النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
النوع الثالث عشر: معرفة الشاذّ
وأوضَحُ من ذلك فى ذلك، حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن النبى وَلْ نَهَى
عن بيع الولاء وهِبتِه (١)؛ تفرد به ((عبد الله بن دينار)). وحديثُ مالك عن الزهرى عن
أنس، "أن النبى وَل﴿ل دخل مكة وعلى رأسِه المغفرُ)) (٢) تفرد به مالك عن الزهرى". فكل
هذه مُخرجَة فى (الصحيحين) مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثِقَةً. وفى غرائب
(١) من (غ، ص، ع) وفى (ز): [وعن هبته] وحديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر متفق عليه. أخرجه
الشيخان فى كتاب العتق من الصحيحين، باب النهى عن بيع الولاء وهبته. وهو فى الباب من بيوع الترمذى
(٢٤٥/٥ مع العارضة) وفرائض ابن ماجه (ح ٢٧٤٧).
(٢) الموطأ، باب جامع الحج: عن الزهرى عن أنس رضى الله عنه (ح ٢٤٧) ومعه (التمهيد لابن عبد
البر: ١٥٧/٦) وأخرجه فى الباب، من رواية مالك عن الزهرى عن أنس: (البخارى مع فتح البارى ٤١/٤،
ومسلم: ح ١٣٥٧/٤٥٠) والترمذى، فى الباب، وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرف کبیرَ أحدٍ رواه غیر
مالك عن الزهرى (١٨٦/٧ مع العارضة).
وقول ابن الصلاح: ((تفرد به مالك عن الزهرى)) تعقبه العراقى فى التقييد والتبصرة بنحو ما يلى فى فائدة
المحاسن، وأتم ابن حجر تعقب شيخه العراقى فيه، فى (فتح الباري ٤٢/٤).
= الحديث فردًا بالنسبة إلى الصحة، والله أعلم. وانتشر حديث "إنما الأعمال" عن يحيى
بن سعيد، حتى يقال إنه بلغت روايته مئينَ كثيرة، وقد ذكر كثيرًا منهم «ابنُ منده» فی
(المستخرج) فوصل عدَّتَهم إلى نحو من ثلثمائة وأربعين نفسًا. انتهت)) ٢٥/ظ - ٢٧/و
١ - انظر تقييد العراقى: ١٠١ وتبصرته: ١٩٤/١، ٢٧٥/٢ وفتح البارى: (٦/١ - ١٤) وشرح النخبة
(٣٣ - ٣٦)، وتوضيح التنقيح: ٣٨١/١.
* المحاسن:
((فائدة: لا يقال: حديث عبد الله بن دينار لم ينفرد به، فقد رواه عن ابن عمر: نافع؛
لأنا نقول: تلك الرواية وهم، ولذلك قال الترمذى: "وقد روى يحيى بن سُلَيم هذا
الحديثَ عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. وهو وَهُمْ وَهِمَ فيه يحيى بن سُلَیم،
!فقد رواه عبد الوهاب الثقفى وعبد الله بن غير، وغير واحد، عن عبيد الله ابن عمر]=

٢٤٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
الصحيح أشباهُ لذلك غيرُ قليلة. وقد قال ((مسلم بن الحجاج)): للزهرى نحو تسعين .
حرفًا يرويه عن النبى وََّ لا يشاركه فيها أحدٌ، بأسانيدَ جِياد، والله أعلم.
= عن عبد الله بن دينار. وهذا أصح من حديث يحيى بن سليم)" (١) وهذا الذى قاله
الترمذى، يعضده قول ((مسلم)): "الناس كلها فى هذا الحديث عيال على عبد الله بن
دينار" وقد أنهيتُ رواتَه عن عبد الله بن دينار، سبعَ عشرة نفسًا فى (العرف الشذى) .
فلينظر فيه. وفى (العلل لابن أبى حاتم): سألت أبى عن حديثٍ رواه سعيد بن يحيى
الأموى عن نافع، وعبدُ الله بن دينار عن ابن عمر، قال: "نهى رسول اللّهَ وَّل عن بيع
الولاء وهبته" قال أبى: نافع أخذ عن عبد الله بن دينار هذا الحديث، ولكن هكذا قال.
وفى (المعجم الأوسط للطبرانى) فی باب الألف: «حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى، حدثنا
أبى عن أبيه عن سفيان الثورى عن عمرو بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: "نهى
النبى (َلول عن بيع الولاء وعن هبته" قال الطبرانى: لم يروه عن سفيان عن عمرو بن
دينار إلا يحيى بن حمزة، تفرد به ولده عنه، ورواه الناس عن سفيان عن عبد الله بن
دينار)».(٢)
ولا يقال: حديث المغفر لم ينفرد به مالك، فقد رواه عن الزهرى ابنُ أخيه فيما ذكر
ابن عبد البر، ورواه أيضًا أبو أويس والأوزاعى عن الزهرى عن أنس؛
لأنا نقول: تلك روايات، والتفصيل الذى يتقيد به إطلاقُ ((الخليلى والحاكم)) أن
الراوى إذا انفرد وخالف رواية من هو أحفظ وأضبط منه، رُدَّ ما تفرد به؛ وإن لم يخالف
وكان عدلا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قُبِلَ منه ما انفرد به، كما فيما سبق من الأمثلة.
وإن لم يوثق بحفظه وإتقانه لما انفرد به، نزل عن الصحيح. ثم إن لم يبعد عن درجة
الحافظ الضابط المقبولِ تفردُه، كان حديثه حسنًا، وإلا فشاذ منكر)).٢٧/ وظ
(١) الترمذى (٢٤٥/٥) وفى العلل الصغير، بآخر جامعه (٣٣٤/١٣ عارضة الأحوذي) وقد رواه ابن
ماجه من حديث يحيى بن سليم الطائفى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، فى الفرائض،
ح ٢٧٤٨) بعد حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
(٢) المعجم الأوسط للطيرانى: باب الألف، (مكروفيلم معهد المخطوطات بالقاهرة ٤٨٣ مصطلح حديث،
من كوبريللى ٤٥٤)

