النص المفهرس
صفحات 281-300
وسَنَذْكُرُ - إنْ شَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَوْلَ مَنْ أَجَازَ الروايةَ بِمُحَرَّدٍ إِعْلاَمِ الشَّيْخِ الطالِبَ أنَّ هذا الكِتَابَ سَمَاعُهُ مِنْ فُلاَنِ. وهَذا يَزِيْدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَتَرَجَّحُ بِمَا فِيهِ مِنَّ المناوَلَةِ ، فإنّها لاَ تَخْلُو مِنْ إِشْعَارٍ بِالإِذْنِّ في الروايَةِ ، والله أعلمُ . القَوْلُ فِي عِبَارَةِ الرَّاوِي بِطَرِيْقِ الْمُنَاوَلَةِ وَالإِجَازَة حُكِيَ عَنْ قَومٍ مِنَ المَتَقَدِّمِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُمْ جَوَّرُوا إِطْلاَقَ (١): ((حَدَّثْنَا وَأَخْبَرَنَا)) في الروايةِ بالمناولةِ، وحُكِيَ ذَلكَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ومالكٍ وغَيرِهِما (٢)، وهوَ لاَيِقٌ بِمَذْهَب جَميعِ مَنْ سَبَقَتِ الحِكَايةُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا عَرْضَ المناولةِ المقرونَةِ بالإِجازَةِ سَمَاعاً . وحُكِيَ (٣) أيضاً عَنْ قَومٍ مِثْلُ ذلكَ في الروايةِ بالإِجازَةِ، وكانَ الحافِظُ أَبو نُعَيْمِ الأصْبهانِيُّ (٤) - صَاحِبُ التَّصانيفِ الكَثِيرةِ (٥) في عِلْمِ الحدِيْثِ - يُطْلِقُ (أُخْبَرَنَا)) فيمَا يَرْوِيْهِ بالإِجازَةِ (٦) . رُوِّيْنا عنهُ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا إذا قُلْتُ: ((حَدَّثَنَا) فَهُوَ سَمَاعِي ، وإذا (١) نَكْتَ عليه الزركشي ٥٣٩/٣ فقال: ((قضيته جوازه مقيداً بلا خلاف، لكن حكى ابن الحاجب-(المختصر ٦٩/٢-٧٠) في مختصره قولاً أنه لا يجوز مقيداً أيضاً)). وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ١٧٠/٢-١٧٢. (٢) المحدّث الفاصل: ٤٣٥، والرواية عن الزهري أسندها الخطيب في الكفاية: (٤٧٠ ت، ٣٢٩ هـ)، والرواية عن مالك أسندها الخطيب أيضاً في الكفاية : (٤٧٥ - ٤٧٦ ت، ٣٣٢ - ٣٣٣ هـ). (٣) في (م): (( ويحكى)). (٤) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٤٠ - ٥٤١: (( من أجل هذا أدخل ابن الجوزي في الضعفاء أبا نعيم وحكى عن أبي بكر الخطيب - فيما حكاه ابن طاهر - رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها ، مثل أن يقول في الإجازة : ((أخبرنا)) من غير أن يبيّنه)). قلنا: ما قاله الخطيب فيه غلوٌّ وإسرافٌ، وقد ناقشه الذهبي في السِّير ٤٦١/١٧ فَقَالَ: ((هذا شيء قلَّ أن يفعله أبو نُعَيْم، وكثيراً ما يقول: كتب إليّ الْخُلْدِيُّ. ويقول: كتب إليّ أبو العبّاس الأصم، وأخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه، ولكني رأيته يقول في شيخه عبد الله بن جعفر بن فارس الذي سمع منه كثراً وهو أكبر شيخ له: أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه فيوهم أنه سمعه، ويكون مما هو له بالإجازة، ثم إطلاق الإخبار على ما هو بالإجازة مذهب معروف قد غلب استعماله على محدثي الأندلس وتوسعوا فيه، وإذا أطلق ذلك أبو نعيم في مثل الأصم وأبي الميمون البجلي والشيوخ الذين قد علم أنه ما سمع منهم بل منهم إجازة ، كان له سائغاً ، والأحوط تجنّبُهُ فبطل ما تخيَّله الخطيب ، وتوهمه، وما أبو نعيم متَّهم بل هو صدوق عالم بهذا الفن )). (٥) في (أ): (( الكبيرة)). (٦) انظر: سير أعلام النبلاء ١٧ / ٤١٦، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٩٦، ميزان الاعتدال ١ / ١١١، وطبقات السبكى ٤ / ٢٤، والوافي بالوفيات ٧ / ٨٣. ٢٨١ قُلْتُ: ((أَخْبَرَنَا)) على الإطلاقِ، فَهُوَ إِجَازَةٌ مِنْ غيرِ أنْ أَذْكُرَ فيهِ(١) ((إجازَةً، أوْ كِتَابَةٌ، أَوْ كَتَبَ إليّ، أوْ أَذِنَ لِي فِي الروايَةِ عنهُ )). وكَانَ أبو عُبَيْدٍ (٢) اللهِ الْمَرْزُبَانِيُّ (٣) الأخْبَارِيُّ - صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي عِلْمِ الخبرِ - يَرْوِي أَكْثَرَ مَا فِي كُتُبِهِ إِجَازَةً مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ، وَيَقُولُ فِي الإِجَازَةِ: (أُخْبَرَنا)) ولاَ يُبَيَِّّهَا، وكَانَ ذلكَ فِيْمَا حَكَاهُ الخطيبُ مِمَّ عِيبَ بهِ (٤). والصحيحُ والمختارُ الذي عليهِ عَمَلُ الجمهُورِ (٥) وإِيَّهُ اخْتَارَ أهْلُ التَّحَرِّي (٦) والورَعِ: المنعُ في ذلكَ مِنْ إطلاقِ: ((حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا))، ونحوِهِمَا مِنَ العِبَاراتِ ، وتَخْصِيصُ ذلكَ بِعِبَارَةٍ تُشْعِرُ بِهِ بأنْ يُقَيِّدَ هذهِ العِبَاراتِ فِيقُولَ: ((أَخْبَرنا أو حَدَّثَنَا فُلاَنٌ مناوَلَةٌ وإجازَةً، أوْ أخْبَرنا إجازَةً (٧)، أوْ أَخْبَرنا مناوَلَةً، أو أخبرنا إذْناً ، أوْ في إذْنِهِ ، أوْ فيما أَذِنَ لي فيهِ ، أَوْ فيما أَطْلَقَ لي روايتَهُ عنهُ)). أوْ يَقُولَ: ((أَجَازَ لي فُلاَنٌ، أوْ أَجَازَنِي فُلاَنٌ كَذا وكَذا ، أوْ ناوَلَنِي فُلاَنٌ )) ، وما (٨) أشْبَهَ ذلكَ مِنَ العِبَاراتِ. وخَصَّصَ قَومٌ الإِجَازَةَ بعباراتٍ لَمْ يَسْلَمُوا فيها مِنَ التَّدليسِ أوْ طَرَفٍ مِنْهُ، كَعِبَارةٍ مَنْ يَقُولُ في الإِجَازَةِ: (أَخْبَرَنا مُشَافَهَةً) إذا كَانَ قَدْ شَافَهَهُ بِالإِجَازَةِ لَفْظً، وكَعِبَارَةٍ مَنْ يَقُولُ: ((أَخْبَرَنَا فُلاَنْ كِتَابَةً، أوْ فيما كَتَبَ إليّ (٩)، أوْ فِي كِتَابِهِ)) إذا كانَ قَدْ أجَازَهُ بِخَطِّهِ . فَهَذا وإنْ تَعَارَفَهُ في ذلكَ طائِفَةٌ مِنَ المحدِّثِينَ المتأخِّرِينَ فلاَ يَخْلُو عَنْ طَرَفٍ مِنَ التَّدْلِيسِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الاشْتِرَاكِ والاشْتِبَاهِ بِما إذا كَتَبَ إليهِ ذلكَ الحديثَ بِعَيْنِهِ . (١) ساقطة من ( م). (٢) في (جـ ): ((عبد الله)) . (٣) بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاء. انظر: الأنساب ٥ / ١٣٩، ووفيات الأعيان ٤ / ٣٥٤. (٤) تاريخ بغداد ٣ / ١٣٥، وميزان الاعتدال ٣/ ٦٧٢، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٩٢، وسير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٤٨، وطبقات المدلسين : ١٨. (٥) انظر: الكفاية: (٤٧٢ ت، ٣٣٠ هـ)، والإلماع: ١٣٢، وإحكام الأحكام ٢ / ٩١. (٦) في الشذا: ((التحرير)). (٧) سقطت من (م). (٨) سقطت من (أ). (٩) سقطت من ( ب ) . ٢٨٢ ووَرَدَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ خَصَّصَ الإِجَازَةَ بِقَوْلِهِ: ((خَبَّرَنا)) بالتَّشْدِيدِ ، والقِرَاءَةَ عليهِ بقولِهِ: ((أخْبَرَنا)) (١)، واصْطَلَحَ قومٌ مِنَ المتأخِّرِينَ عَلَى إِطْلاَقِ: ((أَنْبَأَنَا)) في الإِجَازَةَ ، وهوَ اختيارُ الوليدِ بنِ بَكرِ - صَاحِبِ " الوجازَةَ فِي الإِجَازَةِ " (٢) -. وقدْ كَانَ ((أَنْبَأَنَا)) عِنْدَ القَومِ فِيْمَا تَقَدَّمَ بِمَنْزِلَةِ ((أَخْبَرَنَا)) وإلى هَذَا نَحَا الحافِظُ المُتْقِنُ أبو بَكْرِ البَيْهَقِيُّ إِذْ كَانَ يَقُولُ: ((أَثْبَنِي فُلاَنٌ إِجَازَةً)) وفيهِ أيضاً رِعَايَةٌ لاصْطِلاَحِ المتأخِرِينَ ، والله أعلمُ . ورُوّيْنا عَنِ الحاكِمِ (٣) أبي عبدِ اللهِ الحافِظِ - رَحِمَهُ اللهُ - أَنَّهُ قَالَ (٤): «الذي أَخْتَارُهُ وعَهِدْتُ عليهِ أكثَرَ مَشائخِي وَأَئِمَّةٍ عَصْرِي أنْ يَقُولَ فيما عَرَضَ عَلَى المحدِّثِ فأجَازَ لهُ روايتَهُ شِفَاهاً: ((أَثْبَأَنِي فُلاَنٌ))، وفيمَا كَتَبَ إليهِ المحدِّثُ مِنْ مدينةٍ وَلَمْ يُشَافِهْهُ بالإِجَازَةِ: ((كَتَبَ إليّ فُلاَنٌ)) (٥) . وَرُوَّيْنَا عَنْ أَبِي عَمْرِو بِنِ أبِي ◌َعْفَرِ بنِ حَمْدَانَ النَّيْسَابوريّ ، قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُلُّ مَا قَالَ الْبُخَارِيُّ: ((قَالَ لِي فُلاَنٌ)) ، فهوَ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَةٌ))(٦). (١) أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٤٣٢، والخطيب في الكفاية: (٤٣٤ ت، ٣٠٢ هــ)، والقاضي عياض في الإلماع: ١٢٧ . قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ١٧٣: ((ولم نجل من النِّزاع أنّ خَبَّر وأخبر واحد من حيث اللغة ، ومن حيث الاصطلاح المتعارف بين أهل الحديث )). (٢) ذكره البقاعي في نكته الوفية : ٢٦٧ / ب باسم : " الوجازة في تجويز الإجازة " ، وكذا في تدريب الراوي ٢ / ٣٠، ومعجم المؤلفين ١٣ / ١٧٠، وكذا ذكره المصنف في مبحث إعلام الراوي : ٣٣٥ ، وانظر : الكفاية : ( ٤٧٤ ت، ٣٣٢ هـ ). (٣) انتقد الزركشي هذا الصنيع فقال في نكته ٣ / ٥٤٣: ((وفيه إبهام لِمَا تقرَّر أن قول الراوي: ((قال لي فلان، أو سمعته منه)) إطلاق لا يستعمل إلا في السماع، فكيف يقال مطلقاً: ((قال لي)) من غير تقييد ويكون مناولة وعرضاً إلا أنه اصطلاح )) . (٤) معرفة علوم الحديث : ٢٦٠. (٥) بعد هذا في (ع): ((قال))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا في (م). (٦) هذا القول تعقبه الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح ٢ / ٦٠١، فقال: ((فيه نظر ؛ فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث قال فيها: قال لنا فلان، وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ: ((حدثنا»، ووجدت في الصحيح عكس ذلك ، وفيه دليل على أنهما متردفان ، والذي تبين لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبر في الصحيح بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب)). وانظر: الفتح ١٨٨/٢ و٤٣٣/٩ و١١/١٠. ٢٨٣ قُلْتُ: ووَرَدَ عَنْ قَومٍ مِنَ الرواةِ التعبيرُ عَنْ الإِجَازَةِ بقولِ: (( أخْبَرَنا فُلاَنٌ أنّ فُلاَناً حَدَّثَهُ أوْ أَخْبَرَهُ )). وبَلَغَنَا ذَلكَ عَنِ الإِمامِ أبِي سُلَيْمانَ الخطّابِيِّ أَنَّهُ اخْتَارَهُ أَوْ حَكَاهُ (١)، وهذا اصطلاحٌ بعيدٌ ، بَعِيدٌ (٢) عَنِ الإِشْعَارِ بِالإِجَازَةِ، وهوَ فيمَا إذا سَمِعَ منهُ الإِسْنَادَ فَحسبُ وأجازَ لهُ ما رواهُ قَرِيبٌ ، فإنَّ كَلِمَةَ (( أنّ)) في قولِهِ: ((أَخْبَرَنِي فُلاَنٌ أنّ فُلاَناً أُخْبَرَهُ )) فيها إشعَارٌ بوجُودِ أصْلِ الإِخْبَارِ ، وإِنْ أَجْمَلَ المخْبِرُ بِهِ ولَمْ يَذْكُرُهُ تَفْصِيلاً . قُلْتُ: وكثيراً ما يُعَبِّرُ الرواةُ المتأخِّرُونَ عَنِ الإِجَازَةِ الواقِعَةِ في روايةٍ مَنْ فَوقَ الشَّيْخِ الْمُسْمِعِ بِكَلِمةِ (عَنْ) فيقُولُ أحَدُهُمْ إذا سَمِعَ عَلَى شَيْخِ بِإِجَازَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ: («قَرَأْتُ عَلَى فُلاَن عَنْ فُلاَنٍ))، وذَلِكَ قَرِيبٌ فيما إذا كانَ قَدْ سَمِعَ منهُ بإجَازَتِهِ عَنْ شَيخِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًاً فإنّهُ شَاكِّ، وحَرْفُ (عَنْ) مشترَكٌ بينَ السَّماءِ والإِجَازَةِ صَادِقٌ عليهِما، والله أعلمُ. ثُمَّ اعْلَمْ أنّ المنعَ مِنْ إطلاقِ: ((حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا)) في الإِجازَةِ لاَ يَزُولُ بإِباحَةِ المجيزِ لذلكَ كما اعْتَادَهُ قومٌ مِنَ المشايخِ مِنْ قَولِهِمْ في إجَازَتِهِمْ لِمَنْ يُحِيْزُونَ لهُ ، إِنْ شَاءَ قللَ : (( حَدَّثَنَا))، وإِنْ شَاءَ قَالَ: ((أخْبَرَنا))، فَلْيُعْلَمْ ذلكَ، والعِلْمُ عِنْدَ الله تَبَارَكَ وتَعَلَى. القِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ أقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الحديثِ وتَغِيْهِ: المكاتِبَةُ، وهيَ أنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ إلى الطالِبِ وهوَ غائِبٌ شَيْئاً مِنْ حَدِرْثِهِ بِخَطِّهِ أوْ يَكْتُبَ لهُ ذلكَ وهوَ حَاضِرٌ . ويَلْتَحِقُ (٣) بذلكَ مَا إذا أمَرَ غيرَهُ بأنْ يَكْتُبَ لهُ ذلكَ عنهُ إليهِ ، وهذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ أيضاً إلى نوعَیْنِ : أحدُهُما: أنْ تَتَجَرَّدَ (٤) المكَاتَبَةُ عَنِ الإِجَازَةِ . والثّاني: أنْ تَقْتَرِنَ بالإِجَازَةِ بأنْ يَكْتُبَ إليهِ وَيَقُولَ: ((أجَزْتُ لَكَ مَا كَتَبْتُهُ لكَ، أوْ مَا كَتَبْتُ (٥) بهِ إليكَ)) ، أوْ نَحْوَ ذلكَ مِنْ عِبَارَاتِ الإِجَازَةِ . (١) انظر: الإلماع: ١٢٩، ونكت الزركشي ٣ / ٥٤٣ - ٥٤٥ . (٢) لم ترد في ( ب ). (٣) في (م): ((ويلحق)). (٤) في ( جـ ): ((يتجرد )) . (٥) في (أ): ((وما كتب به)). ٢٨٤ أمَّا الأَوَّلُ: وهوَ ما إذ اقْتَصَرَ عَلَى المكاتَبَةِ فقَدْ أجَازَ الروايةَ بها كثيرٌ مِنَ المَتَقَدِّمِينَ والمتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ: أُيُوبُ السِّخْتيانِيُّ(١)، ومَنْصُورٌ (٢)، واللّيْثُ بنُ سَعْدٍ (٣)، وقَالَهُ غيرُ واحِدٍ مِنَ الشَّافِعِّينَ (٤)، وجَعَلَها أبو الْمُظَفِّرِ السَّمْعَانِيُّ - مِنْهُمْ- أَقْوَى مِنَ الإِجَازَةِ(٥)، وإليهِ صارَ غيرُ واحدٍ مِنَ الأَصُولِيْنَ(٦). وأَبَى ذلكَ قومٌ آخَرُونَ(٧)، وإليهِ صَارَ مِنَ الشَّافِعِيِّيْنَ القَاضِي الماوَرْدِيِّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي كِتَابِهِ "الحاوي"(٨). والْمَذْهَبُ الأَوْلُ هُوَ الصحيحُ (٩) المشهُورُ بِينَ أهلِ الحديثِ، وكَثِيْراً مَا يُوجَدُ فِي مَسَانِيْدِهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ قَوْلُهُمْ: (( كَتَبَ إليّ فُلاَنٌ: قَالَ حَدَّثَنَا فُلاَنٌ)، والمرادُ بهِ هذا. وذَلِكَ مَعْمُولٌ بهِ عِنْدَهُمْ مَعْدُودٌ في المسنَدِ الموصولِ . وفيها إشعَارٌ قويٌّ بمعْنَى الإِجَازَةِ، فَهِيَ وإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ(١٠) بالإِجَازَةِ لَفظاً فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الإِجَازَةَ مَعْنَى ثُمَّ يَكْفِي في ذلكَ أنْ يَعْرِفَ المكتُوبُ إليهِ خَطِّ الكَاتِبِ وإِنْ لَمْ تَقُمِ البَيَِّةُ عليهِ (١١). ومِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: ((الخَطُّ يُشْبِهُ الخَطِّ فَلاَ يَجُوزُ الاعْتِمَادُ عَلَى ذلكَ)(١٢). وهذا غيرُ مَرْضِيٍّ؛ لأنَّ ذلكَ نادِرٌ، والظَّاهِرُ أنَّ خَطَّ الإِنْسَانِ لاَ يَشْتَبَهُ بِغَيْرِهِ ولاَ يَقَعُ فِيهِ إِلْبَاسٌ . (١) نقله عنه الخطيب في الكفاية: (٤٨١ ت، ٣٣٧ هـ) و (٤٩٠ ت، ٣٤٣ - ٣٤٤ هـ)، والقاضى عياض في الإلماع : ٨٥ . (٢) أسنده إليه الخطيب في الكفاية: (٤٨١ ت، ٣٣٧ هـ) و (٤٩٠ ت، ٣٤٣ - ٣٤٤ هـ)، والقاضي عياض في الإلماع : ٨٥ . (٣) أسنده إليه الخطيب في الكفاية: (٤٩٠ - ٤٩١ ت، ٣٤٤ هـ ). (٤) منهم : الحسين بن إسماعيل المحاملى . الإلماع : ٨٤ . (٥) قواطع الأدلة ١ / ٣٣٠. (٦) منهم: الرازي. انظر: المحصول ٦٤٥/١/٢، وأبو حامد الإسفراييني والمحاملي. انظر: نكت الزركشي ٥٤٥/٣. (٧) منهم الغزالي في المستصفى ١ / ١٦٦، والآمدي في الإحكام ٢ / ٩٢ . (٨) ٢٠ / ١٤٧ . (٩) انظر: الكفاية: (٤٨٩ ت، ٣٤٣ هـ)، والإلماع: ٨٥. (١٠) في (ب) و (جـ): ((يقترن)). (١١) قال البقاعي في النكت الوفية ٢٦٩ / أ: ((أي: بشهادة اثنين أنهما رأياه يكتب ذلك فتكون شهادة على