النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
النوع الحادى عشر: معرفة المعضل
الله عنه) أنه كان يرى "عن فلان" و"أن فلانًّا" سواءً(١). وعن ((أحمد بن حنبل)) رضى
الله عنه، أنهما ليسا سواءً(٢).
وحكى ((ابنُ عبدِ البر)» عن جمهور أهل العلم، أن (عن) و(أنَّ) سواء. وأنه
لا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة . - يعنى مع
السلامة من التدليس - فإذا كان سماعُ بعضِهم من بعض صحيحًا، كان حديثُ بعضِهم
عن بعض بأىِّ لفظٍ وَرَدَ، محمولا على الاتصال حتى يتبين فيه الانقطاعُ(٣).
وحكى ((ابنُ عبد البر)» عن («أبى بكر البردِيجى)) أن حرف "أنَّ، محمولٌ على
الانقطاع حتى يتبين السماُ فى ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى، (٤).
وقال: عندى لا معنى لهذا، لإجماعهم على أن الإِسنادَ المتصل بالصحابى سواءٌ فيه،
قال: قال رسول اللّه وَ له، أو أن رسول الله وعليه قال، أو: عن رسول اللّه وَلل أنه قال، أو:
سمعتُ رسول اللّه وَل﴾(٥) والله أعلم.
قال الشيخ أبقاه الله: ووجدت مثل ما حكاه عن ((البرديجى، أبى بكر الحافظ (٦))،
(١) انظره فى الكفاية: باب ذكر الفرق بين قول الراوى: عن فلان، وأن فلانًا قال، فيما يوجب الاتصال
والإِرسال (٤٠٦ - ٤٠٧).
وضبط ((سواءً)) من (غ): بالنصب مفعولا ثانيًا لـ: يرى. وضبطه فى (ص) بالضم قلاً، وليس السياق.
(٢) على هامش (غ): [قال النواوى (فى مختصره لهذا الكتاب): وقال أحمد بن حنبل وجماعة: لا تلتحق
"أن" وشبهها يـ: عن، بل يكون منقطعًا حتى يتبين السماع. ففسر النواوى مذهب ابن حنبل، وأبهمه ابن
الصلاح. قال القاضى عياض ما معناه، أن البرديجى موافق لقول ابن حنبل].
انظر متن التقريب للنووى، مع (تدريب الراوى ٢٢٠/١)
(٣) ابن عبد البر فى (التمهيد: ٢٦/١)
(٤) ابن عبد البر، فى التمهيد: ٢٦/١ من قول البرديجى. وتمام عبارته: ((حتى يتبين السماع فى ذلك الخبر
بعينه من طريق آخر، أو يأتى ما يدل على أنه قد شهده وسمعه)).
وانظر (جامع التحصيل فىأحكام المراسيل)) للعلائى: ١٤١.
(٥) ((كل ذلك سواء عند العلماء)) ابن عبد البر فى (التمهيد ٢٦/١)
(٦) فى الطرة على هامش (غ): [برديج، مثل فعليل؛ بفتح أوله: بليدة بينها وبين برذعة نحو أربعة عشر
فرسخًا، إليها نسب هذا الحافظ ((أحمد بن هارون، أبو بكر البرديجى البرذعى)) ومن نحا بها نحو أوزان كلام
العرب، كسر أولها نظرًا إلى أنه ليس فى كلامهم فعليل بفتح الفاء، والله أعلم].
ومثلها على هامش (ز) مع اختلاف يسير فى العبارة. وضبطها فى (اللباب) عن الأنساب للسمعانى بفتح الباء
الموحدة (١٣٦/١) بليدة بأقصى أذربيجان.

٢٢٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
١
٠
للحافظ الفحل («يعقوبَ بنِ شيبةَ)) فى (مسنده) الفحلِ، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير عن
ابن الحنفية عن عمار، قال: "أتيت النبيَّ نَّه وهو يصلى فسلمت عليه، فردَّ علىَّ
السلامَ .. " وجعله مسندًا موصولا. وذكر رواية قيس بن سعد لذلك، عن عطاء بن أبى
رباح عن ابن الحنفية: "أن عمارًا مرَّ بالنبى وَّه وهو يصلى .. " فجعله مرسلا من حيث
كونَه قال: إن عمارًا فعل، ولم يقل: عن عمار (١). والله أعلم.
ثم إن ((الخطيَب)) مَثَّلَ هذه المسألةَ بحديث نافع عن ابن عمر عن عمر أنه سأل
النبى وَل﴿: "أينام أحدُنا وهو جُنُب؟ .. " الحديث. وفى رواية أخرى، عن نافع عن ابن
عمر، أن عمر قال: "يا رسول الله .. " الحديث(٢).
ثم قال: ظاهرُ الرواية الأولى، يوجب أن يكون من مسنِد عُمَرَ عن النبىِ وَّ؛
والثانية ظاهرُها يوجب أن يكونَ من مسنَدِ ابن عمر، عن النبى وَّه.
قال الشيخ أبقاه الله: ليس هذا المثالُ مماثلا لما نحن بصددِهِ، لأن الاعتمادَ فيه فى
الحكم بالاتصال على مذهب الجمهور، إنما هو على اللقاءِ والإِدراك، وذلك فى هذا الحديث
مشتَرَكٌ متردِّد، لتعلقه بالنبى وَه، وبعمر رضى الله عنه، وصحبة الراوى ابن عمر لهما،
فاقتضى ذلك من جهةٍ، كونَه(٣) رواه عن النبى وَّ؛ ومن جهةٍ أخرى، كونَه رواه عن
عمر عن رسول اللّه وَليه(٤)، والله أعلم".
(١) حديث عمار، بروايتيه، فى (الاعتبار للحازمى: باب ما نسخ من الكلام فى الصلاة : ١٤٣ وانظر (تقييد
العراقى ٨٥).
(٢) كفاية الخطيب ٤٠٧.
وحديث نافع عن ابن عمر أنه قال: استفتى عمر النبى وَله: أينام أحدنا وهو جنب؟ فى الصحيحين:
البخارى، ك الغسل (فتح البارى ٢٧١/١) ومسلم ك الحيض (ح ٢٤) ورواية نافع عن ابن عمر أن عمر قال،
فى ك الحيض من صحيح مسلم (ح ٢٣).
(٣) هكذا ضبطه بهامش (غ) ومتن (ز، ص) وهو السياق. والضمير فى: رواه، لابن عمر، رضى الله عنهما.
وضبطه فى متن غ: من جهة كونِه / بالجر، والإِضافة.
(٤) على هامش (ص) بلاغ القراءة على العراقى.
*
المحاسن:
((فائدة: صحة التمثيل لما نحن بصدده، تظهر من وجه آخر، وذلك أن مقتضى =