٢٤٣
النوع الثالث عشر: معرفة الشاذّ
فهذا الذى ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث، يبين لك أنه ليس الأمر فى ذلك
على الإطلاق الذى أتى به ((الخليلى، والحاكم)) بل الأمر فى ذلك على تفصيل نبيِّنه فنقول:
إذا انفرد الراوى بشىء، نُظِرَ فيه: فإن كانٍ ما انفرد به مخالفًا لما رواه مَنْ هو أولى
منه بالحفظ لذلك وأضبطُ، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا. وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه
غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فُيُنْظَر فى هذا الراوى المنفرد: فإن كان عدلا
حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قُبِلَ ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من
الأمثلة؛ وإن لم یکن ممن یوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذی انفرد به، کان انفراده به خارِمًا
له مُزَحِزِحًا له عن حيزٌّ الصحيح.
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتبَ متفاوتةٍ بحسب الحال فيه: فإن كان المنفرد به غیر
بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفردُه، استحسنًا حديثه ذلك، ولم نحطّه إلى قبيل
الحديث الضعيف. وإن كان بعيدًا من ذلك، رددنا ما انفرد به وكان من قبيلِ الشاذ
المنكر.
فخرج من ذلك أن الشاذ المردودَ قسمان:
أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثانى: الفرد الذى ليس فى راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرًا لما يوجبه التفرد
والشذوذُ من النكارة والضعف، والله أعلم (١).
(١) على هامش (ص) بلاغ القراءة والسماع، على العراقى.

النوع الرابع عشر
معرفة المنكَر من الحديث
[١٨/ظ] بلغنا عن ((أبى بكر أحمد بن هارون البَردِيجى الحافظ)) أنه الحديث الذى
ينفرد به الرجل ولا يُعرَف متنُه من غير روايته: لا من الوجه الذى رواه منه، ولا من
وجه آخر.
فأطلق ((البرديجى)) ذلك ولم يفصل. وإطلاقُ الحكم على التفرد بالرد أو النكارة
أو الشذوذ، موجود فى كلام كثير من أهل الحديث. والصوابُ فيه التفصيلُ الذى بيناه آنفا
فى شرح الشاذ.
وعند هذا نقول: المنكرُ ينقسم قسمين على ما ذكرناه فى الشاذ، فإنه بمعناه. مثال
الأول، وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات: روايةً مالك عن الزهرى عن على بن حسين
عن عُمَرَ بن عثمان عن أسامة بن زيد، عن رسول الله وَّر قال: "لا يرث المسلمُ
الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ" فخالف («مالك» غيرَه من الثقات فى قوله: ((عُمَرَ بن عثمان»
بضمّ العين. وذكر ((مسلم)) صاحب (الصحيح) فى كتاب التمييز، أن كل من رواه من
أصحاب الزهرى قال فيه: ((عمرو بن عثمان)) يعنى: بفتح العين. وذكر أن ((مالكًا)» كان
يشير بيده إلى دار عمر بن عثمان، كأنه علم أنهم يخالفونه(١). وعَمر و وعُمر جميعًا: ولدا
(١) الإِمام مالك فى الموطأ: ك الفرائض (ميراث أهل الملل: ح/١٠) والحديث من رواية ((ابن شهاب
الزهرى عن على بن حسين، زين العابدين، عن عمرو بن عثمان بن عفان عن أسامة، يرفعه» فى: البخارى، ك
الفرائض، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم (فتح البارى ٣٩/١٢) - وفيه تخريجه- وفى ك الحج،
باب توريث دور مكة، وكتاب المغازى.
ومسلم: ك الفرائض، ح (١٦/٤/١) وأبو داود فى الفرائض: هل يرث المسلم الكافر (ح ٢٩٠٩).
وابن ماجه: ك الفرائض، ميراث أهل الإِسلام من أهل الشرك (ح٢٧٢٩) وتأتى رواية النسائى فيما يلى.
والدارمى، فرائض، ميراث أهل الشرك وأهل الإِسلام (٢/ ٣٧٠) والإِمام أحمد فى مسند حديث أسامة بن زيد
- رضى الله عنه - (٢٠٨/٢٠٠/٢).
٢٤٤
ء

٢٤٥
النوع الرابع عشر : معرفة المنكر من الحديث
عثمان، غير أن هذا الحديث إنما هو عن ((عمرو))، بفتح العين، وحكم ((مسلم)) وغيره(١)
على ((مالك)) بالوهم فيه، والله أعلم".
ومثال الثانى، وهو الفرد الذى ليس فى راويه من الثقة والإِتقان ما يحتمل معه
تفرده: ما رويناه من حديث أبى زُكَير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة
عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها، أن رسول الله و الله قال: "كلوا البلح بالتمر،
فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديدَ بالخلق"
تفرد به ((أبو زكير)) وهو شيخ صالح أخرج عنه ((مسلم)» فى كتابه (٢)، غير أنه لم يبلغ
(١) والبخارى فى تاريخه، ترجمة عمرو بن عثمان بن عفان (٢٦١٢/٣٥٣/٦) وعلى ابن المدينى عن
يحيى بن معين، وقال يحيى: "فقلت لمالك: عمرو بن عثمان؛ فأبى أن يرجع وقال: قد كان لعثمان ابن يقال له
عمر، هذه داره)). الجرح والتعديل: المقدمة ٢٤١/١.
وانظر: (التمهيد لابن عبد البر: ١٦٠/٧ - ١٦٢، وفتح البارى ٣٩/١٢، وتهذيب التهذيب ٤٨١/٧ ترجمة
عمر بن عثمان بن عفان: ٧٩٩).
وقابل على التمهيد، تعقب العراقى فى (التقييد والإيضاح ١٠٦، والتبصرة: ٢٠٠/١).
(٢) هو فى صحيح مسلم متابعة: ك الإِيمان، باب خصال المنافق (ح ٥٩/١٠٩) ((آية المنافق ثلاث)) وانظر
تقييد العراقى: ١٠٨
* المحاسن :
((فائدة: لا يقال: قد وجدنا متابعًا على ذلك، وهو ابن جريج، ذكره البخارى فى عامة
ما رأى المعترض من أصول كتابه؛.
لأنا نقول: الموجود فى (النسخة المعتمدة بالكاملية) فى باب: لا يرث المسلم الكافر،
روايةُ ابن جريج وفيها ((عمرو)) بإثبات الواو. فلا متابعة حينئذ. انتهت)) ٢٨ / أ
- يعنى نسخة المدرسة الكاملية بالقاهرة. ولعلها نسخة الحافظ أبى على الصدفى انظر (فهرس الفهارس
للكتانى: ١١١/٢).

