (١) الكفاية: باب القول فى العدد المقبول تعديلهم لمن عدلوه (٩٧). (٢) طرة على ورقة ملصقة بالأصل (غ) بخط ابن الفاسى: [قال القاضى عياض: اختلف المحدثون والفقهاء والأصوليون فى باب الخبر وباب الشهادة: إذا عدل معدلون رجلا وجرحه آخرون، فالجرح أولى، وحكوا فى ذلك إجماع العلماء مع الحجة بأن المجرح زاد ما لم يعلم المعدل. وهو بين، ولا خلاف فى هذا إذا كان عدد المجرحين أكثر. فإن تساووا فكذلك، عند ((القاضى أبى بكر)) والجمهور. وذهب بعض المالكية إلى توقف الأمر عند التكافؤ، وقيل: يُقْضَى بالأعدل. فإن كان عدد المعدلين أكثر، فالجمهور على تقديم الجرح، للعلة المتقدمة. وذهبت طائفة إلى ترجيح التعديل. قال ((الباجى)): وهذا عندى يحتاج إلى تفصيل، فإذا قال المعدل: هو عدل رَضِىُّ، وقال المجرح: فاسق رأيته أمس يشرب الخمر، فلا تنافى بين الشهادتين، وقد أثبت هذا فسقًّا لم يعلمه الآخر. فأما لو قال المعدل: ما فارقنى أمس من الجامع؛ ومثل هذا، فقد تعارضت الشهادتان)) ولعل توقف مَن توقف من أصحابنا، لهذا الوجه. وقال ((اللخمى)»: إذا كان اختلافهما فى ذلك عن كلام قاله فى مجلس أو فعل فعله، قضى بالأعدل لأنه تكاذب - وهذا نحو ما أشار إليه ((الباجى))- وإن كان عن مجلسين متباينين غلب الجرح، وإليه يرجع قول الجمهور. وإن تباعدت شهادة المعدل من شهادة المجرح، قضى بآخراهما، وهذا مما لا يختلف فيه، إلا أن يعلم أنه كان حين شهد عليه بتقديم الجرح، ظاهر العدالة إذ ذاك حسب ما هو عليه الآن، فيغلب الجرح. قال القاضى: ثم نرجع إلى الأصل عند تعارض الشهادتين: فإن كان قبلُ محمولا على العدالة وجاءت بعدُ مثل هذه الشهادة مضت عدالته على ما تقدم له وعرف من حاله، إذ سقطت الشهادتان. وإن كان على غير ذلك، بقى على حكمه الأول. وهل يترجح العارض مع القول بالتوقف بالكثرة على الخلاف المتقدم؟ ... ] وانظر فى (الكفاية) باب ما يستوى فيه المحدث والشاهد من الصفات وما يفترقان فيه (٩٤ - ٩٦). : المحاسن: ((فائدة: عن ((أبى حنيفة وأبى يوسف)) فى الشهادة أيضًا، الاكتفاءُ بمعدّلٍ أو مُجَرِّح. وهو اختيار أبى الطيب. انتهت)) [٤٣/ظ] - القاضى أبو الطيب، هو الطبرى، الفقيه الشافعى الأصولى النظار، إمام وقته (٤٥٠ هـ) وانظر (الكفاية: ٩٤) وتقييد العراقى (١٤٢). ٢٩٤ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح ,' الخامسة: إذا اجتمع فى شخصٍ جرحٌ وتعديلٌ، فالجرحُ مقدَّمُ، لأن المعدِّلَ يُخبرُ عما ظهرَ من حاله، والجارح يخبر عن باطنٍ خَفِىَ على المعدِّل. فإن كان عددُ المعدلين أكثر، فقد قيل: التعديل أَوْلَى. والصحيحُ والَّذى عليه الجمهور، أن الجرح أولى، لما ذكرناه*، والله أعلم. السادسة: لا يجزئ التعديلُ على الإِبهام من غير تسمية المُعَدَّل، فإذا قال: "حدثنى الثقةُ" أو نحو ذلك، مقتصرًا عليه، لم يُكتَف به فيما ذكره ((الخطيبُ الحافظ(١)، والصير فى الفقيهُ)) وغيرهما، خلافًا لمن اكتفى بذلك. وذلك لأنه قد يكونُ ثقةً عنده، وغيرُه قد اطلع على جرحِه بما هو جارحٌ عنده، أو بالإجماع. فيُحتاج إلى أن يُسَميه حتى يُعرَف. بل إضرابُه عن تسميته مُريب، يوقع فى [٢٩/ظ] القلوب(٢) فيه