النص المفهرس
صفحات 361-380
والثَّانِيَّةُ: تَصنيفُهُ عَلَى المسانيدِ، وجمعُ حديثِ كُلِّ صَحَابِيٍّ وَحْدَهُ وإِنِ اخْتَلَفتْ أنواعُهُ، ولِمَنِ اخْتَارَ ذَلِكَ أنْ يُرَتِبَهُمْ (١) عَلَى حروفِ المعجمِ في أسْمَائِهِمْ ، ولهُ أنْ يُرَتَّبَهُم عَلَى القبائِلِ ، فَبْدَأُ بني هاشِمٍ ثُمَّ بِالأَقْرَبِ نَسَباً مِنْ رَسولِ اللهِعَ ﴿، ولهُ أنْ يُرَتِّبَ عَلَى سَوَابِقِ الصَّحَابَةِ ، فَبْدَأُ بالعَشَرَةِ، ثُمَّ بأهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ بأهلِ الْحُدْنَةِ، ثُمَّ بِمَنْ أَسْلَمَ وهَاجَرَ بِينَ الْحُدْبَةِ وفَتْحِ مَكَّةَ ، وَيَخْتِمُ بأصَاغِرِ الصَّحَابَةِ كأبي الطُّفَيْلِ وِنِظرائِهِ ، ثُمَّ بالنِّسَاءِ ، وهذا أحْسَنُ ، والأوّلُ أسْهِلُ . وفِي ذَلِكَ مِنْ وُجوهِ التَّرْتِيبِ غيرُ ذَلِكَ . ثُمَّ إِنَّ مِنْ أعلى المراتِبِ في تَصنيفِهِ تَصنيفَهُ مُعَلَّلاً (٢) ، بأنْ يَحْمَعَ في كُلِّ حديثٍ طُرُقَهُ وَاخْتِلافَ الرواةِ فيهِ ، كما فَعَلَ يَعْقُوبُ بِنُ شَيْيَةَ في " مُسندِهِ ". ومِمَّا يَعْتَنُونَ بهِ في التَّأليفِ جَمْعُ الشّيُوخِ ، أي: جَمْعُ حديثِ شُيوخٍ مَخْصُوصِينَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُم عَلَى انفرَاده . قالَ عُثمانُ بنُ سَعِيدٍ الدارميُّ: ((يُقَالُ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ حديثَ هَؤُلاءِ الخمسَةِ فهوَ مُفْلِسٌ في الحديثِ : سُفْيَانُ، وشُعْبَةُ ، ومالِكٌ، وحَمَّدُ بنُ زَيْدٍ ، وابنُ عُيينةً ، وهمْ أصُولُ الدينِ)) (٣) . وأصْحابُ الحديثِ يَجْمَعُونَ حديثَ خَلقِ كثيرٍ غيرَ الذينَ ذَكَرَهُمُ الدارميُّ ، مِنْهُم: أُوبُ السّختيانيُّ، والزُّهْرِيُّ، والأَوْزَاعِيُّ، وَيَحْمَعُونَ أيضاً التَّراجِمَ ، وهيَ أسانيدُ يَخصُّونَ (٤) ما جاءَ بها بالجمْعِ والتأليفِ ، مثلُ : تَرْجَمةِ مالِكٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابنِ عُمَرَ ، وتَرْجَمةِ سُهَيْلٍ مِنِ أبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وتَرجَمةِ هِشَامٍ بِنِ عُرْوةَ ، عَنْ أبيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، في أشباه لِذَلِكَ كثيرةٍ ، ويَحْمَعُونَ أَيْضاً أبواباً مِنْ أبوابِ الكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الجامِعَةِ للأحْكامِ فَيُفْرِدونَها بالتَّأْلِيفِ ، فَتَصِيْرُ كُتُباً مُفْرَدَةً، نحوُ : بابِ رُؤْيةِ الله - عَزَّوَجَلّ -، وبابِ رَفْعِ اليدينِ ، وبابِ القراءةِ خَلْفَ الإمامِ ، وغيرِ ذَلِكَ . ويُفْرِدونَ (١) في الشذا: ((يرتبه))، وكذا ما بعدها . (٢) في (أ) و (ع): (( في تصنيفه معللاً)). (٣) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١٩٠٧ ). (٤) في ( ب ): ((يحصون)). ٣٦١ أحاديثَ فَيَجْمَعُونَ طُرُقَها فِي كُتُبِ مُفْرَدة ، نحوُ : طُرُقِ حديثٍ قَبْضِ العِلْمِ، وحديثٍ الغُسْلِ (١) يَومَ الْجُمُعَةِ ، وغيرِ ذَلِكَ . وكثيرٌ مِنْ أنواعٍ كِتابنا هذا قَدْ أَفرَدُوا أحاديْثَهُ بالْجَمْعِ والتَّصْنِيفِ . وعليهِ في كُلِّ ذَلِكَ، تَصْحِيحُ القَصْدِ والْحَذَرُ مِنْ قَصْدِ المكاثَرَةِ ونَحْوِهِ ، بَلَغَنَا عَنْ حَمْزَةَ بنِ مُحَمَّدٍ الكِنَانِيِّ (٢) أَّهُ خَرَّجَ حديثاً واحِدً مِنْ نَحوٍ مِنْتَي طريقٍ ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ ، فرأى يَحْىِ بنَ مَعينٍ في مَنَامِهِ ، فَذَكَرَ لهُ ذَلِكَ، فقالَ لهُ: ((أَخْشَى أنْ يَدْخُلَ هذا تَحْتَ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴾ (٣)) (٤) . ثُمَّ لِيحذَرْ أنْ يُخرِجَ إلى الناسِ ما يُصَنِّفُهُ إِلاَّ بَعْدَ تَهْذِيْهِ وتَحْرِيرِهِ وإعادةِ النَّظَرِ فيهِ وتَكْرِيْرِهِ (٥) . وليَتَّقِ أنْ يَحْمَعَ ما لَمْ يَتَأَهَّلْ بَعْدُ لاجْتِناءِ ثَمَرَتِهِ واقْتِنَاصِ فَائِدةٍ جَمْعِهِ ؛ كَيْلا يَكونَ حُكْمُهُ مَا رُوّيْنَاهُ (٦) عَنْ عليٍّ بنِ المدينِيِّ، قالَ: إذا رأيْتَ الْحَدَثَ أوَّلَ مَا يَكْتُبُ الحدِيثُ يجمعُ حديثَ ((الغُسْلِ)) وحديثَ: ((مَنْ كَذَبَ )؛ فاكْتُبْ عَلَى قَفَاهُ لا يُفْلِحُ)) (٧) . ثُمَّ إِنَّ هذا الكتابَ مَدْخَلٌ إلى هذا الشَّأنِ، مُفْصِحٌ عَنْ أُصُولِهِ وفُروعِهِ، شارحٌ (٨) لمصطلحات أهلهِ ومقاصدِهم ومُهمَّاهِم التي ينْقُصُ المُحَدِّثُ بالجهلِ بها نقْصاً فاحِشَاً، فهو إن شاءَ اللهُ جديرٌ بأنْ تُقَدَّمَ العنايةُ بِهِ ، ونسألُ اللهَ سبحانَهُ فَضْلَهُ العظيمَ ، والله أعلمُ . (١) في (جـ): ((غسل)). (٢) في ( ب) و (جـ): ((الكتاني)) بالتاء، وهو خلاف ما جاء في (أ) و(ع) و (م) والتقييد والشذا الفياح، ومصادر ترجمته. انظر: تاريخ دمشق ١٥ / ٢٣٩، وتذكرة الحفاظ ٣ / ٩٣٢، والسير ١٦ / ١٧٩، وشذرات الذهب ٣ / ٢٣ . (٣) التكاثر : ١ . (٤) أخرجه ابن عبد البر في بيان جامع العلم ١٣٢/٢، وهو في تذكرة الحفاظ ٩٣٣/٣، والسير ١٨٠/١٦. (٥) انظر : الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٢٨٣ . (٦) في ( ب ): (( روينا)). (٧) أخرجه الخطيب في الجامع ٢ / ٣٠١ (١٩١٢). (٨) في (م): ((شارع)) . ٣٦٢ النَّوْعُ التَّاسِعُ والعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ الإِسْنَادِ العَالِي والنَّازِلِ (١) أَصْلُ الإِسْنَادِ أوْلاً خَصِيصَةٌ (٢) فاضِلَةٌ مِنْ خَصَائِصِ هذهِ الأُمَّةِ (٣) ، وسُّئَّةٌ بالِغَةٌ مِنَ السُّنَنِ المؤَكْدَةِ. رُوِّيْنا مِنْ غِيرِ وَجْهٍ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ ◌َُهِ، أَنَّهُ قالَ: ((الإِسْنَادِ مِنَ الدِّيْنِ ، لَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ)) (٤). وطَلَبُ العُلُوِّ فِيهِ سَُّّةٌ أيضاً ، ولِذَلِكَ اسْتُحَِّّتِ الرِّحْلَةُ فِيهِ - عَلَى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ (٥) -. قالَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ◌َُ: ((طَلَبُ الإِسْنَادِ العالِي سُنَّةٌ عَمَّنْ سَلَفَ))(٦). وَقَدْ رُوِّيْنا أنَّ يَحْتَى بِنَ مَعِينِ رَظُهَ قيلَ لهُ في مَرَضِهِ الذي ماتَ فيهِ : (« ما تَشْتَهِي ؟ قالَ بيتٌ خالي وإِسْنادٌ عالِي))(٧). (١) انظر في ذلك : معرفة علوم الحديث : ٥-١٤، والجامع لأخلاق الراوي ١١٥/١ وما بعدها ، وجامع الأصول ١١٠/١ - ١١٥، والإرشاد: ٥٢٩ - ٥٣٧، والتقريب: ١٥٠-١٥٢، والاقتراح: ٣٠١ - ٣٠٨ ، واختصار علوم الحديث : ١٥٩ - ١٦٤، والشذا الفياح ٢/ ٤١٩ - ٤٣٤، والمقنع ٤٢١/٢ - ٤٢٦، وشرح التبصرة ٣٦٠/٢، ونزهة النظر: ١٥٦، وفتح المغيث ٣/٣ - ٢٦، وتدريب الراوي ١٥٩/٢-١٧٢، وفتح الباقي ٢٥٦/٢، وتوضيح الأفكار ٣٩٥/٢ -٤٠١ . (٢) بفتح الخاء وكسر الصاد المخففة بوزن فعيلة كما ضبطها الحافظ الدمياطي في تعليقه عَلَى علوم الحديث لابن الصلاح . وللسيوطي رسالة " ألوية النصر في أن خِصِّيْصى بالقصر - بكسر الخاء والصاد المشددة - يرد بها عَلَى السخاوي ، كما في حاشية تدريب الراوي ٢ / ١٥٩، وانظر: لسان العرب ٧ / ٢٤، وتاج العروس ١٧ / ٥٥٠، والمعجم الوسيط ١ / ٢٣٨ . (٣) انظر: شرف أصحاب الحديث: ٤٠-٤٣، والملل والنحل ٨١/٢-٨٤، والإرشاد ٥٢٩/٢ للنووي ، وتدريب الراوي ١٥٩/٢، وفتح المغيث ٤/٣، والباعث الحثيث : ١٥٩. (٤) أسنده إليه مسلم في مقدمة صحيحه ١٥/١، والرَّامهرمزي في الْمُحَدِّث: ٢٠٩، والحاكم في معرفة علوم الحديث: ٦، والخطيب في الجامع (١٦٤٣)، وفي شرف أصحاب الحديث: ٤١، وابن عبد البر في التمهيد ١ / ٥٦ . (٥) راجع: محاسن الاصطلاح : ٣٧٩ . (٦) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١١٧ ). (٧) هكذا رسم في النسخ الخطية و ( ع) و (م) والتقييد والشذا ومجموعة من المصادر التي أوردته بإثبات ياء المنقوص من ( خالي ، وعالي ) . ٣٦٣ قلتُ: العُلُوُّ يُبْعِدُ الإِسْنَادَ مِنَ الخللِ؛ لأنَّ كُلّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِهِ يُحتملُ أنْ يَقَعَ الخلُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْواً أوْ عَمْداً ، ففي غِلْتِهِمْ إِلَّهُ جِهاتِ الخللِ، وَفِي كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةُ جِهاتُ الخللِ، وهذا جَلِيٌّ واضِحٌ . ثُمَّ إِنَّ عُلُوَّ المطلوبِ في رِوايةِ الحديثِ عَلَى أقْسامٍ خَمْسَةٍ (١): أوّلُها: القُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﴿َ بِإِسْنادِ نظيفٍ غيرِ ضعيفٍ، وذَلِكَ مِنْ أَجَلٌ أنواعِ العُلُوِّ. وَقَدْ رُوَّيْنا عَنْ مُحَمَّدٍ بِنٍ أَسْلَمَ الطَّوسِيِّ الرَّاهِدِ (٢) العَالِمِ ﴿ أَنَّهُ قالَ: ((قُرْبُ الإِسْنَادِ قُرْبٌ أو قُرْبَةٌ إلى الله عَزَّوَجَلٌ)) (٣). وهذا كما قالَ؛ لأنَّ قُرْبَ الإِسْناد قُرْبٌ إلى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ه، والقُرْبُ إليهِ قُرْبٌ إلى (٤) الله عَزَّوَجَلِّ. الثّاني : - وهوَ الذي ذَكَرَهُ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ (٥) - : القُرْبُ مِنْ إمامٍ مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ وإِنْ كَثُرَ العددُ مِنْ ذَلِكَ الإمامِ إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ه. فإذا وُجدَ ذَلِكَ في إسْنادٍ، وُصِفَ بالعُلُوِّ نَظَراً إلى قُرْبِهِ مِنْ ذَلِكَ الإِمامِ وإِنْ لَمْ يَكُنْ عالياً بالنسْبَةِ إلى رسولِ اللهِوَ﴿. وكلامُ الحاكِمِ يُوهِمُ أنّ القُرْبَ مِنْ رَسُولِ اللهِ لا يُعَدُّ مِنَ العُلُوِّ المطلوب أَصْلاً؛ وهذا غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ؛ لأنَّ الْقُرْبَ مِنْهُ رَ ◌ّ بِإِسْنَادِ نَظِيْفٍ غيرِ ضَعِيْفٍ أوَّلَى بذلكَ. ولا يُنازِعِ في هذا مَنْ لهُ مُسْكَةٌ (٦) مِنْ مَعرفةٍ ، وكأنّ الحاكِمَ أرادَ بكلامِهِ ذَلِكَ إثباتَ (١) كما قسمه أبو الفضل مُحمد بن طاهر في جزء له اسمه: " العلو والنزول " ص ٥٧ ، وتبعه في ذَلِكَ المصنف كما أشار إلى ذَلِكَ الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٣٦٢ . (٢) هو الإمام أبو الحسن مُحمد بن أسلم بن سالم بن يزيد الكندي الطوسي الزاهد ، صاحب المسند والأربعين، توفي سنة ٢٤٢ هـ، حلية الأولياء ٩ / ٢٣٨، وشذرات الذهب ١٠٠/٢، والرسالة المستطرفة : ٦٤ . (٣) أخرجه الخطيب في الجامع (١١٥ ). (٤) في (م) والشذا: ((من)). (٥) معرفة علوم الحديث : ١١ . (٦) يُقال: رجلٌ ذو مُسْكَةٍ ومُسْكٍ، أي: رأي وعقل يُرجَعُ إليهِ، وَفُلانٌ لا مُسْكَةَ لهُ، أي: لا عَقْل له، ويقال: ما بفلانٍ مُسْكَة ، أي: ما به قوة ولا عقل، ويُقَال: فيهِ مُسْكَةٌ مِنْ خَيْرِ ، أي: بقيّة ، وليسَ لأمرِهِ مُسْكَةٌ ، أيّ: أثر أو أصل يُعَوَّلُ عليهِ. انظر: اللسان ٤٨٨/١٠، والمعجم الوسيط ٨٧٠/٢. ٣٦٤ العُلُوِّ للإسْنادِ بِقُرْبِهِ (١) مِنْ إمامٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَرِيباً إلى رسولِ اللهِ﴿ِ، والإنكارَ عَلَى مَنْ يُراعي في ذَلِكَ مُحَرَّدَ قُرْبِ الإسنادِ إلى رسولِ اللهِلَ﴿ وإنْ كانَ إسناداً ضَعِيْفاً، ولهذا مَثَلَ ذَلِكَ بحديثِ أبِي هُدْبةَ ، ودِينارٍ، والأَشَجِّ ، وأَشْبَاهِهِمْ (٢) ، والله أعلمُ . الثّالِثُ: العُلُوُّ (٣) بالنّسبةِ إلى روايةِ " الصحيحينِ " ، أو أحدِهِما، أو غيرِهِما مِنَ الكُتُبِ المعروفةِ المعتمَدةِ ، وذَلِكَ ما اشتهرَ آخِراً مِنَ الموافَقَاتِ ، الأبدالِ ، والمساواة ، والمصافحةِ . وقَدْ كَثُرَ اعْتِنَاءُ المحدِّثينَ المتأخِّرِينَ بهذا النوعِ، ومِمَّنْ وجدْتُ هذا النوعَ في كَلامِهِ أبو بكرِ الخطيبُ الحافِظُ وبعضُ شُيُوخِهِ ، وأبو نَصْرِ ابنُ ماكُولا (٤)، وأبو عبدِ اللهِ الْحُمَيْدِيُّ ، وغيرُهُمْ مِنْ طَبَقَتِهِمْ ومِمَّنْ جاءَ بَعْدَهُمْ . أمَّا الموافقَةُ: فهيَ أنْ يَقَعَ لكَ الحديثُ عَنْ شَيْخٍ مُسْلِمٍ فِيهِ مَثَلاً عالياً بعددٍ أَقَلْ مِنَ العدَدِ الذي يَقَعُ لكَ بِ ذَلِكَ الجديثُ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ إذا رَوَيَتَهُ عَنْ مُسْلِمٍ عنْهُ. وأمَّا البَدَلُ: فَمِثْلُ أنْ يَقَعَ لِكَ هذا العُلُوُّ عَنْ شيخٍ غَيْرِ شَيْخٍ مُسْلِمٍ ، هوَ مِثلُ شيخٍ مُسْلِمٍ فِي ذَلِكَ الحديثِ. وقدْ يُرَدُّ البَدَّلُ إلى الموافَقَةِ ، فَيُقَالُ فيما ذكَرْناهُ: إِنَّهُ موافقةً عالِيةٌ فِي شَيْخِ شَيْخِ مُسْلِمٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عالياً فهوَ أيضاً مُوافقةٌ وبَدَلٌ ، لَكِنْ لاَ يُطْلَقُ عليهِ اسمُ الموافقةِ والبدَلِ لِعَدَمِ الالتِفاتِ إليهِ . وأمَّا المساواةُ: فِهَيَ في أَعْصارِنا أَنْ يقلّ العدّدُ في إسْنَادِكَ لا إلى شَيْخِ مُسْلِمٍ وأمثالِهِ، ولا إلى شَيْخِ شَيْخِهِ ، بلْ إلى مَنْ هوَ أبعدُ مِنْ ذَلِكَ كالصَّحَابِيِّ أَوْ مَنْ قاربَهُ، وَرَبُّما كانَ إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ بحيثُ يَقَعُ بَيْئَكَ وَبَيْنَ الصَّحَابِيِّ مَثَلاً مِنَ العَدَدِ مِثْلُ ما وقَعَ مِنَ العدَدِ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ قَتَكُونُ (٥) بذلكَ مُسَاوِيَاً لِمُسْلِمٍ مَثَلاً في قُرْبِ الإِسْنادِ وعدَدِ رِجَالِهِ . (١) في (م): ((لقربه)). (٢) انظر: محاسن الاصطلاح: ٣٨٢ - ٣٨٤، وشرح التبصرة ٢ / ٣٦٢. (٣) انظر: التقييد والإيضاح: ٢٥٨ - ٢٥٩. (٤) بفتح الميم وبعد الألف كاف مضمومة ، وبعدها واو ساكنة ثُمَّ لام ألف. وفيات الأعيان ٣ / ٣٠٦، وترجمته في السير ١٨ / ٥٦٩ . (٥) في (جـ ): (( فيكون)). ٣٦٥ وأمَّا المصَافَحَةُ (١): فهيَ أنْ تَقَعَ هذه المساواةُ - التي وصَفْناها - لِشَيخِكَ لا لكَ فيقعَ ذَلِكَ لكَ مُصَافِحَةٌ ، إذْ تَكُونُ كَأَنَّكَ لَقِيْتَ مُسْلِماً فِي ذَلِكَ الحديثِ وصَافحتَهُ بهِ ، لِكَوْنكَ قدْ لَفِيْتَ شَيْخَكَ المساوي لِمُسْلِمٍ . فإنْ كانتْ المساواةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ كانتٍ المصَافَحَةُ لِشَيْخِكَ، فَتَقُولُ: كأنّ شَيْخِي سَمِعَ مُسْلِماً وصَافَحَهُ. وإنْ كانَتِ المسَاواةُ لِشَيْخِ شَيْخٍ (٢) شَيْخِكَ، فالمصَافَحَةُ لِشَيْخِ شَيْخِكَ، فتقولُ فيها: كأنَّ شَيْخَ شَيْخِي سَمِعَ مُسْلِماً وصَافَحَهُ ، ولكَ (٣) ألَّ تَذكرَ لكَ فِي ذَلِكَ نِسْبَةً، بلْ تَقُولُ: كأنَّ فُلاناً سَمِعَهُ مِنْ مُسْلِمٍ ، مِنْ غيرِ أنْ تَقُولَ فيهِ : شَيْخِي أو شَيْخُ شَيْخِي . ثُمَّ لا يخفَى عَلَى المتأَمِّلِ أنّ في المساواةِ والمصَافَحةِ الواقِعَتَينِ لكَ لا يَلْتَقِي إِسْنادُكَ وإِسْنَادُ مُسْلِمٍ أو نحوِهِ إِلاَّ بَعيداً عَنْ شَيْخِ مُسْلِمٍ ، فيلْتَقِيانِ في الصحابيِّ أو قَرِيْباً منهُ، فإِنْ كَانتِ المصَافَحَةُ التِي تَذْكُرُها ليستْ لكَ بِلْ لِمَنْ فَوقَكَ مِنْ رِحالِ إِسْنَادِكَ أَمْكَنَ الْتِقَاءُ الإِسْنادَيْنِ فيها في شَيْخِ مُسْلِمٍ أو أشْباهِهِ وداخَلَتِ المصَافَحةُ حِيْنَئِذٍ الموافقةُ، فإنْ مَعْنَى الموافقةِ راجِعٌ إلى مُسَاواةٍ ومصَافَحةٍ مَخْصُوصَةٍ ؛ إذْ حاصِلُها أنّ بعضَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ رواةٍ إِسْنادِكَ العَالِي سَاوَى أو صَافَحَ مُسْلِمَاً أو البخَارِيّ؛ لِكَونِهِ سَمِعَ مِمِّنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِما مَعَ تَأْخُّرٍ طَبَقَتِهِ عَنْ طَبَقَتِهِما . ويوجدُ في كثيرٍ منَ العوالي المخرَّجةِ لِمَنْ تَكُلَّمَ أَوْلاً في هذا النوعِ وطَبَقَتِهِمْ: المصافَحَاتُ مَعَ الموفَقَاتِ والأبدالِ لِمَا ذَكَرْناهُ . ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ هذا النوعَ مِنَ العُلُوِّ عُلُوٌّ تَابِعٌ لِيُزولٍ ؛ إذْ لولا تُولُ ذَلِكَ الإِمامِ في إسنادِهِ لَمْ تَعْلُ أَنتَ في إسْنادكَ (٤). وكُنْتُ قَدْ قَرَأْتُ بِمَرْوَ عَلَى شَيخِنا المكْثِرِ أبي المظَفْرِ عبدِ الرحيمِ بنِ الحافِظِ المصَنِّفِ أبِي سَعْدِ السَّمعانيّ - رَحِمَهُمَا اللهُ - في أرْبِعِي (٥) أبي البركاتِ الفَرَاوِيِّ حديثاً (١) سميت مصافحة؛ لأن العادة جرت في الغالب في المصافحة بَيْنَ المتلاقيين. انظر: نزهة النظر: ١٥٩، وفتح المغيث ٣ / ١٨ . (٢) لَمْ ترد في ( ب ) . (٣) في (أ): ((وذلك)) . (٤) راجع : محاسن الاصطلاح : ٣٨٦ . (٥) في نسخة ( ب): ((أربعين))، وفي حاشية (م) تعليق نصه: (( لعلها من أربعين حديثاً رواها أبو البركات ، حذفت النون للإضافة )). ٣٦٦ ادْعَى فِيهِ أَنَّهُ كَأَنَّهُ سَمِعَهُ هوَ أو شَيْخُهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ، فقالَ الشَّيْخُ أبو الْمُظَفِّرِ: (( ليسَ لكَ بعالٍ، ولكِنَّهُ للُخَارِيِّ نازِلٌ)). وهذا حَسَنٌ لَطِيْفٌ يَخْدِشُ وَجْهَ هذا النَّوعِ مِنَ العُلُوِّ، والله أعلمُ . الرَّابِعُ: مِنْ أنواعِ العُلُوِّ العُلُوُّ المسْتَفادُ مِنْ تَقَدُّمٍ وَفَاةِ الراوي، مِثَلُهُ ما أروِيهِ عنْ شيخٍ أخبَرَنِي بِهِ عَنْ واحدٍ عَنِ البَيْهَقِيِّ الحافِظِ عَنِ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ الحافِظِ أعلى مِنْ روايتي ◌ِذَلِكَ عَنْ شيخٍ أخبرَنِي بِهِ عَنْ (١) واحدٍ عَنْ أبي بكرٍ (٢) بنِ خَلَفٍ عَنِ الحاكِمِ وإِنْ تَسَاوَى الإِسْنادانِ في العددِ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ البَيْهَقِيِّ عَلَى وفاةِ ابنِ خَلَفٍ ؛ لأنّ البَيْهَقِيَّ ماتَ سنةً ثَمانٍ وخَمْسِينَ وأربَعِ مئةٍ ، وماتَ ابنُ حَلَفٍ سنةَ سَبْعٍ وَثَمانِينَ وأربعٍ مِئَةٍ . وَرُوِّيْنا عَنْ أَبِي يَعْلَى الخليلِ بنِ عبدِ اللهِ الخليليِّ الحافِظِ - رَحِمَهُ اللهُ - قَالَ: «قَدْ يَكونُ الإِسْنَادُ يَعْلُو عَلَى غيرِهِ بِتَقَدُّمِ موتٍ راويهِ وإِنْ كانا مُتَسَاوِيَينٍ في العدَدِ )) (٣) ، ومَثْلَ ذَلِكَ مِنْ حديثِ نفسِهِ بِثْلِ مَا ذَكَرْناهُ. ثُمَّ إِنْ هَذَا كَلامٌ (٤) في العُلُوِّ المنبني (٥) عَلَى تَقَدُّمِ الوفاةِ المستفادِ مِنْ نِسْبَةِ شيخٍ إلى شيخٍ، وقياسٍ راوٍ براوٍ . وأمَّا العُلُوُّ المستفادُ مِنْ مُحَرَّدٍ تَقَدُّمِ وفاةٍ شيخِكَ مِنْ غيرِ نَظَرِ إلى قياسِهِ براوِ آخَرَ ، فقدْ حَدَّهُ بعضُ أهلِ هَذَا الشأنِ بِخَمْسِينَ سنةً، وذلكَ مَا رُوِّيْنَاهُ عَنْ أبي عليٍّ الحافِظِ النَّيْسابوريِّ ، قالَ: سَمِعْتُ أحمدَ بنَ عُميرِ الدِّمَشْقِيَّ (٦) - وكانَ مِنْ أركان (١) سقطت من ( م) . (٢) في (ع): (( أبي بكر عبد الله بن خلف))، وكلمة: ((عبد الله)) ، لَمْ ترد في شيء من النسخ الخطية ولا (م) ولا التقييد ولا الشذا ، وهو مخالف لما في مصادر ترجمته فقد ذكرت المصادر أنّه: الإمام ، أبو بكر، أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف الشيرازي، ثُمَّ النيسابوري، توفي سنة ( ٤٨٧ هـ ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨ / ٤٧٨، وشذرات الذهب ٣ / ٣٧٩. (٣) الإرشاد ١ / ١٧٩. (٤) في ( ب): ((الكلام)). (٥) في ( ب): ((المبتنى)). (٦) كتب في نسخة ( جـ) فوقه: ((هو ابن جَوْصًا الحافظ)). انظر: ترجمته في تاريخ دمشق ١٠٩/٥ ، وسير أعلام النبلاء ١٥ / ١٥ . ٣٦٧ الحديثِ - يَقُولُ: ((إسْنادُ حَمْسِينَ سنةً مِنْ موتِ الشَّيْخِ إِسْنَاهُ عُلُوِّ)) (١) . وفيما نروي عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه الحافِظِ قالَ: ((إذا مَرَّ عَلَى الإسنادِ ثَلاثُونَ سَنَةً فهوَ عالٍ)). وهذا أوسَعُ مِنَ الأَوْلِ ، والله أعلمُ . الخامِسُ: العُلُوُّ المستفادُ مِنْ تَقَدُّمِ السَّمَاعِ. أَنْبَؤُنا (٢) عَنْ مُحَمَّدِ بنِ ناصِرِ الحافِظِ ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنٍ طَاهِرِ الحافظِ قالَ : (( مِنَ العُلُوِّ تَقَدُّمُ السَّمَاعِ)) (٣) . قُلْتُ (٤): وكَثَيْرٌ مِنْ هذا يَدْخُلُ في النوعِ المذكورِ قَبْلَهُ ، وفيهِ ما لا يدخُلُ فِي ذَلِكَ بِلْ يَمْتَازُ عنهُ. مِثْلُ أنْ يَسْمَعَ شَخْصانِ مِنْ شَيْخٍ واحدٍ ، وسماعُ أحَدِهِما مِنْ سِتِّنَ سـنةٌ مَثَلاً، وسَماعُ الآخَرِ مِنْ أَرَبَعِينَ سنةً . فإذا تساوى السندُ إليهما في العَدَدِ ، فالإِسنادُ إلى الأوْلِ الذي تقدمَ سماعُهُ أعلى . فهذِهِ أنواعُ العلوِّ عَلَى الأستقصاءِ والأيضاحِ الشافي ، وللهِ سبحانَهُ وتعالى الحمدُ كُلُهُ . وأما مارُوِّيناهُ عنِ الحافظِ أبي الطّاهرِ(٥) السِّفِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ قولِهِ في أبياتٍ لهُ: بل عُلُوُّ الحديثِ بَيْنَ أُولِي الْحِفِْ ظِ والإتقانِ صِحَّةُ الإِسناد (٦) وما رُوِيِنَاهُ عنِ الوزيرِ نِظامِ المُلكِ (٧) مِن قولِهِ: ((عندي أنّ الحديثَ العالي : ماصحَّ عنْ رسولِ اللهِلَ﴿ وإن بلغَتْ رواتُهُ مِئةً)). فهذا ونحوُهُ ليسَ مِنْ قبيلِ المتعارَفِ إطلاقُهُ بينَ أهلِ الحديثِ ، وإنما هُوَ عُلُّوٌّ منْ حيثُ المعنى فَحَسْبُ ، والله أعلمُ . (١) أسنده إليه ابن عساكر في تاريخه ٥ / ١١٣ . (٢) في (م): (( أُنبئنا)) . (٣) في مسألة العلو والنزول : ٧٦ . (٤) في (أ): ((قال المملي)). (٥) في (م) والتقييد والشذا الفياح: ((طاهر)). (٦) أوردها الامام الذهبي في السير ٣٧/٢١ هكذا : بل علو الحديث عِنْدَ أولي الإتـ (٧) انظر ترجمته في السير ١٩ /٦٤ . قان والحفظ صِحَّة الإسناد. ٣٦٨ فَصْلٌ وأما النُّزولُ فهوَ ضِدُّ العُلُوِّ . وما منْ قسمٍ مِنْ أقسامِ العُلُوِّ الخمسةِ إلا وضِدُّهُ قسمٌ منْ أقسامِ النزولِ . فهوَ إذن خمسةُ أقسامٍ ، وتَفْصِيلُها يُدْرَكُ مِنْ تفصيلٍ أقسامِ العُلوِّ عَلَى نحوِ ما تَقَدَّمَ شرحُهُ . وأما قولُ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ: «لَعَلّ قائلاً يقولُ: النزولُ ضِدُّ العُلُوِّ. فَمَنْ عَرَفَ العُلوَّ فَقَدْ عرفَ ضِدَّهُ ، وليسَ كذلكَ ؛ فإنَ للنزولِ مراتبَ لا يَعْرِفُها إلا أهلُ الصَّنْعَةِ (١) ... إلى آخرِ كلامهِ. فهذا ليسَ نَفْياً لكونِ النُّزولِ ضِدّاً (٢) للعُلُوِّ عَلَى الوجهِ الذي ذكرتُّهُ ، بل نَفْياً لكَوْنِهِ يُعْرَفُ بِمَعْرِفةِ العُلُوِّ . وذلكَ يَلِيقُ بمَا ذَكَرَهُ هوَ في مَعرِفَةِ العُلُوِّ ، فإنَّهُ قَصَّرَ في بيانِهِ وَتَفْصِيلِهِ، وليسَ كذلكَ ما ذكرنَاهُ نحنُ في الْعُلَّوِّ؛ فإِنَّهُ مُفَصَّلٌ تَفْصِيلاً مُفْهِمَاً لِمَرَاتِبِ النُّزُولِ ، والعِلْمُ عندَ الله تباركَ وتَعالَى. ثُمَّ إِنّ التّزُولَ مَفْضُولٌ مَرْغُوبٌ عنهُ ، والفضيلةُ لِلْعُلُوِّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بياتُهُ ودَلِيلُهُ . وحَكَى ابنُ خَلاَّدٍ عَنْ بعضِ أهلِ النَّظَرِ أَنَّهُ قَالَ : (( التَّتُّلُ (٣) في الإسنادِ أفضَلُ)) (٤)، واحْتجَّ لهُ بما مَعْناهُ أنَّهُ يجبُ الاجْتِهَادُ والنَّظَرُ فِي تَعْدِيلِ كُلِّ راوٍ وتَخْرِيجِهِ (٥) ، فَكُلِّما زادُوا كانَ الاجْتِهَادُ أكثرَ وكانَ الأجْرُ أكثرَ . وهذا مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ ، ضَعِيفُ الْحُجَّةِ . وَقَدْ رُوِّيْنَا عَنْ عَلِيِّ بنِ المدينِيِّ ، وأبي عمرو المستَمْلِي النَّيْسابوري، أَنَّهَما قالا : ((التُّزُولُ شُؤْمٌ)) (٦)، وهذا ونحوُهُ مِمَّا جاءَ فِي ذَمِّ الْتُزُولِ مَخْصُوصٌ ببعضِ التّرُولِ ، فإنّ التّزُولَ إذا تَعَّنَ دُونَ العُلُوِّ طريقاً إلى فائدة راجحَةٍ عَلَى فائدَةِ العُلُوِّ فَهوَ مُختارٌ غيرُ مَرَذولٍ ، والله أعلمُ . (١) معرفة علوم الحديث : ١٢ . (٢) في ( ب ): ((ضد العلو)). (٣) في (أ): ((النزول)). (٤) المحدّث الفاصل : ٢١٦. (٥) في (أ) و (جـ) و (م): ((تجريحه)). (٦) أخرجه الخطيب في الجامع ( ١١٩). ٣٦٩ النَّوْعُ الْمُوَفِي ثَلاَئِيْنَ مَعْرِفَةُ الْمَشْهُورِ مِنَ الْحَدِيْثِ (١) ومَعْنى الشُّهْرَةِ مَفْهُومٌ (٢)، وهوَ مُنْفَسِمٌ إلى صَحِيحِ، كَقَولِهِ مَةِ: ((إنَّما الأعْمالُ بالنّاتٍ)) (٣) ، وأمثالِهِ، وإلى غيرِ صَحيحٍ (٤)، كَحَديثِ: ((طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ)) (٥) . وكما بَلَغَنَا عَنْ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ (٦) رَ أَنَّهُ قَالَ: ((أربعَةُ أحاديثَ تَدُورُ عَنْ (١) انظر في معرفة المشهور : معرفة علوم الحديث : ٩٢ - ٩٤، والإرشاد ٢ / ٥٣٨ - ٥٤٤، والتقريب: ١٥٢ - ١٥٣، والاقتراح: ٣١٠، واختصار علوم الحديث: ١٦٥ - ١٦٦ والشذا الفياح ٢ / ٤٣٤ - ٤٤٥، والمقنع ٢ / ٤٢٧ - ٤٤٠، وفتح الباقي ٢/ ٢٦٥ - ٢٧٧، ونزهة النظر: ٦٢ - ٧١، وفتح المغيث ٢٧/٣ - ٤١، وتدريب الراوي ٢ / ١٧٣ - ١٧٩، وتوضيح الأفكار ٢ / ٤٠١ - ٤١١، وظفر الأماني : ٣٩ - ٧٦ . (٢) يعني: لغة، انظر: عن ذَلِكَ: مقاييس اللغة ٣ / ٢٢٢، والصحاح ٢ / ٧٠٥، واللسان ٤ / ٤٣١، وتاج العروس ١٢ / ٢٦٢ . وأما في الاصطلاح فقد اختلفت عبارة المحدّثين في تعريفه، وقد عَرّفه ابن حجر فقال: (( ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين)). انظر: النزهة ٦٢ ، وراجع تدريب الراوي ٢ / ١٧٣، والمقنع ٢ / ٤٢٧، حاشية المحقق ، ومحاسن الاصطلاح : ٣٨٩، وتوجيه النظر ١ / ١١١ . (٣) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/١ (١) من حديث عمر بن الخطاب . قال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٣٨٩: ((قد تقدم في الشاذ أنّه مما انفرد به عمره، وعنه علقمة وعن علقمة مُحَمَّد بن إبراهيم، ومثل ذَلِك كيف يمثل للمشهور ؟ وجوابه أن المراد ما اشتهر وإن لَمْ يصل نقلته في جَمِيْع المراتب إلى ثلاثة )) . (٤) قال البلقيني في المحاسن : ٣٨٩: ((المراد ما لَمْ يبلغ رتبة الصحيح)). (٥) للسيوطي جزء لطيف في طرق هذا الحديث ، بلغت خمسين طريقاً ، وهو مطبوع . (٦) هذا النص عن أحمد أورده ابن الجوزي في الموضوعات ٢ / ٢٣٦ قال: (( ونقلت من خط القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين بن الفراء ، قال: نقلت من خط أبي حفص البرمكي ، قال: سمعت أبا بكر أحمد بن محمد الصيدلاني ، يقول: سمعت أبا بكر المروزي يقول : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، يقول ... فذكره . ٣٧٠ رَسُولِ اللهِ ﴿ في الأسْواقِ ليسَ لها أصْلٌ: ((مَنْ بَشَّرَنِي بِخُرُوجٍ آذَارَ بَشَّرْتُهُ بِالْحَنَّةِ)) (١)، و ((مَنْ آذَى ذِمِّاً فأنا حَصْمُهُ يَومَ القِيَامَةِ)) (٢) ، و ((يَومُ تَحْرِكُمْ يَومُ صَومِكُمْ)) (٢) ، و ((لِلسَّائِلِ حَقٌّ، وإنْ جاءَ عَلَى فَرَسٍ)) (٤) . ويَنقسِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ إلى ما هوَ مَشْهورٌ بَيْنَ أهلِ الحديثِ وغيرِهِمْ (٥) ، وكَفَولِهِ *: ((الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المسْلِمونَ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِهِ)) (٦)، وأشْباهِهِ ، وإلى ما هوَ مَشْهورٌ بَيْنَ أهلِ الحديثِ خاصَّةٌ دُونَ غيرِهِمْ، كالذي رُوِّيْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عبدِ اللهِ الأنْصَارِيّ ، (١) لا أصل له، انظر تذكرة الموضوعات: ١١٦، واللآلئ المصنوعة ٢ / ٧٨. (٢) بهذا اللفظ أخرجه الخطيب في تاريخه ٨ / ٣٧٠ من طريق العباس بن أحمد المذكر، قال: حَدَّثَنَا داود بن علي بن خلف ، قال: حَدََّنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، حَدَّنا عيسى بن يونس، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله . واستنكره وذكر الحمل فيه على المذكر وساقه ابن الجوزي في الموضوعلت ٢٣٦/٢ بسنده عن شيخه القزاز ، عن الخطيب، وانظر تنزيه الشريعة ١٨١/٢، واللآلئ ٧٨/٢، والأسرار : ٤٨٢ . (٣) لا أصل له ، انظر كشف الخفاء ٢ / ٣٩٨. (٤) أخرجه أحمد ١ / ٢٠١، وأبو داود ( ١٦٦٥)، والطبراني في الكبير (٢٨٩٣)، والبيهقي ٧ / ٢٣ ، وابن عبد البر في التمهيد ٥ / ٢٩٦، وأبو نعيم في الحلية ٨ / ٣٧٩ من طريق فاطمة بنت الحسين، عن أبيها مرفوعا، وأخرجه مالك في الموطأ (٢٨٤٦) عن زيد بن أسلم ، مرفوعاً: ((اعطوا السائل وإن جاء على فرس )) قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٩٤/٥: (( لا أعلم في إرسال هذا الحديث خلافا بين رواة مالك وليس في هذا اللفظ مسند صحيح يحتج به فيما علمت )) . (٥) وقد يراد بالمشهور ما اشتهر عَلَى الألسنة ، وقد أفرد له العلماء مؤلفات، انظرها في الرسالة المستطرفة: ١٩١، ومقدمة المقاصد الحسنة، والمشهور قد يكون صحيحاً، وقد يكون حسناً أو ضعيفاً أو موضوعاً أو لا أصل له . (٦) أخرجه أحمد ٢ / ٣٧٩، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي ٨ / ١٠٤ - ١٠٥، وابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١ / ١٠، من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي : ((حسن صحيح)). وأخرجه البخاري ١ / ١٠، ومسلم ١ / ٤٨، والترمذي (٢٥٠٤) و (٢٦٢٨) والنسائي ٨ / ١٠٦ - ١٠٧ من حديث أبي موسى بنحوه . ٣٧١ عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِحْلَزٍ (١)، عَنْ أَنَسِ: ((أنّ رَسُولَ اللهِلَّ قَنَتَ شَهْراً بَعدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ (٢)، وذَكَّوانَ) (٣). فهذا مَشْهورٌ بَيْنَ أهلِ الحديثِ مُخَـرَّجٌ في الصحيحِ، ولهُ رواةٌ عَنْ أَنَسٍ غيرُ أبي مِجْلَزِ، ورواةٌ(٤) عَنْ أَبِي مِخْلَزٍ غيرُ التَّيْمِيِّ، ورواةٌ عَنِ التَّيْمِيِّ غيرُ الأنصاريِّ (٥)، ولا يَعلمُ ذَلِكَ إلّ أهلُ الصَّنْعَةِ. وأمَّا غيرُهُمْ فَقَدْ يَستغربونَهُ (٦) مِنْ حيثُ إنّ التَّيْمِيَّ يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ وهوَ هاهنا يَرْوي عَنْ واحدٍ عَنْ أَنَسٍ (٧). ومِنَ المشْهُورِ المتواتِرُ الذي يَذْكُرُهُ أهلُ الفقهِ وَأُصُولِهِ (٨) ، وأهلُ الحديثِ لا يَذْكُرُونَهُ باسْمِهِ الخاصِّ الْمُشْعِرِ بِمَعْنَاهُ الخاصّ، وإِنْ(٩) كانَ الحافِظُ الخطيبُ قَدْ ذَكَرَهُ(١٠) ففي كَلامِهِ ما يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَتْبَعَ فيهِ غيرَ أهلِ الحديثِ ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لا تَشْمَلُهُ صِناعَتُهُمْ ولا يكادُ يوجَدُ في رواياتِهِمْ ، فإِنَّهُ عبارةٌ عَنِ الخبرِ الذي يَنْقُلُهُ مَنْ يَحْصُلُ العِلْمُ بِصِدْقِهِ ضَرُورةً ، ولا بُدَّ في إسنادِهِ مِنِ اسْتِمِرارِ هذا الشَّرْطِ فِي رُواتِهِ مِنْ أَوْلِهِ إِلى مُنْتَهَاهُ (١١). (١) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي ، وهو لاحق بن حُمَيْد بن سَعيد السّدوسي البصري . التقريب ( ٧٤٩٠ ) . (٢) رِعْل - بكسر الراء وسكون العين المهملة -، وذكوان - بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف وبعد الألف نون ، غير منصرف : هما قبيلتان من سُلَيْم - بضم السين المهملة -. انظر: الصحلح ١٧١٠/٤ ، وعمدة القاري ٢٠/٧، وشرح السيوطي عَلَى سنن النسائي ٢٠٠/٢ . (٣) صحيح البخاري ٢ / ٣٢ و٥ /١٣٦. وصحيح مسلم ٢ / ١٣٦. وكذلك أخرجه أحمد ١١٦/٣ و ٢٠٤ ، والنسائي ٢ / ٢٠٠ جميعهم من حديث سليمان التيمي ، عن أبي مجلز، عن أنس، فذكره . (٤) في ( م) والتقييد: ((رواه )) بالهاء وكذا ما بعدها. (٥) انظر تخريج الروايات في تعليقنا عَلَى شرح التبصرة ٢ / ٣٩٠. (٦) في (م) : ((يستغربون)). (٧) راجع : المحاسن : ٣٩٢، وقارن بما في معرفة علوم الحديث للحاكم : ٩٣ - ٩٤. (٨) راجع : المحاسن : ٣٩٢، والتقييد : ٢٦٥. (٩) في (م): ((فإن)). (١٠) الكفاية : ( ٥٠ ت، ١٦ هـ ). (١١) انظر عن موضوع المتواتر: الكفاية (٥٠ ت، ١٦ هـ)، والبرهان ٣٦٨/١ فقرة (٤٩١)، والمستصفى ١٣٢/١، والمحصول ١٠٨/٢، والبحر المحيط ٢٣١/٤، ونزهة النظر: ٥٣، وتدريب الراوي ١٧٦/٢، مقدمة لقط اللالىء : ١٧، وظفر الأماني: ٣٩، وتوجيه النظر ١ / ١٠٧، ومقدمة نظم المتناثر: ١١. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ العلماء أفردوا الأحاديث المتواترة بمؤلفات مفردة ، مِنْهُم : السيوطي وابن طولون والزبيدي والكتاني وغيرهم . انظر : الرسالة المستطرفة ١٩٤ . ٣٧٢ ومَنْ سُئِلَ عَنْ إِبْرَازِ (١) مِثالٍ لِذَلِكَ فيما يُرْوَى مِنَ الحديثِ أعياهُ تَطَلُهُ، وحديثُ : ((إِنَّمَا الأعْمالُ بالنّاتِ)) (٢) ليسَ مِنْ ذَلِكَ بِسَبيلٍ، وإِنْ نَقَّلَهُ عَدَدُ التَّواترِ وزِيادَةٌ ؛ لأنّ ذَلِكَ طَرَّأَ عليهِ فِي وَسَطِ إسْنَادِهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي أوائِهِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ . نَعَمْ ... حديثُ: (( مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) (٣) نراهُ مِثالاً لِذَلِكَ، فإِنَّهُ نَقَلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ﴿ه العَدَدُ الْجَمُّ، وهوَ في " الصحيحينِ " مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةٍ مِنْهُم. وذَكَرَ أبو بَكْرِ البَزَّارُ (٤) الحافِظُ الجليلُ في " مُسْنَدِهِ " أَنَّهُ رواهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﴿ نَحْوٌ مِنْ أربَعِينَ رَجلاً مِنَ الصَّحابةِ. وذَكَرَ بعضُ الْحُفَّاظِ الَّهُ رواهُ عنْهُ عَل اثنان وستُّونَ نَفْساً (٥) مِنَ الصحابَةِ ، وفيهم العَشَرَةُ المشْهُودُ لهم بالجنَّةِ. قالَ: وليسَ في (٦) الدُّنيا حديثٌ اجْتَمَعَ عَلَى روايتِهِ العَشَرَةُ غيرَهُ ، ولا يُعْرَفُ حديثٌ يُرْوَى عَنْ أَكْثَر مِنْ سِينَ نَفْساً مِنَ الصَّحَابَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ﴿ إِلاَّ هذا الحديثُ الواحِدُ (٧). قُلْتُ (٨): وبَلَغَ بِهِمْ بعضُ أهلِ الحديثِ أكثرَ مِنْ هذا العَدَدِ ، وفي بعضِ ذَلِكَ عَدَهُ الثَّواتُرِ . ثُمَّلَمْ يَزَلْ عدَدُ رواتِهِ في ازْدِيادِ وهُلُمَّ جَرَّاً عَلَى النَّالِي والاسْتِمِرارِ ، والله أعلمُ . (١) راجع: التقييد والإيضاح : ٢٦٦ . (٢) سَبَقَ تخريجه . (٣) حديث صحيح متواتر ، وقد خرّجناه مفصّلاً في تحقيقنا لشرح التبصرة والتذكرة ، ولا بدَّ من الإشارة إلى أن هذا الحديث قد جمع طرقه غير واحد من العلماء مِنْهُم : الحافظ الطيراني ، وجزؤه مطبوع . (٤) انظر: البحر الزخار ٣ / ١٨٨. (٥) قال ابن الجوزي في الموضوعات ٥٦/١: ((وقد رواه من الصحابة عن رسول اللهمن﴿ أحد وستون نفساً)) . (٦) في (م): ((وليس لهم في)). (٧) انظر : الموضوعات ٥٦/١، وقد عقّب الحافظ العراقي عَلَى هذا الكلام فقال في شرح التبصرة ٣٩٣/٢: (( منقوض بحديث المسح عَلَى الخفين، فقد رواه أكثر من ستين من الصحابة ، ومنهم العشرة )). وانظر: التقييد: ٢٧٠، ومحاسن الاصطلاح : ٣٩٣، والمقنع: ٤٣٧/٢. (٨) في نسخة (ب ): ((قال المملي)). ٣٧٣ النَّوْعُ الْحَادِي وَالثَّلاَثُوْنَ مَعْرِفَةُ الغَرِيْبِ والعَزِيْزِ مِنَ الْحَدِيْثِ (١) رُوّيْنَا عَنْ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه الحافِظِ الأَصْبَانِيِّ أَنَّهُ قالَ: («الغريبُ مِنَ الحديثِ، كَحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَأَشْبَاهِهِما مِنَ الأَئِمَّةِ مِمَّنْ يُحْمَعُ حديثُهُمْ، إذا انفردَ الرجلُ عَنْهُم بالحديثِ يُسَمَّى غَرِيْباً. فإذا رَوَى عَنْهُم رجلانٍ وَثَلاثَةٌ واشْتركُوا في حديثٍ يُسَمَّى عَزِيزاً . فإذا رَوَى الجماعَةُ عَنْهُم حديثاً سُمِّي (٢) مَشْهوراً) (٣). قُلتُ (٤): الحديثُ الذي يَتَفَرَّدُ (٥) بهِ بعضُ الرواةِ يُوصَفُ بالغريبِ ، وكذلكَ الحديثُ الذي يَتَفَرَّدُ فيهِ بعضُهُمْ بأمْرٍ لا يذكُرُهُ فيهِ غيرُهُ إِمَّا فِي مَتْنِهِ ، وإمَّا فِي إِسْنادِهِ . وليسَ كُلُّ ما يُعَدُّ مِنْ أنواعِ الأَفْرادِ مَعْدُودًاً مِنْ أنواعِ الغريبِ ، كما في الأفرادِ المضافةِ إلى البلادِ عَلَى مَا سَبَقَ شَرْحُهُ . ثُمَّ إِنَّ الغريبَ ينقسمُ إلى صحيحٍ، كالأفرادِ الْمُخَرَّجَةِ في الصحيحِ ، وإلى غيرِ صحيحٍ وذَلِكَ هوَ الغالِبُ عَلَى الغرائِبِ . رُوِّيْنَا عَنْ أحمدَ بنِ حَتْبَلِ مَّ أَّهُ قَالَ غيرَ مَرَّةٍ : (( لا تَكْتُبُوا هذه الأحاديثَ الغرائبَ فإِنَّها مَنَاكِيرُ وعَامَّتُها عَنِ الضُّعَفاءِ)) (٦). (١) انظر في معرفة الغريب والعزيز : معرفة علوم الحديث : ٩٤ - ٩٦ وجامع الأصول ١ / ١٧٤ - ١٧٨، والإرشاد ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٩، والتقريب: ١٥٣-١٥٥، والاقتراح: ٣٠٩ - ٣١٠، والموقظة: ٤٣، واختصار علوم الحديث: ١٦٦-١٦٧، والشذا الفياح ٤٤٦/٢ - ٤٥٠، والمقنع ٢ / ٤٤١ - ٤٤٢، وفتح الباقي ٢٦٥/٢ - ٢٧٧، ونزهة النظر: ٦٤ - ٧١، وطبعة عتر ٢٤-٢٨، وفتح المغيث ٢٧/٣ - ٤١، وتدريب الراوي ١٨٠/٢-١٨٣، وتوضيح الأفكار ٤٠١/٢-٤١١، وظفر الأماني : ٦٨ - ٧٦ . (٢) في (ب): ((يسمى)). (٣) ذكره الحافظ ابن طاهر المقدسي في شروط الأئمة: ٢٣. وانظر: شرح التبصرة ٣٧٩/٢ وتعليقنا عليه. (٤) في (أ): ((قال الشَّيْخ ◌َرُّه)) . (٥) في (م ) والشذا: ((ينفرد)). (٦) أخرجه ابن عدي في مقدمة الكامل ١١١/١، وابن السمعاني في أدب الإملاء: ٥٨، ونحوه في الكفاية: (٢٢٤ ت، ١٤١ هـ)، ونحو قول الإمام أحمد عن كثير من العلماء، انظر: الجامع ١٠٠/٢ - ١٠١ ، والكفاية : (٢٢٣ - ٢٢٧ ت، ١٤٠ - ١٤١ هـ )، والمحدّث الفاصل: ٥٦١ - ٥٦٥ . ٣٧٤ ويَنْفَسِمُ الغريبُ أيضاً مِنْ وجهٍ آخَرَ، فمنهُ ما هُوَ غريبٌ (١) مَنْناً وإِسْناداً وهوَ الحديثُ الذي تَفَرَّدَ بروايةِ مَثْنِهِ راوٍ واحدٌ . ومنهُ ما هوَ غريبٌ إِسْنادً لا مَنْناً كالحديثِ الذي مَنْتُهُ مَعروفٌ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعةٍ مِنَ الصَّحابةِ إذا تَفَرَّدَ (٢) بعضُهُمْ بروايتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ كَانَ غَرِيباً مِنْ ذلكَ الوجهِ معَ أنَّ مَتْتَهُ غيرُ غريبٍ . ومِنْ ذَلِكَ غرائبُ الشُّيُوخِ في أسانيدِ المتونِ الصحيحةِ (٣). وهذا الذي يَقُولُ فيهِ التِّرْمِذِيُّ: ((غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ)). ولا أرى هذا النوعَ يَنْعَكِسُ ، فلا يُوجدُ إذَنْ ما هوَ غريبٌ مَنْناً وليسَ غريباً إسْنادًا إلاّ إذا اشْتَهَرَ الحديثُ الفَرْدُ عَمَّنْ تَفَرَّدَ بهِ فرَواهُ عنهُ عددٌ كثيرونَ فإِنَّهُ يَصِيرُ غريباً مَشْهُوراً، وغريباً مَتْناً وغيرَ غريب إسْناداً لكنْ بالنَّظَرِ إلى أحدٍ طَرَفَي الإِسنادِ ، فإنّ إسنادَهُ مُتَّصِفٌ بالغرابةِ فِي طَرَفِهِ الأَوَّلِ مُتَّصِفٌ بالشُّهْرَةِ فِي طَرَفِهِ الآخَرِ ، كحَديثِ: ((إِنَّمَا الأعْمالُ بالنِّيّاتِ)) (٤)، وكسَائِرِ الغرائِبِ التي اشْتَمَلَتْ عليها التَّصَانِيفُ المشْتَهِرَةُ (٥) ، والله أعلمُ . النَّوْعُ الثَّانِي وَالثَّلاَثُونَ مَعْرِفَةُ غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ وهوَ عِبارةٌ عَمَّا وَقَعَ في مُتُونِ الأحاديثِ مِنَ الألفاظِ الغامِضَةِ البَعيدةِ مِنَ الفَهْمِ لِقِلّْةٍ اسْتِعْمالِها . هذا فَنٌّ مُهِمِّ يَقْبُحُ جَهْلُهُ بأهلِ الحديثِ خاصَّةً ثُمَّ بأهلِ العِلْمِ عامَّةٌ ، والخوضُ فيهِ ليسَ بالْهَيِّنِ ، والخائِضُ فيهِ حَقِيْقٌ بالَّحَرِّي جديرٌ بالَّوَفِّي. رُوَّيْنا عَنِ الميْمُونِيِّ، قالَ: (١) انظر: التقييد والإيضاح : ٢٧٣. (٢) في ( ب): ((انفرد )). (٣) انظر: محاسن الاصطلاح : ٣٩٦. (٤) سَبَقَ تخريجه . (٥) في (أ): ((المشهرة))، وفي (م): ((المشهورة)). ٣٧٥ سُئِلَ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْ حَرْفٍ مِنْ غريب الحديثِ ، فقالَ : ((سَلُوا أصْحابَ الغريب، فإِنِّي أكرَهُ أَنْ أَتَكُلُّمَ فِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ﴿يَ بِالظَّنِّ فَأُخْطِئَ (١)))(٢) . وبَلَغَنَا عَنِ التَّارِيخِيِّ مُحَمَّدٍ بنِ عبدِ الملكِ، قالَ: حَدَّثَني أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ: قُلْتُ للأصْمَعِيِّ: (( يا أبا سَعِيْدٍ مَا مَعْنَى قَولِ رَسُولِ اللهِ وَتِ: ((الجارُ أَحَقُّ بِسَقَبهِ)) (٣)، فقالَ: أنا لا أُفَسِّرُ حديثَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ وَلَكِنَّ العَرَبَ تَزْعُمُ أنّ السَّقَبَ: الَِّيقُ)) (٤) . ثُمَّ إِنَّ غيرَ واحدٍ مِنَ العلماءِ صَّفُوا فِي ذَلِكَ فأحْسَنوا . ورُوّيْنا (٥) عَنِ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ الحافِظِ قالَ: (( أوْلُ مَنْ صَنَّفَ الغريبَ في الإسلامِ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ)) (٦). ومِنْهُم مَنْ خالَفَهُ فقالَ: «أَوْلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهِ أبو عُبَيْدَةً مَعْمَرُ بنُ المَى))، وكتابَاهُمَا صَغِيرانٍ (٧). وصَنَّفَ بعدَ ذَلِكَ أبو عُبَيْدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ كِتَابَهُ المشهورَ فَجَمَعَ وأجادَ واسْتَقْصَى فَوَقَعَ مِنْ أهلِ العِلْمِ بِمَوْقِعٍ جَلِيلٍ ، وصَارَ قُدْوَةٌ في هذا الشَّأْنِ. ثُمَّ تَتَبَّعَ القُتَبِيُّ (٨) ما فاتَ أبا عُبَيْدٍ فوضَعَ فيهِ كِتَابَهُ المشهورَ ثُمَّ تَنَّعَ أبو سُلَيْمانَ الخطّابِيُّ ما فاتَّهُما فوضَعَ فِي ذَلِكَ كِتَابَهُ المشهور . (١) انظر: العلل للإمام أحمد برواية المروذي : ٢١٧ رقم (٤١٣). (٢) في (جـ) و (م): ((فسأخطئ)). (٣) أخرجه الحميدي (٥٥٢)، وأحمد ١٠/٦ و٣٩٠، والبخاري ١١٥/٣ و٣٥/٩ و٣٦ و٣٧، وأبو داود (٣٥١٦)، وابن ماجه (٢٤٩٥)، والنسائي ٣٢٠/٧ والبغوي ٢٤٢/٨ من حديث أبي رافع . وأخرجه ابن أبي شيبة ١٦٨/٧، وأحمد ٣٨٩/٤ و٣٩٠، وابن ماجه (٢٤٩٦)، والنسائي ٣٢٠/٧، والطحاوي ٤ / ٣٢٤، والدارقطني ٢٢٤/٤، وابن الجارود (٦٤٥)، والبيهقي ٦ / ١٠٥ من حديث الشرید بن سويد . وجاء في بعض ألفاظ الحديث : ((بصقبه)) بالصاد وهما بمعنىّ؛ قَالَ ابن الأثير في النهاية ٢ / ٣٧٧: (( السقب بالسين والصاد في الاصل: القرب ، يقال: سقبت الدار وأسقبت ، أي: قربت)). (٤) انظر : شرح السنة ٨ / ٢٤٢. (٥) في ( م ) : ((روينا )) بلا واو . (٦) معرفة علوم الحديث : ٨٨ . (٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٣٩٦ - ٣٩٧. (٨) في (أ) و (ب) و (م) والشذا والتقييد: ((القتيسي)). وقُتَيبَةُ: هِيَ تصغير قِتِيبة - بكسر القاف - وَهِيَ واحدة الأقتاب ، والأقتاب : الأمعاء، وبها سمّي الرجل ، والنّسبة إليه قُتَبِيّ - بضم القاف وفتح التاء المنقوطة من فوقها باثنتين وكسر الباء المنقوطة بواحدة - والمراد به أبو أحمد ، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينوري. انظر : الأنساب ٤٣١/٤، ووفيات الأعيان ٤٤/٣، وسير أعلام النبلاء ٢٩٦/١٣. ٣٧٦ فهذه الكُتُبُ الثلاثَةُ أُمَّهاتُ الكُتُبِ المؤلّفَةِ فِي ذَلِكَ(١). وورَاءِها مَجامِعُ تَشتملُ من ذَلِكَ عَلَى زوائدَ وفوائدَ كثيرةٍ ولا ينبغي أنْ يُقَلِّدَ منها إلاَّ ما كانَ مُصَنِّفُوها أئِمَّةً جلّةً . وأَقْوَى ما يُعْتَمِدُ عليهِ في تفسيرٍ غريبِ الحديثِ : أنْ يُظْفَرَ بِهِ مُفَسَّراً في بعضِ رواياتِ الحديثِ، نحوُ ما رُوِيَ في حديثِ ابنِ صِيَّدٍ (٢) أنّ النبيَّمَ قَالَ لهُ: ((قَدْ خَبَأْتُ لكَ (٣) خَبِيئاً، فما هوَ؟ قالَ: الدُّعُ)) (٤). فهذا خَفِيَ مَعْنَاهُ وأعضَلَ . وفَسَّرَهُ قومٌ بِمَا لا يَصِحُّ. وفي "معرفةِ علومِ الحديثِ" للحاكِمِ أَّهُ الدُّخُ بمعنى الرَّخٌ (٥) الَّذِي هُوَ الجِماعُ (٦)، وهذا تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ يُغِيْظُ العَالِمَ والمؤمِنَ (٧) وإِنَّمَا مَعْنى الحديثِ أنّ النبيََّ ﴿ قَالَ لهُ: قدْ أَضْمَرْتُ لكَ ضَمِيراً، فما هوَ ؟ فقالَ الدُّخُّ - بضمِ الدالِ (٨) - يَعْنِي: الدُّحَانَ، والدُّخُ: هَوَ الُّحَانُ فِي لُغَةٍ (٩) ، إذْ في بعضٍ رواياتِ الحديثِ ما نَصُّهُ: ثُمَّ قَالَ رسُولُ اللهِ ◌ِّ: (( إِّي قَدْ خَبَأْتُ لكَ حَبِيعاً، وخَبَأَ لهُ: ﴿ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَان مُبْنِ﴾ (١٠) . فقالَ ابن صَّيَّدٍ: هوَ الدُّخُ، فقالَ رسولُ اللهَ﴿ِ: ((احْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ)). وهذا ثابتٌ (١) وهذه الأمهات مطبوعة متداولة . (٢) ويقال له: ((ابن صائد)) أيضاً. انظر: الإصابة ٣ / ١٣٣. (٣) في (م): ((خبيئاً لك)) . (٤) صحيح البخاري ٨ / ٤٩ (١٣٥٤) و (١٣٥٥)، وصحيح مسلم ١٨٩/٨ (٢٩٣٠) من حديث ابن عمر . (٥) في (م): ((الذخ)) بالذال المعجمة . (٦) هو في مخطوطة معرفة علوم الحديث للحاكم (الورقة: ٨٢ ) من نسجتنا الخطية الخاصة ، وقد سقط من موضعه في المطبوعة: ٩١ . وكثرة هذه السقوطات في هذا الكتاب جعلتنا نأخذ عَلَى عاتقنا إعادة طبعه محقّقاً تحقيقاً علمياً رصيناً رضياً - يسّر الله إتمامه وطبعه - . (٧) انظر: تعقّب الحافظ العراقي عَلَى الحاكم في شرح التبصرة ٤٠٤/٢، وانظر: تاج العروس ٢٤٩/٧. (٨) وبفتحهما أيضاً. انظر: النهاية ٢ / ١٠٧، واللسان ٣ / ١٤، والتاج ٧ / ٢٤٨ . (٩) انظر: الصحاح ١ / ٤٢٠، والمقاييس ٢ / ٢٦٦. (١٠) الدخان : ١٠ . ٣٧٧ صحيحٌ خَرَّجَهُ التِّرمِذِيُّ (١) وغيرُهُ (٢)، فَأَدْرَكَ ابْنُ صَّيَّدٍ مِنْ ذَلِكَ هذهِ الكَلِمَةَ فَحَسْبُ ، عَلَى عادةِ الكُهَّانِ في اخْتِطافِ بعضِ الشيءٍ مِنَ الشََّاطِينِ مِنْ غِيرٍ وُقُوفٍ عَلَى تمامِ البيانِ . ولهذا قالَ لهُ: ((احْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ ))، أي: فلا مَزِيدَ لكَ عَلَى قَدْرِ إِذْراكِ الكُهَّانِ (٣) ، والله أعلمُ . النَّوْعُ الثّالِثُ والتَّلاَثُونَ مَعْرِفَةُ الْمُسَلْسَلِ (٤) مِنَ الْحَدِيْثِ التَّسَلْسُلُ مِنْ نُعوتِ الأسانيدِ : وهو عبارةٌ عَنْ تَتَابُعِ رجالِ الإسنادِ وتوارُدِهِمْ فیوِ ، واحداً بعدَ واحدٍ ، عَلَى صِفَةٍ أو حالَةٍ واحدةٍ . (١) جامع الترمذي (٢٢٤٩)، وقال في (٢٢٣٥) : ((حسن صحيح)). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٨١٧)، وأحمد ١٤٨/٢ و١٤٩، والبخاري ٢/ ١١٧ (١٣٥٤) و٨٥/٤ (٣٠٥٥) و٨ / ٤٩ (٦١٧٣) و١٥٧ (٦٦١٨)، وفي الأدب المفرد (٩٥٨) ومسلم ٨ / ١٩٢ (٢٩٣٠) و ١٩٣ (٢٩٣٠) (٩٦) (٩٧)، وأبو داود (٤٣٢٩ )، وابن حبان ( ٦٧٩٤ )، والطبراني في الأوسط (٩٢٧٦)، وابن منده في الإيمان (١٠٤٠)، والبغوي ( ٤٢٧٠ ). (٣) راجع : محاسن الاصطلاح ٤٠٠ . (٤) انظر في المسلسل : معرفة علوم الحديث : ٢٩ - ٣٤، والإرشاد ٥٥٤/٢ - ٥٥٨، والتقريب: ١٥٥-١٥٦، والاقتراح: ٢٠١ - ٢٠٥، والموقظة : ٤٣ - ٤٤، واختصار علوم الحديث: ١٦٨ - ١٦٩ والشذا الفياح ٤٥٦/٢ - ٤٥٩، والمقنع ٢ / ٤٤٧ - ٤٤٩، وشرح التبصرة والتذكرة ٤٠٥/٢، ونزهة النظر (١٦٧) وطبعة عتر: ٦٤ - ٦٥، وفتح المغيث ٣ / ٥٣ - ٥٨، وتدريب الراوي ٢/ ١٨٧ - ١٨٩، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٥٨، وفتح الباقي ٢: ٢٨٤ - ٢٨٩، وتوضيح الأفكار ٤١٤/٢ - ٤١٦، وظفر الأماني: ٢٨٧ - ٣٢٣. والمسلسل : اسم مفعول، يقال : سلسل الأشياء ، وصل بعضها ببعض ، كأنها سلسلة ، والماء ونحوه : صِبَّهُ شيئاً فَشيئاً في حدور واتصال ، وتسلسل : تتابع ، يقال : تسلسل الماءُ : جرى في حدور واتصال ، وشيء مسلسل متصل بعضه ببعض. انظر: المقاييس ٣ / ٦٠، واللسان ١١ / ٣٤٥، والمعجم الوسيط ١ / ٠٤٤٢ ٣٧٨ ويَنْقَسِمُ ذَلِكَ إلى ما يكونُ صِفَةً للروايةِ والتَّحَمُّلِ ، وإلى ما يكونُ صِفَةً للرواةِ أو حالةً لهم . ثُمَّ إِنْ صِفَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ وأحْوالَهُمْ أَقْوالاً وَأَفْعَالاً وَنَحْوَ ذَلِكَ تَنْقِسِمُ إلى ما لا نُحْصِيهِ. ونَوَّعَهُ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ إلى ثَمَانِيَةِ أنواعٍ (١) والذي ذَكَرَهُ فيها إنَّما هوَ صُورٌ وَأَمْثِلَةٌ ثَمَانِيَةٌ . ولا انْحِصَارَ لِذَلِكَ فِي ثَمانيةٍ كما ذَكَرْنَاهُ (٢). ومِثَالُ ما يَكونُ صِفَةً للرِّوايةِ والتَّحَمُّلِ ما يَتَسَلْسَلُ بـ: سَمِعْتُ فلاناً قالَ: سَمِعْتُ فلاناً إلى آخِرِ الإسناد . أو يَتَسَلْسَلُ (٣) بـ: حَدَّثَنَا أو أخْبَرَنا إلى آخِرِهِ، ومِنْ ذَلِكَ أخْبَرَنا والله فُلانٌ ، قالَ: أَخْبَرَنا واللهِ فُلانٌ إلى آخِرِهِ . ومِثَالُ ما يَرْجِعُ إلى صِفاتِ الرواةِ وأَقْوالِهِمْ ونَحْوِها إسْنَادُ حديثٍ: (( اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى شُكْرِكَ وذِكْرِكَ وحُسْنِ عِبَادَتِكَ)) (٤) ، الْمُتَسَّلْسِلُ بِقَوْلِهِمْ: إِنِّي أُحِبُّكَ فَقُلْ، وحديثُ التَّشْبِيْكِ باليَدِ (٥)، وحديثُ العَدِّ فِي الْيَدِ (٦)، في أشْباهِ لِذَلِكَ نَرْوِيْها وتُرْوَى كَثِيرَةً ، وخيرُها ما كانَ فيهِ دلالةٌ عَلَى أَتِّصَالِ السَّماعِ وعدمِ التَّدْلِيسِ . ومِنْ فَضيلةِ التسَلْسُلِ اشْتِمَالُهُ عَلَى مَزيدِ الضَّبْطِ مِنَ الرواةِ ، وقَلَّما تَسْلَمُ المسَلْسَلاتُ مِنْ ضَعْفٍ ، أَعْنِي: فِي وَصْفِ التَّسَلْسُلِ لا في أصلِ المتنِ . ومِنْ المسَلْسَلِ ما (١) معرفة علوم الحديث : ٢٩. (٢) جملة: ((ولا انحصار لذلك في ثمانية كما ذكرناه)) سقطت من (م). (٣) في (م): (( ليسلسل)). (٤) أخرجه أحمد ه / ٢٤٤ و٢٤٧، وأبو داود (١٥٢٢)، والنسائي ٣ / ٥٣، وفي الكبرى (١٢٢٦) (٩٩٣٧) وفي عمل اليوم والليلة (١٠٩ ) من طريق حيوة بن شريح، قال : سمعت عقبة بن مسلم ، قال : حدثني أبو عبد الرحمان الحُلي ، عن الصنابحي ، عن معاذ بن جبل، به وفي آخره : (( وأوصى بذلك معاذٌ الصنابحيَّ، وأوصى الصنابحيُّ أبا عبد الرحمان ، وأوصى أبو عبد الرحمان عقبةً بن مسلم )) . (٥) مخرج في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤٠٦ هـ (٥). (٦) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ٣٢ - ٣٣ . ٣٧٩ يَنْقَطِعُ تَسَلْسُلُهُ فِي وسَطِ إسْنَادِهِ وذَلِكَ نَقْصٌ فِيهِ وهوَ كالمسَلْسَلِ بأَوْلِ حديثٍ سَمِعْتُهُ (١) عَلَى ما هوَ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ ، والله أعلمُ . النَّوْعُ الرَّابِعُ وَالثَّلاَثُونَ مَعْرِفَةُ نَاسِخِ الْحَدِيْثِ وَمَنْسُوْخِهِ (٢) هذا فَنٌّ مُهِمٌّ مُسْتَصْعَبٌ. رُوِّيْنا عَنِ الزُّهْرِيّ ◌َّهِ أَنْهُ قالَ: ((أعْيا الفُقَهَاءَ وأعْجَزَهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا ناسِخَ حديثِ رَسُولِ اللهِ﴿ مِنْ مَنْسُوخِهِ)) (٣) . (١) هو حديث عبد الله بن عمرو: ((الراحمون يرحمهم الرحمان ... الخ))، قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤١٣: وقد وقع لنا - بإسناد متصل - التسلسل إلى آخره ، ولا يصح ذلك)). وقد رواه مسلسلاً اللكنوي في ظفر الأماني ٢٨٧ - ٢٨٨ من طريق الحافظ العراقي . وقد أخرجه بدون التسلسل الحميدي (٥٩١) و (٥٩٢)، وابن أبي شيبة ٣٨٨/٨، وأحمد ١٦٠/٢، والبخاري في تاريخه الكبير ٦٤/٩ (٥٧٤)، وأبو داود (٤٩٤١)، والحاكم ٤ / ١٥٩، والبيهقي ٤١/٩، والخطيب في تاريخه ٢٦٠/٣ و٤٣٨ جميعهم من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال: قال رسول الله وَ﴿ّ: ((الراحمون يرحمهم ... الحديث)). ولا بد من الإشارة إلى أن كثيراً من الحفاظ قد أفردوا هذا الحديث بجزء مفرد. انظر من ذلك المجلس الأول من مجالس ابن ناصر الدين الدمشقي . (١) انظر فيه : معرفة علوم الحديث: ٨٥ - ٨٨، وجامع الأصول ١/ ١٤٥ - ١٥٢، والإرشاد ٥٥٩/٢ - ٥٦٥ ، والتقريب : ١٥٧-١٥٨، واختصار علوم الحديث : ١٦٩ -١٧٠، والشذا الفياح ٤٦٠/٢ - ٤٦٦ ، والمقنع ٤٥٠/٢-٤٦٨، شرح التبصرة والتذكرة ٤١٤/٢، نزهة النظر: ١٠٥-١٠٦، وطبعة عتر: ٣٩، وفتح المغيث ٣ / ٥٩ - ٦٦، وتدريب الراوي ٢ / ١٨٩ - ١٩٢، وشرح السيوطي عَلَى ألفية العراقي: ١٦١، وفتح الباقي ٢٨٩/٢-٢٩٥، وتوضيح الأفكار ٤١٦/٢-٤١٩ . قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٤١٤: ((النسخ يطلق لغة عَلَى الإزالة، وعلى التحويل . وأما نسخ الأحكام الشرعية ، وهو المحدود هنا فهو عبارة عن رفع الشارع حكماً من أحكامه سابقاً ، بحكم من أحكامه لاحق )). ثُمَّ شرع في شرح هذا التعريف ، فراجعه . وانظر عن معاني النسخ اللغوية: الصحاح ١ / ٤٣٣، وتاج العروس ٧ / ٣٥٥. (٣) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٣)، والحازمي في الاعتبار : ١٨. ٣٨٠