النص المفهرس

صفحات 261-280

قُرِئَ عليهِ وهوَ يَنْسَخُ شَيْئاً آخَرَ غَيْرَ مَا يُقْرَأُ (١) . ولاَ فَرْقَ بَيْنَ النَّسْخِ مِنَ السَّامِعِ والنَّسْخِ
مِنَ المسْمِعِ .
قُلْتُ: وخَيْرٌ مِنْ هذا الإِطْلاَقِ: التفصِيْلُ، فَتَقُولُ: لاَ يَصِحُّ السَّمَاعُ إذا كَانَ
النَّسْخُ بَحَيْثُ يَمْتِعُ مَعَهُ فَهْمُ النَّاسِخِ لِمَا يُفْرَأُ، حَتَّى يَكُونَ الواصِلُ إلى سْعِهِ كَأَنَّهُ صَوْتٌ
غُفْلٌ، وَيَصِحُّ إذا كَانَ بحيثُ لاَ يَمْتَنِعُ معَهُ الفَهْمُ، كَمِثْلِ مَا رُوِّيْنا(٢) عَنِ الْحَافِظِ العَالِمِ أبي
الحسَنِ الدَّار قطِيِّ أَنَّهُ حَضَرَ فِي حَدَانَتِهِ مَجْلِسَ إِسْمَاعِيْلَ الصَّفَّارِ فَجَلَسَ يَنْسَخُ جُزْءاً كَانَ
مَعَهُ وإِسْمَاعِيْلُ يُمْلِي ، فَقَالَ لهُ بعضُ الحاضِرِيْنَ: ((لاَ يَصِحُّ سَمَاعُكَ وَأَنْتَ تَنْسَخُ!))،
فقالَ : ((فَهْمِي للإِمْلاَءِ خِلاَفُ فَهْمِكَ، ثُمَّ قَالَ: تَحْفَظُ كَمْ أَمْلَى الشَّيْخُ مِنْ حديثٍ إلى
الآنَ ؟))، فقالَ: لاَ، فقالَ الدَّارقطِيُّ: (( أَمْلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حديثاً))، فَعُدَّت
الأحاديثُ فَوُجِدَتْ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ أبو الحسَنِ : (( الحديثُ الأَوَّلُ مِنْها عَنْ فُلاَن ،
عَنْ فُلاَن ، ومَنْتُهُ كذا ، والحديثُ الثاني عَنْ فُلاَنٍ، عَنْ فُلاَنٍ ، ومَنْثُهُ كذا )) ، ولَمْ يَزَلْ
يَذْكُرُ أَسَانِيْدَ الأحاديثِ ومُتُونَها عَلَى تَرْتِبِها في الإِمْلاَءِ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهَا، فَتَعَجَّبَ
النَّاسُ منهُ والله أعلمُ .
السَّادِسُ: مَا ذَكَرْناهُ فِي النَّسْخِ مِنَ النَّفْصِيلِ يَجْرِي مِثْلُهُ فيما إذا كان الشَّيْخُ أو
السَّمِعُ يَتَحَدَّثُ، أَوْ كَانَ القَارِئُ حَفِيْفَ الفِرَاءَةِ يُفْرِطُ (٣) في الإِسْرَاعِ، أَوْ كَانَ يُهَيْنِمُ (٤)
بحيثُ يَخْفَى بعضُ الكَلِمِ (٥) ، أوْ كَانَ السَّامِعُ بَعِيْداً عَنِ القَارِئِ، ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ .
ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْفَى فِي كُلِّ ذَلِكَ عَنِ القَدْرِ اليَسِيْرِ، نحوِ الكَلِمَةِ والكَلِمَتَيْنِ. ويُسْتَحَبُّ
لشَّيْخِ أنْ يُحِيْزَ لِحَمِيْعِ السَّامِعِينَ (٦) روايَةَ جَمِيْعِ الجزْءِ أو الكِتابِ الذي سَمِعُوهُ وإِنْ
(١) الكفاية : (١٢١ ت ، ٦٧ هـ ) .
(٢) هذه الرواية في تاريخ بغداد ١٢ / ٣٤ - ٣٦، وسير أعلام النبلاء ١٦ / ٤٥٣.
(٣) يقال: أفرط في الأمر، أي: جاوز فيه الحدّ، وفرط: قصَّر. انظر: الصحاح ٣/ ١١٤٨.
(٤) يقال: هَيْتَمَ فلانٌ: تَكلِّمَ وأُخْفَى كَلاَمَه، والَيْنَمةُ: الصوتُ الخفي أو الكلام الخفي . انظر: لسان
العرب ١٢ / ٦٢٤، والمعجم الوسيط ٢ / ٩٩٧.
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٩٦ - ٤٩٧ .
(٦) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٩٧ - ٤٩٩.
٢٦١

جَرَى عَلَى كُلٌِّ اسمُ السَّماعِ. وإذَا بَذَلَ لأَحَدٍ مِنْهُمْ خَطَّهُ بِذلِكَ كَتَبَ لهُ (١) («سَمِعَ مِنِّي
هذا الكِتَابَ وأجَزْتُ لهُ روايَتَهُ عَنِّي)) أو نحوَ هذا كَمَا كَانَ بعضُ الشُّيُوخِ يَفْعَلُ . وفيما
نَرْوِيهِ عَنِ الفقيهِ أبي محمَّدِ بنِ أبي عبدِ اللهِ بنِ عَتَّابِ الفقِيْهِ الأندلسيِّ، عَنْ أبيهِ
-رَحِمَهُما الله - أنَّهُ قَالَ: (( لَاَ غِنى في السَّمَاعِ عَنِ الإِجَازَةِ؛ لأَنَّهُ قَدْ يَغْلَطُ القَارِئُ ويَعْفُلُ
الشَّيْخُ، أو يَعْلَطُ الشَّيْخُ إِنْ كَانَ القارئَ، ويَغْفُلُ السَّامِعُ، فَيَنْجَبِرُ لهُ ما فاتَّهُ بالإِجَازِةِ))(٢).
هَذَا الذي ذَكَرْناهُ تحقيقٌ حَسَنٌ، وَقَدْ رُوِّيْنَا عَنْ صَالِحِ بنِ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ قالَ :
قُلْتُ لأبي: (( الشَّيْخُ يُدْغِمُ الحرفَ يُعْرَفُ أَنَّهُ كذا وكذا ، ولاَ يُفْهَمُ عنهُ، تَرَى أنْ
يُرْوَى ذَلِكَ عنهُ؟ قالَ: أَرْجُو أَلاَّ يُضَيَّقَ هَذَا)) (٣). وبَلَغَنَا عَنْ خَلَفِ بنِ سَالٍ
الْمُخَرَّمِيِّ(٤)، قالَ: سَمِعْتُ ابنَ عُبَينَةَ يَقُولُ: نا عَمْرُو بنُ دِيْنارِ، يُرِيْدُ: حدَّثَّنَا عَمْرُو بنُ
دِيْنَارِ، لَكِنِ اقْتَصَرَ مِنْ ((حَدَّثَّنَا)) على النونِ والألفِ، فإذا قِيْلَ لهُ قُلْ: حدَّثَنا عَمْرٌو، قالَ:
لاَ أَقُولُ؛ لأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ مِنْ قَولِهِ: حَدَّثَنَا ثَلاَثَةَ أحرفٍ، وهيَ حَدَثَ ؛ لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ (٥).
قُلْتُ : قَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَكَابِرِ المحدِِّينَ يَعْظُمُ الجمْعُ في مجالَسِهِمْ جِدّاً حَتَّى رُبَّمَا بَلَغَ
أُوفاً مُؤَلِّفَةٌ ، وَيُبَلِغَهُمْ عَنْهُمُ المسْتَمْلُونَ ، فَكْتُبُونَ عَنْهُمْ بِوَاسِطَةٍ تَبْلِيْغِ المِسْتَمْلِينَ ، فأجازَ
غيرُ واحِدٍ لَهُمْ روايةَ ذلكَ عَنِ الممْلِي .
رُوّيْنَا عَنِ الأعْمِشِ لَّه قالَ: ((كُنَّا نَجْلِسُ إلى إبرَاهِيمَ فَتَتَّسعُ الحلقَةُ فَرُبَّمَا يُحَدِّثُ
بالحدِيْثِ فَلاَ يَسْمَعُهُ مَنْ تَنَحَّى عنهُ، فَيَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً عَمَّا قَالَ ، ثُمَّ يَرْوونَهُ، ومَا
سَمِعُوهُ مِنْهُ)) (٦) . وعَنْ حَمَّادِ بنِ زَيدٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فِي مِثْلٍ ذَلِكَ فَقَالَ: ((يا أبا
(١) في (م): ((كتب له أنه سمع ... )) .
(٢) أسنده القاضي عياض في الإلماع : ٩٢ .
(٣) الكفاية : (١٢٤ ت، ٦٨ - ٦٩ هـ ) .
(٤) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء . التقريب (١٧٣٢)، والخلاصة : ١٠٦ .
(٥) الكفاية : ( ١٢٥ ت، ٦٩ هـ )، وانظر: محاسن الاصطلاح: ٢٥٩ .
(٦) الكفاية : ( ١٢٩ ت، ٧٢ هـ ) .
٢٦٢