٢٢٣
النوع الحادى عشر : معرفة المعضل
الثالث: قد ذكرنا ماحكاه ((ابنُ عبد البر)) من تعميم الحكم بالاتصال فيما يذكره
الراوى عنٍ من لقيه بأى لفظٍ كان. وهكذا أطلق ((أبو بكر الشافعى الصيرفى) (١) ذلك
فقال: "كلَّ من عُلِم له سماعٌ من إِنسان فحدَّث عنه، فهو [١٤ / و] على السماع، حتى
يُعلَم أنه لم يسمع منه ما حكاه؛ وكلّ من عُلِم له لِقاءُ إنسانٍ فحدَّث عنه، فحكمهُ هذا
الحكم،".
وإنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسُه.
ومن الحجة فى ذلك وفى سائر الباب، أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقِه الرواية
عنه من غير ذكْر الواسطة بينه وبينه، مدلِّسًا. والظاهرُ السلامةُ من وصمةِ التدليس،
والكلامُ فيمن لم يُعرف بالتدليس(٢). ومن أمثلة ذلك قولُه: قال فلان كذا وكذا؛ مثل أن
يقول نافع: قال ابن عمر؛ وكذلك لو قال عنه: ذَكَر، أو: فعل، أو: حدث، أو: كان يقول
كذا وكذا؛ وما جانس ذلك. فكل ذلك محمولٌ ظاهرًا على الاتصال، وأنه تلقى ذلك منه
من غير واسطة بينهما، مهما ثبت لقاؤه له على الجملة *.
ثم منهم من اقتصر فى هذا الشرط المشروطِ فى ذلك ونحوه، على مطلَق اللقاءِ
(١) محمد بن عبد الله بن إبراهيم، من أئمة الوجوه المتقدمين والمصنفين البارعين. له شرح الرسالة، وكتاب
الإجماع، والشروط؛ توفى سنة ٣٣٠ هـ ببغداد.
(٢) على هامش (غ): [قال الشيخ تقي الدين: إذا كان الراوى غير مدلس حملنا الرواية على الاتصال
والسماع. وإن كان مدلسًا فالمشهور أنه لا يحمل على السماع حتى يبين الراوى ذلك. وما لم يبين فهو كالمنقطع
فلا يقبل. وهذا جار على كثير من الأحاديث التى صححوها، إذ يتعذر علينا إثبات سماع المدلس فيها من شيخه،
اللهم إلا أن يدعى مدع أن الأولين اطلعوا على ذلك، وإن لم نطلع نحن عليه]. قال: ((وفى ذلك نظر))
- (الاقتراح، للشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد: ٢٠٧ - ٢٠٨).
= أن يكون من مسند ابن عمر، يقتضى أن عمر لم يدخل فى السند بلفظة "أن" وكذلك لم
يدخل عمار فى السند فى رواية "أن" فجعله ابن شيبة مرسلا، بخلاف: عن عمار. والراوى
لهما واحد وهو ابن الحنفية. انتهت)) ٢٢/و.
* المحاسن:
فائدة: ((والظاهرُ الحملُ على الاتصال مطلقًا، ما لم يظهر خلافه كما تقدم. انتهت))
٢٢/ظ

٢٢٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
أو السماع، كما حكيناه آنفًا. وقال فيه ((أبو عمرو المقرئ)): (١) إذا كان معروفًا بالرواية
عنه. وقال فيه ((أبو الحسن القابسى)): إذا أدرك المنقولَ عنه إدراكًا بيِّناً.
وذكر ((أبو المظفر السمعانى (٢)) فى العنعنة، أنه يُشترط طولُ الصحبة بينهم. وأنكر
((مسلم بن الحجاج)) فى خطبة (صحيحه) على بعضِ أهلِ عصره، حيث اشترط فى
العنعنة ثبوتَ اللقاء والاجتماع، وادَّعى أنه قولٌ مخترَع لم يُسبَق قائلُه إليه، وأن القولَ
الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديمًا وحديثًا، أنه يكفى فى ذلك أن يثبت كونهما
فى عصر واحد، وإن لم يأتِ فى خبرٍ قط أنهما اجتمعا أو تشافهَا(٣).
وفيما قاله ((مسلم)) نظرٌ: وقد قيل إن القول الذى ردَّه ((مسلم)) " هو الذى عليه أئمةُ
هذا العلم(٤): ((على ابن المدينى، والبخارى)) وغيرهما، والله أعلم.
(١) هو ((الدانى)) / من تضمين البلقيني.
(٢) على هامش (غ): [وجدت يخط شيخنا: أبو المظفر اسمه ((منصور بن محمد الإِمام)) وأبوه محمد إمام،
وولده - أعنى ولد أبى المظفر - أبو بكر محمد بن منصور. ولده: أبو سعد عبد الكريم ابن أبى المظفر السمعانى
/ نسب إلى بطن من تميم. بيت علم وفضل وحديث].
قلتُ: وولد أبى سعد ((أبو المظفر عبد الرحيم)) شيخ ابن الصلاح.
(٣) مقدمة مسلم، باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن (٢٩/١) وانظر معه: معرفة الحاكم، النوع ١١،
معرفة الأحاديث المعنعنة، وتوضيح التنقيح (٣٣٠/١).
(٤) طرة على هامش (غ): [قال القاضى عياض: قال أبو عمر ابن عبدالبر: وجدت أئمة الحديث أجمعوا
على قبول المعنعن بغير تدليس إذا جمع شروطًا ثلاثة: عدالتهم، ولقاء بعضهم بعضًا، وبراءتهم من التدليس، على
خلافٍ بينهم فى ذلك. وقال ابن البيع: المعنعن بغير تدليس، متصل بالإِجماع من أهل النقل على تورع راويه عن
التدليس؛ وإلى ما ذهب إليه مسلم، ذهب القاضى أبو بكر الباقلانى وغيره من أئمة النظار، والله أعلم].
- قوبل على التمهيد لابن عبد البر ١٢/١.
* المحاسن :
((فائدة وزيادة: قيل، يريد مسلم بذلك ((البخارىَّ)). إلا أن البخارى لا يشترط ذلك
فى أصل الصحة، ولكن التزمه فى جامعه. ولعله يريدُ ((ابنَ المدينى)) فإنه يشترط ذلك فى
أصل الصحة. وقد تكلم ((الإِمام الشافعى)) رضى الله عنه فى (الرسالة) على المسألة، ودلَّ
كلامه على مقتضى مذهب ابن المدينى والتزام البخارى، فقال فى (باب خبر الواحد)
حكايةً عن سائلٍ سأله فقال: "فما بالك قبلتَ ممن لا تعرفه بالتدليس أن يقول: عن، =

٢٢٥
النوع الحادى عشر : معرفة المعضل
= وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟ فقلت له: المسلمون العدول عدول أصحاء الأمر فى
أنفسهم، وحالهم فى أنفسهم غيرُ حالهم فى غيرهم، ألا ترى أنى إذا عرفتهم بالعدل فى
أنفسهم قبلت شهادتهم، وإذا شهدوا على شهادة غيرهم لم أقبل شهادةَ غيرهم حتى
أعرف حاله؟ ولم تكن معرفتى عدلهم، معرفتى عدلَ من شهدوا على شهادته، وقولهم عن
خبر أنفسهم وتسميتهم على الصحة، حتى يستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فيحترس منهم
فى الموضع الذى خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم. ولم يُعْرَف بالتدليس ببلدتنا فيمن مضى
ولا من أدركنا من أصحابنا، إلا حديثًا. فإن منهم من قَبِلَه عمن لو تركه عليه كان خيرًا
له. وكان قول الرجل: "سمعت فلانًا يقول: سمعت فلانًا" وقوله: "حدثنى فلان عن
فلان" سواءً عندهم، لا يُحدث أحد منهم عمن لقى إلا ما سمع منه. فمن عرفناه بهذه
الطريق قبلنا منه: "حدثنى فلان عن فلان". ومن عرفناه دلس مرةً فقد أبان لنا عورتَه
فى روايته، وليست تلك العورة بكذبٍ فيُرَدَّ بها حديثُه، ولا النصيحةَ فى الصدقّ فنقبل منه
ما قبلناه من أهل النصيحة فى الصدق. فقلنا: لا نقبل من مدلِّسٍ حديثًا حتى يقول فيه:
حدثنى، أو سمعت)،(١).
وهذا الكلام من الإِمام الشافعى رضى الله عنه، يدل على أن مذهبه فى العنعنة، ثبوتُ
اللقاء مع البراءة من التدليس. وفى (كفاية الخطيب): "أهل العلم بالحديث مجمعون على
أن قول المحدث: حدثنا فلان عن فلان؛ صحيح معمول به إذا كان شيخه الذى ذكره
يُعرَف أنه قد أدرك الذى قد حدث عنه ولقيه وسمع منه، ولم يكن هذا المحدث ممن يُدلِّس،
ولا يستجيز الإِسقاطَ للعُلو؛، (٢) وما ذكره ((الخطيب)) ينطبق على مذهب الشافعى وابن
المدينى والتزام البخارى. وقال ((الحاكم)): "الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس، متصلة
بإجماع أهل النقل على تورع رواتها عن أنواع التدليس"(٣) هذا ليس فيه تعرض،
لا للقاءٍ ولا لمعاصرة. انتهى)) ٢٢/و،ظ
(١) قوبل على (الرسالة للإِمام الشافعى): ص١٦٦ وما بعدها. ومعها (العلل لابن المدينى): ٤٥.
(٢) الكفاية: ٣٨٩.
(٣) قوبل على الحاكم فى المعرفة: ٣٤ النوع الحادى عشر فى الأحاديث المعنعنة.