٢٤٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
مبلغ من يُحْتَمَلُ تفردُه، والله أعلم".
----
* المحاسن:
((فائدة: لا يعترض بأن أبا زكير لم يخرج له ((مسلم)) إلا فى المتابعات، وهذا الحديث
منكر، بل ذكره ((ابنُ الجوزى)) فى (الموضوعات)(١)؛
لأنا نقول: ذلك جاء من تفرده الذى لا يحتمل، وهو الذى تقدم. انتهت)) ٢٨/ظ
(١) باب أكل البلح بالتمر من الأطعمة: (٢٥/٣ - ٢٦).
والحديث فى الباب، من سنن ابن ماجه، من طريق بكر بن خلف عن يحيى بن محمد بن قيس المدنى - هو
أبو زكير - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها (ح ٣٣٣٠) انظر التعليق عليه، مع (تقييد
العراقى، والفوائد المجموعة للشوكانى: ح ٦٣) ص ١٨١.

النوع الخامس عشر
[١٩/وإمعرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد(١)
هذه أمورٌ يتداولونها فى نظرهم فى حال الحديث، هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل هو
معروف أو لا؟ ذكر ((أبو حاتم محمد بن حبَّانَ التميمى الحافظ)) رحمه الله تعالى(٢)، أن
طريق الاعتبار فى الأخبار مثالُه: أن يروىَ ((حمادُ بن سلمة)) حديثًا لم يتابعَ عليهِ، عن
أيوب، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة، عن النبى وَله. فينظَر: هل روى ذلك ثقةٌ غير
أيوب عن ابن سيرين؟ فإن وُجِد، عُلِمَ أن للخبر أصلا يرجع إليه؛ وإن لم يوجد ذلك،
فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبى هريرة، وإلا فصحابى غير أبى هريرة رواه عن النبى
وَلّ. فأى ذلك وُجِدَ، يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه، وإلا فلا.
قال الشيخ أبقاه الله: فمثال المتابعة: أن يَروِىَ ذلك الحديثَ بِعِينِهِ عن أيوب غیرُ
حماد(٣)، فهذه المتابعة التامة. فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب، ولكن رواه بعضهم عن
ابن سيرين، أو عن أبى هريرة، أو رواه غير أبى هريرة عن رسول اللّه وَله فذلك قد
يُطلقَ عليه اسمُ المتابعة أيضًا، ولكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بُعْدِها منها، ويجوز
أن يُسَمى ذلك بالشاهد أيضًا (٤). فإن لم يُرْوَ ذلك الحديثُ أصلا من وجه من الوجوه
(١) قال الحافظ ابن حجر فى نزهة النظر، شرح نخبة الفكر: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم
للمتابعات والشواهد، وليس كذلك، بل الاعتبار الهيئة الحاصلة فى الكشف عن المتابعة والشاهد. وعلى هذا كان .
: حق العبارة أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد. وما أحسن قول شيخنا فى منظومته:
تابع راوٍ غيره فيما حملً
الاعتبار سبرك الحديثَ هل
- يعنى شيخه العراقى فى ألفية الحديث. وانظر (توضيح التنقيح: ٢١١/٢
(٢) [تعالى] من نسخة (ز).
(٣) هو حماد بن سلمة، بن دينار الربعى أبو سلمة البصرى، وأيوب: السختيانى، وابن سيرين: محمد.
(٤) على هامش (غ، ز): [سمى ((الحاكم)) فى (المدخل إلى الصحيح) المتابعاتِ شواهدَ].
٢٤٧

٢٤٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
المذكورة، لكن رُوِىَ حديثٌ آخرُ بمعناه، فذلك الشاهدُ من غير متابعةٍ. فإن لم يُروَ أيضًا
بمعناه حديثٌ آخر، فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ. وينقسم عند ذلك إلى مردودٍ منگر
وغير مردود كما سبق. وإذا قالوا فى مثل هذا: "تفرد به أبو هريرة، وتفرد به عن أبى
هريرة ابنُ سيرين، وتفرد به عن ابن سيرين أيوبُ، وتفرد به عن أيوبَ حماد بن سلمة"
كان فى ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه.
ثم اعلم أنه قد يدخل فى باب المتابعة والاستشهاد*، روايةٌ من لا يُحْتَجُّ بحديثهِ وحدَه
بل يكون معدودًا فى الضعفاء. وفى (كتابى البخارى ومسلم) جماعة من الضعفاء ذكراهم فى
المتابعات والشواهد. [١٩/ظ] وليس كل ضعيف يصلح لذلك؛ ولهذا يقول ((الدارقطنى))
وغيره فى الضعفاء: فلان يعتبر به، وفلان لا يُعتبرَ به. وقد تقدم التنبيه على نحوٍ ذلك،
والله أعلم.
مثالٌ للمتابع والشاهد: روينا من حديث سفيان بن عُيَينةَ عن عمرو بن دينار عن
عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس، أن النبى وسلم قال: "لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا
به"(١) ورواه ابنُ جُرَيج عن عمرو (٢) عن عطاء؛ ولم يذكر فيه الدباغ. فذكر ((الحافظ "
أحمد البيهقى)) لحديث ابن عيينة متابِعًا وشاهدًا:
. (١) مسلم، ك الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ (٣٦٣/١٠٢).
(٢) من (ص، ز) والعراقية وسقط من (غ) وهو فى أسانيد الحديث من رواية ابن جريج عن عمرو بن
دينار عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس: مسلم: (ح ٣٦٣/١٠٣).
* المحاسن
((فائدة: لا يقال: عطفُ الاستشهاد على المتابعة يقتضى تغايرهما، و((الحاكم)) فى
(المدخل) سمى المتابعاتِ شواهدَ.
لأنا نقول: المغايرة صادقة، بألا يسمى الشواهد متابعات. وأما تسمية المتابعة شاهدًا
فهو موجود فى قوله: "ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضًا". انتهت)) ٢٩/ظ.