إِسْمَاعِيْلَ كَيْفَ قُلْتَ؟ فقالَ: اسْتَفْهِمْ مَنْ يَلِيْكَ)) (١) . وعَنِ ابنِ عُبَينَةَ أنّ أبا مُسْلِمٍ
المسْتَمْلِي قالَ لهُ: ((إنّ النَّاسَ كَثِيْرٌ لاَ يَسْمَعُونَ))، قالَ: ((تَسْمَعُ (٢) أنتَ؟))، قالَ:
(( نَعَمْ )) ، قالَ : ((فَأَسْمِعْهُمْ)) (٣) .
وأَبَى آخَرُونَ ذَلِكَ. رُوِّيْنَا عَنْ خَلَفِ بنِ تَميمٍ ، قالَ: سَمِعْتُ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ
عَشْرَةَ آلاَفِ حديثٍ أوْ نَحْوَها ، فَكِنْتُ أسْتَفْهِمُ جَلِيْسِي، فَقُلْتُ لِزَائِدَةَ؟ فَقَالَ لي: ((لاَ
تُحَدِّثْ مِنْهَا إِلاَّ بما تَحْفَظُ بِقَلْبِكَ وسَمْعٍ أُذُنِكَ))، قالَ: ((فَأَلْقَيْتُها))(٤). وعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ أَنَّهُ
كَانَ يَرَى - فيما سَقَطَ عنهُ مِنَ الحرفِ الواحدِ والاسمِ مِمَّ سَمِعَهُ مِنْ سُفْيَانَ والأَعْمَشِ،
واسْتَفْهَمَهُ مِنْ أصْحَابِهِ - أنْ يَرْوِيَهُ عَنْ أصْحَابِهِ لاَ يَرَى غَيْرَ ذَلِكَ واسِعاً لَهُ (٥).
قُلْتُ: الأوَّلُ تَساهُلٌ بَعِيْدٌ ، وَقَدْ رُوّيْنا عَنْ أبي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْده الحافِظِ الأصبهاني
أَنَّهُ قالَ لواحِدٍ مِنْ أصحابِهِ: «يا فُلانُ، يَكْفِيكَ مِنَ السَّمَاعِ شَمُّهُ))، وهذا إمَّا مُتَأَوَّلٌ أو
مَتْرُوكٌ عَلَى قَائِلِهِ . ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْ عَبدِ الغَنِيِّ بِنِ سَعيدٍ (٦) الحافِظِ ، عَنْ حَمزَةً بنٍ محمَّدٍ
الحافِظِ بإسْنادِهِ، عَنْ عبدِ الرَّحمانِ بنِ مَهدِيٌّ ، أَنَّهُ قَالَ: ((يَكْفِيْكَ منَ الحديثِ شَمُّهُ))(٧).
قالَ عبدُ الغِّ: قالَ لنا حَمْزَةُ : (( يعني: إذا سُئِلَ عَنْ أَوْلِ شَيءٍ عَرَفَهُ ، وليسَ يَعْنِي
التَّسَهُّلَ فِي السَّماءِ)) (٨) ، والله أعلمُ .
(١) الكفاية : (١٢٧ ت، ٧١ هـ ).
(٢) ما أثبتناه من جميع النسخ و (م)، وفي (ع): ((أتسمع)) .
(٣) الكفاية : (١٢٧ - ١٢٨ ت، ٧٢ هـ ).
(٤) المحدّث الفاصل: ٣٨٥، والكفاية: (١٢٦ ت، ٧٠ هـ ).
(٥) الكفاية : (١٢٩ ت، ٧٣ هـ ) .
(٦) في (جـ): ((سعد )) خطأ.
(٧) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ١٢٥، والنكت الوفية ٢٥٣ / أ.
(٨) انظر : شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ١٢٥.
٢٦٣
. ۔

السَّابِعُ: يَصِحُّ السَّمَاعُ مِمَّنْ هُوَ وراءَ حِجَابٍ (١)، إذا عُرِفَ صَوْتُهُ فيما إذا حَدَّثَ
بلفْظِهِ، أو إذا عُرِفَ حُضُورُهُ بِمَسْمَعٍ مِنْهُ فيما إذا قُرِئَ عليهِ . ويَتْبَغِي أَنْ يَجوزَ الاعْتِمادُ في
مَعْرِفَةٍ صَوْتِهِ وحصُورِهِ عَلَى خَبَرٍ مَنْ يُوثَّقُ بهِ. وقَد(٢) كانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ عَائِشَةَ وَغَيرِها مِنْ
أَزْوَاجِ رَسُولِ اللهِ(٢) ◌َّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَيَرْوونَهُ عَنْهُنَّ اعْتِمَاداً عَلَى الصَّوْتِ. وَاحْتَجَّ
عبدُ الغَنْيِّ بنُ سَعِيدٍ الحافِظُ في ذلكَ بقولِهِ ﴿: ((إِنَّ بِلاَلاً يُنَادي بِلَيْلِ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى
يُناديَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ))(٤)، ورَوَى بإسْنَادِهِ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: إذا حَدَّثَكَ المحدِّثُ فَلَمْ تَرَ وَجْهَهُ
فَلاَ تَرْوِ عِنْهُ، فَلَعَلَّهُ شَيْطَانٌ قَدْ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، يَقُولُ: ((حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا))(٥). والله أعلمُ.
الثّامِنُ: مَنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِ حديثاً ثُمَّ قالَ لهُ : لاَ تَرْوِهِ(٦) عَنِّي، أو : لاَ آذَنُ لَكَ فِي
روايتِهِ عَنِّي، أو قالَ: لسْتُ أُخْبِرُكَ (١) بِهِ، أو رَجَعْتُ عَنْ إِخْبَارِي إِيَّاكَ بِهِ ، فَلاَ تَرْوِهِ
(١) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٩٩.
(٢) سقطت من (ع)، وهي ثابتة في جميع النسخ و (م ).
(٣) في (أ): ((النبي)).
(٤) أخرجه البخاري ١٦٠/١ و١٦١ و٣٧/٣ و٢٢٥ و١٠٧/٩، ومسلم ٣/٢ و١٢٩/٣.
وأخرجه مالك (١٩٤)، والشافعي ٢٧٥/٢، والطيالسي (١٨١٩)، وعبد الرزاق (١٨٨٥)، والحميدي
(٦١١)، وابن أبي شيبة ٩/٣، وأحمد ٩/٢ و١٢٣، وعبد بن حميد (٧٣٤)، والدارمي (١١٩٢)،
والترمذي (٢٠٣)، والنسائي ١٠/٢، وأبو يعلى (٥٤٣٢)، وابن خزيمة (٤٠١)، والطحاوي في شرح المعاني
١٣٧/١، وابن حبان (٣٤٦٩)، والطبراني في الكبير (١٣١٠٦) والبيهقي ٣٨٠/١، والبغوي (٤٣٤).
(٥) أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٥٩٩، وابن عدي في مقدمة الكامل ١ / ١١٧ . قال ابن كثير
في "اختصار علوم الحديث": ١١٨: ((هذا عجيب وغريب جداً)). وقال الزركشي في نكته ٣ / ٤٩٩:
((إن فيه نظراً؛ لأن الشيطان إذا جاز أن يتصور بصورة الإنسان فسواء وَرَاءِ حجاب أو مُشَافَهَةٍ)).
(٦) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٠٠ : ((هذا ذكره الأئمة، منهم: ابن خلاّد في كتاب الفاصل وقال
القاضي عياض رحمه الله تعالى : لا يقتضي النظر سواه ؛ لأن منعه ألاّ يحدِّث بما حدّته به لا لعلة ولا لريبة
في الحديث لا تؤثر ؛ لأنه قد حدّثه فهو شيء لا يرجع فيه - قال -: ولا أعلم من قال بخلاف هذا ، إلاّ
أن صاحب طبقات علماء إفريقية روى عن شيخ من جلة شيوخها ، أنه أشهد بالرجوع عمَّا حدّثه
لبعض أصحابه لأمر نقمه عليه ، وكذلك فعل الفقيه المحدّث أبو بكر بن عطية؛ فإنه أشهد بالرجوع عمَّا
حدّث به بعض أصحابه لهوى ظهره له منه. ولعل هذا صدر منهم تأديباً لا لأنهم اعتقدوا صحة تأثيره ،
وقياس من قاس الإذن في الحديث وعدمه على الإذن في الشهادة وعدمها غير صحيح ؛ لأن الشهادة على
الشهادة لا تصح إلا مع الإشهاد ، والإذن في الحديث لا يحتاج معه إلى ذلك باتفاق)).
٢٦٤

عَنِّي غَيْرَ مُسْنِدٍ ذَلِكَ إلى أنَّهُ أخطأَ فيهِ ، أوْ شَكَّ فيهِ ونحوِ ذَلِكَ ، بلْ منَعَهُ مِنْ رِوَايِتِهِ عنهُ
مَعَ جَزْمِهِ بأَنَّهُ حديثُهُ وروايتُهُ(٢)، فذلِكَ غيرُ مُبْطلٍ لِسَماعِهِ، ولاَ مانِعٌ لَهُ مِنْ روايتِهِ عنهُ (٣).
وسَأَلَ الحافِظُ أبو سَعْدٍ بِنُ عَلَّكٍ (٤) النَّيْسَأُبُورِيُّ الأَسْتَاذَ أبا إسْحَاقَ الإِسْفِرابِيَّ
- رَحِمَهُمَا اللهُ - عَنْ مُحَدِّثِ خَصَّ بِالسَّمَاعِ قوماً، فَجَاءَ غيرُهُمْ وَسَمِعَ منهُ مِنْ غَيْرِ
عِلْمِ المحدّثِ بهِ ، هلْ يَجُوزُ لهُ روايةُ ذلكَ عنهُ؟ فأجابَ بأَنَّهُ يَجُوزُ ، ولوْ قالَ المحدِّثُ:
إِّي أُخِْرُكُمْ ولاَ أُخْبِرُ فُلاَنَاً ، لَمْ يَضُرَّهُ ، والله أعلمُ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الحَدِيْثِ وَتَحَمُّلِهِ : الإِجَازَةُ (٥)
وهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ أنواعاً :
أوّلُها: أنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنِ فِي مُعَيَّنِ، مِثْلُ أنْ يَقُولَ : أَجَرْتُ لَكَ الكِتَابَ الفُلاَنِيَّ ، أو
ما اشْتَمَلَتْ عليهِ فِهْرِسِي هذهِ ، فَهَذا أعلَى أنواعِ الإِجَازِةِ المَجَرَّدَةِ عَنِ المَنَاوَلَةِ. وزَعَمَ
بَعْضُهُمْ (٦) أَنَّهُ لاَ خِلاَفَ فِي حَوَازِهَا وَلَاَ خَالَفَ فيها أهلُ الظَّاهِرِ ، وإِنَّمَا خِلاَفُهُمْ في غيرِ
هذا النوعِ . وزادَ القاضي أبو الوليدِ الباجِيُّ المالِكِيُّ فأطْلَقَ (٧) نَفْيَ الخِلاَفِ وقالَ: ((لاَ
(١) في (أ): ((أجيزك)).
(٢) عبارة: ((وروايته)) سقطت من ( م ).
(٣) ينظر: المحدّث الفاصل: ٤٥١-٤٥٢، والكفاية: (٤٩٨-٤٩٩ ،٣٤٨-٣٤٩ هـ) والإلماع: ١١٠.
(٤) هو الحافظ : أبو سعد ، عبد الرحمان بن الحسين بن عليك النيسابوري، توفي سنة (٤٣١ هـ). سير أعلام
النبلاء ١٧ / ٥٠٩ ، وقد حصل خلاف في ضبط لفظة (عليك) انظره في الإكمال ٦ / ٢٦٢، وتبصير
المنتبه ٣ / ٩٦٦، ونزهة الألباب ٢ / ٣٥، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: ١٨٢ حاشية
المحقق ، وما أثبتناه هو أحد تلك الوجوه .
(٥) انظر عن اشتقاق لفظ الإجازة، ومعانيها اللغوية: مقاييس اللغة ١ / ٤٩٤، ونكت الزركشي ٥٠٢/٣،
وشرح التبصرة ٢ / ١٥٨، والنكت الوفية: ٢٦٠ / ب، وتاج العروس ١٥ / ٧٥، وحاشية توضيح
الأفكار ٣٠٩/٢.
(٦) هو القاضي عياض حكى ذلك في الإلماع : ٨٨ .
(٧) راجع : نكت الزركشي ٣ / ٥٠٢ - ٥٠٦ .
٢٦٥

خِلاَفَ في جَوازِ الروايةِ بالإِجازَةَ مِنْ سَلَفِ هذه الأُمَّةِ وَخَلَفِها»، وادْعَى الإجماعَ مِنْ
غَيْرِ تَفْصِيْلٍ، وحَكَى الْخِلاَفَ فِي العَمَلِ بها (١).
قُلْتُ: هذا باطِلٌ ، فَقَدْ خَالَفَ في جَوَازِ الروايَةِ بالإِجَازَةِ جَماعاتٌ مِنْ أهْلِ
الحديثِ والفُقَهاءِ والأُصُوليينَ، وذلكَ إحْدَى الروايتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ ◌َّهِ (٢)، رُويَ عَنْ
صاحِبِهِ الرَّبِيعِ بنِ سُلَيْمانَ، قَالَ: ((كانَ الشَّافِعِيُّ لاَ يَرَى الإِجَازَةَ في الحديثِ. قالَ
الربيعُ : أَنَا أُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ(٣) في هذا)). وقدْ قَالَ بِإِبْطَالِها حَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِينَ ، منهُم:
القَاضِيانِ حُسَيْنُ (٤) بِنُ محمَّدٍ الْمَرْوَرُوذِيُّ (٥)، وأبو الحسَنِ الماوَرْدِيُّ (٦) - وبهِ قَطَعَ
الماوَرْدِيُّ في كتابِهِ "الْحَاوِي" (٧) وعَزَاهُ إلى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - وَقَالاَ جَمِيْعاً: ((لَوْ جَازَتِ
الإِجَازَةُ لَبَطَلَتِ الرِّحْلَةُ)). ورُويَ أيضاً هذا الكَلامُ عَنْ شُعْبَةً (٨) وغيرِهِ .
ومِمَّنْ أَبْطَلَها مِنْ أَهْلِ الحديثِ الإِمامُ إِبْرَاهِيمُ بِنُ إِسْحَاقَ الحرِبِيُّ (٩)، وأبو محمَّدٍ
عبدُ اللهِ بنُ محمَّدٍ الأَصْبَهائِيُّ الملقَّبُ بـ: (أبي الشَّيْخِ ) (١٠) ، والحافِظُ أبو نَصْرِ الوائِلِيُّ
السِّجْزِيُّ. وحَكَى أبو نَصْرِ فَسَادَها عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيَّهُ . قَالَ أبو نَصْرٍ: وسَمِعْتُ جَماعَةً
(١) الإلماع : ٨٩.
(٢) انظر: الكفاية: (٤٥٥ ت، ٣١٧ هـ)، والبحر المحيط ٤ / ٣٩٧.
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح : ٢٦٢ .
(٤) في ( م ) : ((حسن)) خطأ .
(٥) نسبة إلى مَرْوَرَّوذ - بفتح الميم وسكون الراء المهملة ، وفتح الواو وتشديد الراء المهملة المضمومة ، وبعد
الواو ذال معجمة - ، وهى من أشهر مدن خراسان . انظر: وفيات الأعيان ٦٩/١، والأنساب ١٤٥/٥.
(٦) بفتح الميم وسكون الألف وفتح الواو وسكون الراء ، وفي آخرها دال مهملة ، وهذه النسبة إلى بيع ماء
الورد وعمله. انظر : الأنساب ٥ / ٦١، واللباب ٣ / ١٦٥.
(٧) انظر: الحاوي ١٤٦/٢٠، وأدب القاضي، له ٣٨٧/١ - ٣٨٩، وروضة الطالبين ١٥٧/١١.
(٨) مذهب شعبة في المنع حكاه الخطيب في الكفاية: (٤٥٤ ت، ٣١٦ هـ).
(٩) الكفاية : ( ٤٥٣ ت، ٣١٥ - ٣١٦ هـ ) .
(١٠) الكفاية: (٤٥٤ - ٤٥٥ ت ، ٣١٦ هـ ) .
٢٦٦

مِنْ أهلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: قَولُ المحدِّثِ: ((قَدْ أجَرْتُ لَكَ أنْ تَرْوِيَ عَنِّي)) ، تَقْدِيْرُهُ: قَدْ
أَجَزْتُ لَكَ مَا لاَ يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لاَ يُبِحُ روايةَ مَا لَمْ يَسْمَعْ(١).
قُلْتُ: ويُشْبهُ هذا ما حَكَاهُ أبو بَكْرٍ محمَّدُ بنُ ثَابِتٍ الْخُحَنْدِيُّ (٢) - أحَدُ مَنْ
أَبْطَلَ الإِجازَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ - عَنْ أَبِي طَاهِرِ الدَّبَّاسِ (٣) - أحَدِ أئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ - قالَ: مَنْ
قَالَ لِغَيْرِهِ: ((أجَرْتُ لَكَ أنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ؛ فكأنَّهُ يَقُولُ: ((أجَرْتُ لَكَ أنْ
تَكْذِبَ عَليّ)) (٤) .
ثُمَّ إِنَّ الذي اسْتَقَرَّ عليهِ العَمَلُ، وَقَالَ بِهِ جَمَاهِيْرُ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أهْلِ الحديثِ
وغَيْرِهِمْ : القَوْلُ بتَجْوِيزِ الإِجَازَةِ وإباحَةِ الروايَةِ بها (٥) ، وفي الاحْتِجَاجِ لِذَلِكَ غُمُوضٌ .
ويَّجهُ أنْ تَقُولَ: إذا أجازَ لهُ أنْ يَرْوِيَ عنهُ مَرْوِيَّاتِهِ فَقَدْ (٦) أَخْبَرَهُ بها حُمْلَةٌ، فَهِوَ كَمَا لوْ
أخْبَرَهُ تَفْصِيْلاً، وَإِخْبَارُهُ بِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّصْرِيْحِ نُطْقَاً كَمَا فِي القِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ
(١) قال الزركشي ٣ / ٥٠٦: ((وهذه مصادفة على المطلوب؛ لأن الذي يبيح الإجازة والرواية بالإجازة
يمنع هذه المقدمة ، وهذا عين النِّزاع الذي جعله السجزي دليلاً على منع الرواية بالإجازة ، وهذا القول
خارج من دأب العلماء )) .
(٢) بضم الخاء المعجمة وفتح الجيم وسكون النون. انظر: الأنساب ٢ / ٣٧٧ .
(٣) من قوله: ((أحد من )) إلى هنا سقط كله من (م ).
(٤) نقله الزركشي في البحر المحيط ٤ / ٣٩٦ وقال في النكت ٣ / ٥٠٧ : ((وهذا القول فيه نظر؛ لأن
للإجازة والرواية شروطاً من تصحيح الخبر من المجيز بحيث يوجد في أصل صحيح سماعه عليه الموجز سماعاً
منه من الشيوخ مع رعاية جميع شروط الرواية ، وليس المراد بالإجازة الرواية عنه مطلقاً سوى عرف رواية
الخبر عن المجيز به لا بل لا تجوز الرواية عن المجيز إلا بعد محض سماعه أو إما يوصى له بهذا الجزء وحفظه ،
فلا تكون الرواية عنه إذناً في الكذب عليه )) .
(٥) قال الإمام النووي في الإرشاد ١ / ٢٧١: ((والمذهب الصحيح الذي استقرَّ عليه العمل، وقال به جماهير
العلماء من المحدثين وغيرهم ، جواز الرواية بها))، وذكر الخطيب أسماء كثير من العلماء الذين حكى عنهم
الجواز في كفايته : ( ٤٤٩ - ٤٥٠ ت، ٣١٣ - ٣١٤ هـ ) .
ونقل الزركشي في نكته ٥٠٧/٣ عن ابن منده في جزء الإجازة عن الزهري وابن جريج ومالك بن أنس
والأوزاعي وأحمد بن حنبل ، ثم نقل عن ابن منده قوله: (( فهؤلاء أهل الآثار الذين اعتمد عليهم في
الصحيح رأوا الإجازة صحيحة واعتدّوا بها ودوّنوها في كتبهم)).
(٦) في (م): ((وقد )).
٢٦٧

- كَمَا سَبَقَ - ، وإنَّما الغَرَضُ حُصُولُ الإِفْهَامِ والفَهْمِ وَذَلِكَ يَحْصِلُ بالإِجازَةِ الْمُفْهِمَةِ،
والله أعلمُ .
ثُمَّ إِنَّهُ كَمَا تَجُوزُ الروايَةُ بِالإِجَازَةِ ، يَجِبُ العَمَلُ بِالْمَرْوِيِّ بها ، خِلاَفاً لِمَنْ قَالَ
مِنْ أهْلِ الظَّاهِرِ ومَنْ تَابَعَهُمْ: إِنَّهُ لاَ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ ، وَإِنَّهُ جَارِ مَجْرَى المَرْسَلِ. وهذا
باطِلٌ؛ لأَنّهُ لَيْسَ في الإِجازَةِ مَا يَقْدَحُ فِي اَيِّصَالِ المنْقُولِ بِهَا وَفِيَ الثّغَةِ بِهِ ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ الثّاني مِنْ أنواعِ الإِجازَةِ: أنْ يُحِيْزَ لِمُعَّنٍ فِي غَيرٍ مُعَيَّنٍ ، مِثلُ أنْ يَقُولَ :
((أجَزْتُ لَكَ، أو لَكُمْ جَمِيْعَ مَسْمُوعَاتِي، أو جَمِيْعَ مَرْوِيَّاتِي))، وما أشْبَهَ ذَلِكَ،
فالخِلاَفُ في هذا النوعِ أَقْوَى وأكثرُ . والجمهُورُ مِنَ العُلَماءِ مِنَ المحدَّثِينَ والفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ
عَلَى تَجْوِيْزِ الروايَةِ بها أيضاً ، وعَلَى إيجابِ العَمَلِ بما رُوِيَ بها بِشَرْطِهِ (١) ، والله أعلمُ .
النَّوعُ الثَّالِثُ مِنْ أنواعِ الإِجَازَةِ: أنْ يُحِيْزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ العُمُومِ ، مِثْلُ أنْ
يَقُولَ: ((أجَزْتُ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوْ أَحَرْتُ لِكُلِّ أَحَدٍ (٢)، أوْ أَحَرْتُ لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي))،
ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ ، فَهذا نَوعٌ تَكُلِّمَ فيهِ المتأخِّرُونَ مِمَّنْ جَوَّزَ أَصْلَ الإِجَازَةِ وَاخْتَلَفُوا في
جَوَازِهِ: فإِنْ كَانَ ذَلكَ مُقَّداً بوَصْفٍ حاصِرِ (٣) أوْ (٤) نحوِهِ فَهوَ إلى الجوَازِ أَقْرَبُ .
ومِمَّنْ جَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أبو بَكْرِ الخَطِيْبُ الحافِظُ (٥) . ورُوَّيْنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَه
الحَافِظِ أنَّهُ قالَ: ((أَجَزَتُ لِمَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إلاّ اللّهُ)). وجَوَّزَ القَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطِّبَرِيُّ
- أحَدُ الفُقَهَاءِ المَحَقّقِيْنَ - فيما حَكَاهُ عنهُ الخطيبُ - الإِجازَةَ لِجَميعِ المسلمينَ مَنْ كَانَ
منهُمْ مَوْجُوداً عِندَ الإِجَازَةِ (٦). وأجَازَ أبو محمَّدٍ بِنُ سَعِيْدٍ - أحَدُ الجِلَّةِ (٧) مِنْ شُهُوخِ
(١) البحر المحيط ٤ / ٣٩٩ - ٤٠٠.
(٢) في الشذا: ((واحد))، وقد سقطت عبارة: ((أجزت للمسلمين)) منه.
(٣) في ( ب): ((حاصل))، وفي (جـ): ((خاص حاضر)).
(٤) في (ع): ((ونحوه)).
(٥) في (م): (( الخطيب الحافظ أبو بكر)).
(٦) ينظر : الإجازة للمعدوم والمجهول : ٨٠، والإلماع : ٩٨.
(٧) يقال: قومٌ جلّةٌ، أي: سادة عظماء ذوو أخطار، ومشيخةٌ جلّةٌ، أي: مسان، انظر: اللسان
١١٧/١١، ومتن اللغة ١ / ٥٥٨.
٢٦٨

الأندلسِ - لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ قُرْطُبَةَ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ (١) . ووافَقَهُ عَلَى جَوَازِ ذلكَ جَماعَةٌ ،
منهُمْ : أبو عبدِ اللهِ بنِ عَّابٍ (٢) ﴿. وأْبَنِي مَنْ سَأَلَ الحازِمِيَّ (٣) أبا بَكْرٍ عَنِ الإِجَازَةِ
العَامَّةِ هذهِ فَكَانَ مِنْ حَوَابِهِ أنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ نحوُ أَبِي العَلاءِ الحافِظِ وغيرِهِ كَانُوا
يَمِيلُونَ إلى الجوازِ، والله أعلمُ .
قُلْتُ: وَلَمْ نَرَ ولَمْ نَسْمَعْ عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ (٤) هذه الإِجَازَةَ
فَرَوَى بها ، ولاَ عَنِ الشِّرْذِمَةِ (٥) المسْتَأْخِرَة الذينَ سَوَّغُوها، والإِجازَةُ فِي أَصْلِهَا ضَعْفٌ ،
وتَزْدادُ بهذا التَّوسُّعِ والاسْتِرْسَالِ ضَعْفاً كَثِيْراً لاَ يَنْبَغِيِ احْتِمَالُهُ (٦) ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أنواعِ الإِجَازَةِ: الإِجازَةُ لِلْمَجْهُولِ أو بالْهُولِ وَيَتَشَبَّثُ (٧)
بِذَيْلِها الإِجَازَةُ المعَلّقَةُ بالشَّرْطِ، وَذَلِكَ مثلُ أنْ يَقُولَ: أجَزْتُ لمحمَّدِ بنِ خالِدِ الدِّمَشْقِيِّ(٨)،
وفي وَقْتِهِ ذلكَ جماعَةٌ مُشْتَرِكُونَ في هذا الاسمِ والنَّسَبِ، ثُمَّ لاَ يُعَيِّنُ المجازُلُهُ مِنْهُمْ، أو يَقُولَ:
أجَرْتُ لِفُلاَنِ أنْ يَرْوِيَ عَنِّي كِتَابَ السُّنَنِ ، وهوَ يَرْوِي جَماعَةً مِنْ كُتُبِ السُّنَنِ المعْرُوفَةِ
بِذَلِكَ ثُمَّ (٩) لاَ يُعَيِّنُ. فَهَذِهِ إِجَازَةٌ فَاسِدَةٌ لاَ فَائِدَةً لَهَا (١٠) . وَلَيْسَ مِنْ هَذَا القَبْلِ مَا إذا
(١) الإلماع : ٩٩ .
(٢) الإلماع : ٩٩ .
(٣) قال الزركشي في نكته ٥١٧/٣: ((يشير إلى أبي عبد الله محمد بن سعيد الدبيثي، فإنه كتب إلى الحافظ
أبي بكر الحازمي فسأله عن الرواية بالإجازة العامة وكيف يقول من أحب الرواية بها؟ فأجاب: ((هذا مما
وقع في كلام المتأخرين، ولم أرَ في اصطلاح المتقدمين من ذلك شيئاً)) ثم ساق كلام الحازمي بطوله.
(٤) ناقش العراقي المصنف في هذا نقاشاً مستفيضاً في كتابه التقييد ١٨٢ - ١٨٣.
(٥) الشِّرذمة : تطلق على القليل من الناس . انظر: مقاييس اللغة ٣ / ٢٧٣ ، والمستأخر نقيض المستقدم .
اللسان ٤ / ١٢ .
(٦) قال العراقي في شرح التبصرة ١٣٣/٢: ((ممن أجازها أبو الفضل أحمد بن الحسين بن خيرون البغدادي،
وأبو الوليد بن رشيد المالكي، وأبو طاهر السلفي، وغيرهم. ورجَّحه أبو عمرو بن الحاجب، وصحَّحه النووي
من زياداته في " الروضة" ، وقد جمع بعضهم من أجاز هذه الإجازة العامة في تصنيف له ، جمع فيه خلقاً
كثيراً رتبهم على حروف المعجم؛لكثرتهم)). وانظر: منتهى الوصول: ٨٣، وروضة الطالبين ١٥٨/١١.
(٧) في ( م) والشذا: ((تتشبث)) .
(٨) في تاريخ دمشق ٥٢ / ٣٧٩ - ٣٩١ جماعة باسم محمد بن خالد الدمشقي فانظره إن شئت .
(٩) ((ثم)) : ساقطة من (م).
(١٠) تبعه النووي، كما في زوائده على الروضة ١١ / ١٥٨.
٢٦٩

