النص المفهرس

صفحات 301-320

هِشَامِ: ((كَتَبْتَ؟))، قالَ: ((نَعَمْ))، قالَ: ((عَرَضْتَ كِتَابَكَ؟)) قالَ: ((لا))،
قالَ: ((لَمْ تَكْتُبْ)) (١).
وَرُوْنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ(٢) الإِمامِ ، وعَنْ يَحْثَى بنِ أبي كَثْرِ قالاَ: ((مَنْ كَتَبَ وَلَمْ
يُعَارِضْ كَمَنْ دَخَلَ الخِلاَءَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ)). وعَنْ الأخَفَشِ قالَ: «إذا نُسِخَ الكِتَابُ وَلَمْ
يُعَارَضْ ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُعَارَضْ حَرَجَ أَعْجَمِيّاً)) (٣) .
ثُمَّ إِنَّ أَفْضَلَ المعَارَضَةِ أنْ يُعَارِضَ الطَّالِبُ بنفْسِهِ كِتَابَهُ بِكِتَابِ (٤) الشَّيْخِ مَعَ الشَّيْخِ
في حالٍ تَحْدِيْثِهِ إِيَّاهُ مِنْ كِتَابِهِ ، لما يجمعُ ذلكَ مِنْ وجوهِ الاحْتِيَاطِ والإِثْقَانِ مِنَ الجانِبَيْنِ .
وما لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ هذهِ الأَوْصَافُ نَقَصَ مِنْ مَرْتَتِهِ بقدَرِ ما فاتَهُ مِنْهَا. وما ذَكَرْنَاهُ أَوْلَى مِنْ
إطْلاَقِ أبي الفَضْلِ الْحَارُودِيِّ الحافِظِ الْهَرَوِيِّ(٥) قَولَهُ: ((أَصْدَقُ المعارَضَةِ مَعَ نَفْسِكَ)(٦).
ويُسْتَحَبُّ أنْ يَنْظُرَ معهُ فِي نُسْخَتِهِ مَنْ حَضَرَ مِنَ السَّامِعِيْنَ مِمَّنْ لَيْسَ معهُ نُسْخَةٌ لاَ سِيَّما
إذا أرادَ النَّقْلَ مِنْها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْبَى بِنِ مَعِيْنٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَمْ يِنظرْ (٧) في الكِتَاب
(١) أخرجه الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٥٤٤، والخطيب في الجامع (٥٧٦)، والكفاية:
(٣٥٠ت، ٢٣٧هـ) والقاضي عياض في الإلماع: ١٦٠، وابن السمعاني في أدب الإملاء: ٧٩.
قال البقاعي: (( يحتمل - وهو أظهر - أن يكون (لم) حرف جزم فيكون المعنى أن ما كتبه عَدَمٌ؛ لعدم نفعه،
ويحتمل أن تكون استفهامية، وهو قريب من الأول)). النكت الوفية : ٢٨٧/ب .
(٢) قال العراقي في التقييد: ٢١٠: (( إنما هو معروف عن الأوزاعي، وعن يحيى بن أبي كثير))، وبنحوه في
نكت الزركشي ٥٨٢/٣. وإلى الأوزاعي أسنده ابن عبد البر في الجامع ٧٧/١-٧٨. وأسنده الرامهر مزي
في المحدّث الفاصل: ٥٤٤، وابن عبد البر في الجامع ٧٧/١، والخطيب في الكفاية: (٣٥٠ ت، ٢٣٧ هـ)،
وفي الجامع (٥٧٧)، وابن السمعاني في أدب الإملاء ٧٨ - ٧٩ إلى يحيى بن أبي كثير .
(٣) أسنده الخطيب في الكفاية: (٣٥١ ت، ٢٣٧ - ٢٣٨ هـ)، وانظر: المحاسن: ٣١٠.
(٤) انظر : المحاسن : ٣١٠.
(٥) هو الحافظ أبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد، الجارودي الهروي، توفي سنة (٤١٣ هـ). السير ٣٨٤/١٧.
(٦) وهذا يختلف من حال شخص إلى آخر ، فمن كان من عادته ألا يسهو عند نظره في الأصل والفرع فهذا
يقابل بنفسه ، ومن كان من عادته أن يسهو عند نظره فمقابلته مع الغير أولى. الاقتراح : ٢٩٦-٢٩٧،
نكت الزركشي ٣ / ٥٨٣ ٠
(٧) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٨٤.
٣٠١

والمحدِّثُ يَقْرَأْ ، هَلْ يَجُوزُ أنْ يُحَدِّثَ بذلكَ عنهُ؟ ، فقالَ: أمَّا عِنْدِي فَلاَ يَجُوزُ ، ولَكِنْ
عَامَّةُ الشّيُوخِ هَكَذَا سَمَاعُهُمْ)) (١) .
قُلْتُ: وهذا مِنْ مَذاهِبِ أهْلِ التَّشْدِيْدِ فِي الروايَةِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ مَذْهَبِهِمْ (٢) إِنْ
شَاءَ اللهُ تَعَالَى. والصَّحِيْحُ أنَّ ذلكَ لاَ يُشْتَرَطُ وَأَنَّهُ يَصِحُّ السَّمَاعُ وإِنْ لَمْ يَنْظُرْ أصلاً في
الكِتَابِ حالَةَ القِرَاءَةِ ، وأَنَّهُ لا(٣) يُشْتَرَطُ أنْ يُقَابِلَهُ بنَفْسِهِ ، بلْ يَكْفِيْهِ مُقَابِلَةُ نُسْخَتِهِ بِأَصْلٍ
الرَّاوي وإِنْ لَمْ يَكُنْ ذلكَ حالَةَ القِرَاءةِ ، وإِنْ كَانَتِ المقابَلَةُ على (٤) يَدَي غيره ، إذا كَانَ
ثِقَةً مَوْتُوقاً بضَبْطِهِ (٥) .
قُلْتُ: وجَائِرٌ أنْ تَكُونَ مُقَابَلَتُهُ بِفَرْعٍ قَدْ قُوِلَ المقابلَةَ المشروطَةَ بِأَصْلِ شَيْخِهِ أَصْلٍ
السَّمَاعِ ، وكذلكَ إذا قَابَلَ بأصْلٍ أصْلِ الشَّيْخِ (٦) المقَابَلْ بِهِ أصْلُ الشَّيْخِ؛ لأنَّ الغَرَضَ
المطْلُوبَ أنْ يَكُونَ كِتَابُ الطَّالِبِ مُطَابِقاً لأَصْلِ سَمَاعِهِ وكِتَابِ شَيْخِهِ، فَسَوَاءٌ حَصَلَ
ذلكَ بَوَاسِطَةٍ أوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ . ولاَ يُحْزِئُ ذلكَ عِنْدَ مَنْ قَالَ: ((لاَ تَصِحُّ مُقَابَلَتُهُ مَعَ أحَدٍ
غَيْرِ نَفْسِهِ ، ولاَ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، ولاَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كِتَابِ الشَّيْخِ وَاسِطَةٌ(٧)، وليقَابِلْ نُسْخَتَهُ
بالأصْلِ بِنَفْسِهِ حَرْقاً حَرْفاً حَتَّى يَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِيْنِ مِنْ مطابَقَتِها لهُ)). وهذا مَذْهَبٌ
مَتْرُوٌ وهوَ مِنْ مَذَاهِبِ أهْلِ التَّشْدِيْدِ المرفُوضَةِ فِي أَعْصَارِنا ، والله أعلمُ .
(١) الكفاية: (٣٥١ ت، ٢٣٨ هـ ).
(٢) في (ب ): ((مذاهبهم)).
(٣) سقطت من ( ب ) .
(٤) كأنه ثَنَّى اليد ؛ إشارة إلى الاعتناء بالمقابلة ، أفاده البقاعي في نكته : ٢٨٩ / ب.
(٥) قال البقاعي: ((أي: قد يكون الإنسان ثقةً، أي: عدلاً ضابطاً لما يرويه، وهو ضعيف في الكتابة أو لا
يعلمها أصلاً فلا يدفع ذلك مع كونه موثوقاً بضبطه في المقابلة ، أي: قد جرب أمره فيها فوجد شديداً)).
النكت الوفية : ٢٨٩ / ب .
(٦) انظر: الاقتراح: ٢٩٧ - ٢٩٨، ونكت الزركشي ٣ / ٥٨٥.
(٧) نقله القاضي عياض في الإلماع : ١٥٩.
٣٠٢

أمَّا إذا لَمْ يُعَارِضْ كِتَابَهُ بِالأَصْلِ أَصْلاً فَقَدْ سُئِلَ الأُسْنَاذُ أبو إِسْحَاقَ الإِسْفِرَاسِيُّ
عَنْ جَوَازِ رِوَايَتِهِ مِنهُ (١) فَأَجَازَ ذلكَ. وأجَازَهُ الحافِظُ أبو بَكْرِ الخطِيبُ (٢) أيضاً وبَيَّنَ
شَرْطَهُ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ نُسْخَتُهُ نُقِلَتْ مِنَ الأَصْلِ وأنْ يُبَيِّنَ عندَ الروايةِ أَّهُ لَمْ
يُعَارِضْ. وحَكَى عَنْ شَيخِهِ أبِي بَكرِ البَرْقَانِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أبا بكرِ الإِسْمَاعِيَّ: ((هَلْ الرَّجُلِ
أنْ يُحَدِّثَ بِمَا كَتَبَ عَنِ الشَّيْخِ وَلَمْ يُعَارِضْ بِأَصْلِهِ؟ ))، فقالَ: «نَعَمْ، ولَكِنْ لاَ بُدَّ أنْ
يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُعَارِضَ)) (٣). قالَ: وهذا هوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرِ البَرْقَانِيِّ، فإنَّهُ رَوَى لَنا
أَحَادِيْثَ كَثِيْرَةً قَالَ فيها: ((أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ، وَلَمْ أُعَارِضْ بِالأَصْلِ)) (٤) .
قُلْتُ: ولاَ بُدَّ مِنْ شَرْطِ ثَالِثٍ (٥) ، وهوَ أنْ يَكُونَ ناقِلُ النُّسْخَةِ مِنَ الأَصْلِ غَيْرَ
سَقِيْمِ الثَّقْلِ ، بِلْ صَحِيْحَ النَّقْلِ قَلِيْلَ السَّقْطِ ، والله أعلمُ .
ثُمَّ إِنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُرَاعِيَ فِي كِتَابِ شَيْخِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلى مَنْ فَوْقَهُ مثلَ مَا ذَكَرْنا أنَّهُ
يُرَاعِيهِ مِنْ كِتَابِهِ ، ولاَ يَكُونَنَّ (٦) كَطَائِفَةٍ مِنَ الطِّلَبَةِ إذا رَأَوْا سَمَاعَ شَيْخِ لِكِتَابٍ قَرَؤُوهُ
عليهِ مِنْ أيّ تُسْخَةٍ أَّفَقَتْ ، والله أعلمُ .
الحادي عَشَرَ : المخْتَارُ فِي كَيْفِيَّةِ تَخْرِيجِ السَّاقِطِ في الحواشِي ويُسَمَّى اللَّحَقَ (٧)
- بفتحِ الحاءِ - وهوَ أنْ يُخَطْ مِنْ مَوْضِعِ سُقُوطِهِ مِنَ السَّطْرِ: خَطّاً صَاعِداً إلى فَوْقُ ، ثُمَّ
(١) في (أ): (( عنه)) .
(٢) الكفاية: (٣٥٢ ت، ٢٣٩ هـ ).
(٣) الكفاية : (٣٥٣ ت، ٢٣٩ هـ).
(٤) المصدر السابق .
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٥٨٦.
(٦) في ( م ): ((ولا يكون منه))، وفي الشذا: ((ولا يكون)).
(٧) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٢٢٣: ((أهل الحديث والكتَّابة يسمّون ما سقط من أصل
الكتاب ، فألحق بالحاشية أو بين السطور : اللّحَق - بفتح اللام والحاء المهملة معاً - .
وأمَّا اشتقاقه فيحتمل أنه من الإلحاق، قال الجوهري: اللّحَق -بالتحريك- شيء يلحق بالأول، قال:
واللّحَق أيضاً من التمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب المحكم: اللْحَق: كل شيء لَحِقَ شيئاً أو أُلحِقَ
به من الحيوان والنبات وحمل النخل ، ويحتمل أنه من الزيادة يدل عليه كلام صاحب المحكم فإنه قال :
اللَّحَق : الشيء الزائد - ثم قال وقد وقع في شعر نسب إلى أحمد بن حنبل - بإسكان الحاء- ثُمَّ قال بعد
إيراده : وكأنه خفّف حركة الحاء ؛ لضرورة الشعر)) . =
٣٠٣

يَعْطِفَهُ بينَ السَّطْرَيْنِ عَطْفَةٌ يَسِيْرَةً إلى جِهَةِ الحَاشِيَةِ التي يَكْتُبُ فيها اللَّحَقَ ، ويَبْدَأَ في
الحاشِيَةِ بِكَتْبِهِ (١) اللّحَقَ مُقَابِلاً للخَطِّ المنعَطِِ، ولَيَكُنْ ذلكَ في حاشِبَةِ ذَاتِ اليمينِ .
وإِنْ كَانتْ تَلِي وسَطَ الورقةِ إِنِ أَّسَعَتْ لَهُ وَلْيُكْتُبُهُ (٢) صَاعِدَاً إلى أعْلَى الوَرَقَةِ، لاَ نَازِلاً
بهِ إلى أسْفَلَ .
قُلْتُ: وإذا كانَ اللَّحَقُ سِطْرَيْنِ أَوْ سُطوراً، فلاَ يَبْتَدِئْ بسطورِهِ مِنْ أسْفَلَ إلى
أعلى بلْ يَبْتَدِئُ بِها مِنْ أَعْلَى إلى أسْفَلَ ، بحيثُ يكونُ مُنْتَهاها إلى جِهَةِ باطِنِ الوَرَقَةِ إذا
كانَ التخريجُ فِي جِهَةِ اليمينِ ، وإذا كانَ في جِهَةِ الشِّمَالِ وَقَعَ مُنْتَهاها إلى جِهَةِ طَرَفٍ
الورقَةِ، ثُمَّ يكتُبُ عندَ انِتِهَاءِ اللَّحَقِ (صَحَّ)). ومِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ مَعَ ((صَحَّ)) ((رَجَعَ))،
ومِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ فِي آخِرِ اللَّحَقِ الكلمَةَ الْمَّصِلَةَ بِهِ دَاخِلَ الكِتابِ في موضِعِ التَّخْرِيجِ
لِيُؤْذِنَ (٣) باتِّصَالِ الكَلامِ، وهذا اخْتِيارُ بعضِ أهْلِ الصَّنْعَةِ مِنْ أهْلِ المغربِ ، واخْتِيارٌ
القاضي أبي محمَّدِ بنِ خَلّدٍ - صاحِبِ كِتَابِ " الفَاصِلِ بينَ الراوي والواعي " - مِنْ أهلٍ
المشْرِقِ مَعَ طَائِفَةٍ ، وليسَ ذلِكَ بَمَرْضِيٍّ إِذْ رُبَّ كَلِمَةٍ تَجِيءُ في الكَلامِ مُكَرَّرَةٌ حَقيقَةٌ ،
فهذا التَّكْرِيْرُ يُوقِعُ بَعْضَ الناسِ فِي تَوَهُّمٍ مِثْلٍ ذَلِكَ في بعضِهِ ، واخْتَارَ القاضِي ابنُ خَلاَّد
أيضاً في كِتابِهِ (٤) أنْ يَمُدَّ عَطْفَةَ خَطِّ الْتَّخْرِيجِ مِنْ موضِعِهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ بأوَّلِ اللَّحَقِ في
الحاشِيَةِ (٥) . وهذا أيضاً غيرُ مَرْضِيٍّ، فإِنَّهُ وإِنْ كَانَ فيهِ زيادَةُ بيانٍ ، فَهُوَ تَسْخِيمٌ للكِتابِ
وتَسْوِيدٌ لهُ لاَ سِيَّما عندَ كَثْرَةِ الإِلْحَاقَاتِ ، والله أعلمُ (٦) .
= قلنا: أشار صاحب اللسان ٣٢٧/١٠ إلى أن: اللّحَقِ إنْ خفّف كان جائزاً، فيقال: لَحْقٌ، ومثله في
التاج ٣٥٢/٢٦ . وانظر: الصحاح ١٥٤٩/٤، ونكت الزركشي ٥٨٦/٣، والنكت الوفية ٢٩١/أ.
(١) في (أ) و ( ع) و (م) والشذا والتقييد: ((بكتبة)).
(٢) في (ع): ((فليكتبه))، وما أثبتناه من النسخ و (م).
(٣) في (جـ ): (( ليؤذنه)).
(٤) المحدّث الفاصل : ٦٠٦ .
(٥) في (م): ((بالحاشية)).
(٦) جملة: (( والله أعلم )) لم ترد في ( ب).
٣٠٤

وإِنَّمَا اخْتَرْنا كِتْبَةَ اللَّحَقِ صاعِداً إلى أعْلَى الوَرَقَةِ لِئَلاَّ (١) يَخْرُجَ بَعْدَهُ نَقْصٌ آخَرُ
فَلا يَجدُ ما يُقَابِلُهُ مِنَ الحاشِيَةِ فَارِغاً لَهُ لَوْ كَانَ كَتَبَ الأَوْلَ نَازِلاً إلى أسْفَلَ ، وإذا
كَتَبَ الأوَّلَ صَاعِدً فما يَجِدُ بعدَ ذلكَ مِنْ نَقْصِ يَجِدُ ما يُقَابِلُهُ مِنَ الحاشِيةِ فارغاً لهُ .
وقُلْنا أيْضاً: يُخَرِّجُهُ فِي جِهَةِ اليمينِ؛ لأَنَّهُ لوْ خَرَّجَهُ إلى جِهَةِ الشِّمَالِ ، فَرُبَّمَا ظَهَرَ بَعْدَهُ
في السَّطْرِ نَفْسِهِ نَقْصٌ آخَرُ ، فإِنْ خَرَّجَهُ قُدَّمَهُ إلى جِهَةِ الشّمالِ أيْضاً وَقَعَ بِينَ الثَّخْرِيَيْنِ
إِشْكَالٌ ، وإِنْ خَرَّجَ الثانيَ إلى جِهَةِ اليمينِ التَّقَتْ عَطْفَةُ تَخْرِيجِ جِهَةِ الشِّمَالِ وعَطْفَةُ
تَخْرِيجِ جِهَةِ اليمينِ أوْ تَقَابَتَا، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الضَّرْبَ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا، بِخِلافٍ مَا إذا خرَّجَ
الأوَّلَ إلى جِهَةِ اليمينِ فإِنَّهُ حِيْنَئذٍ يُخَرِّجُ الثَّانِيَ إلى حِهَةِ الشَّمَالِ فَلاَ يَلْتَقِيَانِ، ولاَ يَلْزَمُ
إِشْكَالٌ ، اللَّهُمَّ إِلَّ أنَّ يَتَأَخَّرَ النّفْصُ إلى آخِرِ السَّطْرِ، فَلاَ وَجْهَ حِيْنَئذٍ إلاّ تَخْرِيجُهُ إلى جِهَةٍ
الشِّمَالِ؛ لِقُرْبِهِ مِنْها ولائْتِفَاءِ العِلَّةِ المذْكُورَةَ مِنْ حَيَّثُ إِنَّا (٢) لاَ نَخْشَى ظُهُورَ نَقْصٍ بَعْدَهُ.
وَإِذا كَانَ الَّقْصُ في أَوَّلِ السَّطْرِ تَأَكْدَ تَخْرِجُهُ إلى جِهَةِ اليمينِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ
القُرْبِ مَعَ مَا سَبَقَ .
وأمَّا مَا يُخَرَّجُ في الحواشِي مِنْ شَرْحٍ أوْ تَنْبِهِ عَلَى غَلَطٍ أو اخْتِلاَفِ رِوَايَةٍ أَوْ نُسْخَةٍ
أوْ نَحْوِ ذلكَ مِمَّا لَيْسَ فِي (٣) الأصْلِ، فَقَدْ ذَهَبَ القاضِي الحافِظُ عِياضٌ (٤) -رَحِمَهُ الله -
إلى أنَّهُ لاَ يُخَرَّجُ لِذَلِكَ حَطُّ تَخْرِيجٍ لِغَلّ (٥) يَدْخُلَ اللَّبْسُ وَيُحْسَبَ مِنَ الأَصْلِ، وأَنَّهُ لاَ
يُخَرَّجُ إلاّ لِمَا هُوَ مِنْ نَفْسِ الأصْلِ، لَكِنْ رُبَّمَا جُعِلَ عَلَى الحرفِ المقْصُودِ بذلِكَ الَّخْرِيجِ
عَلَمَةٌ كالضَّةِ أوْ التَّصْحِيْحِ إِيْذَاناً بِهِ .
قُلْتُ: التَّخْرِيجُ أوْلَى وأدَلُّ، وفي نفسِ هذا الْمُخَرَّجِ مَا يَمْنَعُ الإِلْبَاسَ. ثُمَّ هذا
التَّخْرِيجُ يُخَالِفُ الثَّخْرِيجَ لِمَا هُوَ مِنْ نفسِ الأَصْلِ في أنَّ خَطْ ذلكَ التَّخْرِيجِ يَقَعُ بينَ
الكلمتينِ اللََّيْنِ بَيْنَهُما سقَطَ السَّاقِطُ ، وخطّ هذا التَّخريجِ يَقَعُ على نَفسِ الكلمةِ التي مِنْ
أجْلِها خُرِّجَ الْمُخَرَّجُ في الحاشِيَةِ ، والله أعلمُ .
(١) في (ب): ((كي لا)).
(٢) كلمة : ((إنا)) ساقطة من ( ب).
(٣) في (م): ((من)) .
(٤) الإلماع : ١٦٤ .
(٥) في (ب): ((كي لا)).
٣٠٥

الثَّانِي عَشَرَ : مِنْ شَأْنِ الْحُذَّاقِ الْمُتْقِنِينَ: العِنَايَةُ بالتَّصحيحِ والتَّضْبِيبِ والتَّمْرِيضِ .
أمَّا التَّصحيحُ: فَهِوَ كِتَابَةُ ((صَحَّ) على الكَلامِ أَوْ عِندَهُ، وَلاَ يُفْعَلُ ذَلكَ إلاَّ فِيمَا
صَحَّ روايةً ومعنّى، غيرَ أنَّهُ عُرْضَةٌ لِلشَكِّ أَوْ الْخِلاَفِ، فَيُكْتَبُ عليهِ (صَحَّ))؛ لِيُعْرَفَ
أَنَّهُ لَمْ يُغْفَلْ عنهُ ، وأَنَّهُ قَدْ ضُبِطَ وصَحَّ على ذلكَ الوَجْهِ .
وأمَّا التَّضْبِيبُ ويُسْمَّى أيضاً التَّمْرِيضَ (١): فَيُجْعَلُ على ما صَحَّ وُرُودُهُ كذلكَ مِنْ
جِهَةِ النَّقْلِ ، غيرَ أنَّهُ فَاسِدٌ لَفْظاً، أوْ مَعْتَى، أوْ ضَعِيفٌ، أوْ ناقِصٌ، مثلُ أنْ يَكُونَ غيرَ
جائِزٍ مِنْ حيثُ العربيّةُ، أَوْ يَكُونَ شَاذًاً عِنْدَ أهلِهَا يَأْبَاهُ أكْثَرُهُمْ، أوْ مُصَحَّفاً، أوْ يَنْقُصَ
مِنْ جُمْلَةِ الكَلامِ كَلِمَةً أَوْ أَكْثَرَ ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ ، فَيُمَدُّ على ما هذا سَبْلُهُ حَطٌّ : أوَّلُهُ
مِثْلُ الصَّادِ ولاَ يُلْزَقُ بِالكَلِمَةِ الْمُعَلَّمِ عليها كَيْلاَ يُظَنَّ ضَرْباً، وكأنّهُ صَادُ النَّصْحِيحِ بِمَدَّتِها
دونَ حائِهَا كُتِبَتْ كَذلكَ لِيُفَرَّقَ بينَ ما صحَّ مُطلقاً مِنْ جِهَةِ الروايَةِ وغيرِها ، وبينَ ما
صحَّ مِنْ جِهَةِ الروايَةِ دونَ غيرِها ، فَلَمْ يُكَمَّلْ عليهِ النَّصْحِيحُ ، وكُتِبَ حَرْفٌ ناقِصٌ على
حرفٍ ناقِصٍ؛ إِشْعَاراً بِنَقْصِهِ ومَرَضِهِ مَعَ صِحَّةٍ نَفْلِهِ ورِوايَتِهِ ، وتَنْبيهاً بذلكَ لِمَنْ ينظرُ في
كِتَابِهِ، على أنَّهُ قَدْ وَقَفَ عليهِ ونَقَلَهُ على ما هوَ عليهِ ، وَلَعَلَّ غيرَهُ قَدْ (٢) يُخَرِّجُ لَهُ وَجْهاً
صحيحاً ، أوْ يَظْهَرُ لهُ بعدَ ذلكَ في صِحَّتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ له الآنَ . ولوْ غَيَّرَ ذلكَ وأصْلَحَهُ
على ما عندَهُ، لَكَانَ مُتَعَرِّضاً لِمَا وَقَعَ فيهِ غيرُ واحِدٍ مِنَ المَتَجَاسِرِينَ الذينَ غَيَّرُوا، وَظَهَرَ
الصَّوَابُ فيما أَنْكَرُوهُ والفَسَادُ فيما أصْلَحُوهُ !.
وأمَّا تَسْمِيَّةُ ذلكَ ضَبَّةٌ (٣) ، فَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ أبي القاسِمِ إبراهيمَ بنِ مُحَمَّدٍ اللُّغَوِيِّ
المعْرُوفِ بابنِ الإِفْلِئِيِّ (٤): أنَّ ذلكَ لِكَونِ الحرفِ مُفْفَلاً بها لاَ يَتَّجِهُ لِقِرَاءَةِ ، كَما أنّ
(١) قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: ٣٠٠: ((والتمريض حيث تكون اللفظة صحيحة في الرواية دون المعنى ،
فيكتب عليها صورة صاد صغيرة ممدودة نصف صح ؛ إيذاناً بأن الصحة لَمْ تكمل فيه)) .
(٢) سقطت من ( ب ) .
(٣) الضَّبَّة في الأصل : حديدة عريضة يُضَّبَّبُ بها الباب والخشب، وتكون من صفر أو حديد أو نحو ذلك
يشعب بها الإناء . انظر: التاج ٣ / ٢٣٣، ومتن اللغة ٣ / ٥٢٦.
(٤) في (ع) والتقييد: ((الإقليلي)) بالقاف، والصواب ما أثبت ، قال ابن خلكان في وفياته ٥١/١ : ((بكسر
الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها لام ثانية ، هذه النسبة إلى الإفليل ،
وهي قرية في الشام كان أصله منها . ومثله في حاشية نسخة (ب)، ونكت الزركشي ٥٨٧/٣ ،
وضبطها ياقوت في معجم البلدان ٢٣٢/١: أَفْلِيْلاء - بفتح الهمزة- وكذا في مراصد الاطلاع ١٠٢/١.
وقد توفي الإفليلي سنة (٤٤١ هـ). وانظر: وفيات الأعيان ١ / ٥١، وشذرات الذهب ٣ / ٢٦٦.
٣٠٦

الضَّبَّةَ مُقْفَلٌ بها (١) ، والله أعلمُ .
قُلْتُ: ولأنّها لَمَّا كانتْ على كَلامِ فِيهِ خَلَلٌ أشْبَهَتِ الضَّبَّةَ التي تُجْعَلُ على كَسْرِ
أَوْ حَلَلٍ ، فَاسْتُغِيرَ (٢) لَهَا اسْمُها ، ومِثْلُ ذلكَ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ في بابِ الاسْتِعَاراتِ (٣) .
ومِنْ مَوَاضِعِ التَّضْبِيبِ أنْ يَقَعَ فِي الإِسْنَادِ إِرْسَالٌ أو انْقِطَاعٌ ، فَمِنْ عادَتِهِمْ تَضْبِيبُ
مَوْضِعِ الإِرْسَالِ والانْقِطَاعِ وذلكَ مِنْ قَبِيلٍ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ النَّضْبِيبِ عَلَى الكَلَمِ
النَّاقِصِ. ويُوجَدُ في بعضِ أصُولِ الحديثِ القَدِيْمَةِ فِي الإِسْنَادِ الذي يَحْتَمِعُ فيهِ جَمَاعَةٌ
مَعْطُوفَةٌ أسْمَاؤُهُمْ بَعْضُهَا على بعضٍ عَلامَةٌ تُشْبِهُ الضَّةَ فيما بينَ أسْمَائِهِمْ، فَيَتَوَهَّمُ مَنْ لاَ
خِبْرَةَ لهُ أَنَّها ضَبَّةٌ وليسَتْ بِضَبَّةٍ ، وكأنَّها عَلامَةُ وَصْلٍ فيما بينَها (٤) ، أُتْبِتَتْ تَأْكِيداً
للعطْفِ، حَوفاً مِنْ أَنْ تُحْعَلَ (عَنْ)) مَكانَ الواوِ ، والعِلْمُ عِندَ اللهِ تَعَلَى. ثُمَّ إِنَّ بَعضَهُمْ
رُبَّمَا اخْتَصَرَ عَلامَةَ التَّصْحِيحِ فَجَاءتْ صُورَتُها تُشْبِهُ صُورَةَ التَّضْبِيبِ، والفِطْنَةُ مِنْ خَيْرِ
ما أُوتِيهُ الإِنسَانُ ، والله أعلمُ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : إذا وقَعَ في الكِتابِ ما ليسَ مِنْهُ فِنَّهُ يُنْفَى عنهُ بالضَّرْبِ أو الحكِّ أو
الْمَحْرِ ، أَوْ غيرِ ذلكَ . والضَّرْبُ خَيْرٌ مِنَ الْحَكِّ وَالْمَحْرِ . رُوِّيْنَا عَنِ القَاضِي أبي محمَّدٍ بِنِ
خَلاَّدٍ - رَحِمَهُ الله - قالَ: قالَ أصْحَابُنا: ((الْحَثُّ تُهْمَةٌ)) (٥). وأخْبَرَنِي مَنْ أُخْبِرَ عَنِ
ء
القَاضِي عِيَاضِ قالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنا أبا بَحْرِ سُفيانَ بِنَ العَاصِ (٦) الأسدِيِّ يَحْكِي عَنْ
(١) الإلماع : ١٦٩ .
(٢) في (ع ): (( استعير)) من غير فاء، وما أثبتناه من النسخ و ( م).
(٣) اعترض الحافظ العراقي على ذلك. فانظر: التقييد: ٢١٤، وشرح التبصرة ٢ / ٢٢٩، والمحاسن:
٣١٦، وتوجيه النظر ٢ / ٧٨٤ .
(٤) في (ب) و (جـ): ((بينهما)).
(٥) المحدّث الفاصل: ٦٠٦، وأخرجه الخطيب في الجامع ( ٥٨٧).
(٦) في (م ) والشذا الفياح وعدد من المصادر: ((العاصي))، وما أثبتناه من النسخ الخطية و (ع) والتقييد،
ومثله في سير أعلام النبلاء ١٩ / ٥١٥، وفتح المغيث ٢ / ١٧٩، وشذرات الذهب ٦١/٤، وغيرها .
قال العيني في عمدة القاري ٢ / ٨٩ تعليقاً على اسم ((عمرو بن العاصي))، قال: ((قوله: ((العاصي))
الجمهور على كتابته بالياء ، وهو الفصيح عند أهل العربية ، ويقع في كثير من الكتب بحذفها ، وقد قرئ
في السبع نحوه كالكبير المتعال والداع». وانظر: النكت الوفية ٢٩٥ / أ.
٣٠٧

بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «كَانَ الشُُّوخُ يَكْرَهُونَ حُضُورَ السِّكْنِ مَجْلِسَ السَّمَاعِ ،
حَتَّى لاَ يُبْشَرَ (١) شَيءٌ؛ لأنَّ مَا يُبْشَرُ مِنْهُ رُبَّمَا يَصِحُّ في روايةٍ أُخْرَى. وَقَدْ يُسْمَعُ
الكِتَابُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى شَيْخِ آخَرَ يَكُونُ مَا بُشرَ وَحُكَّ مِنْ رِوايةِ هَذَا صَحيحاً في روايةٍ
الآخَرِ فَيَحْتَاجُ إِلى إِلْحَاقِهِ بَعدَ أنْ بُثِرَ (٢) ، وهوَ إذا خُطْ عليهِ مِنْ روايةِ الأوَّلِ، وصَحَّ
عِنْدَ الآخرِ ، اكْتُفِيَ بِعَلَامَةِ الآخَرِ عليهِ بِصِحَتِهِ)) (٣) .
ثُمَّ إِنَّهُم اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ، فَرُوَّيْنَا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ خَلاَّدِ قَالَ: ((أَجْودُ
الضَّرْبِ أنْ لاَ يُطْمِسَ المضْرُوبَ عليهِ ، بَلْ يَخُطِّ مِنْ فَوقِهِ خَطّاً جيّداً بَيِّناً ، يَدُلُّ على
إِبْطَالِهِ، وَيُقْرَأُ مِنْ تَحْتِهِ ما خُطّ عليهِ)) (٤). ورُوِّيْنَا عَنِ القاضِي عِيَاضِ ما مَعْناهُ: أنْ
اخْتِياراتِ الضَّابِطِينَ اخْتَلَفَتْ في الضَّرْبِ ، فَأَكْثَرُهُمْ على مَدِّ الخطّ على المضروبِ عليهِ
مُخْتَلِطاً بالكلماتِ المضروب عليها. ويُسَمَّى ذلكَ: ((الشَّقَّ))(٥) أيضاً (٦).
(١) قال البقاعي في نكته الوفية ٢٩٥ / ب: ((البَشْر: القَشْر، وهو أخذ وجه البشرة، وهو حقيقة الكشط)).
انظر : اللسان ٤ / ٦٠ .
(٢) بعد هذا في (ع): ((وحك))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا في (م) ، ولا الشذا ولا التقييد .
(٣) الإلماع : ١٧٠ - ١٧١ .
(٤) المحدث الفاصل : ٦٠٦ .
(٥) قال العراقي في نكته: ٢١٦: ((الشَّقُّ - بفتح الشين المعجمة وتشديد التاف - وهذا الاصطلاح لا يعرفه
أهل المشرق ، ولم يذكره الخطيب في الجامع ولا في الكفاية ، وهو اصطلاح لأهل المغرب، وذكره القاضي
عياض في الإلماع ، ومنه أخذه المصنف ، وكأنه مأخوذ من الشق ، وهو الصدع أو من شق العصا ، وهو
التفريق، فكأنه فرق بين الكلمة الزائدة وبين ما قبلها وبعدها من الصحيح الثابت بالضرب عليها، والله أعلم.
ويوجد في بعض نسخ علوم الحديث النشق - بزيادة نون مفتوحة في أوله وسكون الشين - فإن لم يكن
تصحيفاً وتغييراً من النسّاخ فكأنه مأخوذ من نشق الظي في حبالته إذا علق فيها فكأنه إبطال لحركة الكلمة
وإهمالها يجعلها في صورة وثاق يمنعها من التصرف، والله أعلم)). وانظر: النكت الوفية ٢٩٥ / ب.
(٦) الإلماع : ١٧١ .
٣٠٨

ومِنْهُمْ مَنْ لاَ يَخْلِطُهُ ويَثْتُهُ فَوقَهُ لَكِنَّهُ يَعْطِفُ طَرَّفَي الخَطِّ على أوْلِ المضروبِ عليهِ
وآخِرِهِ . ومِنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْبِحُ هذا ويَرَاهُ تَسْوِيداً وَتَطْلِيساً، بَلْ يُحَوِّقُ (١) على أوْلِ الكَلامِ
المضروبِ عليهِ بنصْفِ دائِرَةٍ ، وكذلكَ في آخِرِهِ ، وإذا كَثُرَ الكَلَامُ المضروبُ عليهِ فَقَدْ
يَفْعَلُ ذلكَ في أوَّلِ كُلِّ سَطْرٍ مِنْهُ وَآخِرِهِ، وقَدْ يَكْتُفِي بِالتَّحْوِيِقِ على أوَّلِ الكُلاَمِ وآخِرِهِ
أَجْمَعَ . ومِنَ الأَشْيَاخِ مَنْ يَسْتَقْبِحُ الضَّرْبَ والتَّحْوِيقَ وَيَكْتَفِي بدائِرَةٍ صَغِيرةٍ أوَّلَ الزِّيادة
وآخِرَهَا وَيُسَمِّيْها صِفْراً كَما يُسَمِّيْها أهْلُ الْحِسَابِ . ورُبَّمَا كَتَبَ بعضُهُمْ عليهِ (( لا)) في
أوْلِهِ و ((إلى)) في آخِرِهِ (٢)، ومثلُ هذا يَحْسُنُ فيما صَحَّ فِي رِوَايَةٍ (٣)، وسَقَطَ في روايةٍ
أُخْرَى ، والله أعلمُ .
وأمَّا الضَّرْبُ على الحرفِ المكَرَّرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بِالكَلامِ فيهِ القاضي أبو مُحَمَّدٍ بِنِ خَلاَدِ
الرَّامَهُرْ مُزِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلَى تَقدُّمِهِ، فَرُوِّيْنَا عَنْهُ قَالَ: قَالَ بَعضُ أصْحَابنا: ( أُولاهُما
بأنْ يُبْطِلَ الثَّانِي؛ لأنّ الأَوْلَ كُتِبَ عَلَى صَوابٍ والنَّانِي كُتِبَ عَلَى الخطَأِ، والخطَأُ أَوْلَى
بالإِبطَالِ. وقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا الكِتابُ عَلَامَةٌ لِمَا يُقْرَأُ فَأَوْلَى الحرفَيْنَ بالإِبْقَاءِ أَدَّلُّهُما عليهِ
وأجْوَدُهُما صُورَةٌ )) (٤). وجَاءَ القَاضِي عِياضٌ(٥) آخِراً فَفَصَّلَ تَفْصِلاً حَسَناً ، فَرَأَى أنْ تَكَرُّرَ
الحرفِ إنْ كانَ في أوْلِ سَطْرٍ فَلْيُضْرَبْ عَلَى الثَّاني صِيانَةً لأَوْلِ السَّطْرِ عَنِ النَّسْوِيْدِ والتَّشْوِيهِ
وإنْ كانَ في آخِرِ سَطْرٍ فَلْيُضْرَبْ عَلَى أوْلِهِما صيانَةً لآخِرِ السَّطْرِ، فإِنَّ سَلامةَ أَوَائِلٍ
السُّطُورِ وأوَاخِرِها (٦) عَنْ ذلكَ أَوْلَى. فإِنِ أَّفَقَ أحَدُهُما في آخِرِ سَطْرٍ والآخَرُ فِي أَوْلِ سَطْرٍ
(١) يقال: حَوَّق عليه، أي: حَلَّق وأحاطَ بحلقة أو دائرة. النكت الوفية: ٢٩٨/أ، وانظر: متن اللغة ٢٠٢/٢.
(٢) الإلماع: ١٧١ ، قال البقاعي : ((كذا فعل اليونيني في نسخته من البخاري فإنه يكتب عَلَى أول بعض
الجمل: ((لا))، وعلى آخرها: (( إلى))، ويكتب عليها فيها بين ذلك رمز بعض الرواة فيفهم أن هذا
الكلام ساقط في رواية صاحب الرمز ثابت في رواية من سواه )). النكت الوفية: ٢٩٦ / أ، وانظر :
مقدمة صحيح البخاري ١ / ١٠ .
(٣) ما أثبتناه من جميع النسخ و (م)، وفي (ع): ((فيما في صحَّ رواية)) خطأ مركب .
(٤) المحدّث الفاصل: ٦٠٧، ونقله عنه الخطيب في الجامع ١ / ٢٧٦ - ٢٧٧، وانظر: الإلماع : ١٧٢.
(٥) الإلماع : ١٧٢ .
(٦) في (م): (( أو آخرها)).
٣٠٩

آخَرَ فَلْيُضْرَبْ عَلَى الذي في آخِرِ السَّطْرِ، فَإِنَّ أَوْلَ السَّطْرِ أَوْلَى بالمرَاعَاةِ. فَإِنْ كَانَ التَّكَرُّرُ
في المضافِ أو المضافِ إليهِ، أو في الصِّفَةِ ، أو في الموصوفِ، أو نحوِ ذلكَ لَمْ تُرَاعٍ(١)
حِيْنَئذٍ أوْلَ السَّطْرِ وَآخِرَهُ، بَلْ تُراعِي (٢) الأِّصَالَ بَيْنَ المضَافِ والمضَافِ إليهِ ونَحْوِهِما في
الخطّ فَلاَ نَفْصِلُ بالضَّرْبِ بَيْنَهُما، ونضرِبُ عَلَى الحرفِ المتَطَرِّفِ مِنَ المَتَكَرِّرِ دونَ
المتوسِّطِ.
وأمَّا الْمَحْوُ فيقاربُ الكشْطَ فِي حُكْمِهِ الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَتَتَنَوَّعُ طُرُقُهُ. ومِنْ
أَغْرَبِها - مَعَ أَنَّهُ أسْلَمُها - ما رُوِيَ عَنْ سحْنُونَ (٣) بِنِ سَعِيدٍ التَّنُوحِيِّ الإِمامِ المالِكِيِّ أَنَّهُ
كَانَ رُبَّمَا كَتَبَ الشَّيءَ ثُمَّ لَعِقَهُ(٤). وإلى هذا يُومِئُ ما رُوِيْنا عَنْ إِبراهِيمَ النَّخَعِيِّ (٥) ◌َظُ
أَنَّهُ كانَ يَقُولُ: « مِنَ الْمُرُوءِةِ أنْ يُرَى في ثوبِ الرجلِ وشَفَتَيْهِ (٦) مِدادٌ))، والله أعلمُ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : لِيَكُنْ فيما تَخْتَلِفُ فيهِ الرواياتُ قَائِماً بِضَبْطِ ما تَخْتَلِفُ فيهِ فِي كِتَابِهِ
جَيِّدَ الثَّمْيِيزِ بَيْنِها كَيْلاَ تَخْتَلِطَ وتَشْتَبهَ فَيُفْسِدَ عليهِ أمرُها. وسَبِيلُهُ أنْ يجَعَلَ أوْلاً مَثْنَ كِتَابِهِ
عَلَى روايةٍ خاصَّةٍ، ثُمَّ ما كانتْ مِنْ زِيادة لروايةٍ أُخْرَى الْحَقَها ، أَوْ مِنْ نَقْصٍ أَعْلَمَ عليهِ ،
أوْ مِنْ خِلافٍ كَتَبَهُ إمَّا في الحاشِيةِ وإِمَّا (٧) في غَيْرِها، مُعَيِّناً في كُلِّ ذلِكَ مَنْ رَوَاهُ، ذاكِراً
اسْمَهُ بِتَمَامِهِ ، فَإِنْ رَمَزَ إليهِ بحرْفٍ أَوْ أَكْثَرَ ، فَعَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرُهُ مِنْ أَّهُ يُبَيِّنُ المرادَ بذلكَ
فِي أَوْلِ كِتَابِهِ أَوْ آخِرِهِ كَيْلاَ يَطُولُّ عَهْدُهُ بِهِ فَيَنْسَى أَوْ يَقَعَ كِتَابُهُ إلى غَيْرِهِ فَيَقَعَ مِنْ رُمُوزِهِ
في حَيْرَةِ وَعَمى. وقَدْ يُدْفَعُ إلى الاقْتِصَارِ عَلَى الرُّمُوزِ عندَ كَثْرَةِ الرِّوَايَاتِ المَخْتَلِفَةِ،
(١) في (أ) و (ب): ((يراع)).
(٢) في (أ) و ( ب): ((يراعي)).
(٣) بفتح السين المهملة وضمها وسكون الحاء المهملة وضم النون ، وبعد الواو نون ثانية. انظر: وفيات
الأعيان ٣ / ١٨٢ .
(٤) الإلماع : ١٧٣ .
(٥) انظر: وفيات الأعيان ١٨٢/٣، نسبته إلى النَّخَع -بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة - وهي
قبيلة كبيرة من مَذْرحج باليمن . انظر : وفيات الأعيان ١ / ٢٥ .
(٦) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٨٩ .
(٧) في (جـ): (( أو)).
٣١٠

واكْتَفَى بعضُهُمْ فِي التَّمْبِيزِ بأنْ خَصَّ الرِّوَايَةَ الملحَقَةَ (١) بالْحُمْرَةِ، فَعَلَ ذلكَ أبو ذَرٍّ (٢)
الْهَرَوِيُّ مِنَ المشَارِقَةِ ، وأبو الحسَنِ القَابِسِيُّ (٣) مِنَ المِغَارِبَةِ، مَعَ كثيرٍ (٤) مِن المشايخِ وأهلِ
التقييدِ ، فإذا كانَ في الروايةِ الملحقةِ زيادةٌ عَلَى التي في معنِ الكتابِ كَتَبها بالْحُمْرَةِ ، وإنْ
كانَ فيها نَقْصٌ والزِّيَادَةُ في الروايةِ التي في متنِ الكِتابِ حوَّقَ عليها بالْحُمْرَةِ ، ثُمَّ عَلَّى
فاعِلِ ذلكَ تَبِينُ مَنْ لَهُ الروايةُ الْمُعَلَّمَةُ بالْحُمْرَةِ فِي أَوْلِ الكِتَابِ أَوْ آخِرِهِ عَلَّى مَا سَبَقَ ،
والله أعلمُ .
الخامِسَ عَشَرَ : غَلَبَ عَلَى كَتَبَةِ الحديثِ الأَقْتِصَارُ عَلَى الرَّمْزِ فِي قَوْلِهِمْ: ((حَدَّثَنَا))
و ((أَخْبَرَنا)) غيرَ أنَّهُ شَاعَ ذَلِكَ وَظَهَرَ حَتَّى لاَ يَكادُ يَلْتَبِسُ. أمّا (حَدَّثَنَا) فَيُكْتَبُ منها
شَطْرُها الأخيرُ ، وهوَ الثّاءُ والنونُ والأَلِفُ. وَرُبَّما اقْتُصِرَ عَلَى الضَّميرِ مِنها وهوَ النُّونُ
والألفُ (٥). وأمَّا (أخْبَرَنا)) فَيُكْتُبُ منها الضَّمِيرُ المذكُورُ مَعَ الألِفِ أوْلاً. وليسَ بحسَنِ
ما يَفْعَلُهُ (٦) طائِفَةٌ مِنْ كِتَابَةِ (( أَخْبَرَنا)) بَألِفٍ مَعَ عَلامةِ ((حَدَّثَّنَا)) المذكورةِ أَوْلاً، وإنْ
كانَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ مِمَّنْ فَعَلَهُ. وَقَدْ يُكْتَبُ فِي عَلامةِ ((أَخْبَرَنا)): رَاءٌ بعدَ الأَلِفِ ، وفي
علامةِ ((حَدَّثَنَا)): دَالٌ في أوْلِها، ومِمَّنْ رأيْتُ فِي خَطِّهِ الدالَ في عَلامةِ ((حَدَّثَنا))
(١) في (أ): ((المختلفة)).
(٢) هو الإمام الحافظ أبو ذر عبد الله بن أحمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الأنصاري الهروي المالكي، ت (٤٣٤هـ).
تذكرة الحفاظ ٣ / ١١٠٣ ( ٩٩٧ ).
(٣) هو الإمام الحافظ الفقيه أبو الحسن علي بن مُحَمَّد بن خلف المعافري، ت (٤٠٣ هــ). تذكرة
الحفاظ ٣ / ١٠٧٩ (٩٨٢ ).
(٤) الإلماع : ١٨٩ - ١٩٠ .
(٥) قال البلقيني في المحاسن: ٣٢٠: ((فيه إبهام إلا عَلَى طريقة من لا يفرق بينهما))، ومراده في ذلك : أن
اختصار ((حدثنا)) بـ((نا)) فِيهِ التباس بـ(( أخبرنا))؛ لذلك لا بد من التفرقة بينهما في حالة
الاختصار .
(٦) في (م) والشذا: ((تفعله)).
٣١١

الحافِظُ أبو عبدِ الله الحاكِمُ، وأبو عبدِ الرحمان السُّلَمِيُّ (١)، والحافِظُ أحمدُ البَيْهَقِيُّ ﴾،
والله أعلمُ .
وإذا كانَ لِلْحَديثِ إِسْنَادانِ أَوْ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُمْ يَكْتُبُونَ عندَ الانْتِقَالِ مِنْ إِسْنَاد
٠
إلى إسْناد، ما صُورَتُهُ (٢) (( ح) وهي حاءً مفردةٌ مهملةٌ، ولَمْ يأتْنا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ
يُعْتَمَدُ بيانٌ لِأَمْرِها، غيرَ أَنِّي (٣) وَجَدْتُ بِخَطّ الأَسْتَاذِ الحافِظِ أبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ،
والحافِظِ أبي مُسْلِمٍ عُمَرَ بنِ عَلِيِّ اللِّيِّ الْبُخَارِيِّ، والفَقِيْهِ المحدِّثِ أبي سعَدٍ (٤) الخليليِّ -
رَحِمَهُمُ الله - في مكانِهَا بدلاً عنها ((صَحَّ)) صَرِيحةً، وهذا يُشْعِرُ بكوْنِها رَمْزاً إلى
((صَحَّ)). وحَسُنَ إِثْبَاتُ ((صَحَّ)) هاهنا؛ لِئَلاَ يُتَوَهَّمَ أنّ حديثَ هذا الإِسْنَاد سَقَطَ،
وِفَلاَ يُرَكَّبَ الإِسْنَادُ الثاني عَلَى الإِسْنَادِ الأَوَّلِ فَيُحْعَلا إسْناداً واحِداً .
وحَكَى لي بعضُ مَنْ جَمَعَتْنِي وإِيَّهُ الرِّحْلَةُ بِخُراسَانِ عَمَّنْ وَصَفَهُ بِالفَضْلِ مِنَ
الأَصْبَهَانِيْنَ أَنَّها حَاءٌ مُهملَةٌ مِنَ التَّحويلِ ، أي: مِنْ إِسْنادٍ إلى إسْنادٍ آخَرَ . وذَاكَرْتُ فيها
بعضَ أهلِ العِلْمِ مِنْ أهلِ المغربِ (٥)، وحَكَيْتُ لهُ عَنْ بعضٍ مَنْ لَفِيْتُ مِنْ أهلِ الحديثِ
أنَّها حاءٌ مهملةٌ ، إشارةً إلى قَوْلِنا ((الحديثَ))، فقالَ لي: أهلُ المغرب (٦) وما عرَفْتُ
بَيْنَهُم اخْتِلَافاً يَجْعلونَها حاءً مهملةٌ، ويقولُ أحدُهُمْ إذا وصَلَ إليها ((الحديثَ)). وذَكَرَ
لي أَنَّهُ سَمِعَ بعضَ الْبَعْدَادِيِّيْنَ يَذْكُرُ أيضاً أنَّها حاءٌ مهملةٌ ، وأنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إذا انتَهَى
إليها في القراءة: ((حا)) ويَمُرُّ .
(١) هو أبو عبد الرحمان مُحَمَّد بن الحسين بن مُحَمَّد السلمي الصوفي النيسابوري، توفي سنة (٤٢١ هــ).
تاريخ بغداد ٢ / ٢٤٨ ، وتذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٤٦ .
(٢) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٥٩٥.
(٣) في ( م) : (( أَنّني)) .
(٤) في (ب): ((سعيد))، والمثبت من باقي النسخ و (م) والشذا والتقييد، وقد نقل الحافظ العراقي هذا
النص في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٢٤٩، وفيه: ((سعيد))، ولعله مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد ، أبو
سعد الخليلي التوقاني المتوفى (٥٤٨ هـ). مترجم له في طبقات الشافعية الكبرى ٦ / ٨٥.
(٥) في الشذا: ((الغرب)).
(٦) في الشذا: ((الغرب)).
٣١٢