٢٤٩
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
أما المتابع، فإن أسامة بن زيد تابعه عن عطاء. وروى بإسناده عن أسامة عن عطاء
عن ابن عباس، أن رسول اللّه وَالله قال: "ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فاستمتعتم به"؟
وأما الشاهد، فحديثُ عبدِ الرحمن بن وعلةَ عن ابن عباس، قال: قال رسول الله
وَلَه : "أيما إهابٍ دُبغَ فقد طهر"(١) والله أعلم.
م
(١) على هامش (غ): [قال المؤلف رحمه الله: طهر: بالفتح والضم فى الهاء، والفتح أفصح. وإهاب بكسر
الهمزة وفتحها، والكسر أفصح] ومثله على هامش (ز).
والحديث فى السنن الكبرى للبيهقى، ك الطهارة باب طهارة جلد الميتة بالدبغ (١٧٩٦/١).
من رواية إبراهيم بن نافع الصايغ عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، ولم يذكر الدباغ.
ثم من رواية ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثى عن عطاء بن أبي رباح عن أبن عباس. أن النبى وَ له قال
لأهل شاة ماتت: (ألا نزعتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به" قال البيهقى: وهكذا رواه الليث بن سعد عن يزيد بن
أبى حبيب عن عطاءٍ. وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء.
والروايتان فى سنن الدارقطنى، من تسعة وعشرين حديثًا جمعها فى باب الدباغ من كتاب الطهارة (السنن
٤١/١-٤٩) وانظر الباب فى السنن الأربعة، و(تقييد العراقى ١٠٩ والتبصرة ٢٠٦/١).

النوع السادس عشر
معرفة زيادات الثقاتٍ وحكمها
وذلك فن لطيف تُستحسن العنايةُ به. وقد كان ((أبو بكر بن زياد النيسابورى،
وأبو نُعَيْ الجرجانى، وأبو الوليد القرشى)) (١) الأئمة، مذكورين بمعرفة زيادات الألفاظ
الفقهية فى الأحاديث".
ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، فيما حكاه ((الخطيب أبو بكر)) أن
الزيادة من الثقة، مقبولة(٢) إذا تفرد بها، سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه
(١) أبو نعيم الجرجانى، عبد الملك بن محمد بن عدى الأستراباذى (٣٢٣ هـ) الفقيه الشافعى الإِمام
الحافظ. (تاريخ جرجان ٢٧٦-٤٦٦/٢٧٨) نقل الذهبى فى ترجمته بالعبر (١٩٨/٢): "قال الحاكم: سمعت
أبا الوليد الفقيه - شيخ الشافعية بخراسان: يقول: ولم يكن فى عصرنا أحفظ للفقهيات وأقاويل الصحابة
بخراسان من أبى نعيم الجرجانى .. ".
وأبو الوليد القرشى الأموى، حسان بن محمد بن أحمد بن هارون القزوينى النيسابورى، له (المستخرج على
مسلم)، وصنف أحكامًا على المذهب. توفى سنة ٣٤٤ عن ٧٢ سنة (تهذيب النووى، كنى: ٢٤٢/٢٧٢ وتذكرة
الحفاظ ٨٩٥/٣ والعبر ٢٨١/٢).
(٢) بهامش (غ): [قال الخطيب فى (كتاب الكفاية) له: الذى أختاره أن الزيادة مقبولة إذا كان راوبها عدلا".
حافظًا متقنًّا، لاتفاق جميع أهل العلم، على أنه لو انفرد بنقل حديث لم ينقله غيره وجب قبوله] ..
قوبل على الكفاية: ٤٢٥.
المحاسن :
*
((فائدة: ليس المراد بمعرفة زيادات الألفاظ الفقهية، ما زاده الفقهاء، فذاك يذكر فى
المدرج. بل المراد الزيادات التى تظهر منها الأحكام الفقهية، كزيادة "وتربها" فى التيمم ..
و "من المسلمين" فى حديث زكاة الفطر - انتهت)) ٢٩/و
- نقل الأمير الصنعانى، فيها، قول الحافظ ابن حجر: ((مراده بذلك، الألفاظ التى تستنبط منها الأحكام
الشرعية)). (توضيح التنقيح: ١٦/٢).
--
٢٥٠

٢٥١
النوع السادس عشر : معرفة زيادات الثقات وحكمها
ناقصًا مرةً ورواه مرةً أخرى وفيه تلك الزيادة، أو كانت الزيادة(١) من غير من رواه
ناقصًا. خلافًا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقًا، وخلافًا لمن رَدَّ الزيادةَ منه وقبلها من
غيره. وقد قدمنا عنه حكايته عن أكثر أهل الحديث فيما إذا وصل الحديثَ قومٌ وأرسله
قومٌ، أن الحُكم لمن [٢٠/ و] أرسله؛ مع أن وصلَه زيادةٌ من الثقة".
وقد رأيتُ تقسيم ما ينفرد به الثقةُ إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقع مخالفًا منافيًّا لما رواه سائر الثقاتِ، فهذا حكمهُ الردُّ كما سبق فى نوع
الشاذ.
الثانى: ألا يكون فيه منافاةٌ ومخالفة أصلاً لما رواه غيرُه، كالحديث الذى تفرد برواية
جملتِهِ ثقةٌ، ولا تَعرُّضَ فيه لما رواه الغيرُ بمخالفةٍ أصلاً؛ فهذا مقبولُ. وقد ادَّى
((الخطيبُ)) فيه اتفاقَ العلماء عليه (٢). وسبق مثالهُ فى نوع الشاذ.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين؛ مثل زيادة لفظةٍ فى حديثٍ لم يذكرها سائرُ مَنْ
رَوَى ذلك الحديثُ.
(١) [أو كانت الزيادة] من (غ، ز) والعراقية. وسقطت من (ص).
(٢) فى الكفاية: ٤٢٤ - ٤٢٥.
* المحاسن:
((فائدة: قد تقدم أن ((الخطيبَ)) صحَّح أن الحكم للمسند. وقد يفرق بينهما على
طريقة أكثر المحدثين بأن الإِرسال عِلة فى السند، وليست الزيادة فى المتن كذلك. وسيأتى
ما يدل له.
ولا يُعترض بأن الذى ذكره ((الخطيب)) فى ذلك، الجزم بأن الزيادة مقبولة، تقدمت
أو تأخرت؛ وليس فى ذلك حكايةٌ عن الأكثر؛
لأنا نقول (هنا فى الأصل بياض نصَّ عليه بهامشه] وليس لقائل أن يقول: لا ريبة
فيما إذا روى أولا زائدًا، إنما الريبةُ فيما إذا روى ثانيًا بزيادة. لأنا نقول: كل منهما فيه
الريبةُ، فاستويا. انتهت)) ٢٩/ظ