أُجَازَ لجماعَةٍ مُسَمَّيْنَ مُعَيَّنِينَ بِأَنْسَابِهِمْ، والمجيزُ جاهِلٌ بأعْيَانِهِمْ غيرُ عارِفٍ هِمْ فهذا غيرُ
قادِحٍ، كما لاَ يَقْدَحُ عَدَمُ مَعْرِفَتِهِ بِهِ إذا حَضَرَ شَخْصُهُ فِي السَّمَاعِ منهُ ، والله أعلمُ .
وإِنْ أجازَ لِلْمُسَمَّينَ (١) المنَتَسِبِينَ في الاسْتِجَازَةِ (٢) ، ولَمْ يَعْرِفْهُمْ بأعْيَانِهِمْ ولاَ
بِأَنْسَابِهِمْ، وَلَمْ يَعْرِفْ عِدَدَهُمْ وَلَمْ يَتَصَفّحْ أسْمَاءِهُمْ وَاحِداً فَوَاحِداً ، فينبَغِي أَنْ يَصِحَّ
ذَلِكَ أيْضاً، كما يَصِحُّ سَمَاعُ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ السَّمَاعِ منهُ ، وإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ أَصْلاً وَلَمْ
يَعْرِفْ عَدَدَهُمْ وَلاَ تَصَفْحَ أشْخَاصَهُمْ واحِداً واحِدً .
وإذا قَالَ : أَجَرْتُ لِمَنْ يَشَاءُ فُلاَنٌ ، أو نحوَ ذَلِكَ ، فَهَذا فيهِ جهالةٌ وَتَعْلِيقٌ بشَرْطِ ،
فالظّاهِرُ أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ ، وبذَلِكَ أنْتَى القَاضِي أبو الطَّيِّبِ الطِّبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ إِذْ سَأَلَهُ الخَطِيْبُ
الحافِظُ عَنْ ذَلِكَ ، وَعَلَّلَ بأنّهُ إِجَازَةٌ مْهُولِ ، فَهِوَ كَقَوْلِهِ : أَجَزْتُ لِبَعْضِ النَّاسِ ، مِنْ غَيْرِ
تَعِْينِ، وقَدْ يُعَلِّلُ ذَلِكَ أيضاً بما فيها مِنَ الثَّعليقِ بالشَّرْطِ، فإنّ مَا يَفْسُدُ(٣) بالجهالَةِ يَفْسُدُ(٤)
بالتَّعليقِ ، عَلَى مَا عُرِفَ عِنْدَ قَومٍ .
وحَكَى الخطيبُ عَنْ أَبِي يَعْلَى بنِ الفرَّاءِ الحنَّلِيِّ، وأبي الفَضْلِ بنِ عُمْرُوسٍ(٥)
المالِكِيِّ: أَنَّهُما أجَازَا ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ الثّلاثَةُ كَانُوا مَشَابِخَ مَذَاهِهِمْ بَغَدَادَ إِذْ ذَاكَ(٦).
وهذه الجهالَةُ [ الواقِعَةُ] (٧) تَرتَفِعُ في ثاني الحالِ عندَ وُجُودِ المشِيْئَةِ، بخلاف الجهالَةِ
الواقِعَةِ فيما إذا أجازَ لِبَعْضِ النَّاسِ. وإذا قالَ: أجَزْتُ لِمَنْ شَاءَ فَهِوَ كَمَا لَوْ قَالَ : أَجَرْتُ
لِمَنْ شَاءَ فُلاَنٌ ، بلْ هذهِ أَكْثَرُ جَهَالَةً وانتِشَاراً مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا مُعَلّقَةٌ بمشيئةٍ مَنْ لاَ يُحْصَرُ
عَدَدُهُمْ بخِلاَفِ تِلْكَ . ثُمَّ هذا فيما إذا أجازَ لِمَنْ شَاءَ الإِجَازَةَ منهُ لهُ .
(١) في (أ) و (ب): ((المسلمين)).
(٢) في (م): ((الإجازة)).
(٣) في (م): ((يفسر )) .
(٤) كذلك .
(٥) عُمْرُوس: ضبطه السمعاني في الأنساب ٤ / ٢١٠ - بفتح العين، ومثله في فتح المغيث ٢ / ٨١ وفتح
الباقي ٢ / ٧٠، وضبطه الفيروزآبادي بضمّها، ثمّ قالَ: وفتحه من لحن الْمُحَدِّثين. انظر: القاموس
المحيط مع شرحه تاج العروس ١٦ / ٢٨١، وراجع ترجمة ابن عمروس في سير أعلام النبلاء ١٨ / ٧٣ .
(٦) الإجازة للمعدوم والمجهول : ٨١، وانظر : الإلماع : ١٠٢.
. (٧) من نسخة ( ب ) فقط .
٢٧٠

فإِنْ أجازَ لِمَنْ شَاءَ الروايَةَ عنهُ فهذا أوَّلَى بالجوَازِ (١) مِنْ حيثُ إنَّ مُقْتَضَى كُلّ
إِجَازَةٍ تَفْوِيْضُ الروايةِ بها إلى مَشيئةِ الْمُجَازِ لهُ ، فَكَانَ هذا مَعَ كَوْنِهِ بصِيْغَةِ التَّعْلِيقِ ،
تَصْرِيْحاً بما يَقْتُضِيْهِ الإِطْلَاقُ، وحِكَايَةً للحالِ لاَ تَعْلِيقاً في الحقيقَةِ. وَلِهَذَا أجازَ بَعْضُ
أئِمَّةِ الشَّافِعِيِّيْنَ في البيعِ أنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ هذا بِكَذا إنْ شِئْتَ ، فيقولُ: قَبْتُ(٢). وَوُجدَ
بَخَطّ الشَّيْخِ أبي الفَتْحِ محمَّدٍ بِنِ الحسَيْنِ الأَزْدِيِّ الموْصِلِيِّ الحافِظِ: أجزْتُ رِوايَةَ ذَلِكَ
لِجَميعِ مَنْ أَحَبَّ أنْ يَرْوِيَ ذَلِكَ (٣) عَنِّي. أمّا إذا قالَ: أجزْتُ لفُلاَنِ كَذا وكَذا إنْ شَاءَ
روايتَهُ عَنِّي، أو لَكَ إِنْ شِئْتَ، أوْ أَحْبَيْتَ، أَوْ أَرَدْتَ، فالأظْهَرُ الأَقْوَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِرٌ(٤)،
إِذْ قَدِ الْتَفَتْ فِيهِ الْجِهَالَةُ وحقيقةُ التَّعليقِ، ولَمْ يَبْقَ سِوَى صِيغَتِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللهِ تَعَلَى.
النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الإِجَازَةِ: الإجازَةُ للمَعْدُومِ، ولنذْكُرْ مَعَهُ (٥) الإجازةَ
للطفْلِ الصغيرِ . هذا نوعٌ خاضَ فيهِ قومٌ مِنَ المتأخِّرِيْنَ واخْتَلَفُوا فِي حَوازِهِ . ومِثَالُهُ أنْ
يَقُولَ (٦) : أجزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلاَنِ ، فَإِنْ عَطَفَ المعْدُومَ في ذلكَ عَلَى الموجودِ بأنْ قَالَ :
أجَزْتُ لِفُلاَنِ ومَنْ (٧) يُولَدُ لهُ أَوْ أَجَزْتُ لَكَ ولِوَلَدِكَ وَعَقِكَ (٨) مَا تَنَاسَلُوا، كَان ذَلِكَ
أقربَ إلى الجَوَازِ مِنَ الأوّلِ .
(١) انظر: التقييد: ١٨٥.
(٢) راجع: نكت الزركشي ٣ / ٥٢٢، والتقييد والإيضاح: ١٨٥، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ١٤١،
وقارن بـ: فتح العزيز ٨ /١٠٥، والمجموع ٩ / ١٧٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٤.
(٣) لم ترد في (أ) و ( ب).
(٤) قال الزركشي في نكته ٥٢٢/٣: ((هذا نظير مسألة البيع كما سبق، وبها يعتضد وجه الصحة هنا، وحكى
ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول في هذه الحالة خلافاً، قال: فمنع منها قوم ؛ لأنها تحتمل فيعتبر فيه تعيين
المجمل -قال- وهذا هو الأخذ بالاحتياط، والأولى بنجابة المحدّث وحفظه))، وانظر: جامع الأصول ٨٣/١.
(٥) في (م): (( معها)).
(٦) في (م): ((تقول)).
(٧) في (ع): ((ولمن))، وما أثبتناه من النسخ و (م).
(٨) في (ع): ((ولعقبك)).
٢٧١