٢٢٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قال الشيخ أبقاه الله: وهذا الحكم لا أراه يَستمرُّ بعد المتقدمين فيما وُجِدَ من المصنفين
فى تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه: ذكر فلان، قال فلان؛ ونحو ذلك. فافهم
كلَّ ذلك، فإنه مُهم عزيز (١)، والله أعلم.
الرابع: التعليقُ الذى يذكره ((أبو عبد الله الحميدى)) صاحب (الجمع بين
« الصحيحين) [١٤/ظ] وغيره من المغاربة، فى أحاديثَ من (صحيح البخارى) قطع
إسنادَها، وقد استعمله ((الدارقطنى)) من قبل: صورتُه صورةُ الانقطاع وليس حكمُه
حكمَه، ولا خارجًا ما وُجِدَ ذلك فيه منه، من قَبِيلِ الصحيح إلى قبيلِ الضعيف. وذلك
لما ◌ُرِفَ من شَرْطِه وحُكمِه، على ما نبهنا عليه فى الفائدة السادسة من النوع الأول *.
ولا التفات إلى «أبى محمد بن حزم الظاهرى، الحافظِ» فى ردِّه ما أخرجه البخارى
من حديث أبى عامر أو أبى مالك الأشعرى، عن رسول اللّه وَّهِ: "لَيكونَنَّ فى أمتى أقوام
يستحلون الحريرَ والخمرَ والمعازفَ" .. الحديث. من جهةٍ أن البخارى أورده قائلا فيه:
"قال هشام بن عمار". وساقه بإسناده(٢). فزعم «ابنُ حزم)» أنه منقطع فيما بين البخارى
وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف(٣).
وأخطأ فى ذلك من وجوه. والحديثُ صحيح معروفُ الاتصال بشرط (الصحيح).
و ((البخارى)) رحمه اللّه قد يفعل مثلَ ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات،
(١) انظر ((جامع التحصيل لأحكام المراسيل)) للعلائى: ١٤٣.
(٢) على هامش (غ): [أخرجه البخارى فى كتاب الأشربة فقال: قال هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد،
ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثنا عطية بن قيس الكلابى، ثنى عبد الرحمن بن غنم الأشعرى، ثنى أبو
عامر أو أبو مالك الأشعرى: والله ما كذبنى سمع النبى ◌َ*] وذكر الحديث.
- كتاب الأشربة من البخارى، باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه (مع فتح البارى:
٤٠/١٠).
(٣) قاله ابن حزم فى (المحلى) انظر (تقييد العراقى ٨٩- ٩٠، وتوضيح التنقيح ١٤٥/١).
* المحاسن :
((فائدة: والظاهر الحمل على الاتصال مطلقًا، ما لم يظهر خلافه، كما تقدم، والله أعلم.
انتهت)» ٢٢/ظ

٢٢٧
النوع الحادى عشر: معرفة المعضَّل
عن ذلك الشخص الذى علّقه عنه. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث فى موضع
آخرَ من كتابه مسندًا متصلا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التى لا يصحبها
خللُ الانقطاعٌ، والله أعلم.
وما ذكرناه من الحكم فى التعليق المذكور، فذلك فيما أورده منه أصلا ومقصودًا، لا فيما
أورده فى معرض الاستشهاد. فإن الشواهَد يُحتمل فيها ما ليس من شرط الصحيح، معلّقا
كان أو موصولا. ثم إن لفظ التعليق وجدتُه مستعملاً فيما حُذِفَ من مبتدا إسنادِه واحدٌ
فأكثر، حتى إن بعضَهم استعمله فى حذف كلِّ الإِسناد. مثال ذلك قوله: قال رسول الله
* كذا وكذا؛ قال ابن عباس كذا وكذا؛ روى أبو هريرة كذا وكذا؛ قال سعيد بن
المسيب عن أبى هريرة كذا وكذا؛ وهكذا إلى شيوخ شيوخه. وأما ما أورده كذلك عن
شيوخه فهو من قبيل ما ذكرناه قريبًا فى الثالث من هذه التفريعات.
وبلغنى عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه [١٥/و] جعله قسًا من التعليق نانيًّا،
وأضاف إليه قولَ ((البخارى)) فى غير موضع من كتابه: "وقال لى فلان، وروانا فلان"؛
فوسم كلّ ذلك بالتعليق المتصلِ من حيث الظاهرُ، المنفصلِ من حيث المعنى. وقال: متى
رأيت البخارى يقول: "وقال لى فلان، وقال لنا"؛ فاعلم أنه إسناد لم يذكره للاحتجاج به
وإنما ذكره للاستشهاد به. وكثيرًا ما يعبر المحدِّثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم فى
المذكرات والمناظرات، وأحاديثُ المذاكرة قلما يحتجون بها.
قال الشيخ أبقاه الله: وما ادَّعاه على ((البخارى)) مخالفٌ لما قاله مَن هو أقدمُ منه
وأعَرفُ بالبخارى، وهو العبد الصالح ((أبو جعفر بنُ حمدانَ النسيابورى)) فقد روينا عنه
أنه قال: كل ما قاله البخارى: "قال لى فلان" فهو عَرْضٌ ومُناولة.
المحاسن :
*
((فائدة: لا يقال: ليس بمسند، فلا يكون صحيحًا ولا داخلا فى البخارى المسند
الصحيح؛ لأنا نقول: إذا كان الإِسناد معروفًا من جهة الثقات كما تقدم، كان صحيحًا
على شرط البخارى. انتهت)) ٢٢/ظ
- وانظر مقدمة النووى لشرح مسلم: ٢٠/١ وتخريج ابن حجر حديث ((ليكونن من أمتى أقوام يستحلون.
الحرير والخمر والمعازف)) فى فتح البارى (٤٣/١٠).

٢٢٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
i
م
قال الشيخ أبقاه الله: ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعضُ رجال
الإِسناد من وسطِه أو من آخره، ولا فى مثل قوله: "يُروَى عن فلان، ويذُكَر عن فلان"
وما أشبهه، مما ليس فيه جزم على من ذَكَر ذلك عنه، بأنه قاله وذكره. وكأن هذا التعليق
مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوهٍ، لما يشترك الجميعُ فيه من قطع الاتصال*،
والله أعلم(١).
الخامس: الحديثُ الذى رواه بعضُ الثقات مرسلاً وبعضهُم متصلا؛
اختلف أهلُ الحديث فى أنه ملحَق بقبيلِ الموصول أو بقبيلِ المرسل. مثاله:
"لا نكاحَ إلا بولىٌّ" رواه إسرائيلُ بن يونسَ فى آخرين، عن جَدِّه أبى إسحاق(٢)
السَّبيعى، عن أبى بُرْدةَ، عن أبيه (٣) أبى موسى الأشعرى عن رسول الله وعليه؛ مسندًا
هكذا متصلا .. ورواه سفيان الثورى، وشعبة، عن أبى إسحاق عن أبى بردة عن النبى
(١) على هامش (ص) بلاغ القراءة والسماع: كتبه عبد الرحيم بن الحسين.
(٢) فى (ز): [عن جده عن أبى إسحاق]:
وأبو إسحاق السبيعى، هو جد ((إسرائيل بن يونس)).
(٣) فى (غ) ومتن (ع) بمطبوعة التقييد والإيضاح: [عن أبيه عن أبى موسى] ولا يصح. وما هنا من (ص)
وكفاية الخطيب.
* المحاسن:
«فائدة: أخذُه من تعليق الجدار ظاهر؛ أما من تعليق الطلاق ونحوه، فليس التعليق
هناك لأجل قطع الاتصال، بل لتعليق أمرٍ على أمر، بدليل استعماله فى الوكالة والبيع
وغيرهما، بل وفى الصلاة أيضًا، فلا يصح أن يكون تعليق الطلاق لأجل قطع الاتصال،
إلا أن يراد به قطعُ اتصال حكم التنجيز باللفظ لو كان منجزًا.
وذكر هاهنا [فى خامسِ التفريعات] مسألة ما إذا رَوَى الحديثَ بعضُ الثقات مُرسَلًا
وبعضُهم متصلا، وقد ذكرتُ ذلك فى آخر نوع المرسل لأنه أنسَبُ. وكان ينبغى أن نذكر
مسألة العنعنة وما جرى مجراها، فى أنواع المتصل أو المنقطع، إذا روعى مذهبُ من يرى
الانقطاع، ولكن اقتدينا به فى ذلك. انتهت)) ٢٣/ظ
- وانظر تقييد العراقى: ٩٣.