٢٥٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
مثالهُ: ما رواه مالكٌ عن نافعٍ عن ابنِ عمر، "أن رسول اللّه وَّه فرض زكاةَ الفِطر
من رمضانَ على كلِّ حُر أو عبدٍ، ذكر أو أنثى من المسلمين(١)». فذكر ((أبو عيسى
الترمذى)) أن مالكًا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله: من المسلمين(٢). وروَى عبيدُ الله
بن عمر وأيوبُ وغيرُهما، هذا الحديثَ عن نافع عن ابن عمر، دونَ هذه الزيادة. فأخذ
...... بها غير واحد من الأئمة واحتجوا بها، منهم الشافعىُّ وأحمدُ رضى الله عنهم(٣)، والله
علم".
(١) الموطأ: ك الزكاة، باب زكاة الفطر (ح ٥٢) والتمهيد ٣١٤/١٤ - ٣٣٠.
(٢) الترمذى: أبواب الزكاة (١٨٦/٣) مع عارضة الأحوذى.
(٣) حاشية من (غ): [قال النووى: "ومثله الشيخ بزيادة ((مالك)) فى حديث الفطر: من المسلمين.
ولا يصح التمثيل به، فقد وافق مالكًا على ذلك: عمر بن نافع والضحاك بن عثمان، والله أعلم" قال شيخنا:
حديث عمر بن نافع عن أبيه، خرجه ((البخارى)) فى كتاب الزكاة. وحديث الضحاك بن عثمان، أخرجه
((مسلم)) فى صحيحه. قال ((أبو عمر بن عبد البر)): قد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمر بن نافع عن أبيه عن
ابن عمر، ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ورواه كثير بن
فرقد عن نافع عن ابن عمر، ويونس بن يزيد عن نافع عن ابن عمر. كلهم قالوا فيه: من المسلمين].
وعلى هامش (ز): [ذكر النووى فى (شرح مسلم، وكتاب علوم الحديث، له): أن هذا التمثيل لا يصح، فقد
وافق مالكًا على ذلك عمر بن نافع والضحاك بن عثمان، والله أعلم].
متن التقريب ٢٤٧/١ مع تدريب الراوى.
رواية عمر بن نافع عن أبيه، فى صحيح البخارى، ك الزكاة، باب زكاة الفطر (فتح الباري ٢٣٧/٣-٢٣٨)
ورواية الضحاك بن عثمان عن نافع: فى صحيح مسلم، زكاة الفطر على المسلمين (ح ٩٨٤/١٢) وسئل
الدارقطنى، فى (العلل)، عنه فقال: ورواه عبدالرزاق عن الثورى وزاد فيه: على المسلمين ... وكذلك رواه
عمر بن نافع والمعلى بن إسماعيل والضحاك بن عثمان ويونس بن يزيد الأيلى، وكذلك قال سعيد بن عبدالرحمن
الجمحى عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر وقالوا فيه: على كل مسلم. وكذلك قال مالك بن أنس فى الموطأ،
ورواه قتيبة بن سعيد - عنه - فسقط عليه: من المسلمين (العلل ١١٣/٤) خط
ويأتى فيما يلى من (المحاسن) جملة روايات فيه بهذه الزيادة، ونحوه فى تقييد العراقى (١١٢) وخرجه ابن
حجر، بغاية التقصى فى (فتح الباري ٢٣٧/٣-٢٣٨).
* المحاسن :
«فائدة وزيادة :
المشهور فى رواية عبيدالله وأيوب، ما تقدم. ولكن قد روى ((الحاكم)) فى (مستدركه)
رواية وصححها عن عبيد الله، فيها: "من المسلمين" أخرجها من طريقين: عن =

٢٥٣
النوع السادس عشر : معرفة زيادات الثقات وحكمها
= سعيد بن عبدالرحمن الجمحى: حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر "أن
رسول اللّه ◌َل﴿ه فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من بُرٍّ، على كل حُر أوعبد ذكر
أوأنثى من المسلمين" (١). وأخرج الدارقطنى فى (سننه) رواية من جهة الثورى عن
عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وفيها: على كل مسلم. ثم قال: وكذلك رواه سعيد بن
عبد الرحمن الجمحى عن عبيدالله بن عمر وقال فيه: من المسلمين. ثم أخرجها بعد ذلك
بأحاديث كثيرة(٢). وأما رواية أيوب، فالمعروف فيها ما تقدم. لكن الزيادة أيضًا جاءت
من روايةٍ أيوب السختياني، خرجها ابن خزيمة فى (صحيحه)(٣). وجاءت رواية بالزيادة
المذكورة من طريق أيوب بن موسى القرشى، ذكرها البيهقى (٤). وجاءت من غير رواية
المذكورين، عن نافع أيضًا، وهى فى البخارى: من حديث إسماعيل بن جعفر عن عمر
بن نافع عن أبيه عن ابن عمر. وفى مسلم: من حديث ابن أبى فديك عن الضحاك بن
عثمان عن نافع. ورواها أيضًا كثير بن فرقد عن نافع، وهى فى (الحاكم)، ولفظه عن ابن
عمر: "أن رسول اللّه وسلم قال: زكاة الفطر فرض على كل مسلم حر وعبد، ذكر وأنثى
من المسلمين، صاع من تمر أو صاع من شعير" قال: هذا حديث صحيح على شرطهما، ولم
يخرجاه(٥). وجاءت الزيادة من حديث المعلى بن إسماعيل عن نافع، وحديثه فى ابن حبان؛
ومن حديث يونس بن يزيد، ذكرها الطحاوى فى (المشكل)(٦)؛ ومن حديث ابن أبى ليلى
عن نافع، وهى فى (سنن الدارقطنى)؛ وحديثِ الثورى عن عبيدالله، وابن أبى ليلى عن
نافع، وفيه: على كل مسلم(٧). وجاءت من رواية عبيدالله العمرى عن نافع،=
(١) المستدرك: صدقة الفطر حق واجب (١١٠/١).
(٢) سنن الدارقطنى، كتاب زكاة الفطر (ح ٤،٣) ثم ما بعدهما.
(٣) صحيح ابن خزيمة، وجوب صدقة الفطر، فرض زكاة الفطر على كل حر أو عبد من المسلمين (٨٣/٤
ح ٣٨٤).
(٤) سنن البيهقى: زكاة، أبواب صدقة الفطر (١٦٨/٤).
(٥) مستدرك الحاكم، الباب (٩٠/٣).
(٦) مشكل الآثار للطحاوى: (٨٢/٣).
(٧) سنن الدارقطنى (ح ٤،٣) من كتاب زكاة الفطر: ١٣٩/٢.