الفعل لا بالتخمين ، بأنّ هذا يشبه خطّه، فهو هو ؛ لأنه يبعد كل البعد أن يوجد خطّ غير خطّه يحاكيه محاكاة يبعد معها التمييز )) . (١٢) قاله الغزالي، ينظر: المستصفى ١ / ١٦٦، والبحر المحيط ٤ / ٤٩٢. ٢٨٥ ثُمَّ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنْ عُلَماءِ المحدِّثِيْنَ وأَكَابِرِهِمْ، مِنْهُمْ: اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ ، ومَنْصُورٌ إِلَى جَوَازِ إِطْلاَقِ ((حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا )) في الروايةِ بالمكاتَبَةِ (١)، والمختارُ قولُ مَنْ يَقُولُ فيها : ((كَتَبَ إليّ فُلاَنٌ: قالَ حَدَّثَنَا فُلاَنٌ بِكَذَا وَكَذَا ))، وهذا هوَ الصحيحُ اللَِّقُ بِمَذْهَبِ أهْلِ التَّحَرِّي والنَّزَاهَةِ. وهَكَذَا لَوْ قَالَ: ((أخْبَرَنِي بِهِ مُكَاتَبَةً، أوْ كِتَابَةٌ)) ، ونحوَ ذلكَ مِنَ العِبَارات (٢)، والله أعلمُ (٣) . أمَّا المكَاتَبةُ المِقْرُونَةُ بِلَغْظِ الإِجَازَةِ فَهِيَ في الصِّحَّةِ والقُوَّةِ شَبِيْهَةٌ بالمناولَةِ المقرُونَةِ بالإِجَازَةِ ، والله أعلمُ . الْقِسْمُ السَّادسُ مِنْ أَقْسَامِ الأخْذِ ووُجُوهِ النَّقْلِ : إِعْلَامُ الراوي للطّالِبِ بأنّ هذا الحديثَ أوْ هذا الكِتابَ سَمَاعُهُ مِنْ فُلاَنِ، أَوْ روايَتُهُ مُقْتُصِراً عَلَى ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَقولَ: (ارْوِهِ عِّي، أوْ أَذِنْتُ لَكَ في روايِتِهِ))، أوْ نَحْوَ ذلكَ، فَهَذا عِنْدَ كَثِيرِينَ طَرِيقٌ مُحَوِّرٌ لِرِوايَةِ ذلكَ عنهُ ونَقْلِهِ. حُكِيَ ذلكَ عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ وطَوَائِفَ مِنَ المحدِّثينَ والفُقَهَاء والأُصُولِينَ والظَّاهِرِيِّينَ(٤)، وبِهِ قَطَعَ أبو نَصْرِ بنُ الصَّاخِ مِنَ الشَّافِعِّينَ(٥)، واخْتَارَهُ ونَصَرَهُ أبو العَبَّاسِ الوليدُ بنُ بَكْرِ الغَمْرِيِّ(٦) المَالِكِيُّ(٧) فِي كِتَابِ "الوِجَازَةِ فِي تَحْوِيْزِ الإِجَازَةِ ". وَحَكَى القَاضِي أبو محمَّدٍ بِنُ خَلاَّدِ الرَّامَهُرْمُزِيُّ (٨) - صَاحِبِ كِتَابِ " الفَاصِلِ بينَ الرَّاوِي والوَاعِي "(٩) - عَنْ بعضِ أهلِ الظّاهِرِ، أَنَّهُ ذَهَبَ إلى ذلكَ واحْتَجَّ لهُ، وزادَ (١) انظر: الكفاية: (٤٨٩ ت، ٣٤٣ هـ ) . (٢) انظر: الكفاية: (٤٨٨ ت، ٣٤٢ هـ ). (٣) جملة: ((والله أعلم )) سقطت من ع، وهي من جميع النسخ الخطية. (٤) الإلماع : ١١٥ . (٥) البحر المحيط : ٤ / ٣٩٥. (٦) بفتح الغين ، وسكون الميم، وفي آخرها الراء المهملة، هذه النسبة إلى غمر، وهم بطن من غافقة ، وقد قيل: إن هذه النسبة بضم الغين أيضاً. الأنساب ٢٨٢/٤، والتاج ٢٦٦/١٣، وترجمته في سير أعلام النبلاء ٦٥/١٧. (٧) الإلماع : ١٠٨ . (٨) بفتح الراء والميم بينهما الألف ، وضم الهاء وسكون الراء الأخرى ، وضم الميم وفي آخرها الزاي ، هذه النسبة إلى رامهرمز، وهي مدينة مشهورة بنواحي خوزستان . الأنساب ٣٢/٣، ومعجم البلدان ١٧/٣. (٩) كذا ذكره ياقوت في معجمه ٩ / ٥، وذكره غير واحد باسم:" المحدّث الفاصل بين الراوي والواعي". انظر: السِّير ١٦ / ٧٣، ونزهة النظر: ٤٧، وتدريب الراوي ٥٢/١، والرسالة المستطرفة: ٥٥ و١٤٢. ٢٨٦ فقالَ: ((لَوْ قَالَ لهُ (١): هذهِ رِوَايَتِي لَكِنْ لاَ تَرْوِها عَنِّي، كَانَ لَهُ أنْ يَرْوِيَها عنهُ كما لَوْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثاً ثُمَّ قَالَ لهُ (٢): ((لاَ تَرْوِهِ عَنِّي، ولاَ أُجِيْزُهُ لَكَ))، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ)). وَوَجْهُ مَذْهَبِ هَؤُلاءِ اعْتِبَارُ ذلكَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيخِ ، فإِنَّهُ إذا قَرَأْ عليهِ شَيْئاً مِنْ حَدِيثِهِ وأقَرَّ بِأَنَّهُ رِوَايَتُهُ عَنْ فُلاَنِ بنِ فُلاَنٍ (٣) جَازَ لهُ أنْ يَرْوِيَّهُ عنهُ ، وإنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ لَفْظِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ: ((ارْوِهِ عَنِّي، أَوْ أَذِئْتُ لَكَ فِي رِوَائِهِ عَنِّي)) (٤) ، والله أعلمُ . والمختارُ ما ذُكِرَ عَنْ غَيْرٍ واحِدٍ مِنَ المحدِّقِينَ وَغَيْرِهِمْ، مِنْ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ الروايةُ بذلكَ، وبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ الطُّوْسِيُّ(٥) مِنَ الشَّافِعِيِّينَ، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ ذلكَ؛ وهذا لأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذلكَ مَسْمُوعَهُ وروايَتَهُ، ثُمَّ لاَ يَأْذَنُ (٦) في رواِهِ عِنهُ؛ لِكَوِنِهِ لاَ يُجَوِّزُ روايَتَهُ لِخَلَلٍ يَعْرِفُهُ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنهُ التََّفُظُ بِهِ، ولاَ مَا يَتَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَلَفْظِهِ بِهِ(٧)، وهوَ تَلَفِّظُ القارِئِ عليهٍ وهَوَ يَسْمَعُ، وَيُقِرُّ بِهِ حَتَّى يَكُونَ قَولُ الراوي عنهُ السَّامِعِ ذلكَ: ((حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا)) صِدْقاً، وإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فيهِ. وإنَّما هذا (٨) كالشَّاهِدِ ، إذا ذَكَرَ فِي غَيرِ مَجْلِسِ الحكمِ شَهَادتَهُ بشيءٍ فليسَ لِمَنْ يَسْمَعُهُ أنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، إذا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَى شَهَادَتِهِ ، وذلكَ مِمَّا تَسَاوَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ والروايَةُ؛ لأنّ المعنى يَجْمَعُ بَيْنَهُما في ذلكَ وَإِنِ افْتَرَقًا (٩) في غيرِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ يَحِبُ عليهِ العَمَلُ بما ذكَرَهُ لهُ إذا صَحَّ إِسْنَادُهُ وإِنْ لَمْ تَجُزْ لهُ روايتُهُ عنهُ ؛ لأنَّ ذلكَ يَكْفِي فيهِ صِحَتُهُ في نفسِهِ ، واللهُ أعْلَمُ . (١) ساقطة من ( أ). (٢) سقطت من ( جـ ). (٣) عبارة : ((بن فلان)) ساقطة من (أ). (٤) المحدّث الفاصل: ٤٥١ - ٤٥٢، ونقله عنه الخطيب في الكفاية: ( ٤٩٨ - ٤٩٩ ت، ٣٤٨ هـ )، والقاضي عياض في الإلماع : ١١٠. (٥) عنى بذلك الإمام الغزالي ، وقوله في المستصفى ١٦٦/١، وإليه ذهب ابن حزم والماوردي وابن القطان والبيضاوي وابن السبكي والآمدي. ينظر: إحكام الأحكام ٩١/٢، والإبهاج ٣٣٤/٢، ونهاية السول ١٩٦/٣، ومحاسن الاصطلاح: ٢٩٠. وانظر: نكت الزركشي ٥٤٩/٣، وشرح التبصرة ١٨٢/٢. (٦) في (ع): ((ولا يأذن له))، وكلمة: (( له)) لم ترد في شيء من النسخ الخطية ولا (م). (٧) سقطت من ( أ) . (٨) في (م): ((هو)). (٩) في (أ) و (م) والشذا: ((افترقتا)). ٢٨٧ القِسْمُ السَّابِعُ مِنْ أقسَامِ الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ: الوَصِيَّةُ بالكُتُبِ، بَأنْ (١) يُوصِيَ الراوي بِكِتَابٍ يَرْوِيهِ عندَ موتِهِ أَوْ سَفَرِهِ لِشَخْصٍ ، فَرُويَ عَنْ بعضِ السَّلَفِ (٢) ◌َ أنَّهُ جَوَّزَ بذلكَ روايةَ الْمُوصَى لهُ لذلكَ عَنِ الموصِي الراوي . وهذا بَعِيدٌ جِدًا (٣) ، وهوَ إِمَّا زَلَّهُ عالِمٍ أو مُتَأَوَّلٌ على أنَّهُ أرادَ الروايةَ عَلَى سَبيلِ الوِجَادَةِ التي يَأْتِي شَرْحُها - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى -. وقَدِ احْتَجَّ بعضُهُمْ لذلكَ فَشَّهَهُ بِقِسْمِ الإِعْلَمِ وقِسْمِ المناوَلَةِ ، ولاَ يَصِحُّ ذلكَ فَإِنّ لِقَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الروايةَ بِمُحَرَّدِ الإِعْلَامِ والمَنَاوَلَةِ مُسْتَتَداً ذَكَرْنَاهُ لاَ يَتَقَرَّرُ مِثْلُهُ ولاَ قريبٌ (٤) منهُ هَاهُنا ، واللهُ أعلمُ . الْقِسْمُ الثَّامِنُ : الوِحَادَةُ (٥): وهي مَصْدَرٌ لـ(( وَجَدَ يَجِدُ )) مُؤَلَّدٌ غيرُ مَسْمُوعٍ مِنَ العَرَبِ(٦). رُوَّيْنَا عَنِ الْمُعَافَى بِنِ زَكَرِيًّا النَّهْرَوَانِيِّ (٧) العَلاَّمَةِ في العُلُومِ أنَّ الموَلَّدِينَ فَرَّعُوا قَوْلَهُمْ: ((وِجَادَةٌ) فِيْمَا أُخِذَ مِنَ العِلْمِ مِنْ صَحِيْفَةٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ ولاَ إِجَازَةٍ وَلاَ مُنَاولةٍ، مِنْ تفريقِ العَرَبِ بِينَ مَصَادِرِ ((وجَدَ))، للَّمْبِيزِ بينَ المعانيَ المختَلِفَةِ ، يَعْنِي قَولَهُمْ : (١) في (م): ((أن)) بدون باء. (٢) منهم: ابن سيرين وأبو قلابة. ينظر: المحدّث الفاصل: ٤٥٩ - ٤٦٠، والكفاية: (٥٠٣ - ٥٠٤ ت ، ٣٥٢ هـ)، والإلماع: ١١٥ - ١١٦، ونكت الزَّرْكَشِيّ ٣ / ٥٥١ . (٣) وَقَدْ قُلِّدَ النوويّ ابنَ الصلاحِ فِي هَذَا فَقَالَ: في التقريب: ١٢٠: ((إنه لا يجوز))، وَقَدْ أنكر ابن أبي الدم عَلَى ابن الصَّلاح ردّه عَلَى هَذَا فَقَالَ: (( الوصية أرفع رتبة من الوجادة بلا خِلاَّف، فإذا عمل بالوجادة فالوصية أولى)). ينظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٥٠ - ٥٥١، وتدريب الراوي ٦٠/٢، وفتح المغيث ١٣٣/٢. (٤) في الشذا: ((يتقرب)). (٥) بكسر الواو. شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ١٨٩، والتاج ٩ / ٢٦٠. (٦) قال : ابن كثير: ((الوجادة ليست من باب الرواية ، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب. وقال الشيخ أحمد شاكر : (( وإنما ذكر العلماء الوجادة في هذا الباب إلحاقاً به لبيان حكمها وما يتخذه الناقل في سبيلها )). اختصار علوم الحديث : ١٢٨، والباعث الحثيث : ١٣٠. (٧) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الراء المهملة والواو، وفي آخرها نون أخرى. الأنساب ٤٤٦/٥، وانظر: التاج ٣١٩/١٤. وترجمته في تاريخ بغداد ٢٣٠/١٣، ومعجم الأدباء ١٥١/١٩، والسيِّر ٠٥٤٤/١٦ ٢٨٨ وَجَدَ ضَالْتُهُ وِجْدَاناً ، ومَطْلُوبَهُ وُجُودًاً، وفِي الغَضَبِ: مَوْحِدَةً ، وَفِي الغِنَى: وُجْداً (١)، وفِي الْحُبِّ: وَجْداً (٢). مِثَالُ الوِجَادَةِ : أنْ يَقِفَ على كِتَابِ شَخْصٍ فيهِ أحاديثُ يَروِها بِخَطّهِ وَلَمْ يَلْقَهُ، أَوْ لَقِيَهُ ولكِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنهُ ذلكَ الذي وَجَدَّهُ بِخَطّهِ ، ولاَ لهُ منهُ إجَازَةٌ وَلاَ نَحْوُها، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: وَحَدْتُ بِخَطٌ فُلاَنِ (٣)، وَيَذْكُرَ شَيْخَهُ، وَيَسُوقَ سَائِرَ الإِسْنَادِ والمئْنِ (٤)، أوْ يَقُولَ: وَجَدْتُ ، أوْ قَرَأْتُ بِخَطْ فُلاَنِ عَنْ فُلَانِ، وَيَذْكُرَ الذي حَدَّثَهُ ومَنْ فَوْقَهُ. هذا الذي اسْتَمَرَّ عليهِ العَمَلُ قَدِيماً وحَدِيثاً، وهوَ مِنْ بابِ المنقَطِعِ والمرسَلِ (٥) غيرَ أنَّهُ أَخَذَ شَوْباً مِنَ الأَنِّصَالِ بِقَوْلِهِ: وَجَدْتُ بَخَطّ فُلاَن . ورُبَّمَا دَلْسَ بعضُهُمْ فَذَكَرَ الذي وَجَدَ خَطَّهُ ، وَقَالَ (٦) فِيهِ: عَنْ فُلاَنٍ ، أَوْ قَالَ فُلانٌ؛ وذلكَ تَدليسٌ قَبِيحٌ إذا كَانَ بحيثُ يُوهِمُ سَمَاعَهُ منهُ عَلَى مَا سَبَقَ في نوعِ التَّدليسِ. وجَازَفَ بعضُهُمْ فَأَطْلَقَ فيهِ : حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا (٧)، والْتُقِدَ ذلكَ عَلَى فَاعِلِهِ. وإذا وَجَدَ حَدِيْثاً في تأليفٍ شَخْصٍ وليسَ بِخَطِّهِ ، فَلَهُ أنْ يَقُولَ: ذَكَرَ فُلاَنٌ، أَوْ قَالَ فِلاَنٌ: أحْبَرَنا فُلاَنٌ ، أوْ ذَكَرَ فُلاَنٌ عَنْ فُلاَنٍ . وهذا مُنْقَطِعْ لَمْ يَأْخُذْ شَوْباً مِنَ الأَتِّصَالِ. وهَذاِ كُلُّهُ (١) ضبطه السيوطي في شرحه على ألفية العراقي : ٢٩٨ بالضم ، قلنا: ويجوز ضبطه بالفتح ، والكسر أيضاً، فهو مثلث. انظر: الصحاح ٢ / ٥٤٧، ومقاييس اللغة ٦ / ٨٦، ولسان العرب ٣ / ٤٤٥. (٢) وهناك مصادر أخرى للفعل لم يذكرها المصنف ، انظرها في نكت الزركشي ٣ / ٥٥١، والتقييد والإيضاح: ٢٠٠ ، وشرح التبصرة ٢ / ١٨٩، وتاج العروس ٩ / ٢٥٣. (٣) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٥٣: ((وهذا إنما يصح إذا تحقق أنه خطّه بأن كتبه بحضوره وهو يسراه ، أو قال له : هذا خطّي ، وإلاّ فليقل : رأيتُ مكتوباً بخطّ ظننت أنه خط فلان ، فإن الخط قد يشبه الخط ، وبذلك عبّر الغزالي في المستصفى)). وانظر: المستصفى ١ / ١٦٦ . (٤) بعد هذا في ( ع): (( معاً))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا في ( م). (٥) قال الزركشي في نكته ٥٥٣/٣: ((وهكذا قال الحافظ رشيد الدين القرشي في الغرر المجموعة: ((الوجادة داخلة في باب المقطوع عند علماء الرواية))، وقد يقال : بل عده من التعليق أولى من المرسل والمنقطع)). (٦) في (جـ ): ((فقال)). (٧) منهم : إسحاق بن راشد، رواه عنه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١١٠، ومن طريقه القاضي عياض في الإلماع: ١١٩. ومنهم المرزباني، وأبو نعيم الأصبهاني ، وقد تقدم الكلام عنهما. ٢٨٩ إذا وَثِقَ بأَنَّهُ خَطِّ المذكورِ أوْ كِتَابُهُ، فإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلْيَقُلْ: بَلَغَنِي عَنْ فُلاَنِ ، أَوْ وَجَدْتُ عَنْ فُلاَنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ العِبَاراتِ، أَوْ لِيُفْصِحْ بِالمسْتَنَدِ (١) فِيهِ بأنْ يقولَ مَا قَالَهُ بعضُ مَنْ تَقَدَّمَ : قَرَأْتُ فِي كِتَابِ فُلاَنِ بَخَطّهِ، وأَخْبَرَنِي فُلاَنٌ أَنَّهُ بَخَطّهِ ، أَوْ يَقُولَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابٍ ظَنْتُ أَنَّهُ بَطٌ فُلاَنِ ، أو فِي كِتَابِ ذَكَرَ كَاتِبُهُ أَنَّهُ فُلاَنُ بنُ فُلانٍ ، أَوْ فِي كِتَابٍ قيلَ: إِنَّهُ مَخَطّ فُلاَنِ . وإذا أرادَ أنْ يَنْقُلَ مِنْ كِتَابٍ مَنْسُوبٍ إلى مُصَنِّفٍ فَلا يَقُلْ: قَالَ فُلاَنٌ كَذا وكَذا ، إلاّ إذا وَثِقَ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ ، بأنْ قَابَلَها هُوَ أوْ ثِقَةٌ غيرُهُ بِأُصُولِ مُتَعَدِّدَة كَما نَّهَنا عليهِ فِي آخِرِ النَّوْعِ الأَوْلِ. وإذا لَمْ يُوجَدْ ذلكَ وَحْوُهُ (٢) فَلْقُلْ: بَلَغَنِي عَنْ فُلَآَنِ ٠ أَنَّهُ ذَكَرَ كذا وكذا ، أوْ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الكِتَابِ الفُلاَنِيِّ ، وما أشْبَهَ هذا مِنَ العِبَارات . وَقَدْ تسَامَحَ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي هذِهِ الأَزْمَانِ بِإِطْلَقِ اللفْظِ الجازِمِ في ذلكَ ، مِنْ غيرِ تَحَرِّ وَتَّتٍ ، فَيُطَالِعُ أحَدُهُمْ كِتَاباً مَنْسُوباً إلى مُصَنِّفٍ مُعَيَّنٍ، وينقُلُ منهُ عَنْهُ مِنْ غيرِ أنْ يَثِقَ بصِحَّةِ النُّسْخَةِ قَائِلاً: قَالَ فُلاَنٌ كذا وكذا ، أوْ ذَكَرَ فُلاَنٌ كذا وكذا ، والصوابُ مَا قَدَّمْنَاهُ. فإِنْ كَانَ الِطَالِعُ عَالِماً فَطِناً بحيثُ لاَ يَخْفَى عليهِ في الغالبِ مَوَاضِعُ الإِسْقَاطِ والسُّقَطِ (٣) ومَا أُحِيْلَ عَنْ جِهَتَهِ (٤) مِنْ (٥) غيرِها رَجَوْنا أنْ يَجُوزَ لهُ إِطْلاَقُ (٦) اللَّفْظِ (١) في ( ب): ((بالمسند)). (٢) في ( ب): ((ولا نحوه)). (٣) قال البقاعي : (( قوله: مواضع الإسقاط - بالكسر - مصدر أسْقَطَ الشيءَ إذا ألْقَاهُ فالمراد المواضع التي ترك فيها كلام اختل به المعنى . والسَّقَطُ - محرّكاً - الرديء والخطأ في الكلام والكتاب والحساب)). النكت الوفية ٢٧٣ / ب . (٤) أي : بضرب من التأويل . النكت الوفية ٢٧٣ / ب . (٥) في (ع): (( إلى))، وما أثبتناه من النسخ . (٦) في (ع ) : ((إطلاقه)). ٢٩٠ الجازِمٍ فيما يَحْكِيْهِ مِنْ ذلكَ. وإلى هذا فيما أحسَبُ اسْتَرْوَحَ كَثِيرٌ مِنَ المصَنِّفِينَ فيما تَقُلُوهُ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ ، والعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَلَى . هذا كُلُّهُ كَلاَمٌ فِي كَيْفِيَّةِ الَّعْلِ بِطَرِيقِ الوِحَادَةِ . وأمَّا جَوازُ العَمَلِ اعْتِمَاداً على مَا يُوثَّقُ بِهِ مِنْهَا، فَقَدْ رُوِّيْنَا عَنْ بعضٍ (١) المالِكِيَّةِ أنْ مُعْظَمَ المحدِّثينَ والفُقَهَاءِ مِنَ المالِكِيِّينَ وغَيْرِهِمْ لاَ يَرَوْنَ العَمَلَ بذلِكَ. وحُكِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وطَائِفَةٍ مِنْ نُظَارِ أصْحابِهِ جَوَازُ العَمَلِ بِهِ (٢) . قُلْتُ: قَطَعَ بعضُ المحقّقِينَ (٣) مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أُصُولِ الفِقْهِ بِوُجُوبِ العَمَلِ بِهِ عِنْدَ حُصُولِ التّقَةِ بِهِ ، وقالَ: ((لَوْ عُرِضَ مَا ذَكَرْنَاهُ على جُمْلَةِ المحدِّثينَ لأَبَوهُ ))(٤)، ومَا قَطَعَ بهِ هوَ الذي لاَ يَتَّجِهُ غيرُهُ في الأعْصارِ المتأخِّرةِ، فإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ العَمَلُ فيها على الروايةِ لانْسَدَّ بابُ العَمَلِ بالمنْقُولِ؛ لِتَعَذَّرِ شَرْطِ الروايةِ فيها على ما تَقَدَّمَ في النّوعِ الأَوْلِ ، والله أعلمُ . (١) هذا المبهم بيّنه الزركشي في نكته ٣ / ٥٥٤، وهو القاضي عياض في إلماعه : ١٢٠ . (٢) الإلماع: ١٢٠، وقال: ((وهو الذي نصره الجويني، واختاره غيره من أرباب التحقيق، وهذا مبنيٌّ على مسألة العمل بالمرسل )). قلنا : انظر: البرهان ١ / ٤١٦ فقرة (٥٩٢)، وشرح التبصرة والتذكرة ١٩٣/٢، والنكت الوفية: ٢٧٢ / ب. (٣) عنى بذلك الجويني وكلامه في البرهان ١ / ٤١٦ فقرة ( ٥٩٢). (٤) قال البقاعي: (( قوله: لأَبَوْهُ، يعني: لما تقدّم من أنّ معظمهم لا يرون العمل به، هذا على تقدير: كونه بالباء الموحدة ، ويحتمل أن يكون بالمثناة الفوقائية من الإتيان، يعني: لعملوا به لوضوح دليله، وَهُوَ أن مدار وجوب العمل بالحديث الوثوق بنسبته إلى الشارع﴿ لا اتّصاله بالرواية)). النكت الوفية ٢٧٣/أ . ٢٩١ النَّوْعُ الْخَامِسُ والِعِشْرُونَ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيْثِ وَكَيْفِيَّةِ ضَبْطِ الكِتَابِ وَتَقْبِيْدِه اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الأوَّلُ ﴿ه فِي كِتَابَةِ الحديثِ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ كِتَابَةَ الحديثِ والعِلْمِ وأمَرُوا بحفْظِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أحَازَ ذلكَ (١). ومِمَّنْ رُوِّيْنا عنهُ كَرَاهَةَ ذلكَ: عُمَرُ (٢) ، وابنُ مَسْعُودٍ، وَزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ ، وأبو مُؤْسَى، وأبو سَعِيْدٍ الْخُدْرِيُّ (٣) في جَمَاعَةٍ آخَرِيْنَ مِنَ الصحابَةِ والتَّابِعِينَ. وَرُوِّيْنَا عَنْ أبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النِيَّلَّ قَالَ: «لَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئاً إِلَّ القُرْآنَ، ومَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئاً غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)). أخرجَهُ مُسْلِمٌ (٤) في " صحيحِهِ ". ومِمَّنْ رُوِّيْنا عنهُ إِبَاحَةً ذلكَ - أَوْ فَعَلَهُ - : عَلِيٌّ (٥) ، وابْنُهُ الحسَنُ (٦) ، وأَنَسّ (٧) ، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ (١) في ذلك مناقشات ومباحثات طويلة تنظر في: تقييد العلم: ٢٨-١١٦، ونكت الزركشي ٥٥٦/٣، ومحاسن الاصطلاح : ٢٩٦ . (٢) قال الزركشي ٣ / ٥٥٦: ((هكذا قال ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ. وقد جاء عن عمر الجواز، قال الحاكم في مستدر كه ١ / ١٠٦: ((قد صحت الرواية عن عمر بن الخطاب أنه قال: قيّدوا العلم بالكتابة )) . (٣) عقّب الزركشي على ذلك فقال في نكته ٣ / ٥٥٨: ((بل جاء عن أبي سعيد أنه استأذن النبي ﴿ في كتب الحديث فلم يأذن له ، رواه الخطيب في كتاب تقييد العلم)). قلنا: انظر : تقييد العلم : ٣٦، وقد رواه أيضاً الدارمي (٤٥٧)، والترمذي (٢٦٦٥) فعزوه إليهما أفضل . (٤) صحيح مسلم ٨ / ٢٢٩ (٣٠٠٤) . وأخرجه أحمد ١٢/٣ و٢١ و٣٩ و٤٦ و٥٦، والدارمي (٤٥٦)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨)، وفي فضائل القرآن (٣٣) جميعهم من طريق همام بن يحيى ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد ، به مرفوعاً . (٥) رواه عنه البخاري في صحيحه ١ / ٣٨ (١١١)، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٨٨ - ٩١ ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١ / ٧١ . (٦) رواه عنه الخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٩١ ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١ / ٨٢. (٧) رواه عنه الدارمي (٤٩٧)، والرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٣٦٦ و ٣٦٨، والخطيب البغدادي في تقييد العلم : ٩٤ - ٩٧ ، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١ / ٧٣ ، والقاضي عياض في الإلماع: ١٤٧ ٠ ٢٩٢ العَاصِ (١) فِي جَمْعٍ (٢) آخَرِيْنَ مِنَ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِيْنَ ﴿هُ أَحْمَعِينَ. ومِنْ صَحِيْحٍ حَديثِ رَسُولِ اللهِ ﴿ِ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ ذلكَ: حَدِيثُ أَبِي شَاه (٣) الْيَمَنِيِّ فِي الْتِمَاسِهِ مِنْ رِسُولِ اللهِ أنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئاً سَمِعَهُ مِنْ خُطْتِهِ (٤) عَامَ فَتْحِ مَكَّْةَ ، وقَولُهُ مَ﴿ِ: ((اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهِ))(٥). ولَعَلَّهُعَ﴿ أَذِنَ في الكِتَابَةِ عنهُ لِمَنْ خَشِيَ عليهِ النِّسْيَانَ (٦)، ونَهَى عَنِ الكِتَابَةِ عنْهُ مَنْ وَثِقَ بِحِفْظِهِ، مَخَافَةَ الأِّكَالِ عَلَى الكِتابِ، أَوْ نَهَى عَنْ كِتَابَةِ ذلكَ عنهُ حينَ خَافَ عليهِم اخْتِلاَطَ ذلكَ بصُحُفِ القُرآنِ العَظِيمِ (٧) ، (١) رواه عنه الإمام أحمد في مسنده ٢ / ١٦٢، الدارمي (٤٩٠)، (٤٩٢)، وأبو داود ( ٣٦٤٦)، والحاكم في المستدرك ١٠٥/١ - ١٠٦، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: ٧٤، ٨٢، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١ / ٧١ ، والقاضي في الإلماع : ١٤٦ . (٢) في ( ب ): ((جماعة)). (٣) قال البقاعي: ((رأيت على حاشية كتاب ابن الصلاح بخط لا أعرفه ما صورته: وقع في "المشارق" المقروءة على الصنعاني والترمذي المقروءة على القاضي عياض وعليهما خطّاهما بالتاء المثناة من فوق ، والمحدثون من فضلاء مصر لا يروونه إلا بالهاء ، وكذا سمعه الحافظ زين الدين العراقي)). النكت الوفية ٢٧٤ / ب. قلنا : قال النووي في شرح صحيح مسلم ٣ / ٥٠٦ : ((هو بهاء تكون هاء في الوقف والدرج، ولا يقالى بالتاء ... )) . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ١ / ٢٠٦: ((هو بهاء منونة))، وقال في مكان آخر ١٢ / ٢٠٨ : (( وحكى السلفي أن بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلّطه، وقال هو فارسي من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن)) وانظر: الإصابة ١٠٠/٤. (٤) في (م ) : (( خطبة)). (٥) جزء من حديث طويل، أخرجه أحمد ٢ / ٢٣٨، والبخاري ١ / ٣٨ - ٣٩ (١١٢) و ١٦٤/٣ - ١٦٥ (٢٤٣٤) و ٩ / ٦ (٦٨٨٠)، ومسلم ١١٠/٤-١١١ (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧) و (٣٦٤٩) و (٤٥٠٥) والترمذي (٢٦٦٧)، وابن حبان (٣٧١٥)، والدارقطني ٩٦/٣ - ٩٨ والبيهقي ٨ / ٥٢، وفي دلائل النبوة ٥ / ٨٤، والخطيب في الفقيه والمتفقه ١ / ٩١ كلهم من طريق یحی ابن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة . (٦) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٥٨ - ٥٦٥ . (٧) قال البقاعي: ((أي: بسبب أنه لم يكن اشتد ألف الناس له وكثر حُفّاظه المعتنون به فلمّا ألفه الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته، وحُسن تناسب فواصله وغاياته صارت لهم ملكة يميزون بها عن غيره فلم يُخْشَ اخْتِلاطه بعد ذلك». النكت الوفية : ٢٧٨ / أ. ٢٩٣ وَأَذْنَ فِي كِتَايَتِهِ حِيْنَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ. وأَخْبَرَنا أبو الفَتْحِ بنُ عبدِ الْمُنْعِمِ الفُرَاوِيُ (١) فِرَاءَةً عليهِ بنيْسَابُورَ - جَبَرَها الله -، قَالَ: أَخْبَرَنا أبو الْمَعَالِي الفَارِسِيُّ، قَالَ: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو بَكْرِ البَيْهَقِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنا أبو الْحُسَيْنِ بِنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنا أبو عَمْرٍو بنُ السَّمَّكِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بِنُ إِسْحَاقَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ أحمدَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الوليدُ - هَوَ ابْنُ مُسْلِمٍ -، قَالَ: كَانَ الأوزاعِيُّ يَقُولُ : (( كَانَ هذا العِلْمُ كَرِيْماً يَتَلَقَاهُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الْكُتُبِ دَخَلَ فِيهِ غيرُ أهْلِهِ))(٢). ثُمَّ إِنَّهُ زَالَ ذلكَ الخِلاَفُ وأجْمَعَ المسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيْغِ (٣) ذلكَ وإِباحَتِهِ ، وَلَوْلاَ تَدْوِيْنُهُ فِي الكُتُبِ لَدَرَسَ في الأعْصُرِ الآخِرَةِ ، والله أعلمُ . ثُمَّ إِنْ عَلَى كَتَبَةِ الحديثِ وطَلَبَتِهِ صَرْفَ الهِمَّةِ إلى ضَبْطِ مَا يَكْتُبُونَهُ أَوْ يُحَصِّلُونَهُ بَخَطِ الغَيْرِ (٤) مِنْ مَرْوِيَّاتِهِمْ عَلَى الوجْهِ الذي رَوَوْهُ شَكْلاً ونَقْطاً يُؤْمَنُ مَعَهُما الالتباسُ، وكَثِيراً ما يَتَهَاوَنُ بذلكَ الوَائِقُ بِذِهْنِهِ وَتَيَقُظِهِ وذلكَ وَخِيْمُ العاقِبَةِ ، فإنَّ الإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ للنّسْانِ ، وأوَّلُ ناسٍ أوّلُ الناسِ (٥) ، وإِعْجَامُ المكتوبِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْجَامِهِ، وَشَكْلُهُ يَمْنَعُ مِنْ إِشْكَالِهِ، ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَنَّى بِتَقْبِيدِ الواضِحِ الذي لاَ يَكَادُ يَلْتَبِسُ (٦). وَقَدْ (١) هذه النسبة إلى فراوة ، وهي بليدة مما يلي خوارزم ، وضبطها بعضهم : بضم الفاء ، وبعضهم بفتحها . انظر: الأنساب ٦١٥/٤، ووفيات الأعيان ٢٩١/٤، وتبصير المنتبه ١١٠٠/٣، ومعجم البلدان ٢٤٥/٤. (٢) أخرجه من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي الخطيب في تقييد العلم : ٦٤، وابن عبد البر في بيان العلم ٦٨/١. وأخرجه الدارمي (٤٧٣) من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي. وانظر: محاسن الاصطلاح: ٣٠٢. (٣) في (م): ((توسيع)). (٤) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٦٨: ((قد استنكر بعض أهل اللغة إدخال الألف واللام على (غير) ... )). قلنا : انظر بيان ذلك في تهذيب الأسماء واللغات ٣ / ٦٥، والتاج ١٣ / ٢٨٥. (٥) إشارة إلى عجز بيت لأبي الفتح البستي ، أوله : فَاغْفِرْ فَأَوْلُ نَاسِ أَوْلُ الناسِ نَسِيْتُ وَعْدَكَ ، والنِّسْيانُ مُغْتَفَرٌ الغيث المسجم في شرح لامية العجم للصفدي ٢٠٨/٢، وانظر: نكت الزَّرْكَشِيّ ٥٦٥/٣، وفتح المغيث ١٤٨/٢ . (٦) قال العراقي في التقييد: ٢٠٥: ((اقتصر المصنف على ذكر كتابة اللفظة المشكلة في الحاشية مفردة مضبوطة ، ولم يتعرض لتقطيع حروفها ، وهو متداول بين أهل الضبط ، وفائدته ظهور شكل الحرف بكتابته مفرداً ، كالنون ، والياء إذا وقعت في أول الكلمة ، أو في وسطها . ونقله ابن دقيق العيد في الاقتراح (٢٨٦ ) عن أهل الإتقان )). ٢٩٤ أحْسَنَ مَنْ قَالَ: إِنَّما يُشْكَلُ مَا يُشْكِلُ (١). وقَرَأْتُ بِخَطٌ صَاحِبِ كِتابِ " سِماتٍ الخطّ ورُقُومِهِ " عَلِيِّ بِنِ إِنْرَاهِيمَ البَعْدَادِيِّ فيهِ أنَّ أهلَ العِلْمٍ يَكْرَهُونَ الإِعْجَامَ والإِعْرَابَ إلاّ في (٢) الْمُلْتَبِسِ. وحَكَى غيرُهُ عَنْ قَومٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُشْكَلَ مَا يُشْكِلُ ومَا لاَ يُشْكِلُ؛ وذلك لأنَّ المبتَدِئَ وغيرَ المتَحِّرِ في العِلْمِ لاَ يُمَيِّزُ ما يُشْكِلُ مِمَّ لاَ يُشْكِلُ، ولاَ صَوابَ الإِعْرَابِ مِنْ خَطَئِهِ (٣) ، والله أعلمُ . وهذا بيانُ أُمُورِ مُفِيدَةٍ (٤) في ذلِكَ : أحَدُها: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِنَاؤُهُ - مِنْ بَيْنٍ مَا يَلْتِسُ - بِضَبْطِ الْمُلْتِسِ مِنْ أسْمَاءِ النَّاسِ(٥) أَكْثَرَ ، فَإِنَّهَا لاَ تُسْتَدْرَكُ بالمعْنَى، ولاَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهَا بِمَا قَبْلُ ومَا بَعْدُ. الثّانِي: يُسْتَحَبُّ في الألفَاظِ المشْكِلَةِ أنْ يُكَرَّرَ ضَبْطُهَا بأنْ يَضْبِطَها (٦) فِي مَثْنٍ الكِتَابِ ثُمَّ يَكْتُبَهَا قُبَالَةَ ذَلِكَ فِي الحَاشِيَةِ مُفْرَدَةً مَضْبُوطَةً ، فإنّ ذلكَ أَبْلَغُ فِي إبانَتِهَا وَأَبْعَدُ مِنْ النَِّاسِها، ومَا ضَّبَطَهُ في أَثْنَاءِ الأسْطُرِ رُتَّمَا دَاخَلَهُ نَقْطُ غِيرِهِ وَشَكْلِهِ مِمَّا (٧) فَوْقَهُ وتَحْتَهُ لاَ سِيَّمَا عِنْدَ دِقَةِ الخطّ، وضِيْقِ الأسْطُرِ، وبِهَذا جَرَى رَسْمُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ ، والله أعلمُ . الثَّالِثُ: يُكْرَهُ الخطُّ الدَّقِيقُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَقْتَضِيْهِ (٨). رُوِّيْنَا عَنْ حَنْبَلٍ بِنِ إِسْحَاقَ قالَ : رآني أحمدُ بنُ حَنْبَلِ وأنا أَكْتُبُ خَطّاً دَقِيقاً، فقالَ: ((لاَ تَفْعَلْ، أحْوَجَ مَا تَكُونُ إليهِ يَخُونُكَ)) (٩) ، وبَلَغَنَا عَنْ بَعضِ المشَايِخِ أَنَّهُ كَانَ إذا رأَى خَطّاً دَقِيْقاً قَالَ: هذا خَطُّ (١) المحدِّث الفاصل: ٦٠٨، والإلماع: ١٥٠، وانظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٦٩. (٢) سقطت من ( م). (٣) الإلماع: ١٥٠، وقال القاضي: ((وهذا هو الصواب)). (٤) في ( ب ) : ((مقيدة)) . (٥) لأنه لا يدخله القياس ولا قبله شيء يدل عليه. الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٦٩ - ٢٧٠، والإلماع : ١٦٤، ونكت الزركشي ٣ / ٥٧١، وشرح التبصرة ٢ /٢٠٣. (٦) انظر: الاقتراح : ٣٨٦، ونكت الزركشي ٣ / ٥٧٢. (٧) في ( ب): ((بما)). (٨) انظر: أدب الإملاء والاستملاء: ١٦٧ - ١٦٨، ونكت الزركشي ٣ / ٥٧٢ . (٩) أخرجه الخطيب في الجامع ( ٥٣٧ )، وابن السمعاني في أدب الإملاء : ١٦٧. ٢٩٥ مَنْ لاَ يُوقِنُ بِالْخَلَفِ (١)، مِنَ اللهِ)) (٢). والعُذْرُ في ذلكَ هوَ مثلُ أنْ لاَ يَجِدَ في الوَرَقِ سَعَةً، أوْ يَكُونَ رَحَّالاً يَحْتَاجُ إلى تَدْقِيقِ الخطّ لْيَحِفَّ عليهِ مَحْمَلُ كِتَابِهِ (٣) ، ونحوِ هذا (٤) . الرَّابِعُ: يُخْتَارُ لهُ في خطّهِ التَّحْقِيقُ دونَ الْمَشْقِ (٥) والتَّعليقِ (٦) . بَلَغَنَا عَنِ ابْنٍ قُتَيْبةَ قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ ◌َّهِ: ((شَرُّ الكِتَابَةِ الْمَشْقُ، وشَرُّ القِرَاءَة الْهَذْرَمَةُ(٧)، وأجْوَدُ الخطِّ أَبَيْئُهُ)) (٨) ، والله أعلمُ . الخَامِسُ: كَمَا تُضْبَطُ الحروفُ المِعْجَمَةُ بالنَّقْطِ ، كذلكَ يَنْبَغِيِ أنْ تُضْبَطَ المِهْمَلاَتُ غيرُ المعجمَةِ بعَلَاَمَةِ الإِهْمَالِ ؛ لِتَدُلِّ على عَدَمِ إِعْجَامِها . وسَبِيلُ النَّاسِ فِي ضَبْطِهَا مُخْتَلِفٌ، فمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُ النُّقَطَ ، فَيَجْعَلُ النَّقَطَ الذي (٩) فَوْقَ المعجَمَاتِ(١٠) تحتَ مَا يُشَاكِلُها مِنَ المهْمَلاَتِ، فَيَنْقُطُ تحتَ الرَّاءِ، والصَّادِ، والطّاءِ، والعينِ، ونحوِهَا مِنَ المهمَلاَتِ. وذَكَرَ بعضُ هَؤُلاءِ أنَّ النُّقَطَ التي تحتَ السِّيْنِ المَهْمَلَةِ (١) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٧٢: ((بفتحتين - أي: الخلف - ما يخلف من بعد، يشير إلى أن داعيته الحرص على ما عنده من الكاغد ؛ إذ لو كان يعلم أنه مستخلف لوسع)) . قلنا : انظر عن الخلف : لسان العرب ٩ / ٨٩، والتاج ٢٣ / ٢٤٥. (٢) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( ٥٣٨). (٣) ذكر الخطيب هذا الكلام في الجامع ١ / ٢٦١ وساقه المصنف بمعناه ، ولم يصرح به . (٤) بعد هذا في (ع): ((والله أعلم))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا ( م). (٥) الْمَشْق : السرعة في الكتابة. انظر: الصحاح ٤ / ١٥٥٥، ونكت الزركشي ٣ / ٥٧٢ . (٦) قال البقاعي في نكته الوفية ٢٨١/أ: ((الذي يظهر في تفسيره أنه خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، وذهاب أسنان ما ينبغي إقامة أسنانه، وطمس ما ينبغي إظهار بياضه ونحو ذلك)). وانظر: فتح المغيث ٢٥٠/٢. (٧) الهذرمة: السرعة في القراءة. انظر: الصحاح ٥ / ٢٠٥٧. (٨) أخرجه الخطيب في الجامع ( ٥٤١ ). (٩) كذا في الأصول، ونقل هذا النص ابن طاهر الجزائري في توجيه النظر.٧٨٠/٢، وفيه: ((النُّقَطَ التي ... )). (١٠) قال الزركشي في النكت ٣ / ٥٧٤: ((خرج بقوله: ((فوق)) ما إذا كان النقط تحت المعجمات فلا يستحب ذلك كالحاء فإنها لو نقطت من تحتها لالتبست بالجيم . ورأيت مَن يُورِد هذا على المصنف ، وهو خارج من هذا الموضع من كلامه . وأما الباء فلا تلتبس بالياء ؛ لأنها بواحدة )). ٢٩٦ تَكُونُ مَبْسُوطَةٌ صَفّاً، والتي فَوقَ الشِّيْنِ المعْجَمَةِ تَكُونُ كَالأَثَافِيِّ (١) . ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ عَلَامَةَ الإِهْمالِ فَوقَ الحروفِ المهمَلَةِ كَقُلاَمَةِ الظُّفْرِ مُضْجَعَةٌ (٢) عَلى قَفَاها . ومِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ تحتَ الحاءِ المهمَلَةِ حَاءً مُفْرَدَةً صَغِيرةٌ ، وكذا تحتَ الدَّالِ ، والطّاءِ، والصَّادِ ، والسِّيْنِ، والعَيْنِ، وسَائِرِ الحروفِ المهْمَلَةِ الملتَبِسَةِ مثلُ ذلكَ . فهذه وجُوهٌ مِنْ عَلَاَمَاتِ الإِهْمَالِ شائعَةٌ معرُوفَةٌ . وهُناكَ مِنَ العلاماتِ ما هوَ موجودٌ في كثيرٍ مِنَ الكُتُبِ القَدِيْمَةِ(٣) ولاَ يَفْطُنُ لَهُ كَثِيرُونَ، كَعَلَاَمَةٍ مَنْ يَجْعَلُ فوقَ الحرفِ المهمَلِ خَطّاً صَغِيْراً، وكَعَلاَمَةٍ مَنْ يَحْعَلُ تحتَ الحرفِ المهملِ مِثْلَ الهِمْزَةِ ، والله أعلمُ . السَّادِسُ : لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَصْطَلِحَ مَعَ نَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ بِمَا لاَ يَفْهَمُهُ غيرُهُ فَيُوقِعَ غيرَهُ في خَيْرَةٍ ، كَفعلٍ مَنْ يَحْمَعُ فِي كِتَابِهِ بينَ رواياتٍ مختَلِفَةٍ وَيَرْمِزُ إلى روايةٍ كُلِّ راوٍ بحرف واحِدٍ مِنِ اسْمِهِ أوْ حَرْفَيْنِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ ، فإِنْ بَيَّنَ في أَوْلِ كِتَابِهِ أوْ آخِرِهِ مُرادَهُ بِتِلْكَ العلاَمَاتِ والرمُوزِ فَلاَ بأسَ . ومَعَ ذلكَ فالأَوْلَى أنْ يَحْتَنبَ (٤) الرَّمْزَ وَيَكْتُبَ عِنْدَ كُلّ روايةٍ اسمَ راوِيْها بِكَمَالِهِ مُخْتَصَراً ولاَ يَقْتُصِرُ على العلَمَةِ ببعضِهِ ، والله أعلمُ . السَّابِعُ: يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ بِينَ كُلِّ حديثينِ دَارَةٌ تَفْصِلُ بينَهُما وتُمَّيِّرُ (٥) . ومِمَّنْ بَلَغَنا عنهُ ذلكَ مِنَ الأَئِمَّةِ أبو الزِّنَادِ (٦) ، وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ، وإِبْرَاهِيمُ بنُ إِسْحَاقَ الحربيُّ ، (١) جمع أثفية - بضم الهمزة وكسرها -: وَهِيَ الحجارة الَّتِي تنصب، ويجعل القدر عَلَيْهَا ، وياء الجمع مشدّدة ، وَقَدْ تخفّف، وتجمع عَلَى أثاف أيضاً. انظر: اللسان ٣/٩، ونكت الزركشي ٥٧٥/٣، والتاج ٥/٢٣. (٢) في ( م ) : (( مضطجعة)). (٣) قال العراقي في التقييد: ٢٠٧: ((اقتصر المصنف في هذه العلامة على جعل خط صغير فوق الحرف المهمل ، وترك فيه زيادة ذكرها القاضي عياض في الإلماع ( ١٥٧)، حكى عن بعض أهل المشرق أنه يُعَلِّم فوق الحرف المهمل بخط صغير يشبه النبرة ، فحذف المصنف منه ذكر النبرة ، والمصنف إنما أخذ ضبط الحروف المهملة بهذه العلامات من الإلماع للقاضي عياض ، وإذا كان كذلك فحذفه لقوله : يشبه النبرة يخرج هذه العلامة عن صفتها ، فإن النبرة هي الهمزة كما قال الجوهري - الصحاح ٢ / ٨٢٢ - وصاحب المحكم ومقتضى كلام المصنف أنها كالنصبة لا كالهمزة )) . (٤) في ( ع) و (م) والشذا والتقييد: ((يتجنب)). (٥) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٧٢ قبيل (٥٧٠ ). (٦) المحدّث الفاصل: ٦٠٦ (٨٨٢)، والجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٧٢ (٥٧١). ٢٩٧ ومحمَّدُ بنُ حَرِيرِ الطَّبَرِيُّ (١) ◌َه، واسْتَحَبَّ الخطيبُ الحافِظُ أنْ تَكُونَ الدَّارَاتُ غُفْلاً، فإِذا عارَضَ فَكُلُّ حديثٍ يَفْرُغُ مِنْ عَرْضِهِ يَبْقُطُ فِي الدَّارَةِ التي تليهِ نُقْطَةً أَوْ يَخُطُ في وَسَطِهَا خَطّاً. قالَ: (( وقدْ كانَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ لاَ يَعْتَدُّ مِنْ سَمَاعِهِ إِلاَّ بِمَا كانَ كذلكَ أوْ فِي مَعْنَاهُ)) (٢)، والله أعلمُ . الثّامِنُ: يُكْرَهُ لهُ فِي مِثْلِ عبدِ اللهِ بنِ فُلاَنِ بنِ فُلانٍ، أَنْ يَكْتُبَ ((عَبْد)) في آخِرِ سَطْرِ، والباقِي في أوْلِ السَّطْرِ الآخَرِ (٣) . وكذلكَ يُكْرَهُ في ((عبدِ الرَّحمانِ بنِ فُلاَنٍ)) وفي سائِرِ الأسْماءِ المشتَمِلَةِ على التَّعْبيدِ للهِ تَعَالَى، أنْ يَكْتُبَ ((عَبد)) في آخِرِ سَطْرٍ، واسمَ ((اللهِ)) مَعَ سَائِرِ النَّسَبِ فِي أَوْلِ السَّطْرِ الآخَرِ (٤). وهَكَذا يُكْرَهُ أنْ يَكْتُبَ ((قالَ رَسُولُ)) في آخِرِ سَطْرٍ وَيَكْتُبَ في أَوْلِ السَّطْرِ (٥) الذي يليهِ ((اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عليهِ وسَلَّمَ))، وما أشبَهَ ذلكَ (٦) ، والله أعلمُ . التَّاسِعُ: يَنْبَغِي لهُ أنْ يُحَافِظَ عَلَى كَتْبِهِ (٧) الصَّلاَةَ وَالتَّسْلِيمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عندَ ذِكْرِهِ (٨)، ولاَ يَسْأُمُ مِنْ تَكْرِيرِ ذلكَ عندَ تَكَرُّره، فإنَّ ذلكَ مِنْ أكبرِ الفَوَائِدِ التي يَتَعَجَّلُها طَلَبَةُ الحديثِ وكَتَبُّهُ، ومَنْ أَغْفَلَ ذلكَ حُرِمَ حَظّاً عَظِيماً، وقَدْ رُوَّيْنا لِأَهْلِ ذَلِكَ مَنَاماتٍ صالِحَةً (٩). وما يَكْتُبُهُ مِنْ ذلكَ فَهوَ دُعَاءٌ يُثْبُهُ لَ كَلاَمٌ يَروِهِ، فلذَلِكَ لاَ يَتَقَيَّدُ فِيهِ بالروايَةِ وَلاَ يَقْتَصِرُ فيهِ على ما في الأَصْلِ . (١) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٧٣ . (٢) المصدر السابق . (٣) انظر: الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٦٨، ونكت الزركشي ٣ / ٥٧٥، والتقييد : ٢٠٨. (٤) ينظر : الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٦٨ . (٥) (( السطر)) لم ترد في ( ب ). (٦) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٦٨ . (٧) في (ع) والشذا والتقييد: ((كتبة))، وانظر: التاج ٤ / ١٠٠. (٨) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٧٦ - ٥٧٩، والمحاسن : ٣٠٧ . (٩) انظر بعضها في : الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٧١ (٥٦٥) و (٥٦٦) و (٥٦٧)، وانظر: التعليق على شرح التبصرة ٢ / ٢١٦ . ٢٩٨ وهَكَذَا الأَمْرُ في الثُّنَاءِ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ (١) عندَ ذِكْرِ اسْمِهِ، نَحْوُ: ((عَزَّ وَجلٌ)) و ((تَبَارَكَ وَتَعَالَى))، وما ضَاهَى ذلكَ. وإذا وُجِدَ شيءٌ مِنْ ذلكَ قَدْ جَاءَتْ بِهِ الروايةُ كانتْ العِنَايَةُ بِإنْبَاتِهِ وَضَبْطِهِ أَكْثَرَ، وما وُجِدَ فِي خَطِ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ (٢) رَُه مِنْ إِغْفَالِ ذلكَ عندَ ذِكْرِ اسمِ النَّبِيِّ وَّ، فَلَعَلَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّقَيُّدَ في ذلكَ بالروايةِ، وعَزَّ عليهِ اتِّصَالُها في ذلكَ في جميعٍ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الرواةِ . قَالَ الخطيبُ أبو بَكْرٍ: ((وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ لَ نُطْقاً لا حَطّاً))(٣). قالَ: ((وقَدْ خَالَفَهُ غيرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ المَتَقَدِّمِينَ في ذلكَ)(٤). ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ بنِ المدينيِّ، وعَبَّاسِ بنِ عبدِ العظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ قَالاَ: (( ما تَرَكْنَا الصَّلاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ (٥) ﴿ فِي كُلّ حديثٍ سَمِعْنَاهُ، ورُبَّمَا عَجَلْنَا فَنَبِيِّضُ الكِتَابَ في كُلِّ حديثٍ حَتّى نَرْجِعَ إليهِ)) (٦) ، والله أعلمُ . ثُمَّ لِيَتَحَّبْ (٧) فِي إِثْبَاتِها نَقْصَيْنِ : أحَدُهما : أنْ يَكْتُبَها مَنْقُوصَةٌ صُورةً رامِزً إليها بحرْفَينِ أوْ نحوِ ذلكَ . والثّانِي: أنْ يَكْتُبَها مَنْقُوصَةٌ مَعْنَى بأنْ لاَ يَكْتُبَ ((وَسَلَّمَ )) ، وإنْ وُجِدَ ذلكَ في خَطّ بعضِ المتَقَدِّمِينَ (٨). سَمِعْتُ أبا القَاسِمِ مَنْصُورَ بنَ عَبدِ الْمُنْعِمِ (٩) ، وأُمّ المؤيّدِ بنتَ (١) قال النووي: ((وكذا التَّرَضِّي والتَّرَحُّم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار)) انظر: التقريب: ١٢٥. (٢) قال الزركشي ٣ / ٥٧٩: (( ويدل على ذلك أنه كان لا يرى تبديل لفظ النبي بالرسول في الرواية، وإن لم يختلف المعنى)). (٣) قال البلقيني في المحاسن : ٣٠٨: (( لا يقال: لعل سببه أن كان يكتب عجلاً لأمر اعتاده، فيترك ذلك للعجلة لا للتقيّد بالرواية وشبهها ؛ لأنا نقول: ترك مثل هذا الثواب بسبب الاستعجال، لا ينبغي أن ينسب للعلماء الجبال )) . (٤) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ٢٧١ . (٥) في (أ): ((النبي)). (٦) الجامع ( ٥٦٨ ). (٧) في (أ): ((ليجتنب))، وفي (جـ ): ((يتجنب)) . (٨) المقصود به : الخطيب البغدادي. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٢١٦. (٩) ترجمته في السِّير ٢١ / ٤٩٤ . ٢٩٩ أبي القاسِمِ بقراءَتِي عليهِما قالاً: سَمِعْنا أبا البَرَكَات عبدَ الله بنَ محمَّدٍ الفُرَاوِيَّ (١) لَفْظاً، قالَ : سَمِعْتُ المغْرِئَ ظَرِيفَ بِنَ محمَّدٍ (٢) ، يقولُ: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ محمَّدٍ بِنِ إسحَاقَ الحافِظِ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ الكِتَانِيَّ (٣) ، يَقُولُ: كُنْتُ أَكْتُبُ الحديثَ وكُنْتُ أكْتُبُ عندَ ذِكْرِ النبيِّ ((صَلَّى اللهُ عليهِ))، ولاَ أكتبُ ((وسَلَّمَ))، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ - في المنامِ فقالَ لي: ما لَكَ لاَ تُثُمُّ الصَّلاةَ عليَّ ؟ قَالَ: فما كتبتُ بعدَ ذلكَ ((صَلَّى اللهُ عليهِ)) إلاَّ كَتَبْتُ ((وَسَلَّمَ)) (٤). قُلْتُ (٥) : ويُكْرَهُ أَيْضاً الاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ: ((عليهِ السَّلامُ))، والله أعلمُ بالصوابِ. العَاشِرُ: على الطَّالِبِ مُقَابَلَهُ (٦) كِتَابِهِ بأَصْلِ سَمَاعِهِ (٧) وكِتَابُ شَيْخِهِ الذي يرويهِ عنهُ - وإنْ كانَ إِجَازَةً -. رُوِّيْنَا عَنْ عُرْوَةً بنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ لابْنِهِ (١) ترجمته في السّير ٢٠ / ٢٢٧. (٢) ترجمته في السير ١٩ / ٣٧٥. (٣) هو الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي بن العباس الكناني المصري ، توفي سنة ( ٣٥٧ هـ ). انظر : تاريخ دمشق ١٥ / ٢٣٩، والسّير ١٦ / ١٧٩. (٤) انظر: تعليقنا على شرح التبصرة ٢ / ٢١٦. (٥) قبل هذا في جميع النسخ و (ع) والتقييد والشذا جاءت التعليقة الآتية: ((وقع في الأصل، في شيخ المقرئ ظريف ((عبد الله))، وإنما هو: ((عبيد الله)) بالتصغير، ومحمد بن إسحاق أبوه، هو أبو عبد الله ابن منده ، فقوله : الحافظ إذن مجرور )). قلنا : ولا يشك باحث ناقد فطن أن هذه التعليقة ليست من ابن الصلاح ، بل هي من أحد النساخ لنسخ ابن الصلاح، ولعله كان من المبكرين، ثم درجت من بعد هذه الزيادة في علوم الحديث لابن الصلاح . وقد أحسنت بنت الشاطئ إذ جعلتها في الحاشية، وأشارت إلى أنها في حاشية نسخة من نسخها المعتمدة، وصاحب هذه الحاشية مخطئ في استدراكه على ابن الصلاح واستدراكه مبني على خطأ، وهو أن المترجمين لابن منده لم يشيروا إلى أن له ولداً اسمه عبد الله بل ذكروا من أولاده عُبيد الله، ولعل المترجمين قصّروا في ذلك أو اكتفوا بما لابن منده من كنية ، وهي أبو عبد الله . وانظر في ترجمة ابن منده : تاريخ الإسلام : ٣٢٠ وفيات سنة (٣٩٥)، والسِّير ١٧ / ٢٨، وتذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٣١، وطبقات الحفاظ: ٤٠٨، وانظر: السِّير أيضاً ١٦ / ١٨٠. (٦) قال الزركشي ٥٨٢/٣: ((ويقال: قابل بالكتاب قبالاً ومقابلة، أي: جعله قبالته، وجعل فيه كلماً في الآخر، ومنه: منازل القوم تتقابل، أي: يقابل بعضها بعضاً، وهو بمعنى المعارضة ، يقال : عارضت بالكتاب الكتلب، أي: جعلت ما في آخرها مثل ما في الآخر ، مأخوذ من عارضته بالثوب إذا أعطيته وأخذت غيره )). (٧) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٨٠ . ٣٠٠