وسَالْتُ أَنَّا الحافِظَ الرَّحَّالَ أبا مُحَمَّدٍ عَبدَ القادِرِ بنَ عبدِ اللهِ الرُّهَاوِيّ (١)
- رَحِمَهُ الله - عنها، فَذَكَرَ أَنَّهَا حَاءٌ مِنْ حَائِلٍ ، أي: تَحُولُ بَيْنَ الإِسْنَادَيْنِ. قالَ:
ولا يَلِفِظُ بِشَيءٍ عندَ الانْتِهَاءِ إليْها في القِرَاءَةِ، وأَنْكَرَ كَوْنَها مِنَ ((الحديثِ)) وغيرِ ذلكَ،
وَلَمْ يَعْرِفْ غَيرَ هذا عَنْ أحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ ، وَفِيْهِم عَدَدْ كَانُوا حُفّاظَ الحدِيثِ فِي وَقْتِهِ .
قالَ المؤَلِّفُ: وأخْتَارُ أَنّا (٢) - والله الموفّقُ - أنْ يَقُولَ القارِئُ عندَ الانْتِهَاءَ إليها:
((حا) ويَمُرُّ ، فَإِنَّهُ أَخْوَطُ الوُجُوهِ وَأَعْدُلُهَا، والعِلْمُ عندَ الله تَعَالَى.
السَّادِسَ عَشَرَ : ذَكَرَ الخطيبُ الحافِظُ أَنَّهُ يَنْبَغِي للطَّالِبِ أنْ يَكْتُبَ بَعْدَ (٣) البَسْمَلِةِ
اسْمَ الشَّيْخِ الذي سَمِعَ الكِتَابَ منهُ وكُنْيَتَهُ ونَسَبَهُ، ثُمَّ يَسُوقَ مَا سَمِعَهُ منهُ عَلَى لفظِهِ .
قالَ : وإذا كَتَبَ الكِتابَ المسْمُوعَ فَيَنْبَغِي أنْ يَكْتُبَ فوقَ سَطْرِ التَّسْمِيةِ أسماءَ مَنْ سَمِعَ
معهُ وتاريخَ وَقْتِ السَّمَاعِ وإِنْ أَحَبَّ كَتْبَ ذَلِكَ في حاشِيةِ أَوْلِ وَرَقَةٍ مِنَ الكِتَابِ ، فَكُلاً
قَدْ فَعَلَهُ شَيُوحُنا (٤) ، والله أعلمُ (٥) .
قُلْتُ: كِتْبَةُ التَّسْمِيعِ حيثُ (٦) ذَكَرَهُ أخْوطُ لهُ وأَخْرَى بأنْ لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ
يَحتاجُ إليهِ ، ولاَ بأسَ بكتبتِهِ آخِرَ الكِتَابِ وَفِي ظَهْرِهِ ، وحيثُ لاَ يَخْفى موضِعُهُ . وَيَنْبَغِي
أنْ يَكُونَ التَّسْمِيعُ بَخَطٌ شَخْصٍ موتُوقٍ بِهِ غيرِ مَجْهولِ الخطِّ ، ولاَ ضَيْرَ حِيْتَئذٍ فِي أَنْ لاَ
يَكْتُبَ الشَّيْخُ الْمُسْمِعُ خَطَّهُ بالتصحيحِ . وهَكَذا لاَ بأسَ عَلَى صاحِبِ الكِتابِ إذا كانَ
مَوْثُوقاً بهِ ، أَنْ يَقْتُصِرَ عَلَى إِثْباتٍ سَماعِهِ بَطْ نفسِهِ ، فَطَالَمَا فَعَلَ الثّقَاتُ ذلكَ .
(١) ولد بـ ((الرُّها)) - بضم أوله - في سنة (٥٣٦ هــ)، وتوفي بحرّان سنة (٦١٢ هــ). انظر: سير
أعلام النبلاء ٢٢ / ٧١ ، ومعجم البلدان ٣ / ١٠٦ .
(٢) لم ترد في (أ) .
(٣) في (ب): ((عند)) .
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١ / ٢٦٨، وأدب الإملاء والاستملاء: ١٧١.
(٥) جملة: (( والله أعلم)) من ( ب) و (م).
(٦) في (ع) والتقييد: ((جنب)). وانظر: النكت الوفية: ٣٠٠ / ب.
٣١٣

وَقَدْ حَدَّثَنِي بِمَرْوَ الشَّيْخُ أبو الْمُظَفِّرِ بنُ الحافِظِ أبِي سَعْدٍ (١) الْمَرْوَزِيُّ (٢) عَنْ
أبيهِ عَمَّنْ حَدَّثَّهُ مِنَ الأصبهانيّةِ أنَّ عبدَ الرَّحْمَانِ بنَ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه قرَأَ ببغْدَادَ
جُزْءًاً عَلَى أبي أحمدَ الفَرَضِيِّ (٣) وسَأَلَهُ خَطَّهُ لِيَكُونَ حُجَّةً لهُ . فقالَ لهُ أبو أحمدَ :
(( يا بُنَّ! عليكَ بالصِّدْقِ، فَإِنّكَ إذا عُرِفْتَ بهِ لاَ يُكَذِّبُكَ أحَدٌ ، وتُصَدَّقُ فيما تَقُولُ
وتَنْقُلُ، وإذا كَانَ غيرَ ذلكَ فلوْ قِيْلَ لَكَ: ما هذا حَطُّ أبي أحمدَ الفَرَضِيِّ ، ماذَا تَقُولُ
لَهُمْ؟ )) .
ثُمَّ إِنَّ عَلَى كاتِبِ التَّسْمِعِ النَّحَرِّيَ والاحْتِياطَ ، وبيانَ السَّامِعِ والمسْمُوعِ منهُ
بلفْظٍ غيرِ مُحْتَمَلٍ (٤) ومُحَانَبَةَ التَّسَاهُلِ فِيمَنْ يُثْبِتُ اسْمَهُ، والحذَرَ مِنْ إِسْقاطِ اسْمٍ
واحِدٍ (٥) منهُمْ لغَرَضٍ فَاسِدٍ . فإنْ كَانَ مُثْبِتُ السَّمَاعِ غيرَ حاضِرٍ في جميعِهِ، لكنْ أَتْبْتَهُ
مُعْتَمِداً عَلَى إِخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بُخَرِهِ مِنْ حَاضِرِيِهِ ، فَلاَ بأسَ بِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَلَى .
ثُمَّ إِنَّ مَنْ ثَبَتَ سَماعُهُ فِي كِتَابِهِ فَقَبِيحٌ بِهِ كِثْماتُهُ إِيَّهُ ومَنْعُهُ مِنْ نَقْلِ سَماعِهِ ومِنْ
نَسْخِ الكِتابِ. وإذا أعارَهُ إِّيَّهُ فلاَ يُبْطِئُ بِهِ . رُوِّيْنا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (( إِيَّكَ وغُلُولَ
الكُتُبِ)). قيلَ لهُ: (( وما غُلُولُ الكُتُبِ؟))، قالَ: ((حَسْبُهَا عَلَى (٦) أَصْحَابِهَا)) (٧) .
(١) في (ب): ((سعيد)).
(٢) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها زاي معجمة، نسبة إلى مَرْو. انظر: الأنساب ٥ / ١٤٩،
ومراصد الاطلاع ٣ / ١٢٦٢ .
(٣) يقال للعالم بالفرائض: الفارض والفريض والفَرَضي. تاج العروس ١٨ / ٤٨٢، وترجمته في تاريخ بغداد
١٠ / ٣٨٠، والسير ١٧ / ٢١٢.
(٤) في ( ب): ((مجهول)).
(٥) في ( م ) : (( أحد)) .
(٦) في (ع): ((عن))، وما أثبتناه من النسخ و (م).
(٧) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٤٨٣)، والسمعاني في أدب الإملاء
والاستملاء : ١٧٦ .
٣١٤