٢٥٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ومن أمثلة ذلك، حديث: "جُعِلتْ لنا الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتُها لنا طهورا)،(١).
فهذه الزيادةُ تفرد بها أبو مالك سعدُ بن طارق الأشجعى". وسائرُ الروايات لَفظُها:
(١) مسلم، ك المساجد (ح: ٥٢٢/٤) من رواية أبى مالك الأشجعى عن ربعى بن خراش عن حذيفة،
مرفوعًا ولفظه: ((وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء)) ص٣٧١/١.
= وهى فى الدارقطنى؛ وقد نبه عليها أبو داود، وعلى رواية سعيد الجمحى عن عبيد الله، ثم
قال: والمشهور عن عبيد الله، ليس فيه: من "المسلمين)" (١) ونبه ((الدارقطنى)) على أكثر
ما تقدم، جملة ثم تفصيلا، فى كثير منه بالرواية، فقال: رواه سعيد بن عبدالرحمن الجمحى
عن عبيدالله، ثم قال: والمشهورُ عن عبيدالله، ليس فيه "من المسلمين)»(٢) وكذلك رواه
مالك بن أنس والضحاك بن عثمان، وعمر بن نافع والمعلى بن إسماعيل وعبيدالله العمرى
وكثير بن فرقد ويونس بن يزيد؛ ورُوِىَ عن ابن شوذب عن أيوب عن نافع كذلك.
وفى (سنن البيهقى) ذكرها من حديث يحيى بن سعيد وموسى بن عقبة، عن نافع (٣).
وبذلك يرتد قولُ من قال: إن مالكًا تفرد بها. وإن غير مالك لا يرويها، لظهور مَن
تابع مالكًا على الزيادة، مع كثرة المتابعين. لاسيما وقد جمع الدارقطنى أكثرهم فى (سُنِهِ)(٤)
فى دول الشطرين، بل قال: روى مالك عن نافع عن ابن عمر نحو حديثٍ أيوب، وزاد
فيه: "من المسلمين" وروى غير واحد عن نافع ولم يذكروا فيه: "من المسلمين"
انتھی)) ٢٩/ظ- ٣٠ و
(١) سنن أبى داود: ك الزكاة، باب كم يؤدى صدقة الفطر (ح ١٦١٣، ١٦١٢).
(٢) السنن، والعلل (١١٣/٤ خط) وانظر معهما التعليق المغنى على سنن الدارقطنى بهامشه (١٣٨/٢).
(٣) السنن الكبرى: (١٦٨/٤).
(٤) سنن الدارقطنى، كتاب زكاة الفطر، الأحاديث: (٣ - ١٠).
* المحاسن :
((فائدة: ليس لقائل أن يقول: إذا جازت الروايةُ بالمعنى، فيكون أبو مالك أراد
بالتربة الأرضَ من حيث هى أرض، وذلك لشيوعه فى لسان العرب، يعبرون عن التربة
بالأرض، فلا يبقى فيه مخالفة ولا زيادة لمن أطلق فى سائر الروايات)».
=

٢٥٥
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها
"وجُعلت لنا الأرضُ مسجدًا وطهورًا)،(١). فهذا وما أشبهه يُشبِهِ القسم الأولَ، من حيث
إن ما رواه الجماعةُ عامّ، وما رواه المنفردُ بالزيادة مخصوص، وفى ذلك مغايرة فى الصفةِ
ونوعٌ من المخالفة يختلف به الحكمُ؛ ويشبهُ أيضًا القسمَ الثانى من حيث إنه لا منافاةً
بینهما.
وأما زيادةُ الوصل مع الإِرسال، فإن بين الوصلِ والإِرسال من المخالفة نحوَ
ما ذكر ناه، ويزداد ذلك بأن الإِرسالَ [٢٠ /ظ]نوعُ قدح فى الحديث، فترجيحُه وتقديمه من
(١) من حديث جابر وأبى هريرة رضى الله عنهما مرفوعًا. فى البخارى: ك التيمم (فتح البارى ٢٩٨/١)
وكتاب الصلاة باب قول النبى ويله: "جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورا" (فتح ٣٥٩/١٠) وکتاب الجهاد، باب
قول النبى و ◌َله: نصرت بالرعب (فتح ٧٩/٦) وفى صحيح مسلم، ك المساجد، (ح٥٢٣/٥،٥٢٢/٣) وانظر فى
كفاية الخطيب، باب القول فى حكم خبر العدل إذا انفرد برواية زيادة فيه لم يروها غيره (٤٢٤-٤٢٩).
= لأنا نقول: جواز الرواية بالمعنى شرطُه عدم التغاير، والتغاير هنا موجود. وكونه أراد
بالتربة الأرضَ بخالفه أن يكون روَى ما سمع، وحملُ التربة على التراب هو المتبادر إلى
الأفهام. وقوله: يعبرون عن التربة بالأرض؛ صوابه العكس لأنه المقصود، وشاهدُه
حديثُ أبى هريرة فى (مسلم): "أن الله خلق التربة يوم السبت)" (١) وجوابه: أنه لو أريد
ذلك لم يذكر التربةَ لسبقِ الأرض، بل كان يجىء كما فى أكثر الطرق: "جعلت لنا الأرضُ
مسجدًا وطهورًا" إذ هذا من الاختصار. وقد جاء فى هذه الأحاديث التى فيها
الاختصاصاتُ التى له على سائر الأنبياء: "أوتيت جوامع الكلم".(٢) انتهت)) ٣١/أ
(١) صحيح مسلم، ك صفة القيامة والجنة والنار، باب ابتداء الخلق (ح ٢٧٨٩/٢٧).
(٢) فى صحيح البخارى، رواية سعيد بن المسيب عن أبى هريرة، مرفوعًا، بلفظ (بعثت بجوامع الكلم،.
ونصرت بالرعب فبينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض) ك الجهاد، باب قوله وَل: نصرت بالرعب، (فتح
البارى ٧٩/٦) ومثله فى مسلم، مساجد (ح ٥٢٢/٦) وبلفظ "وأوتيت" من رواية أبى يونس مولى أبى هريرة،
عنه. ورواية همام بن منبه عن أبى هريرة (مساجد ح: ٥٢٣/٨،٧) وأخرجه مسلم من رواية العلاء - بن
عبد الرحمن بن يعقوب - عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعًا، بلفظ: "فُضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع
الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لى الغنائم، وجعلت لى الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة،
وختم بی النبيون" مساجد (ح ٥٢٣/٥).
- انظر مع كفاية الخطيب (٥٢٩/٥٢٤): تقييد العراقى (١١٤) وتبصرته (٢١٥/١) وتوضيح التنقيح
(٢٣/٢).