ولِمِثْلٍ ذَلِكَ أجَازَ أصحَابُ الشَّافِعِيِّ في الوقْفِ (١) القسمَ الثانيَ دُونَ الأوّلِ. وقدْ
أَجَازَ أصْحابُ مالِكٍ، وأبي حنيفةَ أَوْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ - في الوقْفِ القسمينِ كِليهِما(٢) -.
وَفَعَلَ هذا الثانيَ في الإِجَازَةِ مِنَ المحدِّثينَ المتقدِّمينَ: أبو بكرٍ بِنُ أَبِي دَاوُدَ السِّجْستائِيُّ ،
فإِنَّا رُوِّيْنَا عِنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ الإِجَازَةَ فقالَ: ((قَدْ أَجَرْتُ لَكَ ولِأَوْلاَدِكَ ولِحَبَلِ الْحَبَلَةِ) يَعني:
الذينَ لَمْ يُؤْلَدُوا بَعْدُ (٣) .
(١) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٢٣: ((ولا حاجة إلى هذا، فالشافعي نفسه أجازه، ونص عليه في وصيته
المكتتبة في الأم ، فأوصى فيها أوصياء على أولاده الموجودين ، ومن يحدثه الله تعالى لسه من الأولاد)).
وانظر : محاسن الاصطلاح : ٢٧١ .
(٢) انظر: الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١، والإلماع: ١٠٥.
(٣) الكفاية: (٤٦٥ ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٧٦ ومن طريقه أورده القاضي
عياض في الإلماع : ١٠٥، قال البلقيني في محاسن الاصطلاح: ٢٧١: ((يحتمل أن يكون ذلك على
سبيل المبالغة وتأكيد الإجازة ، لا أن المراد به حقيقة اللفظ )).
٢٧٢

وأمَّ الإِجازَةُ للمَعْدُومِ انْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ عَلَى موجُودٍ ، فقدْ أحَازَها الخطيبُ أبو
بَكْر الحافِظُ (١) ، وذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أبا يَعْلَى بنَ الفرَّاءِ الحَنْبَيَّ، وأبا الفَضْلِ بنَ عُمْرُوْسٍ
المالِكِيَّ يُحِيْزانِ ذَلِكَ (٢). وحَكَى جَوازَ ذَلِكَ أيضاً أبو نَصْرٍ بِنُ الصَّاغِ الفقيهُ(٣)، فقالَ:
((ذَهَبَ قومٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُحِيزَ لِمَنْ لَمْ يُخْلَقْ)، قالَ: ((وهَذَا إِنَّما ذهَبَ إليهِ مَنْ
يَعْتَقِدُ أنّ الإِجَازَةَ إِذْنٌ فِي الروايَةِ ، لاَ مُحَادَثَةٌ )). ثُمَّ بَيَّنَ بُطْلاَنَ هذهِ الإِجازَةِ ، وهوَ الذي
اسْتَقَرَّ عليهِ رَأيُ شيخِهِ القاضي أبي الطَّيِّبِ الطّبْرِيّ الإِمَامِ (٤)، وذلكَ هُوَ الصحيحُ الذي
لاَ يَنْبَغِي غَيْرُهُ؛ لأنَّ الإِجَازَةَ فِي حُكْمِ الإِخْبَارِ جُمْلَةً بِالْمُحَازِ عَلَى مَا قَدَّمْناهُ في بيان
صِحَّةِ أَصْلِ الإِجَازَةِ، فكما لاَ يَصِحُّ الإِخْبَارُ للْمَعْدُومِ لاَ تَصِحُّ الإِجازةُ للمعدومِ . وَلَوْ
قَدَّرنا أنّ الإِجازةَ إذْنٌ فَلاَ يَصِحُّ أيضاً ذلكَ للمعدومِ ، كما لاَ يَصِحُّ الإِذْنُ في باب
الوكَالَةِ للمعْدُومِ ؛ لوقُوعِهِ فِي حَالَةٍ لاَ يَصِحُّ فِيْهَا المأذُونُ فِيهِ مِنَ المُأُذُونِ لهُ .
وهَذَا أيضاً يُوجِبُ بُطْلاَنَ الإِجَازَةِ للطّفْلِ الصَّغِيْرِ الذي لاَ يَصِحُّ سَمَاعُهُ . قالَ
الخطيبُ: ((سألْتُ القَاضِي أبا الطَّيِّبِ الطّبْرِيِّ عَنِ الإِجَازَةِ للطّفْلِ الصَّغِيْرِ هَلْ يُعْتَبَرُ في
صِحَّتِها سِنُّهُ أَوْ تَمْيِيزُهُ(٥)، كَمَا يُعْتَبَرُ ذلكَ في صِحَّةٍ سَمَاعِهِ؟ فقالَ: لاَ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ. قَالَ:
فَقُلْتُ لهُ: إنّ بعضَ أصْحَابِنا قالَ: لاَ تَصِحُّ الإِجَازَةُ لِمَنْ لاَ يَصِحُّ سَمَاعُهُ. فَقَالَ: قَدْ يَصِحُّ أنْ
(١) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ - ٣٢٦ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١.
(٢) الإجازة للمعدوم والمجهول: ٨١، والإلماع: ١٠٢ .
(٣) انظر : البحر المحيط ٤ / ٤٠١ .
(٤) الكفاية : (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ)، والإجازة للمعدوم والمجهول: ٨٠.
(٥) قال الزركشي في نكته ٣ / ٥٢٣: ((وهذه المسألة منصوصة للشافعي فيما سبق عن الحافظ السِّلفي
بسنده إلى الربيع أن الشافعي أتاه رجل يطلب الإجازة لابنه ، فقال : كم لابنك؟ قال : ست سنين ، قال:
لا يجوز الإجازة له حتی یبلغ له سبع سنين .
قال ابن زبر : وهو مذهب في الإجازة ، قال السلفي : والذي أدركنا عليه الشيوخ في البلاد والحفّاظ أن
الإجازة تصح لمن يجاز له صغيراً كان أو كبيراً)).
٢٧٣

يُحِيْزَ للغائِبِ عِنْهُ، ولاَ يَصِحُّ السَّماعُ لهُ))(١). واحْتَجَّ الخطِيبُ لِصَحَّتِها للطّفْلِ بأنّ الإِجَازَةَ
إنّما هيَ إباحَةُ الْمُجِيْزِ لِلْمُجَازِ لهُ أنْ يَرْوِيَ عنهُ، والإِباحَةُ تَصِحُّ للعاقِلِ وغيرِ العاقِلِ (٢).
قَالَ: وعَلَى هذا رأيْنا كَافَّةَ شُيُوخِنا يُحِيزُونَ للأطْفَالِ الغَيَّبِ عَنْهُمْ، مِنْ غَيْرِ أنْ يَسْأَلُوا
عَنْ مَبْلَغِ أسْنَانِهِمْ وحالٍ تَمْيِيزِهِمْ، وَلَمْ تَرَهُمْ أَجَارُوا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَوْلوداً في الحالِ(٣).
قُلْتُ (٤): كأنّهُمْ رَأَوا الطّفْلَ أهْلاً لِتَحَمُّلِ هذا النَّوْعِ مِنْ أنواعٍ تَحَمُّلِ الحديثِ ؛
لِيُؤَدِّيَ بِهِ بَعْدَ حُصُولِ أهْلِّتِهِ ، حِرْصاً عَلَى توسِيْعِ السبيلِ إلى بقاءِ الإِسْنادِ الذي اخْتَصَّتْ
بهِ هذهِ الأُمَّةُ، وَتَقْرِيِهِ (٥) مِنْ رَسُولِ اللهِعَ﴿ّ، والله أعْلَمُ (٦).
النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ أنواعِ الإِجَازَةِ: إجازةُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجْزُ ولَمْ يَتَحَمَّلْهُ أَصْلاً
بَعْدُ لِيَرْوِيَهُ المجازُ لهُ إذا تَحَمَّلَهُ المجيزُ بعدَ ذلكَ. أخْبَرَنِي مَنْ أُخْبِرَ عَنِ القَاضِي عِياضٍ بنِ
مُؤْسَى - مِنْ فُضَلاَءٍ وَقْتِهِ بِالمَغْرِبِ -، قَالَ: ((هذا لَمْ أَرَ مَنْ تَكُلُّمَ عليهِ مِنَ المشَايِخِ ،
ورأيتُ بعضَ المتأخِّرِينَ والعَصْرِيِّينِ يَصْنَعُونَهُ)) (٧)، ثُمَّ حَكَى عَنْ أبي الوليدِ يونُسَ بنِ
مُغِيثٍ (٨) قَاضِي قُرْطُبَةَ أَنَّهُ سُئِلَ الإِجازَةَ لِحَمِيْعِ (٩) مَا رواهُ إلى تاريخِها وما يَروِهِ بعدُ ،
فامْتَنَعَ مِنْ ذلكَ . فَغَضِبَ السَّائِلُ، فَقَالَ لهُ بعضُ أصْحابِهِ: يَا هذا يُعْطِيكَ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ ،
هذا مُحَالٌ ؟ قَالَ عِيَاضٌ: ((وهذَا هُوَ الصَّحِيحُ)) (١٠) .
(١) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٥ هـ ).
(٢) المصدر السابق .
(٣) الكفاية: (٤٦٦ ت، ٣٢٦ هـ).
(٤) في (م) : (( قال المملي أبقاه الله)) .
(٥) في الشذا: ((وتقربة)).
(٦) قوله: ((والله أعلم)) من ( جـ ) و (م).
(٧) الإلماع : ١٠٦ .
(٨) ترجمته في السِّير ١٧ / ٥٦٩.
(٩) في (ع): ((بجميع))، وما أثبتناه من (ب) و (جـ) و (م).
(١٠) الإلماع : ١٠٦ .
٢٧٤

قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى هَذَا عَلَى أَنَّ الإِجازةَ في حُكْمٍ (١) الإِخْبَارِ بالمجازِ جُمْلَةً أَوْ هِيَ
إِذْنٌ، فَإِنْ جُعِلَتْ فِي حُكْمِ الإِخْبَارِ لَمْ تَصِحَّ هذهِ الإِجَازَةُ ، إِذْ كَيفَ يُخْبِرُ بما لاَ خَبَرَ عِندَهُ
منهُ . وإنْ جُعِلَتْ إذْنَاً الْبَنَى هذا على الخِلاَفِ فِي تَصْحيحِ الإِذْنِ في بابِ الوكاَلَةِ فيما لَمْ
يَمْلِكْهُ الآذنُ الموكّلُ بَعْدُ، مِثْلُ أنْ يُوكِّلَ في بيعِ العبدِ الذي يريدُ أنْ يَشْتَرِيَهُ. وَقَدْ أَجَازَ ذلكَ
بعضُ أصحابِ الشَّافِعِيِّ ، والصحيحُ بُطْلانُ هذِهِ الإِجَازَةِ(٢). وعَلى هذا يَتَعَيَّنُ على مَنْ
يُرِيْدُ أَنْ يَرْوِيَ بالإِجَازَةِ عَنْ شَيْخِ أجَازَ لهُ جَمِيْعَ مَسْمُوعَاتِهِ مثلاً، أنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ أنَّ
ذَاكَ(٣) الذي يُرِيدُ روايتَهُ عنهُ مِمَّا سَمِعَهُ قَبْلَ تارِيْخِ(٤) الإجازةِ. وأمَّا إذا قَالَ: أَجَزْتُ لَكَ مَا
صَحَّ وَيَصِحُّ عِندَكَ مِنْ مَسْمُوعاتِي(٥)؛ فهذا ليسَ مِنْ هذا القبيلِ، وَقَدْ فَعَلَهُ الدَّارِقِطِيُّ وغيرُهُ،
وجائٌِّ أنْ يَرْوِيَ بذلكَ عنْهُ مَا صَحَّ عندَهُ بَعْدَ الإِجَازَةِ أَنَّهُ سَمِعَهُ قَبْلَ الإِجَازَةِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ
وإنِ اقْتُصَرَ على قولِهِ: مَا صَحَّ عِنْدَكَ ، ولَمْ يَقُلْ: ومَا يَصِحُّ؛ لأنَّ المرادَ : أجَرْتُ لكَ أنْ
تَّرْوِيَ عَنِّي مَا صَحَّ عِنْدَكَ . فالمعتبرُ إذنْ فِيهِ صِحَّةُ ذلكَ عِنْدَهُ حَالَةَ الرِوَايَةِ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ السَّابِعُ مِنْ أنواعِ الإِجازَةِ: إِجَازَةُ الْمُجَازِ، مِثْلُ أنْ يَقولَ الشيخُ: أجزْتُ لَكَ
مُحَازَاتِي، أَوْ أجزتُ لكَ روايةَ مَا أُجِيزَ لِي روايتُهُ، فَمَنَعَ مِنْ ذلكَ بعضُ مَنْ لاَ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ
المتَأَخِّرِينَ(٦). والصحيحُ والذي عليهِ العَمَلُ أنَّ ذلكَ جائزٌ (٧) ، ولا يُشْبِهُ ذَلِكَ ما امْتَنَعَ مِنْ
تَوْكِيْلِ الوكيلِ بغيرِ إذْنِ الموَكِّلِ. ووجَدْتُ عَنْ أبي عَمْرِو السَّفَاقُسِيِّ الحافِظِ المعْرِبِيِّ ، قَالَ:
سَمِعْتُ أبا نُعَيْمِ الحافِظَ - يَعْنِي: الأَصْبَهائيّ(٨) - يَقُولُ: (الإِجَازَةُ عَلَى الإِجَازَةِ قَوِيَّةٌ جَائِزَةٌ).
(١) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٢٣.
(٢) قال النووي في التقريب: ١١٣: ((وهذا هو الصواب))، وقال في الروضة ١٥٨/١١: ((هي باطلة قطعاً)).
(٣) في (م) والشذا: ((ذلك)).
(٤) في (ع) والتقييد: ((تاريخ هذه الإجازة)).
(٥) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٥٢٤ - ٥٢٥.
(٦) راجع: المحاسن : ٢٧٤، ونكت الزركشي ٣ / ٥٢٥، وشرح التبصرة ٢ / ١٥٢.
(٧) قال النووي في الروضة ١٠٨/١١: ((وهو الصواب الذي قطع به الحفاظ الأعلام من أصحابنا وغيرهم)).
(٨) الأكثر والأشهر: فتح الهمزة ، وقد تكسر . انظر: مراصد الاطلاع ١ / ٨٧ .
٢٧٥

وحَكَى الخطيبُ الحافِظُ (١) تَحْوِيزَ ذلكَ عَنِ الحافِظِ الإِمامِ أبي الحسَنِ الدَّارقطنيِّ،
والحافِظِ أبي العَبَّاسِ المعروفِ بابنِ عُقْدَةً (٢) الكُوفِيِّ وغيرِهِما، وقدْ كَانَ الفقيهُ الزَّاهِدُ
نَصْرُ بنُ إبراهيمَ المقْدِسِيُّ يروي بالإِجازةِ عَنْ الإِجَازَةِ حَتَّى رُبَّمَا وَلَى في روايتِهِ بِينَ
إِجَازَاتِ ثَلاَثٍ (٣) . ويَنْبَغِي لِمَنْ يَرْوِي بِالإِجَازَةِ عَنِ الإِجَازَةِ أَنْ يَتَأَمَّلَ كَيْفِيَّةَ إجازَةٍ شَيْخ
شَيْخِهِ وَمُقْتَضَاها؛ حَتَّى لا يَروِيَ بها ما لَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتُهَا، فإذا كَانَ - مَثَلاً - صورةٌ
إِجَازَةِ شَيْخِ شَيْخِهِ: أجَزْتُ لهُ مَا صَحَّ عِندَهُ مِنْ سَمَاعاتِي ، فَرَأَى شيئاً مِنْ مَسْمُوعات
شَيْخِ شيخِهِ فليسَ لهُ أنْ يَرْوِيَ ذلكَ عَنْ شَيخِهِ عنهُ، حَتَّى يَسْتَبِينَ أَنَّهُ مِمَّا كَانَ قَدْ صَحَّ
عِنْدَ شَيخِهِ كَوّنُهُ مِنْ سَمَاعاتٍ (٤) شَيْخِهِ الذي تِلْكَ إِجَازَتُهُ، ولاَ يَكْتَفِي بمجرَّدٍ صِحَّةٍ ذَلكَ
عندَهُ الآنَ ، عَمَلاً بلَفْظِهِ وَتَقْبِيدِهِ ، ومَنْ لاَ يَتَفَطَّنُ لِهذا وأمثالِهِ يَكْثُرُ عِثَارُهُ، والله أعلمُ .
هذهِ أنواعُ الإِجازَةِ التي تَمَسُّ الحاجةُ إلى بَيَانِها ، ويتَركُبُ مِنْها أنواعٌ أُخَرُ ،
سيتعَرَّفُ المتأمِّلُ حُكْمَها مِمَّا أَمْلَيْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَلَى .
ثُمَّ إِنَّا تُنَبِّهُ عَلَى أُمُورِ :
أحدُها : رُوّيْنا عَنْ أبي الحسينِ (٥) أحمدَ بنِ فارسِ الأديبِ المصَنِّفِ - رَحِمَهُ الله -
قالَ : (( معنى الإِجازة في كَلاَمِ العربِ مَأْخُوذٌ مِنْ جَوَازِ الماءِ الذي يُسْقَاهُ المالُ مِنَ الماشيةِ
(١) الكفاية: (٥٠٠ ت، ٣٥٠ هـ ).
(٢) هُوَ الحافظ أبو العَبَّاس أحمد بن مُحَمَّد بن سعيد الكوفي، تُوُفّي سنة (٦٢٩ هـ)، وعُقْدة: لَقبٌ لأبيه
النحوي محمد بن سعيد ؛ ولُقّب بذلك لتعقيده في التصريف، انظر: تاريخ بغداد ١٤/٥، والسِّيَر
٣٤٠/١٥، والتاج ٨ /٣٩٩.
(٣) قال البلقيني في المحاسن: ٢٧٥: ((القرينة الحالية من إرادة إبقاء السلسلة، قاضية بأن كل مجيز بمقتضى
ذلك ، أذن لما أجازه أن يجيز ، وذلك في الإذن في الوكالة جائز)).
(٤) في (م ) : ((مسموعات)).
(٥) في (جـ) و (ع) والتقييد: ((الحسن))، وكذا جاء في ترجمته من تاريخ الإسلام: ٣٠٩ حوادث (٣٩٥)،
وأثبتنا ما في باقي النسخ ، وهو الموافق لما جاء في مصادر ترجمته. انظر مثلاً: وفيات الأعيان ١ / ١١٨،
والسير ١٧ / ١٠٣، وشذرات الذهب ٣ / ١٣٢، ومعجم المؤلفين ٢ / ٤١ :
٢٧٦