ترددًا. فإن كان القائل لذلك عالماً، أجزأ ذلك فى حق مَنْ يوافقه فى مذهبه، على ما اختاره بعضُ المحققين. وذكر الخطيبُ (٣) الحافظ أن العالم إذا قال: كلُّ من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أُسَمِّه. ثم روى عن من لم يُسمِّه، فإنه يكون مُزَكِّيًا له، غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه. وهذا على ما قدمناه، والله أعلم. السابعة: إذا رَوَى العَدْلُ عن رجلٍ وسَمَّاه، لم تُجعَلْ روايتُه عنه تعديلاً منه له، عند أكثر العلماء من أهلِ الحديثِ وغيرهم. وقال بعضُ أهلِ الحديث وبعضُ أصحاب الشافعى: يُجَعَلُ ذلك تعديلاً منه لَه، لأن ذلك يتضمنُ التعديلَ. (١) أبو بكر، البغدادى، فى (الكفاية: ٩٢) وانظر تبصرة العراقى (٣١٤/١). ... (٢) فى ص: [فى القلب]. (٣) فى الكفاية: (٩٢) وانظر فى التبصرة (٣١٥/١-٣١٩) ما أبهم مالك والشافعى، رضى الله عنهما، باعتبار شيوخها، فقالا: أخبرنى، أو: حدثنى الثقة؛ من يكون؟. * المحاسن : ((زيادة: وقيل يرجح بالأحفظ. ثم تقديم الجارح مشروط عند الفقهاء بأن يطلق المعدِّل، فإن قال المعدل: "عرفت السبب الذى ذكره الجارح، لكنه تاب وحسنت حالته" فإنه يقدم المعدل. ومحل هذا فى الرواية، فى غير الكذب على النبى صل﴾، فإنه لا تقبل . روايته وإن تاب، كما سيأتى. انتهت)) ٤٢/و i ٢٩٥ النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته والصحيح هو الأولُ، لأنه يجوزُ أن يَروىَ عن غير عدلٍ، فلم يتضمن روايته عنه تعديلَهُ. وهكذا نقول إن عملَ العالمِ أو فتْياه على وفقٍ حديثٍ، ليس حُكْمًا منه بصحة ذلك الحديث. وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحًا منه فى صحتِه ولا فى راويه، والله أعلم. الثامنة: فى رواية المجهول وهى فى غرضنا ههنا أقسام: أحدُها: المجهولُ العدالةِ من حيثُ الظاهرُ والباطنُ جميعًا، وروايتُه غيرُ مقبولةٍ عند الجماهير"، على ما نبهَّنا عليه أولا. الثانى: المجهولُ الذى جُهلتْ عدالتُه الباطنةُ وهو عدلٌ فى الظاهر، وهو المستورُ. فقد قال بعضُ أئمتِنا(١): المستورُ مَن يكون عدلا فى الظاهرِ ولا تُعرَفُ عدالةُ باطِهِ. فهذا المجهولُ يحتجُّ بروايته بعضُ من رَدَّ روايةَ الأول. وهو قول بعض الشافعيين، وبه قطع منهم (٢) ((الإِمامُ سليم بنُ أيوبَ الرازى)). قال: لأنَّ أمرَ الأخبار مَبنِيٌّ على حُسنِ الظنِّ بالراوى، ولأن روايةَ الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفةُ العدالةَ فى الباطن، فاقتصر منها على معرفة ذلك فى الظاهر. وتفارق الشهادةَ، فإنها تكونُ عند الحكّام ولا يتعذّر عليهم ذلك، فاعتبر فيها العدالةُ فى الظاهرِ والباطن. قال الشيخُ أبقاه الله: [٣٠/ و] ويشبه أن يكونَ العملُ على هذا الرأى فى كثيرٍ منٍ كتبِ الحديثِ المشهورةِ، فى غير واحدٍ من الرواة الذين تقادم العهدُ بهم، وتعذرت الخبرةُ الباطنةُ بهم، والله أعلم. ....