٢٥٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قَبيلِ تقديم الجرحِ على التعديل. ويجابُ عنه بأن الجرحَ قُدِّمَ لما فيه من زيادةِ العلم،
والزيادةُ هنا مع مَنْ وَصَلَ، * والله أعلم (١).
(١) على هامش ص: [١٦/ظ] بخط العراقى: بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين بن
العديم قراءة بحث علىَّ، وعمه زين الدين عبد الرحمن وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى سماعًا. كتبه
عبد الرحيم بن الحسين.
* المحاسن:
((فائدة: ما قاله ((النسائى)) وغيرُهُ، من أنَّ مَنْ أرسلَ معه زيادةُ علم على من وَصَلَ،
لأن الغالبَ فى الألسنة الوصلُ، فإذا جاء الإِرسالُ، عُلم أن مع المرسل زيادة علم. وقد
رَجَّحه ((ابن القطان)) وغيرُه؛
مُعَارَضُ بأن الإِرسالَ نقصٌ فى الحفظ، وذلك لما جُبِلَ عليه الإِنسانُ من السهوِ
والنسيان. فتبين أن النظر الصحيح، أن زيادةَ العلم إنما هى مع من أسند. انتهت)) ٣١/ و
- انظر مع كفاية الخطيب (٥٢٤-٥٢٩): تقييد العراقى (١١٤) وتبصرته (٢١٥/١) وتوضيح التنقيح
لابن الوزير الصنعانى (٢٣/٢).

النوع السابع عشر
معرفة الأفراد
وقد سبق بيان المهمّ من هذا النوع فى الأنواع التى تليه قبلَه، لكنْ
أفردته بترجمةٍ كما أفرده ((الحاكم أبو عبدالله)) (١)، ولِمَا بَقِىَ منه. فنقولُ: الأفراد
منقسمة إلى ما هو فردٌ مطلقًا، وإلى ما هو فردٌ بالنسبة إلى جهةٍ خاصة.
أما الأوّل: فهو ما ينفرد به واحدٌ عن كلِّ أحدٍ. وقد سبقت أقسامُه وأحكامُه قريبًا.
وأما الثانى: وهو ما هو فردٌ بالنسبة، فمثلُ ما ينفرد به ثقةٌ عن كلِّ ثقة، وحكمُه
قريبٌ من حُكمِ القسم الأولِ. ومثلُ ما يقال فيه: هذا حديثٌ تفرد به أهلُ مكة، أو تفرد
بها أهلُ الشام، أو أهلُ الكوفة، أو أهلُ خراسانَ، عن غيرهم؛ أو: لم يروه عن فلان غيرُ
فلان - وإن كان مرويًّا من وجوه عن غير فلان - أو تفرد به البصريون عن المدنيين،
أو الخراسانيون عن المكيين، وما أشبه ذلك.
ولسنا نُطِّول بأمثلةِ ذلك، فإنه مفهومُ دونَها. وليس فى شىءٍ من هذا ما يقتضى الحُكْمَ
بِضَعفِ الحديثِ، إلا أن يُطلِقَ قائلٌ قولَه: تفرد به أهلُ مكةَ، أو تفرد به البصريون عن
المدنيين، أو نحو ذلك، على ما لم يَروِه إلا واحدٌ من أهلِ مكةَ أو واحدٌ من البصريين
ونحوه، ويضيفه إليهم كما يُضافُ فعلُ الواحدِ من القبيلة إليها مَجازًا. وقد فعل ((الحاكمُ.
أبو عبدالله)) هذا فيما نحن فيه، فيكون الحكمُ فيه على ما سبق فى القسم الأول*،
(١) فى معرفة علوم الحديث، النوع الخامس والعشرون: معرفة الأفراد من الأحاديث (ص ٩٦)
* المحاسن:
((فائدة: قَسَّم ((الحاكمُ)) التفردَ ثلاثةَ أقسام: الأول تفرُّدُ أهلِ مدينةٍ عن صحابى.
« الثانى: تفرد رجلٍ عن إمام. الثالث تفرد أهل مدينة عن مدينة أخرى.
=
٢٥٧

٢٥٨
النوع السابع عشر : معرفة الأفراد
[٢١/ و] والله أعلم(١).
(١) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى: [بلغ السماع بقراءتى فى المجلس الأول على شيخنا عز القضاة ابن
المنير. وسمعه الفقيه زين الدين أبو محمد عبد الملك بن أبى القاسم بن عبد الملك بن منصور بن رستم، وأبو
البركات محمد، أخى. وكتبه محمد بن محمد ابن الفاسى].
= والأولُ والثالثُ من أقسام ((الحاكم)» يدخلان تحت التفرد بالنسبة إلى جهة خاصة.
انتهت)) ٣٢/أ.
- انظر الأقسام الثلاثة، وأمثلة الحاكم لكل قسم منها، فى النوع الخامس والعشرين، من كتابه المعرفة:
الأفراد (٩٦ - ١٠٠) وانظر معه تبصرة العراقى (٢١٧/١).
ہے
:
i
1