وَرُوّيْنَا عَنِ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضِ رَهُ أَنَّهُ قالَ: ((ليسَ مِنْ فَعَالِ (١) أَهْلِ الوَرَعِ ولاَ مِنْ
فَعَالِ الْحُكَمَاءِ ، أنْ يأخُذَ سَمَاعَ رَجُلٍ فَيَحْبِسَهُ عنهُ، ومَنْ فَعَلَ ذلكَ فقدْ ظَلَمَ نفسَهُ))(٢).
وفي روايةٍ: (( وَلاَ مِنْ فَعَالِ(٣) العُلماءِ أنْ يأخُذَ سَماعَ رَجُلٍ وكتابَهُ فَيَحْبِسَهُ عليهِ)(٤).
فإِنْ مَنْعَهُ إِيَّاهُ فَقَدْ (٥) رُوِّيْنَا أَنَّ رَجُلاً ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بالكُوفَةِ سَمَاعاً منعَهُ إِيَّهُ فَتَحَاكَما
إلى قاضِيها حَفْصٍ بِنِ غِيَاتٍ ، فقالَ لصَاحِبِ الكِتابِ : ((أخرِجْ إلينا كُبِكَ، فما كَانَ
مِنْ سَماعِ هذا الرَّجُلِ بِخَطٌ يَدِكَ ألزَمناكَ، وما كانَ بخَطِّهِ أَعْفيناكَ منهُ)) (٦) . قالَ ابنُ
خَلاَّدٍ : (( سَأَلْتُ أبا عبدِ اللهِ الزُّبْرِيِّ عَنْ هذا، فقالَ لاَ يجيءُ في هذا البابِ حُكْمٌ أحْسنُ
مِنْ هذا؛ لأنَّ خَطَّ صاحِبِ الكِتابِ دالٌّ عَلَى رِضَاهُ باسْتِمَاعِ صاحِبِهِ معهُ)) (٧) ، قالَ ابنُ
خَلاَّد: وقالَ غيرُهُ: ((ليسَ بشَيءٍ)) (٨).
ورَوَى الخطيبُ الحافِظِ أبو بَكْرٍ عَنْ إسْماعيلَ بنِ إسْحَاقَ القَاضِي (٩) أَنَّهُ تُحُوكم
إِليهِ في ذلكَ فَأَطْرَقَ مَلًِّ ثُمَّ قالَ لِلْمُدَّعَى عليهِ: ((إنْ كانَ سَمَاعُهُ فِي كِتَابِكَ بَخَطِّكَ
فَلْزَمُكَ أنْ تُغيرَهُ، وإنْ كانَ سَماعُهُ فِي كِتَابِكَ بِخَطٌ غيرِكَ فأنتَ أعلمُ )) .
قُلْتُ: حَفْصُ بنُ غِيَاتٍ مَعْدُودٌ فِي الطََّقَةِ الأُوْلَى مِنْ أَصْحَابِ أبِي حَنِيفَةً ، وأبو
عبدِ الله الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أئِمَّةِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ، وإِسْمَاعِيلُ بنُ إِسْحَاقَ لِسَانُ أَصْحَابِ مَالِكٍ
(١) في (أ): (( أفعال)).
(٢) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٤٨٥). وانظر: النكت الوفية : ٣٠٢ / أ .
(٣) في (أ): (( أفعال)).
(٤) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٤٨٦). وانظر: النكت الوفية: ٣٠٢ / أ.
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٥٩٥ - ٥٩٦.
(٦) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٤١ (٤٨١ ).
(٧) المحدّث الفاصل: ٥٨٩ رقم (٨٣٨).
(٨) المصدر السابق .
(٩) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٥٩٦ - ٥٩٨ .
٣١٥

وإِمَامُهُمْ، وَقَدْ تَعَاضَدَتْ (١) أَقَوَالُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَيَرْجِعُ حاصِلُها إلى أنْ سَماعَ غيرِهِ إذا
ثَبَتَ فِي كِتَابِهِ بِرِضَاهُ فيلزَمُهُ إِعَارَتُهُ إِيَّاهُ. وَقَدْ كَانَ لاَ يَبْنُ (٢) لِي وَجْهُهُ (٣) ، ثُمَّ وَجَّهْتُهُ
بأنّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةٍ شَهادةٍ لَهُ عِندَهُ ، فعليهِ أدَاؤُها بما حَوَتْهُ (٤) وإنْ كانَ فِيهِ بَذْلُ مالِهِ ، كَما
يَلْزُمُ مُتَحَمِّلَ الشَّهَادَةِ أَدَاؤُها، وإنْ كانَ فيهِ بَذْلُ نَفْسِهِ بالسَّعْيِ إلى مَجلِسِ الْحُكْمِ لِأدائِهَا،
والعِلْمُ عِندَ اللهِ تَّبَارَكَ وَتَعَلَى(٥).
ثُمَّ إذا نَسَخَ الكِتَابَ فِلاَ يَنْقُلْ سَمَاعَهُ إلى نُسْخَتِهِ إلاّ بعدَ المقابلةِ (٦) المرضِيَّةِ.
وهكذا لاَ يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَنْعُلَ سَماعاً إلى شيءٍ مِنَ النُّسَخِ أو يُثْبِتَهُ فيها عِندَ السَّمَاعِ
ابْتَدَاءُ إِلاَّ بعدَ المقابَلَةِ المَرْضِيَّةِ بالمسْمُوعِ كَيْلاَ يَغْتَرَّ أحَدٌ بِتِلْكَ الُّسْحَةِ غيرِ المقَابَلَةِ إلاّ أنْ
يُبِّنَ مَعَ النَّقْلِ وعِنْدَهُ كَونَ النُّسْخَةِ غيرَ مقابَلَةٍ ، والله أعلمُ .
(١) في (م): ((تعارضت)).
(٢) في (أ): (( لا يتبين )) .
(٣) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٩٨ - ٥٩٩: ((وقد وجّهه غيره بأن مثل ذَلِكَ من المصالح العامة
المحتاج إليها مع وجود علاقة بينهما تقتضي إلزامه بإسعافه في مقصده ، أصله إعارة الجدار لوضع
جذوع الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب ، فلأن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية
أولى)).
(٤) أي : مع ما حوته من بذل مال ونفس . النكت الوفية : ٣٠٢ / أ .
(٥) والبلقيني توجيه آخر، انظره في: محاسن الاصطلاح : ٣٢٥ .
(٦) قال الزركشي ٣ / ٥٩٩: ((وإذا قابله علم علاقة ذَلِكَ، وإن كان في السماع يكتب: بلغ في المجلس
الأول أو الثاني هكذا )) .
٣١٦

النَّوعُ السَّادِسُ والِعِشْرُونَ
فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ وشَرْطِ أدَائِهِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (١)
وَقَدْ سَبْقَ بَيَانُ كَثِيرٍ مِنْهُ فِي ضِمْنِ النَّوْعَيْنِ قَبْلَهُ .
شَدَّدَ قَوْمٌ فِي الرِّوايةِ فَأَفْرَطُوا، وتَسَاهَلَ فيها آخَرُونَ فَفَرَّطُوا، ومِنْ مَذَاهِبٍ
الَّشْدِيدِ مَذهبُ مَنْ قَالَ: ((لاَ حُجَّةَ إلاَّ فيما رَوَاهُ الراوي مِنْ حِفْظِهِ وَتَذَكُرِهِ)) ، وذَلِكَ
مَرْوِيٌّ عَنْ مالِكٍ (٢)، وأبي حنيفَةَ (٣) - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - . وذَهَبَ إليهِ مِنْ أصحابِ
الشَّافِعِيِّ أبو بَكْرِ الصَّْدَلاَنِيُّ (٤) الْمَرْوَزِيُّ .
ومِنِها : مَذْهَبُ مَنْ أجازَ الاعتِمَادَ في الروايةِ عَلَى كِتابِهِ ، غيرَ أَنَّهُ لو أعارَ كِتَابَهُ
وأُخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَرَ الروايَةَ منهُ لغَيْتِهِ عنهُ .
وَقَدْ سَبَقَتْ حِكَايْتُنَا لِمَذَاهِبَ عَنْ أهْلِ التَّسَاهُلِ ، وإنْطَالُها في ضِمْنِ ما تَقَدَّمَ مِنْ
شَرْحٍ وُجُوهِ الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ .
ومِنْ أَهْلِ التَّسَاهُلِ قَوْمٌ سَمِعُوا كُتُباً مُصَنَّفَةً وَتَهَاوَنُوا، حَتّى إذا طَعَنُوا فِي السِّنِّ
واحْتِيْجَ إليهِمْ، حَمَلَهُمُ الجهْلُ والشَّرَهُ عَلَى أنْ رَوَوْهَا مِنْ نُسَخٍ مُشْتَرَاةٍ أَوْ مُسْتَعَارةٍ
غيرِ (٥) مُقَابَلَةٍ ، فَعَدَّهُمُ الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمَجْرُوحِينَ. قَالَ: ((وهُمْ
(١) انظر في صفة مَن تقبل روايته ومَنْ ثُرَدُ:
إرشاد طلاب الحقائق ٢٧٣/١ - ٣٣٣، والتقريب: ٩٠ - ١٠٠، والمنهل الروي : ٦٣، والخلاصة:
٨٨، واختصار علوم الحديث: ٩٢، ومحاسن الاصطلاح: ٢١٨، وشرح التبصرة ١/٢، والتقييد
والإيضاح: ١٣٦، ونزهة النظر: ١٨٥-١٩٩، والمختصر: ١٥٥، وفتح المغيث ١ / ٢٦٢، وألفية
السيوطي : ٩٦ - ١١٢، وفتح الباقي ١ / ٢٩٢، وتوضيح الأفكار ٢ / ١١٤، وظفر الأماني : ٧٨.
(٢) الكفاية : (٣٣٧ ت، ٢٢٧ هـ)، والإلماع : ١٣٦.
(٣) الكفاية : (٣٤٢ ت، ٢٣١ هـ) .
(٤) في (أ): ((الصديق))، وهو خطأ، والصيدلاني توفي نحو سنة ( ٤٢٧ هـ). انظر: ترجمته في :
طبقات الشافعية لابن هداية الله : ١٥٢.
(٥) في (م): (( غير صحيحة ولا مقابلة)).
٣١٧