٢٢٩
النوع الحادى عشر: معرفة المعضل
وَلّه، مرسَلا هكذا. فَحكَى («الخطيبُ الحافظ)) أن أكثر أصحابِ الحديث يرون الحكم فى
هذا وأشباهِه للمرسَلِ. وعن بعضهم أن الحُكم للأكثر، وعن بعضهم أن الحكم للأحفَظ.
فإذا كان من أرسله أحفظَ ممن وصله فالحكم لمن [١٥/ظ] أرسله. ثم لا يقدح ذلك فى
عدالةِ مَنْ وصله وأهلِيته. ومنهم من قال: مَنْ أسند حديثًا قد أرسله الحُفَّاظُ، فإرساُهُم له
يقدح فى مُسنِدِه وفى عدالته وأهليته. ومنهم من قال: الحُكم لمن أسنده، إذا كان عدلا
ضابطًا، فيقبل خبرُه وإن خالفه غيره، سواء كان المخالفُ له واحدًا أو جماعة. قال
((الخطيب)): هذا القول هو الصحيح(١).
قلت: وما صححه، هو الصحيحُ فى الفقه وأصوله. وستُل "البخارى" عن حديثٍ
"لا نكاح إلا بولىٌّ" المذكور، فحكَم لمن وصَلَه، وقال: الزيادةُ من الثقة مقبولة. فقال
((البخارى)) هذا، مع أن مَنْ أرسله ((شعبةُ، وسفيانٌ)) وهما جَبَلانِ لهما من الحفظِ والإِتقان
الدرجةُ العاليةُ (٢).
ويلتحق بهذا، ما إذا كان الذى وصله هو الذى أرسله، وصلَه فى وقتٍ وأرسلَه فى وقت.
وهكذا إذا رفع بعضهم الحديثَ إلى النبى وََّ، ووقفه بعضُهم على الصحابى، أو رفعه واحدٌ
فى وقتٍ، ووقَفَه هو أيضًا فى وقت آخرَ، فالحكمُ على الأصحِّ فى كل ذلك لما زاده الثقةُ من
الوصل والرفع، لأنه مثْبِتٌ وغيره ساكت، ولو كان نافيًّا فالمثبِتُ مُقدَّم عليه، لأنه عَلِم
ما خَفِىَ عليه(٣). ولهذا الفصل تَعَلَّقُ بفصلِ (زيادة الثقة فى الحديث) وسيأتى إن شاء الله
تعالى، والله أعلم(٤).
(١) تمام عبارة الخطيب: عندنا، لأن إرسال الراوى للحديث ليس بجرح لمن وصله ولا تكذيب له، ولعله
أيضًا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم، إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان، والناسى لا يقضى به
على الذاكر (الكفاية ٤/١).
(٢) كفاية الخطيب: (٤١٣) ومر حديث (لا نكاح إلا بولى) فى المرسل. وانظر تقييد العراقى ٩٤ وتبصرته
١٧٦/١.
(٣) ((وما صححه المصنف هو الذى رجحه أهل الحديث، وصحح الأصوليون خلافه: وهو أن الاعتبار بما
وقع منه أكثر: فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه، فالحكم للوصل والرفع. وإن كان الإِرسال أو
الوقف أكثر، فالحكم له. والله أعلم)) العراقى فى التقييد: ٩٤.
(٤) على هامش (ص) بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كال الدين ابن العديم، قراءة بحث علىَّ،
وعمه زين الدين عبد الرحمن وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى / سماعًا، كتبه عبد الرحيم بن الحسين.
۔۔۔

النوع الثانى عشر
معرفة التدليس وحُكم المدلس
التدليس(١) قسمان:
أحدهما: تدليس الإِسناد، وهو أن يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه، موهمًا أنه سمعه
(١) على هامش (غ) بخط ابن الفاسى، فى ورقة ملصقة:
[قال القاضى عياض رحمه الله: التدليس لقب وضعه أئمة هذه الصنعة على من أبهم بعض رواياته لمعان
مختلفة وأغراض متباينة. وقد كان هذا من عصر التابعين. إلى هلم جُرًّا، وذكر ذلك عن جماعة من جلة الأئمة،
ولم يضر ذلك حديثهم، لصحة أغراضهم وسلامتها، وأضر ذلك بغيرهم.
وهو على أمثلة: فمنه أن سفيان بن عيينة، على جلالته، من كبار أصحاب الزهرى، وسمع منه كثيرًا وأخذ
عن أصحابه كثيرًا مما لم يسمعه من الزهرى، فربما حدث فقال: قال الزهرى، أو قال: قال الزهرى عن فلان.
وقد عرف بالتدليس فسئل، فمرة يقول: سمعته منه، ومرة يقول: حدثنى به عنه فلان، أو فلان عن فلان، عنه.
ومن لا يدلس مثل مالك وشعبة، لا يقول مثل هذا، بل يبين مَن حدث عنه. أو يقول: بلغنى. قال شعبة:
(لأن أزنى أحب إلىّ من أن أدلس". ولكن أمثال أولئك الجلة ممن استعمل التدليس إذا سئلوا أحالوا على
الثقات، فحُمِلَ حديثهم وقام تدليسهم مقام المرسل. وحجة بعضهم أن يكونوا قد سمعوه من جماعة من الثقات
عن هذا الرجل، فاستغنوا بذكره عن ذكر أحدهم أو ذكر جميعهم، لتحققهم صحة الحديث عنه، كما يفعل فى
المراسيل.
ومنهم من أراد أن ينزل حديثه وأن يعلو بذكر الشيخ دون من دونه، لصحة روايته عنه غير هذا، ولحقيقة أن
الثقات حدثت عنه بذلك ..
وطبقة أخرى جاءوا إلى رجال مشاهير ثقات أئمة سمعوا حديثهم، وجرت بينهم مباعدة حملتهم على اتهامهم
وألا يصرحوا بأسمائهم المشهورة، ولم تحملهم ديانتهم على ترك التحدث عنهم، كما صنع ((البخارى)) فى حديثه
عن محمد بن يحيى الذهلى، لما جرى بينه وبينه، فمرة نجده يقول: ثنا محمد؛ لا يزيد، وثانية يقول: ثنا محمد بن
خالد؛ ينسبه إلى جده الأعلى، ومرة يقول: ثنا محمد بن عبدالله، ينسبه إلى جده الأدنى. وطبقة أخرى رووا
الحديث عن ضعيف أو مجهول، عن الشيخ، فسكتوا عنه واقتصروا على ذكر الشيخ إذ عرف سماعهم منه لغير
هذا الحديث.
وطبقة أخرى رووا عن ضعفاء لهم أسماء أو كنى مشهورة عرفوا بها، فلو صرحوا بأسمائهم المشهورة أو
كناهم لم يشتغل بحديثهم، فأتوا بالاسم الخامل مكان الكنية المشهورة، أو بالكنية المجهولة عوض الاسم
المعلوم، ليبهموا الأمر ولئلا يعرف ذلك الراوى وضعفه فيُزهَدَ فى حديثهم.
=
٢٣٠