- (١) انظر تقييد العراقى (١٤٥) والتبصرة (٣٢٣/١) (٢) الأصول والمتن فى (ع). وعلى هامش ص: [جماعة منهم] ((وسليم بن أيوب الرازى، أبو الفتح)) الغريق فى بحر القلزم سنة ٤٤٧ هـ: من أئمة الشافعية وله كتاب (المختصر، فى فروع الشافعية) شرحه الشيخ نصر بن إبراهيم المقدسى - ت٤٩٠ هــ وسماه (الإِشارة) وصنف فى التفسير والحديث وغريبه والنحو والفقه. انظر مع طبقات الشافعية الكبرى، تهذيب النووى (٢٣١/١ ت ٢٢٨). * المحاسن: ((فائدة: ((أبو حنيفة)) يقبل مثل هذا. انتهت)) [٤٣/و] ٢٩٦ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح الثالث: المجهولُ العين. وقد يَقبل روايةَ المجهول العدالةِ، مَن لا يَقبل روايةً المجهولِ العين. ومَن رَوَى عنه عدلانِ وعَّناه، فقد ارتفعت عنه هذه الجهالةُ. ذكر ((أبو بكر الخطيبُ البغدادى)) فى أجوبةِ مسائلَ سُئِلُ عنها (١): أن المجهولَ عند أصحابِ الحديث هو كلَّ مَن لم يعرفْه العلماءُ، ومن لم يُعرَف حديثُه إلا من جهةِ راوٍ واحد، مثل: ((عمرو ذى مُرّ، وجبار الطائى، وسعيد بنِ ذى حُدَّان)) لم يَرِ عنهم غيرُ أبى إسحاق السبيعى، ومثل ((الهزهازِ بنِ ميزن))(٢) لا راوىَ عنه غيرُ الشعبى، ومثل ((جُرَىِّ بن كليب))، لم يرو عنه إلا قتَادَةُ(٣). قلت: قد رَوى عن ((الهزهاز)) الثورىُّ أيضًا. قال ((الخطيبُ)): "وأقلُّ ما ترتفعُ به الجهالةُ، أن يروىَ عن الرجل اثنانٍ من المشهورين بالعلم ... إلا أنه لا يثبتُ له حُكُمُ العدالةِ بروايتهما عنه" (٤) وهذا مما قدَّمنا بيانَه، والله أعلم. قال الشيخُ المملى أبقاه الله: قد خرَّج البخارى فى (صحيحه) حديثَ جماعة ليس لهم غير راوٍ واحدٍ، منهم: ((مِرداسُ الأسلمى))(٥)، لم يَرِ عنه غيرُ قيس بن أبى حازم، وكذلك خرَّج ((مسلم)) حديثَ قوم لا راوىَ لهم غيرُ واحدٍ، منهم: ((ربيعةُ بن كعب الأسلمى)) لم يَرِ عنه غيرُ أبى سلمةَ بن عبدالرحمن(٦). وذلك منهما مَصِيرٌ إلى أن الراوى قد يخرج عن (١) قال العراقى فى ما عزاه المصنف إلى أجوبة مسائل سئل عنها الخطيب: ((والخطيب ذكر ذلك بجملته مع زيادة فيه، فى كتاب الكفاية، والمصنف كثير النقل منه، فأبعد النجعة فى عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها». التقييد ١٤٧. انظر فى الكفاية (باب ذكر المجهول وما به ترتفع عنه الجهالة). . (٢) قال العراقى: الخطيب سمى والد هزهاز: ميزن، بالياء المثناة وتبعه المصنف. والذى ذكره ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل، أنه مازن، بالألف. وفى بعض النسخ بالياء، ولعل بعضهم أماله فى اللفظ (التقييد ١٤٦). مع الجرح والتعديل لابن أبى حاتم، أفراد الهاء (ت٥١٤) وهو فى الطبعة الهندية: بن ميزن. بالياء. (٣) ذكر ((الخطيب)) آخرين مع هؤلاء، فى (باب ذكر المجهول وما ترتفع به الجهالة). (٤) الكفاية: ٨٨ باب ذكر المجهول وما ترتفع به الجهالة. (٥) فى كتاب الرقاق، باب ذهاب الصالحين، (فتح البارى ١٩٧/١١) حديث ((يذهب الصالحون)). : (٦) صحيح مسلم، ك الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه (ح ٤٨٩/٢٢٦) وانظر شروط الأئمة لا بن طاهر (ل ٦٥) خط. ٢٩٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته ومن تردروايته كونه مجهولا مردودًا بروايةٍ واحدٍ عنه (١). والخلافُ فى ذلك مُتَّجِه نحوَ اتجاهِ الخلافِ المعروفِ فى الاكتفاءِ بواحد فى التعديلٍ*، على ما