النوع الثامن عشر
معرفة الحديثِ المُعلَّل
ويسميه أهلُ الحديث: المعلول. وذلك منهم ومن الفقهاء فى قولهم فى باب القياس:
العلة؛ والمعلول مرذولٌ عند أهلِ العربية واللغةِ* (١).
اعلم أن معرفةَ عِلَلِ الحديثِ من أجَلِّ علوم الحديث وأدقهًا وأشرفِها، وإنما يضطلع
بذلك أهلُ الحفظِ والخبرةِ والفهم الثاقب. وهى عبارةٌ عن أسبابٍ خفيةٍ قادِحةٍ فيه.
فالحديثُ المعلّل هو الحديث الذى اطَّلِع فيه على علةٍ تقدح فى صحته، مع أن ظاهره
السلامةُ منها. ويتطرق ذلك إلى الإِسنادِ الذى رجاله ثقاتٌ، الجامعِ شروطَ الصحة من
حيثُ الظاهرُ. ويستعان على إدراكِها بِتفرُّدِ الراوى وبمخالفة غيره له، مع قرائنَ تنضم إلى
٠
(١) انظر تقييد العراقى (١١٦-١١٨) وتبصرته (٢٢٥/١) وشرح النخبة (١٣٢) وتوضيح التنقيح
(٢٥/٢).
* المحاسن :
((فائدة: لا يقال: ليست مرذولة، حكاها صاحب الصحاح والمُطَرَّزى(١) وقطرب،
.ولم يترددوا. وتبعهم غيرُ واحد؛
لأنا نقول: المستعمَلُ عند المحدثين والفقهاء والأصوليين، إنما يقصدون به أن غيره
أعلً، لا أنه عُلَّ بنفسِه. والذى ذكره ((الجوهرى)): عُلَّ الشىءُ فهو معلول؛ وما ذكره فى
أول المادة من أن عَلَّه الثلاثى يتعدى؛ فذاك فى السفْى [أى بمعنى: سَقَاه] وحينئذ فصوابُ
الاستعمالِ: المعلَّلُ، إذا كان من: عَلَّلَ. انتهت)) ٣١/ظ
(١) المُطَرِّزى، أبو الفتح وأبو المظفر ناصر بن عبد السيد الخوارزمى. اللغوى العلامة الفقيه الحنفى
(٥٣٣- ٦١٠ هـ) فى كتابه (المغرب فى لغات الفقه: ص ١١٦) حرف العين.
٢٥٩

٠
٢٦٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
ذلك تُنَبِه العارفَ بهذا الشأن على إرسالٍ فى الموصول أو وقف فى المرفوع، أو دخولِ
حديثٍ فى حديث، أو وهم واهم لِغير ذلك؛ بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به، أو يترددُ
فيتوقف فيه. وكلُّ ذلك مانعٌ من الحُكم بصحةٍ ما وُجِدَ ذلك فيه.
وكثيرا ما يُعللون الموصولَ بالمرسَل، مثل أن يجىء الحديثُ بإسنادٍ موصولٍ، ومجىءَ
أيضًا بإسنادٍ منقطع أقوى من إسناد الموصول. ولهذا اشتملت كتبُ عِلَلِ الحديثِ على
جميعِ طرقهِ. قال ((الخطيب أبو بكر)): السبيلُ إلى معرفة علةِ الحديث أن يُجمع بين طُرقِه
ويُنظرَ فى اختلافِ رُوَاتِه ويُعتبر بمكانِهِم منِ الحفظ ومنزلتِهم فى الإتقانِ والضبط. ورُوِى
عن ((علىِّ ابن المدينى)) قال: البابُ إذا لم تجمع طُرقُه، لم يتبينْ خطؤه(١).
ثم قد تقع العلةُّ فى إسنادِ الحديث، وهو الأكثرُ؛ وقد تقع فى مَتْنِه. ثم ما يقع فى الإِسنادِ
قد يَقدحُ فى صحةِ الإِسناد والمتنِ جميعًا، كما فى التعليل بالإِرسال والوقف. وقد يقدح فى
صحةِ الإِسنادِ خاصةً من غير قدح فى صحةِ المتن.
فمن أمثلة ما وقعت العِلَةُ فى إسنادِه من غير قدحٍ فى صحة المتْنِ، ما رواه الثقةُ يعلى
ابنُ عبيد، عن سفيان الثورى، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن النبىنحو 8 قال:
"البيعانِ بالخيارِ .. " الحديث. فهذا إسنادٌ متصلٌ بنقلِ العدلِ عن العدلِ. وهوُ معَلَّلٌ غيرُ
صحيح، والمتنُ على كلِّ حال صحيح. والعلةُ فى قوله: "عن عمرو بن دينار"، إنما هو عن
"عبدِ الله بن دينار عن ابنِ عمر" هكذا رواه الأئمةُ من أصحابِ ((سفيانَ)) عنه. فَوَهِمَ
((يَعلى بنُ عُبَيد)) وعدَلَ عن عبدِ الله بن دينار، إلى عمرو بن دينار. وكلاهما ثقة(٢).
(١) وأسند ابن حبان عن عباس بن محمد - الدورى - قال: سمعت يحيى بن معين يقول: لو لم نكتب
الحديث من ثلاثين وجهًا لم نعرف ما علته)) مقدمة المجروحين ٣٣/١.
(٢) قال العراقى: إنما المعروف من حديث سفيان الثورى -: عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر. هكذا
رواه الأئمة من أصحاب سفيان: أبو نعيم الفضل بن دكين وعبيدالله بن موسى العبسى ومحمد بن يوسف
الفريابى ومخلد بن يزيد وغيرهم. وهكذا رواه عن عبدالله بن دينار، شعبة وابن عيينة ويزيد بن عبدالله بن الهاد،
ومالك من رواية ابن وهب عنه. والحديث مشهور لمالك وغيره، عن نافع عن ابن عمر. وأما رواية عمرو بن
دينار، فوهم من يعلى بن عبيد (التبصرة ٢٣١/١).
رواية مالك عن نافع عن ابن عمر، فى الموطأ: بيوع (ح ٧٩) وفى صحيح البخارى: بيوع، باب بيع الخيار
(مع فتح البارى ٢٢٥/٤)، ومسلم فى باب خيار المتبايعين (ح ١٥٣١/٤٣) وبرواية الثورى عن عبدالله بن دينار
عن ابن عمر، فى الباب من الصحيحين كذلك (فتح البارى ٢٣٠/٤، ومسلم ح ١٥٣١/٤٦).