٢٣١
النوع الثانى عشر : معرفة التدليس وحكم المدلس
منه؛ أو عمّن عاصره ولم یلقه، موهمًا أنه قد لقيه وسمعه منه. ثم قد یکون بينهما واحدٌ وقد
يكون أكثر. ومن شأنه ألا يقولَ فى ذلك: "أخبرنا فلان" ولا "حدثنا" وما أشبههما، وإنما
يقول: "قال فلان، أو: عن فلان" ونحو ذلك(١). مثال ذلك: ما روينا عن ((على بن
خشرم)) قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: "قال(٢) الزهرى". فقيل له: حدثكم الزهرى؟
فسكت ثم قال: "قال(٣) [١٧/و]الزهرى" فقيل له: سمعتَه من الزهرى؟ فقال: "لا، لم
أسمعه من الزهرى ولا ممن سمعه من الزهرى، حدثنى عبد الرزاق عن معمر عن
الزهرى(٤)».
= وطبقة أخرى رووا عن ضعيف له كنية يشاركه فيها رجل مقبول الحديث، وقد حدث منهما جميعًا، فيطلق
الحديث بالكنية، يدخل الإِشكال ويقع على السامع اللبس، ويظن أن ذلك: القوىُّ.
وهذه الطرق كلها، غير الأوليين، ردية قد أضرت بأصحابها وسببت الوقوف فى كثير من حديثهم، إلا
ما صرح به الثقات منهم بالسماع عن الثقات، ونصوا عليه وبينوه. ولهذا ما وقفوا فيما دلسه ((الأعمش))
لروايته عن الضعفاء، وفيما دلسه ((بقية بن الوليد)» لخلطه الأسماء والكنى، ولم يستريبوا فيما دلسه ((ابن عيينة،
والثورى)) وضرباؤهما ممن لا يروى إلا عن ثقة.
واختلف أئمة الحديث فى قبول من عرف بالتدليس إذا لم ينص على سماعه: فجمهورهم على قبول حديث
من عرف منهم، بأنه لا يروى إلا عن ثقة، كما قالوا فى حديث من علم أنه لا يرسل إلا عن ثقة، وعلى ترك
حديث المتساهلين فى الأخذ وترك الحجة به حتى ينص على سماعه. وقد ذكر ((أبو عبد الله الحاكم)) الاختلاف
فى ذلك كما قدمناه، والله أعلم].
(١) على هامش (غ): [قال الشيخ: متى قال ــ أى الراوى - صيغة تقتضى سماعه منه، فهو كذب وليس
تدليسا].
(٢ - ٣) سقطت [قال] من (غ) وما هنا من (ع)، وعلى هامش (ص، ز) وهو السياق.
وقابل على الحاكم فى (المعرفة: ١٠٥) والخطيب فى (الكفاية: ٣٥٩).
(٤) علوم الحاكم ١٠٥، والكفاية ٣٥٩ من طريق الحاكم.
وعلى هامش (غ) فى ورقة ملصقة: [قال الشيخ: قد يكون التدليس خفيًّا جدًّا، ولذلك مثالان:
أحدهما: أنهم اختلفوا فى سماع الحسن من أبى هريرة، فورد فى بعض الروايات عن الحسن: "حدثنا
أبو هريرة" فقيل إنه أراد: حدث أهل بلدنا. ولهذا إن لم يكن دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع من أبى هريرة،
لم يجز أن يصار إليه.
الثانى: قول أبى إسحاق: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد العزيز أو عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه؛
فظاهره أن المراد سماعه من عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، لعدوله عن أبى عبيدة. فقيل إنه تدليس كما لو
ابتدأ بذكر عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، ولم يقل قبله: ليس أبو عبيده ذكره.
وللتدليس مفسدة وفيه مصلحة: أما مفسدته، فإنه يخفى ويصير الراوى مجهولا، فيسقط العمل بالحديث
لكون الراوى مجهولا عند السامع، مع كونه عدلا معروفًا فى نفس الأمر، وهذه جناية عظمى ومفسدة كبرى.
=

٢٣٢
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
القسم الثانى: تدليسُ الشيوخ، وهو أن يروى عن شيخ حديثًا سمعه منه فيسميه،
أو يكنيه أويَنْسُبه أويصفه، بما لا يُعرَفُ به، كى لا يُعرفَ *. مثاله: ما رُوِى لنا عن
((أبى بكر بن مجاهد، الإِمام المقرئ)) أنه روى عن أبى بكر عبد الله بن أبى داود السجستانى
فقال: "حدثنا عبدالله بن أبى عبدالله" وروى عن ((أبى بكر محمد بن الحسن النقاش
المفسر المقرئ)) فقال: "حدثنا محمد بن سند" نَسَبَه إلى جَدٍّ له(١)، والله أعلم **.
= فأما مصلحته، فامتحان الأذهان فى استخراج التدليسات وإلقاء ذلك إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته
بالرجال. ووراء ذلك مفسدة أخرى يراعيها أرباب الصلاح والقلوب، وهو ما فى التدليس من التزين. وتنبه
لذلك ((ياقوتة العلماء، المعافى بن عمران الموصلى)» وكان من أكابر العلماء والصلحاء].
يليه بهامش (غ) طرة: [قال أبو زكريا: قال الخطيب: وربما لم يسقط شيخه لكن يسقط ممن بعده رجلا
ضعيفًا أو صغير السن ليحسن الحديث بذلك، وكان ((الأعمش، والثورى، وبقية)) يفعلون هذا النوع - نقلته من
خط شيخنا أيده الله].
وقوبل على كفاية الخطيب: ذكر شىء من أخبار المدلسين، ص ٣٦٤.
(١) ((سند)) هو الجد الخامس لأبى بكر النقاش، فى سياق نسبه بتاريخ بغداد ٢٠١/٢ (٦٣٥) وقد زاد
العراقى صنفًّا ثالثًا قال: هو شر الأقسام الثلاثة وهو تدليس التسوية، (التقييد ٩٥ - ٩٧ والتبصرة ١٩٠/١)
وحكى السيوطى فى (التدريب ٢٢٦/١) أن شيخ الإسلام ابن حجر زاد: تدليس العطف. وفى (توضيح التنقيح
٢٧٥/١) زاد ابن الوزير الصنعانى وجوها أخرى للتدليس فبلغ بها عشرة. وانظر (علوم الحاكم ١٠٣ - ١١٢،
وكفاية الخطيب ٣٥٨/١).
* المحاسن:
((فائدة: يدخل فى ذلك ما إذا لم يسقط شيخه وإنما أسقط غيره ضعيفًا أو صغيرًا،
تحسينًا للحديث. انتهت)) ٢٣/ظ
** المحاسن:
((فائدة: لا يقال فى الاعتراض على التقسيم: "قال ((الحاكم)): التدليسُ ستة: الأول،
قوم لم يميزوا بين ما سمعوه وما لم يسمعوه. الثانى: قوم يدلسون الحديث فإذا وقع لهم من
يُنْقَرُ عليهم ويلح فى سماعاتهم ذكروا له. الثالث: قوم دلسوا عن أقوام مجهولين لا ندرى
من هم. الرابع: قوم دلسوا أحاديث رووها عن المجروحين فغيروا أنسابهم وكُناهم لئلا
يعرفوا. الخامس: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير وربما فاتهم الشىء =
٦٠