قدمناه، والله أعلم (٢). (١) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: [قال النووى: لا يصح الرد على الخطيب، والصواب: نقل الخطيب. ولا يصح الرد عليه بمرداس وربيعة، فإنهما صحابيان مشهوران، والصحابة كلهم عدول. فلا تضرنا الجهالة بأعيانهم لو ثبتت. ومع هذا فليسا بمجهولين على ما نقله ((الخطيب)) لأنه شرط فى المجهول: ألا يعرفه العلماء؛ وهذان معروفان عند أهل العلم، بل مشهوران. قال النووى: فحصل بما ذكرنا أن ((البخارى ومسلمًا)) لم يخالفا نقل الخطيب عن أهل الحديث. وقد حكى الشيخ [ابن الصلاح] فى النوع السابع والأربعين، عن ((ابن عبد البر)): أن كل من لم يرو عنه إلا واحد فهو مجهول عندهم، إلا أن يكون مشهورًا فى غير تحمل العلم، كاشتهار ((مالك بن دينار)) فى الزهد ((وعمرو بن معدی کرب)) فى النجدة. والله أعلم]. قابل على نص النووى فى التقريب (٣١٨/١). (٢) على هامش ص (٢١/ب): بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين ابن العديم قراءة بحث علىّ، وعمه زين الدين عبد الرحمن وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى سماعًا. كتبه عبدالرحيم بن الحسين. * المحاسن :. ((فائدة: اكتفى ((ابن حبان)) بمجرد رواية عدلين فى التعديل أيضًا، وهو بعيد. ولا يلزم من إخراج ((البخارى ومسلم)) مما ذُكرَ، مصيرُهما إلى ما ذَكر، لأن المثل المذكورة فى الصحابة، وجهالة عين الصحابى لا تضر. وهو لو قال: عن رجل من أصحاب النبي وَل﴾، كان ذلك كافيًّا. وقد قال ((الحاكم)) إن الصحابى المعروف إذا لم نجد له راويًا غير التابعى الواحد المعروف، احتججنا به وصححنا حديثه، إذ هو على شرطها جميعًا. فقد احتج ((البخارى)) بحديثٍ قيس عن مرداس: "يذهب الصالحون(١)) و ((مسلم)) بحديثٍ قيسٍ عن عدىٍّ بن عميرة: "من استعملنا ... (٢) وليس لهما راوٍ غير قيسٍ. ثم يقال على كلام ((الحاكم)) وغيره: إن قيسًا لم ينفرد بالرواية عن مرداس، فقد= (١) صحيح البخارى، ك الرقاق، باب ذهاب الصالحين (فتح البارى ١٩٧/١١). (٢) صحيح مسلم، ك الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، حديث قيس عن عدى بن عميرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول اللّه وَّه يقول: (من استعملنا منكم على عمل فكتمنا مَخِيطًا فما فوقه، كان غُلولا يأتى به يوم القيامة) ( ٣٠ (١٨٣٣). ٢٩٨ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح التاسعة: اختلفوا فى قبول رواية المبتدع الذى لا يكفُر فى بدعتِه (١)، فمنهم من ردَّ روايته مطلقًا، لأنه فاسقٌ ببدعتِهِ، وكما استوى فى الكفرِ المتأولُ وغير المتأول، يستوى فى الفِسقِ المتأولُ وغيرُ المتأول. ومنهم من قَبِلَ روايةَ المبتدع إذا لم يكن ممن يستحلُّ الكذبَ فى نصرة مذهبِه أولأهلِ [٣٠/ظ] مذهبه، سواء كان داعيةً إلى بدعتِه أو لم يكن. وعزا. بعضُهم (٢) هذا إلى ((الشافعى)) لقولِه: "أقبلُ شهادة أهلِ الأهواء إلا الخطابيةَ من الرافضة، لأنهم يرون الشهادةَ بالزورِ لموافقيهم،" *. (١) على هامش (غ): [قال شيخنا نجم الدين: لم يذكر ابن الصلاح من يكفر ببدعته، إنما ذكر "من لم يكفر ببدعته". فقال ((النووى)) هنا