يَتَوَهَّمُونَ أَنَّهُمْ فِي رَوَايَتِهَا صَادِقُونَ )). قالَ (١): (( وهذا مِمَّا كَثُرَ في الناسِ وتَعَاطَاهُ قَومٌ
مِنْ أَكابِرِ العُلَماءِ والمعْرُوفِينَ بِالصَّلاَحِ))(٢) .
قُلْتُ: ومِنَ المَتَسَاهِلِينَ عبدُ الله بنُ لَهِيْعَةَ (٣) المصريُّ، تُرِكَ الاخْتِجَاجُ بروايَتِهِ مَعَ
جَلَلَيْهِ ؛ لِتَسَاهُلِهِ (٤) . ذُكِرَ عَنْ يَحْتَى بنِ حَسَّنَ (٥) أَنَّهُ رَأَى قَوْماً مَعَهُمْ جُزْءٌ سَمِعُوهُ مِنٍ
ابنِ لَهِيْعَةَ ، فَنَظَرَ فِيهِ فإذا ليسَ فيهِ حديثٌ واحِدٌ مِنْ حديثِ ابْنٍ لَهِيْعَةَ ، فجاءَ إلى ابنِ
لَهِْعَةَ فأخْبَرَهُ بذلكَ، فَقَالَ: (( ما أصْنَعُ، يَجِيئونِي بِكتابٍ فَيَقُولونَ هذا مِنْ حَدِيْثِكَ ؛
فَأُحَدُِّهُمْ بهِ)) (٦) .
ومِثْلُ هذا واقِعٌ مِنْ شُيُوخِ زَمَانِنا (٧)، يَجِيُ إلى أحَدِهِمْ الطَّالِبُ بِحُزْءٍ أَوْ كِتَابِ
فَيَقُولُ: هذا رُوايْتُكَ (٨) ، فَيُمَكُّهُ مِنْ قِرَاءِهِ عليهِ مُقَلِّدًاً لَهُ مِنْ غيرِ أَنْ يَبْحَـَثَ بحيثٌ
يَحْصُلُ (٩) لهُ الثّقَةُ بِصِحَّةِ ذلكَ .
(١) في (أ) و (م) والشذا: ((وقال)).
(٢) المدخل إلى الإكليل : ٥٧ ، ونقله عنه ابن الأثير الجزري في جامع الأصول ١ / ١٤٣.
(٣) بفتح اللام وكسر الهاء، عَلَى وزن (شريعة). انظر: التقريب (٣٥٦٣)، وتاج العروس ١٧٧/٢٢.
(٤) انظر: طبقات ابن سعد ٢٠٤/٧، تاريخ البُخَارِيّ الصغير ٢٠٧/٢ ، والجرح والتعديل ١٤٥/٥،
والكامل لابن عدي ٢٣٧/٥، وجامع الأصول ١ / ١٤٤، وتهذيب الكمال ٤ / ٢٥٢، والكاشف
٥٩٠/١، ولسان الميزان ٧ / ٢٦٨.
(٥) نقل الزركشي في نكته ٣ / ٦٠٠ عن المزي قوله: ((هذه الحكاية فيها نظر؛ لأن ابن لهيعة من الأئمة
الحفاظ لا يكاد يخفى عليه مثل هذا ، وإنما تكلم فيه من تكلم بسبب من الرواة عنه فمنهم من هو عدل
كابن المبارك ونحوه ، ومنهم من هو غير عدل )) .
(٦) المجروحين ٢ / ١٣.
(٧) قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٠١: ((إلحاقه شيوخ زماننا بمن سلف فيه نظر ؛ لأن المقصود منهم بقاء
السلسلة فقط ، وأما الإسناد فغير منظور إليه في هذا الزمان )).
(٨) في (ب): (( من روايتك)).
(٩) في ( م) والشذا: ((تحصل)).
٣١٨

والصَّابُ ما عليهِ الجمهُورُ، وهوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإِفْرَاطِ والتّفْرِيطِ، فإذا قامَ (١)
الراوي في الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ بالشرطِ الذي تَقَدَّمَ شَرْحُهُ ، وقابَلَ كِتَابَهُ وضَبَطَ سَماعَهُ عَلَى
الوجهِ الذي سَّبَقَ ذِكْرُهُ جازَتْ لهُ الروايةُ منهُ . وإنْ أعارَهُ وغابَ عنهُ إذا كان الغالبُ مِنْ
أمرِهِ سَلامَتَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيْلِ (٢) ، لاَ سِيَّما إذا كانَ مِمَّنْ لاَ يَخْفَى عليهِ في الغالبِ
- لَوْ غُيِّرَ شيءٌ مِنْهُ وَبُدِّلَ - تَغيرُهُ وَتَبْدِيلُهُ؛ وَذَلِكَ لأَنَّ الاعتِمَادَ في بابِ الروايةِ عَلَى
غالبِ الظَّنِّ ، فإذا حَصَلَ أجْرَأَ ، ولَمْ يُشْتَرَطْ مَزِيْدٌ عليهِ ، والله أعلمُ .
تَفْرِيْعَاتٌ
أحدُهَا: إذا كانَ الراوي ضَرِيراً وَلَمْ يَحْفَظْ حَدِيْثَهُ مِنْ فَمِ مَنْ حَدَّثَهُ ، واسْتَعَانَ
بالمأُمُونِينَ فِي ضَبْطِ سَمَاعِهِ وحِفْظِ كِتَابِهِ ، ثُمَّ عِندَ روايِ في القراءةِ منهُ عليهِ ، واحْتَلطَ في
ذلكَ عَلَى حَسَبِ حالِهِ بحيثُ يحصُلُ معهُ الظَّنُّ بالسلامةِ مِنَ التّغييرِ صَحَّتْ روايتُهُ ، غيرَ
أَنَّهُ أَوْلَى بالخِلاَفِ والمنْعِ مِنْ مِثْلِ ذلكَ مِنَ الْبَصِيْرِ (٣).
قال الخطيبُ الحافِظُ: (( والسَّمَاعُ مِنَ الْبَصِيرِ الأُمِّيِّ والضَّرِيرِ اللذينِ لَمْ يَحْفَظا مِنَ
المحدِّث ما سَمِعَاهُ مِنْهُ لَكِنَّهُ كُتِبَ لَهُمَا بِمَثَابَةٍ واحدَةٍ ، قَدْ (٤) مَنَعَ منهُ غيرُ واحِدٍ مِنَ
العُلَماءِ ورَخَّصَ فيهِ بعضُهُمْ)) (٥) ، والله أعلمُ .
(١) في (ع): ((قاهم)).
(٢) ما أثبتناه من النسخ و (م)، وفي (ع): (( من التبديل والتغيير)).
(٣) قال البلقيني في المحاسن: ٣٢٨: ((قد يمنع الأولوية من جهة تقصير البصير، فيكون الأعمى أولى بالجواز؛
لأنه أتى باستطاعته )) .
(٤) في (ع ) والتقييد: ((وقد)).
(٥) الكفاية : ( ٣٣٨ ت، ٢٢٨ هـ)، قال الزركشي في نكته ٣ / ٦٠١: ((هما وجهان لأصحاب
الشَّافِعِيّ حكاهما الرافعي في كتاب الشهادات ، وقال: إن الجمهور عَلَى القبول ، قال : وهذا الخلاف
فيما سمعه بعد العمى ، فأمّا ما سمعه قبله فله أن يرويه بلا خلاف ، وذكر الخطيب أن علة المانعين هي
جواز الادخال عليهما ما ليس من حديثهما ، قال : وهي العلة التي ذكرها مالك فيمن له كتب وسماعه
صحيح فيها غير أنَّهُ لا يحفظ ما تضمنت )) .
٣١٩

الثانِي: إذا سَمِعَ كِتَاباً ثُمَّ أرادَ روايَتَهُ مِنْ نُسْخَةٍ ليسَ فيها سَمَاعُهُ (١) ، ولاَ هيَ
مُقابلةٌ بِنُسْخِةِ سَماعِهِ ، غيرَ أنَّهُ سُمِعَ منها عَلَى شَيْخِهِ ، لَمْ يَحُزْ لهُ ذلكَ. قَطَعَ بِهِ الإِمامُ
أبو نَصْرٍ (٢) بنُ الصَّاغِ الفقيهُ(٣) فيما بَلَغَنا عنهُ. وكذلكَ لوْ كانَ فيها سَماعُ شَيْخِهِ أوْ
رَوَى منها ثِقَةٌ عَنْ شَيْخِهِ ، فَلاَ تَجُوزُ (٤) لهُ الروايةُ منها اعْتِماداً عَلَى محرَّدِ ذلكَ، إذا لاَ
يُؤْمَنُ أنْ تَكُونَ (٥) فيها زَوَائِدُ ليسَتْ في نسخَةِ سَماعِهِ. ثُمَّ وَجَدْتُ الخطيبَ (٦) قَدْ
حَكَى مِصْدَاقَ (٧) ذلكَ عَنْ أَكْثَرِ أهْلِ الحديثِ ، فَذَكَرَ فيما إذا وجَدَ أَصْلَ المحدِّثِ ولَمْ
يُكْتُبْ فِيهِ سَمَاعُهُ ، أَوْ وجَدَ نُسْخَةٌ كُتِبَتْ عَنِ الشَّيْخِ تَسْكُنُ نَفسُهُ إلى صِحَّتِها أنَّ عَامَّةً
أصحاب الحديثِ مَنَعُوا مِنْ روايتِهِ مِنْ ذَلِكَ. وجاءَ عَنْ أُيُوبَ (٨) السِّخْتيانِيِّ، ومُحَمَّدٍ بِنٍ
بكرِ الْبُرْسَانِيِّ (٩) الثَّرَخُّصُ فِيهِ.
قُلْتُ : اللَّهُمَّ إلاّ أنْ تَكُونَ (١٠) لهُ إجازةٌ مِنْ شَيْخِهِ عامَّةٌ لِمَرْوِيَّاتِهِ أَوْ نحوُ ذَلِكَ،
فَيَجُوزُ لهُ حِيْنَئذٍ الروايةُ منها؛ إذْ ليسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ روايةِ تِلْكَ الزِّيَاداتِ بالإِجازةِ بَلَفْظِ :
أَخْبَرَنَا أو حَدَّثَنَا مِنْ غيرِ بَيَانِ للإجازةِ فِيْهَا ، والأمْرُ في ذلكَ قريبٌ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي مَحَلٌ
الَّسَامُحِ. وقدْ حَكَيْنَا فِيْمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَ غِنَى (١١) فِي كُلِّ سَمَاعٍ عَنِ الإِجازَةِ؛ لِيَقَعَ ما
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٢٢٢.
(٢) في (ع): (( النصر)).
(٣) سقطت من (ع)، وهي من جميع النسخ و ( م).
(٤) في (أ) و (ب) و (جـ) والشذا: ((يجوز))، وما أثبتناه من (ع) والتقييد.
(٥) في النسخ و ( م) : (( يكون)) .
(٦) الكفاية : ( ٣٧٦ - ٣٧٧ ت، ٢٥٧ هـ ) .
(٧) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٦٠٢.
(٨) في ( ع ) : (( أيوبي)).
(٩) بضم الباء الموحدة، وسكون الراء ، بعدها السين المهملة ، وفي آخرها النون ، هذه النسبة إلى بني برسان ،
وهم بطن من الأزد. الأنساب ١ / ٣٣٥ .
(١٠) في (أ) و (جـ) و (م) والشذا: ((يكون))، وما أثبتناه من (ب) و (ع) والتقييد.
(١١) في (ع) والتقييد: ((لا غناء)).
٣٢٠