٢٣٣
النوع الثانى عشر : معرفة التدلیس وحکم المدلس
أما القسم الأول فمكروه جدًّا، ذمةً أكثرُ العلماء، وكان ((شعبةُ)) من أشدهم ذمًّا له.
فروينا عن ((الشافعى الإِمام))، عنه،(١) أنه قال: "التدليس أخو الكذب". وروينا عنه أنه
(١) الضمير فى قوله: عنه، يعود على ((شعبة)) وقد أشار إلى ذلك على هامش (غ) لكن يبدو أن الناسخ أضاف
بعد قوله: الإِمام، كلمة [رضى اللّه] وَهْمًّا، وما هنا من (ص، ع).
وقول شعبة، حكاه الخطيب فى الكفاية ٣٥٥ بسنده إلى الإمام الشافعى، عن شعبة.
وعلى هامش (ز) [قال النووى فى شرح مسلم بعد قوله: "وكان شعبة من أشدهم ذمًّا له": وظاهر كلامه=
= عنهم فيدلسون. السادس: قوم رووا عن شيوخ لم يرووا عنهم قط، إنما قالوا: قال
فلان؛ فحُمِل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم سماع عنهم، عالٍ ولا نازل)،(١).
لأنا نقول: الأقسام الستة التى ذكرها ((الحاكم)) داخلة تحت القسمين السابقين،
فالقسم الأول والثانى والثالث والخامس والسادس داخلة تحت القسم الأول، والرابع عَيْنُ
القسم الثانى. وبيان ذلك أن من دلس فلم يميز بين ما سمع منهْ وما لم يسمع، فهو تدليس
فى الإِسناد. وأما من يدلس فإذا وقع له من ينقر عليه ويلح عليه ذكر له، فقد مثله
((الحاكم)) بأمثلة منها: ما رواه عن ((على بن خشرم)) قال لنا ابن عيينة: "عن
الزهرى" .. فذكر ما تقدم. ومثلَّ ((الحاكم)) الثالثَ بما رواه عن ((على ابن المدينى)) قال:
"حدثنى حسين الأشقر، ثنا شعيب بن عبدالله عن أبى عبدالله عن نَّوْفٍ. قال: بتّ عند
علىٍّ؛ فذكر كلامًا. قال ابن المدينى: فقلت لحسين: ممن سمعته؟ فقال: حدثنيه شعيب عن
أبى عبدالله عن نوف. فقلت لشعيب: من حدثك بهذا؟ قال: أبو عبدالله الجصاص. قلت:
عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقيت حمادًا فقلتُ: من حدثك بهذا؟ قال: بلغنى عن
فرقد السبخى عن نوف. فإذا هو قد دلَّس عن ثلاثة، والحديث بعدُ منقطع: و((أبو
عبد الله)) مجهول، و((حماد القصّار)) لا ندرى من هو، وبلغه عن ((فرقد)) وفرقد لم يدرك
((نوفًّا)) ولا رآه"(٢). وهذا يدخل تحت القسم الأول أيضًا كما تقدم فى الفائدة التى فيه.
وأما السادس فهو صريح فى القسم الأول، وأما الرابع فهو صريح فى القسم الثانى؛ فآلت
الأقسام الستة إلى القسمين المتقدمين .. ، وانتهت)) ٢٣/ظ.
-
(١) مستخلص من النوع السادس والعشرين: معرفة المدلسين الذين لا يميز من كتب عنهم بين ما سمعوه
(٢) قوبل على علوم الحاكم ١٠٥.
وما لم يسمعوه) معرفة الحاكم ١٠٣-١١٢.

٢٣٤
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
قال: "لَأن أزنى أحبُّ إلىَّ من أن أدلس»(١). وهذا من ((شعبةَ)» إفراطٌ محمولٌ على المبالغة
فى الزجر عنه والتنفير".
= أنه حرام وتحريمه ظاهر، فإنه يوهم الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به، ويؤدى أيضًا إلى إسقاط العمل
برواية نفيسة، مع ما فيه من الغرر. ثم إن مفسدته دائمة. وبعض هذا يكفى فى التحريم فكيف باجتماع هذه
" " الأمور؟ ثم قال - النووى - بعد فى سياق من احتج بروايته فى الصحيحين من المدلسين: ودليل هذا أن
:
التدليس ليس كذبًا. وإن لم يكن كذبًا - وقد قال الجماهير: إنه ليس محرمًا - والراوى عدل ضابط، وقد بين
سماعه، وجب الحكم بصحته، والله أعلم]. قوبل على مقدمة النووى لشرح مسلم (٣٣/١).
(١) مقدمة الجرح والتعديل لابن أبى حاتم (باب ما ذكر من شدة قول شعبة فى التدليس وكراهيته له:
١٧٣/١) والخطيب بسنده إلى المعافى - بن عمران، ياقوتة العلماء - عن شعبة (الكفاية ٣٥٦) وابن حبان فى
مقدمة المجروحين (٩٢/١).
المحاسن :
((فائدة: قد جاء عن شعبة: "التدليس فى الحديث أشد من الزنى، ولأن أسقط من
السماء أحَبُّ إلىَّ من أن أدلس" وهذا الذى قاله ((شعبة)) ظاهر، فإن آفة التدليس لها
ضرر كبير فى الدين، وهى أضر من أكل الربا، وقد جاءت أحاديثُ محتَج بها تدل على أن
أكل درهم من ربا أشد من الزنى، على وجوه مروية، وقد بسطنا القول فيها فى: باب
ما جاء فى التغليظ فى أكل الربا، فى الكتاب الذى سميناه (العرف الشذى على جامع
الترمذى) فلينظر منه. قال ((الخطيب)): "فإن قيل، يجب ألا تقبلوا قول المدلس: أخبرنى
فلان، لأن ذلك يُستعمل فى السماع و[فى] غيره؛ فيُقال: أخبرنى، على قصد المناولة
والإِجازة والمكاتبة" وأجاب بأن هذا لا يلزم، لأن هذه اللفظة ظاهرها السماع، والحمل
على غير ذلك مجاز، والحمل على الظاهر أولى. وما ذكره («الخطيب» حسن. وما ورد فى
حديث الرجل الذى هو آخر من يقتله الدجال أنه يقول له: "أنت الدجال الذى أخبرنا
- وفى رواية: حدثنا- عنك رسول اللّه وَلـ" لا يخالف ما تقدم، لأن السماع حيث كان =
- ما هنا عن شعبة، قوبل على (الجرح والتعديل لابن أبى حاتم. ولفظه بالسند إلى أبى الوليد الطيالسى : .
سمعت شعبة يقول: لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أقول: زعم فلان، ولم أسمع منه)) ١٧٣/١ ومثله فى
(كتاب المجروحين لابن حبان: ٩٢/١) بسنده إلى عفان بن مسلم عن شعبة.
:
- وما نقل البلقينى عن الخطيب، قوبل على أخبار المدلسين فى (الكفاية ٣٦٣).
.