فى (مختصره): "من كفر ببدعته لم يحتج به بالاتفاق". واعترض عليه بنقل .. الخطيب الخلاف فيه، فقال: الحق أنه إن كان مذهبه جواز الكذب لم تقبل روايته وإلا قبلنا] ... قوبل على متن التقريب للنووى (٣٢٤/١) وكفاية الخطيب (١٢٠ - ١٣٠) (باب ما جاء فى الأخبار عن أهل البدع والأهواء والاحتجاج برواياتهم). (٢) قال العراقى: ((أراد المصنف ببعضهم، أبا بكر الخطيب فإنه عزاه للشافعى فى كتاب الكفاية)). التقييد ١٥٩. وانظره فى الكفاية (١٢٠). = روى عن مرداسٍ ((زيادُ بنُ علاقة)) أيضًا. وأما ربيعة الأسلمى فقد روى عنه: ((أبو عمران الجونى، ومحمدُ بن عمرو بن عطاء)). وسيأتى لهذه الأمثلة تتماتٌ فى النوع السابع والأربعين. وهناك نذكر عن ((ابن عبد البر)) أن الجهالة تزول بواحدٍ إذا كان مشهورًا فى حمل العلم، كاشتهار ((مالك بن دينار)) بالزهد، و((عمرو بن معدى كرب)) بالنجدة: وهذا خلافُ ما أطلقَ ((الخطيبُ)). وقد أخرج ((البخارى)) للوليد بنِ عبد الرحمن الجارودي، ولا يُعرف عنه راوٍ غير ولده المنذر. انتهت)) ٤٣/ظ * المحاسن: ((فائدة: لا يقال: الخطابية لا يُجوِّزون الكذب، ومن كذب عندهم خرج من مذهبهم، فإذا سمع بعضهم بعضًا قال شيئًا، عرف أنه ممن لا يُجُوِّز الكذب فاعتمد قوله لذلك وشهد بشهادته، فلا يكون شهِد بالزور، إنما شهِدَ بما يعرف أنه حق؛ لأنا نقول: ما بنى عليه شهادتَه أصلٌ باطل، فوجب ردُّ شهادته لاعتماده أصلا باطلا، وإن زعم هو أنه حق. انتهت)) ٤٤/و - 9 . مقدمة : بن احمدا؟ 1 ٢٩٩ النوع الثالث والعشرون: صفة من تقبل روايته ومن تُردروايته وقال قوم: تُقَبلُ روايتُه إذا لم يكن داعيةً، ولا تُقبل إذا كان داعيةً إلى بدعته. وهذا مذهبُ الكثير أو الأكثرِ من العلماء. وحكى بعضُ أصحاب ((الشافعى)) رضى الله عنه، خلافًا بين أصحابِه فى قبولٍ روايةٍ المبتدعِ إذا لم يدعُ إلى بدعتِهِ، وقال: "أما إذا كان داعيةً فلا خلافَ بينهم فى عدم قبول روایته،، *. وقال ((أبوحاتم بن حِبَّانَ البستى(١))، أحدُ المصنفين من أئمة الحديث: "الداعيةُ إلى البَدَع لا يجوز الاحتجاجُ به عند أئمتنا قاطيةً، لا أعلم بينهم فيه خلافًا". وهذا المذهبُ الثالثُ أعْدَلهُا وأوْلاها، والأولُ بعيدٌ مباعِدٌ للشائع عن أئمةِ الحديثِ، فإن (١) قاله ابن حبان فى تاريخ الثقات، فى ترجمة ((جعفر بن سليمان الضبعى)) تقييد العراقى ١٦٠ وفيه النص. وعقب العراقى: وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر، فإنه يروى عن الإِمام مالك رد روايتهم مطلقًا كما قاله الخطيب فى الكفاية. اهـ: (ص ١١٧) كفاية. المحاسن: ((فائدة: وحُكِى عن نص الشافعى، انتهت. وزيادة: قد خرَّج ((البخارىُّ، ومسلم)) عن جماعة قد قيل عنهم إنهم دعاة، فمن ذلك أن ((البخارى)) خرَّج لعمرانَ بنِ حَطَّنَ الخارجى، مادحِ ((عبد الرحمن بن ملجم: قاتل علىَّ بن أبى طالب)) وهذا من أكبر الدعوة إلى البدعة. وخرَّج الشيخان لعبد الحميد بن عبدالرحمن الحِمانى، وقد قال ((أبو داود السجستانى)): "كان داعية إلى الإِرجاء". فالأقرب أنه لا فرق، ولذلك أطلق ((الشافعى)) النص المشهورَ عنه وهو قوله: «أقبل شهادةَ الجميع إلا