٢٣٥
النوع الثانى عشر : معرفة التدليس وحكم المدلس
ثم اختلفوا فى قبول رواية من عُرِفَ بهذا التدليس، فجعله فريق من أهل الحديث .
والفقهاء مجروحًا بذلك، وقالوا: لا تُقبَل روايتُه بحالٍ، بَيَّنَ السماع أو لم يُبَيِّنْ.
والصحيح التفصيلُ: وأن ما رواه المدلِّسُ بلفظٍ محتمل لم يبيِّن فيه السماعَ والاتصالَ،
حُكُمُهُ حُكْمُ المرسَل وأنواعِه، وما رواه بلفظ مُبيِّنٍ للاتصال نحو: سمعت، وحدثنا،
وأخبرنا .. وأشباهِها؛ فهو مقبول مُحتَجِّ به، وفى (الصحيحين) وغيرهما من الكتب المعتمدة
من حديث هذا الضرب كثير جدًّا، كَـ: قتادةَ، والأعمش، والسُّفيانَيْنِ، وهُشَيْم بن بَشِيرِ،
وغيرهم. وهذا لأن التدليس ليسٍ كذبًا وإنما هو ضرب من الإِيهام بلَفظ محتمل. والحكم
بأنه لا يُقْبَلُ من المدلِّس حتى يُبَيَّنَ، قد أجراه ((الشافعىُّ)) رضى الله عنه، فيمن عرفناه
دلَّس مرةً(١)، والله أعلم.
وأما القسم الثانى فأمرُه أخَفُّ، وفيه تضييع للمرويِّ عنه وتوعيرٌ لطريق معرفته على
من يطلب الوقوفَ على حاله وأهليتهٌ. ويختلف الحالُ فى كراهة ذلك بحسب الغرض
الحامل عليه، فقد يحمله على ذلك كون [١٧/ظ] شيخه الذى غَيَّرَ سِمَتَه غير ثقة، أو
كونُه متأخرَ الوفاة قد شاركه فى السماع منه جماعةٌ دونه، أو كونُه أصغر سنًّا من الراوى
(١) ((فقد أبان لنا عورته بروايته)): الرسالة للإِمام الشافعى: ١٦٤ وعلى هامش (غ): [زاد النووى ههنا
فى (مختصره) زيادة حسنة فقال: وما كان فى (الصحيحين) وشبههما عن المدلسين بـ: عن؛ محمول على ثبوت
السماع من جهة أخرى. والله أعلم] - التقريب ٢٣٠/١ وانظر تقييد العراقى ٩٩.
= السماع ممكنًّا، وحينئذ تعين الحملُ على المجاز بالقرينة، نحو قول أبى طلحة: إنى
سمعت اللّه يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ الحديث. والمراد: سمعت
كلام اللّه، ونحو ذلك. وجواب آخر: وهو أن ذلك الرجل يقال إنه ((الخضر)) كما نقل عن
((أبى إسحاق السبيعى)) فإن صح، كانت اللفْظَةُ على بابها. انتهت)) ٢٤/ظ
* المحاسن:
((فائدة: توعير الطريق قد يكون لامتحان الأذهان فى استخراج المدلسات
واختبار الحفظ، وقد يكون لغير ذلك فتحصل المفسدة. انتهت))٢٥/و

٢٣٦
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
عنه، أو كونُه كثيرَ الرواية عنه، فلا يُحبُّ الإِكثار من ذكرِ شخصٍ واحد على صورة
واحدة(١). وتَسمح بذلك جماعةٌ من الرواة المصنفين، منهم ((الخطيبُ أبو بكر)) فقد كان
لهِجًّا به فى تصانيفه، والله أعلم(٢).
(١) على هامش (غ): [قال الشيخ: "بعض هذه الأغراض مذموم قادح فيمن فعله لذلك الغرض عالمًا به،
وهو أن يترك ذكر الراوى لأنه لو صرح به لَعُلِمَ ضعفه ولم يقبل حديثه. وإنما قلنا إنه قادح، لما فيه من عدم
النصح وترويج الباطل. وأكثر مقصود المتأخرين فى التدليس طلب العلو أو إبهام كثرة المشايخ" - وهذه أمثلة
ذكرها الشيخ فاختصر عن نقلها- ثم قال بعد ذلك: فهذا كله إذا كان تدليسًا فى نفس الأمر، فليس بكذب،
وإنما المقصود منه الإِغراب].
وقال العراقى: ((المصنف بين الحكم فيمن عُرف بالقسم الأول من التدليس، ولم يبين الحكم فى القسم الثانى،
وإنما قال "إن أمره أخف" فأردت بيان الحكم فيه للفائدة: وقد جزم ((أبو نصر ابن الصباغ فى كتاب العدة، أن
من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة عند الناس وإنما أراد أن يغير اسمه ليقبلوا خبره، يجب ألا يقبل
خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة فقد غلط، لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو. وإن كان لصغرٍ
سنه، فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه. والله أعلم)) (التقييد
والإِيضاح ١٠٠).
(٢) على هامش (ص): [بلغ ناصر الدين محمد ولد قاضى القضاة كمال الدين ابن العديم، قراءة بحث
على، وعمه زين الدين عبدالرحمن، وشمس الدين محمد بن خليل الحلبى سماعًا. كتبه عبد الرحيم بن الحسين.

/
النوع الثالث عشر
معرفة الشاذَ
روينا عن ((يونس بن عبد الأعلى)) قال: قال لى ((الشافعى)) رضى الله عنه (١):
"ليس الشاذَّ من الحديث أن يروى الثقةُ ما لا يروى غيره، إنما الشاذ أن يروىَ الثقةُ
حديثا يخالفُ ما رَوَى الناس،(٢).
وحكى ((الحافظ أبو يعلى الخليلى القزوينى)» نحوَ هذا عن الشافعى، رحمه الله، وجماعةٍ
من أهل الحجاز ثم قال: "الذى عليه حُفَّاظُ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد
. واحد، يشذُّ بذلك شيخٌ، ثقةً كان أو غير ثقة، فما كان غير ثقة فمتروك لا يُقبَل؛ وما كان
عن ثقة، يُتَوقَّف فيه ولا يُحْتَجِّ به".
وذكر ((الحاكم أبو عبدالله الحافظ)) أن الشاذ هو الحديث الذى ينفرد به ثقة من
الثقات وليس له أصل بمتابع(٣) لذلك الثقة. وذكر أنه يغاير المعلَّلَ، من حيث أن المعَلل(٤)
وُقِفَ على عِلَّتِه الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علةٍ كذلك(٥).
قال الشيخ أبقاه الله: أما ما حكم ((الشافعىُّ)) عليه بالشذوذ، فلا إشكالَ فى أنه شاذ
غير مقبول. وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدلُ الحافظ الضابط،
كحديثٍ "إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث فرد، تفرد به ((عمرُ)) رضى الله عنه عن
(١) من (ص) وفى متن المقدمة بالتقييد والإيضاح: [رحمه الله].
(٢) الحاكم، بسنده إلى يونس بن عبد الأعلى عن الإِمام الشافعى (المعرفة ١١٩).
(٣) العراقية، و (غ) وفوقه: [كذا وقع] ومثله بهامش (ز) مع حاشية: [وصوابه: متابع، أو بمتابعة ذلك
الثقة].
وعبارة الحاكم فى متن مطبوعة المعرفة ١١٩: ((وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة)). وعلى هامشه: فى ش
[بمتابع] أى فى نسخة الظاهرية بدمشق.
(٤) لفظ الحاكم فيها: المعلول (ص ١١٩).
(٥) [بلغ مقابلة بالأصل المقابل على أصل السماع، ثم بلغ مقابلة عليه ثانية]. (غ) بخط ابن الفاسى.
٢٣٧
٠