الخطابية" وقد قال فى (الأم) ما نصه: "ذهب الناسُ فى تأويل القرآن والسنة إلى أمور تباينوا فيها تباينًا شديدًا، واختلفوا اختلافًا بعيدًا، فلم يُرِ أحدٌ منهم ردًّ شهادة أحدٍ بتأويل، وإن خَطَّأه وضلله، ورآه استحلَّ ما حرم الله" ومحلّ ما تقدم، فى المبتدع الذى لا يكفر ببدعته، أما الكافرُ ببدعتِه فروايتُه ساقطة على مقتضى ذلك جزمًا .... انتهت)) ٤٣/ وظ ٣٠٠ مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح كتبَهم طافحة بالرواية عن المبتدعةِ غير الدعاة وفى (الصحيحين) كثيرٌ من أحاديثهم فى الشواهدِ والأصولِ(١)، والله أعلم. العاشرة: التائبُ من الكذبِ فى حديثِ الناسِ وغيره من أسباب الفسِق، تُقبَلُ روايته، إلا التائبَ من الكذبِ متعمدًا فى حديثٍ رسول اللهِوَّهَ، فإنه لا تُقبَلُ روايتُه أبدًا وإن حسُنتْ توبته، على ما ذُكِرَ عن غير واحدٍ من أهلِ العلم، منهم: ((أحمدُ بن حنبل، وأبو بكر الحميدى: شيخُ البخارى))(٢). وأطلق ((الإِمامُ أبو بكر الصير فى الشافعى)) فيما وَجَدْتُ له فى (شرحه لرسالة " الشافعى)، فقال: "كلّ من أسقطنا خبرَه من أهلِ النقلِ بكذبٍ وجدناه عليه، لم نَعُدْ (١) فى ورقة ملصقة بنسخة (غ) بخط ابن الفاسى: [قال ((عياض)): قد قدمنا ما حكاه ((الغسانى)) من الاتفاق على قبول روايتهم إذا لم يكونوا دعاة ولا غلاة، وظهر صدقهم. وقد ذكرنا أن ((أبا عبد الله بن البيِّع)) ذكرهم فى القسم الخامس. وإلى قبول روايتهم وشهادتهم مال ((الشافعى)). وقال ((مالك)): «لا يؤخذ الحديث عن صاحب هوى يدعو إلى هواه"؛ فانظر اشتراطه الدعاء هل هو ترخيص فى الأخذ عنه إذا لم يدع؟ أو أن البدعة سبب تهمته فى أن يدعو الناس إلى هواه؟ أى: لا تأخذوا عن ذى بدعة فإنه ممن يدعو إلى هواه؛ أو أن هواه يحمله أن يدعو إلى هواه، ونتهمه لذلك. وهذا المعروف من مذهبه. وقد تأول ((الباجى)) أن معنى يدعو: يظهرها ويحقق عليه. فأما من دعا، فلم . يختلف فى ترك حديثه. وأما ((القاضى أبو بكر الباقلانى)» فى طائفة من المحققين من الأصوليين والفقهاء والمحدثين من السلف والخلف، فأبوا قبول خبر المبتدع والفسِّاق المتأولين، ولم يعذروهم بالتأويل، وقالوا: هو فاسق بقوله، فاسق بجهله، فاسق ببدعته، فتضاعف فسقه. وعلى هذا، وقع خلاف الفقهاء فى شهادتهم فقبلها ((الشافعى)) وابن أبى ليلى، وردها ((مالك)) وغيره، وكذلك لا يشترط فيمن دعا إلى بدعته ما ذكره ((الغسانى)) من افتعاله الحديث وتحريفه الرواية، لنصرة مذهبه، فإن هذا ثبت كذبه وطرح قوله، ولو لم يكن ذا بدعة؛ ومن شهر بالبدعه اتهمناه أن يفعل هذا وإن لم يفعله لثبوت فسقه ببدعته. قال ((مالك)) رضى الله عنه: لا يؤخذ الحديث عن أربعة، ويؤخذ عن سواهم: رجل معلن بفسقه، وإن كان أروى الناس؛ ورجل يكذب فى أحاديث الناس، وإن كنت لا تتهمه فى حديث رسول اللّه زلية وصاحب بدعة يدعو إلى بدعته؛ ورجل له فضل إلا يعلم ما يحدث به] - (من الإِكمال). - وجرد السيوطى أسماء من خرج لهم الشيخان أو أحدهما، ممن رموا بالبدعة، فبلغ بهم واحدًا وثمانين (تدريب الراوى ٣٢٨/١). (٢) انظر المحدث الفاصل (٤٠٤ ف ٤١٩) وتقييد العراقى ١٥٠ والتبصرة (٣٣٣/١). -