٢٣٨
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
رسول الله وَ﴾، ثم تفرد به عن عمر: ((علقمةُ بن وقاص(١)) ثم عن علقمة: ((محمدُ بن
إبراهيم)) ثم عنه(٢): ((يحيى بنُ سعيد)) على ما هو الصحيح عند أهل الحديث *.
(١) ((علقمة بن وقاص)) الليثى المدنى التابعى. وكان فى (غ، ز): [بن أبى وقاص] ثم كشطت [أبى] فى.
الأولى، وضرب عليها فى الثانية، وفوقها: صح.
(٢) الضمير لمحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى أبى عبد الله المدنى التابعى. ومن هذه الطريق، رواه:
البخارى: فى ك الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية (فتح البارى ٦/١-١٤) وفيه تخريجه من مختلف طرقه.
ثم فى كتب: العتق، ومناقب الأنصار، والطلاق، والأيمان.
ومسلم : فى كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنية" (ح ١٩٠٧) ١٥١٥/٣.
وأبو داود: ك الطلاق، باب فيما عنى به الطلاق والنيات (ح/٢٢٠): ٢٦٢/٢.
والترمذى: أبواب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا (١٥١/٨ عارضة الأحوذي).
والنسائى: طهارة، باب النية فى الوضوء (٥٨/١) وفى الطلاق، والأيمان.
وابن ماجه: فى الزهد، باب النية (ح ٤٢٢٧) ص/١٤١٣، والإمام أحمد فى مسند عمر رضى الله عنه
٢٥٨/١ معارف. وانظر الإِلماع: ٥٤.
* المحاسن:
((فائدة: جواب الإِشكال أن الانفراد هنا لم يحصل فيه الشذوذ المقصود، لحصول
الشهرة بعد ذلك. فلا يرد على من قال: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد. وأما على
طريق ((الحاكم)) فالمراد بالانفراد: ما خالف الشواهد أو القواعد. وهذا غير موجود فى
حديث "إنما الأعمال بالنيات". ولا يقال: لم ينفرد عمر رضى الله عنه بذلك فقد رواه عن
سيدنا محمد رسول الله و ﴿ل جماعةٌ كثيرة منهم: أبو سعيد الخدرى - ذكره الدارقطنى -
وذكر ابنُ منده فى (المستخرج) أنه رواه عن النبى وَلَ: ((علىُّ بن أبى طالب، وسعد بن
أبى وقاص وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وابن عباس، ومعاوية، وأبو هريرة، وعبادة
بن الصامت، وعتبة بن عبد، وهَزَّال بن سويد، وعقبة بن عامر، وأبو ذر الغفارى، وجابر،
وعتبة بن النَّدَّر، وعقبة بن مسلم)» وذكر أحاديثهم فيه؛ لأنا نقول: لم يصح ذلك عن واحد
من المذكورين. أما حديث أبى سعيد، فرواه عبد المجيد الثقفى، وهو موثق، عن مالك
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى عن النبى الآن : =

٢٣٩
النوع الثالث عشر: معرفة الشاذّ
= "الأعمال بالنية" وقد وهَّمه الحفاظ فيه (١). وأخرجه أبو يعلى الخليلى فى (كتاب
الإِرشاد)(٢) وقال فى موضع آخر: وهو غير محفوظ عن زيد بن أسلم بوجه، وهو مما أخطأ
فيه الثقة عن الثقة. ورواه الدارقطنى فى (أحاديث مالك التى ليست فى الموطأ) ولفظه:
"إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى" الحديث. وقال: تفرد به عبد المجيد عن
مالك(٣)، ولا يُعلَم حدث به عن عبدالمجيد، غير نوح بن حبيب وإبراهيم بن محمد
العتيق. وأما الصحابة الذين ذكرهم «ابنُ منده)»، فلم يَذكر الأسانيد حتى يُنظَر فيها، فلا
يرد شىء منها ولا يحفظ لها سند، إلا ما كان من حديث ((أنس)) فإن بقية بن الوليد روى
عن إسماعيل النصرى عن أبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّهِ وَله: "لا يقبل
اللّه قولا إلا بعمل، ولا يقبل قولا ولا عملًا إلا بِنَّة، ولا يقبل قولا ولا عملا ونية
إلا بإصابة السنة" أخرجه ((الحافظ أبوالقاسم على الدمشقى)) فى المجلس الأول من
(أماليه) وقال: هذا حديث حسن.(٤) و ((بقيَّةُ)) الكلام فيه معروف. فظهر أنه - أى
الحديث - لم يصح عن أحد إلا عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فهو من أفراد عمر،
على الصحيح.
=
(١) ((وسئل الدارقطنى عن حديث عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه وَل " إنما
الأعمال بالنية" الحديث فقال: يرويه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد عن مالك عن زيد بن أسلم عن ...
عطاء بن يسار عن أبى سعيد. وأصحاب مالك يروونه عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن
علقمة بن وقاص عن عمر عن النبى (وَلّ، وهو الصحيح»
(العلل للدارقطنى: (٢٢٣/٣ خط) حديث أبى سعيد الخدرى، رضى الله عنه.
(٢) كتاب (الإِرشاد فى علماء البلاد) لأبى يعلى الخليلى: ١٥ مخطوط الخزانة العامة بالرباط، رقم:
٥٢٨ ك / انتخاب الحافظ أبى طاهر السلفى.
(٣) فى العلل للدارقطنى، وسئل عنه، ((قال: وروى هذا الحديث مالك بن أنس، واختلف عنه، فرواه
عبد المجيد بن عبدالعزيز بن أبى رواد عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد، ولم يتابع
عليه. وأما أصحاب مالك الحفاظ فرووه عن: مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن
عمر، وهو الصواب».
(العلل ٥٢/١ -٥٧) حديث عمر، رضى الله عنه.
(٤) أبو القاسم ابن عساكر، على بن الحسن بن هبة الله - ٥٧١ هـ.
انظر ابن حجر فى (فتح البارى ٦/١ - ١٤، وفى النخبة ٣٣-٣٦).

٢٤٠
مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح
= ولا يقال أيضًا: ((أبو يعلى، والحاكم)) إنما ذكرا الثقة دون الحفظ، فلا يستشكل كلامهما
بحديث "إنما الأعمال" لما تقدم من أنه انفرد به العدل الحافظ الضابط، فالحفظ والضبط
زيادة على الثقة؛ لأنا نقول: أطلقا .. [يعنى: أبا يعلى والحاكم] الثقةَ. ومن جملة ما يدخل
تحته، ما إذا كان الثقة حافظًا.
ولا يقال: إن أراد بالعدل الحافظ الضابط ((أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب)) فكلامه
بعيد من الصواب لأن مثل هذا لا يوصف به عمرُ، وإن أراد بقيةَ منَ فى السند فغير
مُسلَّم، لأن علقمة ومحمدا [بن إبراهيم] لم يقل أحد إنهما حافظان؛
لأنا نقول: نعم أراد بالعدل الحافظ الضابط جميع رجال السند، وما المانع من إطلاق
لك على عمر رضى الله عنه عمومًا وخصوصًا؟ وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وكذلكَ
جَعَلناكُم أمَّةً وَسَطا﴾؟ قال المفسرون: خيارًا عدولا. وقال تعالى: ﴿إِنْ كلَّ نَفسٍ لَمَّا
عَليها حافِظ﴾ فوصف الملائكة بالحفظ. وليت شعرى ما يقول هذا المعترضُ فى قول
الأصوليين والمحدثين فى مسألة: الصحابة كلهم عدول؟ ولكن الانتهاض لمجرد
الاعتراض من جملة الأمراض. وأما علقمة ومحمد، فوصفُهما بالحفظ ليس على طريق
الاصطلاح الحادث، بل لأن الأئمة تلقوا حديثهما بالقبول، وذلك دليل على الضبط
المقتضى للحفظ. وقد ترك المعترضُ أن يقول: لم ينفرد به ((علقمة بن وقاص)) فقد رواه
عن عمر، غير علقمة: ((جابر بن عبد الله الأنصارى، وعبدُ اللّه بن عامر بن ربيعة،
وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو جُحيفة، وذو الكلاع، ومحمد بن المنكدر، وواصل .... ،
وعطاء بن يسار، وناشرة بن سُمَىّ، وسعيد بن المسيب)). وأيضًا لم ينفرد به ((محمد بن
إبراهيم)) عن علقمة، فقد رواه عنه: ((نافع مولى ابن عمر، وابن المسيب)) كذا ذكره ابن
منده فى (المستخرج) مع ذكره ابنَ المسيب فى جملة من روى عن عمر. لكن رواية ابنٍ
المسيب عن عمرَ منقطعة، وروايته عن علقمة متصلة. ولم ينفرد يحيى بن سعيد برواية ذلك
عن محمد بن إبراهيم، فقد رواه عن محمد بن إبراهيم: ((محمدُ بن محمد بن علقمة، وداودُ
بن أبى الفرات، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحجاج بن أرطاة، وعبد ربه بن سعيد)) هذا
كله من كلام ((ابن منده)) فى (المستخرج) ولكن لما لم تصح أسانيد ذلك، كان=