وَالْحَرْث ، يُقَالُ منهُ: اسْتَجَرْتُ فُلاَناً فَأَجَازَنِي (١) إذا أسْقَاكَ مَاءٌ لِأَرْضِكَ أوْ مَاشِيَتِكَ،
كذلكَ طَالِبُ العِلْمِ يَسأَلُ العالِمَ أنْ يُحِيزَهُ عِلْمَهُ فُيُجِيزَهُ إِيَّاهُ))(٢).
قُلْتُ : فَلِلْمُجِيزِ - عَلَى هذا - أنْ يَقولَ: أَحَرْتُ فُلاَناً مَسْمُوعَاتِي أو مَرْوِيَّاتِي ،
فَيْعَدِّيهِ بغيرِ حَرْفِ جَرِّ ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلى ذِكْرٍ لَفْظِ الروايةِ أو نَحْوِ ذلكَ . وَيَحْتَاجُ إلى
ذلكَ مَنْ يَجْعَلُ الإِجازَةَ مِعْنَى التَّسْوِيغِ، والإِذْنِ ، والإِبَاحَةِ ، وذلكَ هُوَ المعروفُ، فيقولُ:
أجرْتُ لِفُلاَنِ روايَةَ مَسْمُوعَاتِي مَثَلاً ، ومَنْ يَقُولُ منهُمْ : أجزْتُ لَهُ مَسْمُوعَاتِي ، فَعَلَى
سَبيلِ الحذْفِ (٣) الذي لاَ يَخْفَى نَظِيرُهُ ، والله أعلمُ .
الثّاني: إِنَّمَا تُسْتَحْسَنُ الإِجَارَةُ إذا كَانَ المجيزُ عالِماً بما يُحِيْزُ (٤)، والمجازُ لهُ مِنْ
أهلِ العِلْمِ؛ لأَنَّها تَوَسُّعٌ (٥) وتَرْخِيصٌ يَتَأَهَّلُ لَهُ أهْلُ العِلْمِ لِمَسِيْسِ حاجَتِهِمْ إليها ، وبَالَغَ
بعضُهُمْ فِي ذَلِكَ فجعَلَهُ شَرِطاً فِيْهَا. وحَكَاهُ أبو العَبَّاسِ الوليدِ بنُ بَكْرِ المالِكِيُّ عَنْ
مالِكٍ ◌َُ (٦) . وقالَ الحافِظُ أبو عُمَرَ: ((الصحيحُ أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ إلاَّ لِمَاهِرِ بِالصِّنَاعَةِ،
وفي شيءٍ مُعَّنٍ لاَ يُشْكِلُ إِسْنَادُهُ)) (٧) ، والله أعلمُ .
الثَّالِثُ: يَنْبَغِي لِلْمُجِيْزِ إذا كَتَبَ إجَازَتَهُ أنْ يَتَلَفَّظَ بها (٨) ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الكِتَابِةِ
كَانَ ذلكَ إِجَازَةً جَائِزَةً إذا اقْتَرَنَ بِقَصْدِ الإِجَازَةِ ، غيرَ أنَّها أنْقَصُ مَرْتَبَةً مِنَ الإِجَازَةِ
(١) في التقييد: ((فأجاز لي)).
(٢) هو بهذا السياق في كتابه "مآخذ العلم" كما أشار إلى ذلك الزركشي ٥٢٧/٣، والسخاوي في فتح
المغيث ٩٥/٢، وهو أيضاً بحروفه إلى قوله: ((أو ماشيتك)) في مقاييس اللغة ٤٩٤/١، وانظر: مجمل
اللغة ١ / ٢٠٢، له أيضاً مادة ( جوز)، وقد أسنده عنه الخطيب بتمامه في الكفاية: ( ٤٤٦ ت،
٣١١ هـ)، وانظر: النكت الوفية ٢٦٠ / ب.
(٣) قوله : ((على سبيل الحذف))، يريد به أنه على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وأصل
العبارة : أجزت له رواية مسموعاتي ، كما في حاشية توضيح الأفكار ٢ / ٣١١ .
(٤) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٥٢٩ - ٥٣١.
(٥) في الشذا : ((توسيع)) .
(٦) الكفاية : ( ٤٥٥ ت، ٣١٧ هـ)، والإلماع : ٩٤ - ٩٥ .
(٧) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٨٠، وينظر : الإلماع ٩٥ - ٩٦ .
(٨) نقل الزركشي في نكته ٣ / ٥٣١ عن ابن أبي الدم قوله: يعضد هذا أنه قال : تقوم الأفعال مقام الأقوال
في نقل الملك ، على تصحيح المعاطاة )) .
٢٧٧

المُلْفُوظ بها . وغيرُ مُسْتَبْعَدٍ تصحيحُ ذلكَ بمحَرَّدِ هذهِ الكِتَابَةِ في بابِ الروايةِ التي جُعِلَتْ
فيهِ القراءةُ على الشيخِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَلْفِظْ بما قُرِئَ عليهِ ، إِخْبَاراً منهُ بما قُرِئَ عليهِ ، عَلَى مَا
تَقَدَّمَ بيانُهُ ، والله أعلمُ .
القِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَقْسَامٍ طُرُقِ تَحَمُّلِ الحَدِيْثِ وتَلقّيْهِ: الْمُنَاوَلَةُ:
وهِيَ عَلَى نَوْعَيْنِ :
أحدُهُما : المنَاوَلَةُ المِقْرُونَةُ بِالإِجَازَةِ(١) وهيَ أعْلَى أنواعِ الإِجَازَةِ (٢) على الإطلاق،
ولَها صُورٌ ، منها: أنْ يَدْفَعَ الشَّيْخُ إلى الطالِبِ أَصْلَ سَمَاعِهِ أَوْ فَرْعاً مُقَابَلاً بهِ (٣)،
ويقولَ : ((هذا سَمَاعِي، أوْ رِوايَتِي عَنْ فُلانٍ فَارْوِهِ عَنِّي، أو أجزْتُ لَكَ روايَتَهُ عَنِّي)) ،
ثُمَّ يُمَلِّكَهُ إِيَّاهُ، أوْ يَقُولَ: ((خُذْهُ واْسَتْهُ وَقَابِلْ بِهِ ثُمَّ رُدّهُ إليّ))، أوْ نحوَ هذا.
ومنها: أنْ يَجِيءَ الطالِبُ إلى الشيخِ بِكِتَابٍ أوْ جُزْءٍ مِنْ حديثِهِ فَيَعْرِضَهُ عليهِ، فِيَتَأَمَّلَهُ
الشيخُ وهوَ عارفٌ مُتَيَقِظٌ، ثُمَّ يُعِيْدَهُ إليهِ، ويَقُولَ لهُ: (( وَقَفْتُ على ما فيهِ وهوَ حَدِيثِي عَنْ
فُلانٍ أو رِوَايَتِي عَنْ شُوخِي فِيهِ ، فَارْوِهِ عَنِّي ، أَوْ أَجَرْتُ لَكَ روايَتَهُ عَنِّي)) . وهذا قدْ
سَمَّاهُ غيرُ واحِدٍ مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ : عَرْضاً، وقدْ سَبَقَتْ حِكَايْتُنا في القِرَاءَةِ على الشيخِ
أَنَّها تُسَمَّى عَرْضاً أيضاً(٤)، فَلْنُسَمِّ ذلكَ عَرْضَ القِرَاءَةِ، وهذا عَرْضَ المناولةِ، والله أعلمُ(٥).
وهذه المناولَةُ المُقْتَرِنَةُ (٦) بالإِجازَةِ حَالَّةٌ (٧) مَحَلَّ السَّمَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ (٨)، وجماعَةٍ
مِنْ أئِمَّةِ أَصْحَابِ الحديثِ(٩). وحَكَى الحاكِمُ أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ النَّيْسَابُورِيُّ(١٠) في
(١) قال الزركشي في نكته ٥٣٢/٣: ((قد أنكر بعض الأصوليين إفراد المناولة عن الإجازة ... الخ)).
(٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٣) قال الزركشي في نكته ٥٣٣/٣: («نبّه بذلك على أن الشيخ لو سمع نسخة من كتاب مشهور فليس له أن
يشير إلى نسخة أخرى من ذلك الكتاب، ويقول: سمعت هذا؛ لأن النُّسَخ تختلف ما لم يعلم اتفاقهما بالمقابلة)).
(٤) لم ترد في ( م).
(٥) جملة: (( والله أعلم)) ، لم ترد في (م).
(٦) في (م) : ((المقرونة)).
(٧) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٥٣٣ - ٥٣٥.
(٨) الكفاية: (٤٦٧ ت، ٣٢٧ هـ)، والإلماع : ٧٩ .
(٩) انظر: الكفاية : (٤٦٦ - ٤٦٧ ت، ٣٢٦ - ٣٢٧ هـ)، والإلماع : ٧٩ .
(١٠) معرفة علوم الحديث : ٢٥٧ - ٢٥٨.
٢٧٨

عَرْضِ المناولَةِ المذكورِ(١) عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المَقَدِّمِينَ أَنَّهُ سَماعٌ. وهذا مُطَرِدٌ فِي سَائِرِ مَا
يُمَاثِلُهُ مِنْ صُوَرِ المناولَةِ المقرُونَةِ بالإِجَازَةِ . فَمِمَّنْ حَكَّى الحاكِمُ ذلكَ عنْهُمْ : ابنُ شِهَابِ
الرُّهْرِيُ، وَرَبِيْعَةُ الرأىِ، ويَحْتَى بِنُ سَعِيْدِ الأنْصَارِيُّ ، ومَالِكُ بنُ أنسِ الإِمامُ في آخرِينَ
مِنَ المدِنِّينَ. ومُجَاهِدٌ ، وأبو الزُّبَيْرِ، وابنُ عُبَيْنَةَ في جَمَاعَةٍ مِنَ المَكْبِينَ . وعَلْقَمَةُ وإبراهِيمُ
النَّخَعِيَّنِ، والشَّعْبِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الكُوفِينَ. وَقَتَادَةُ وأبو العَالِيَةِ، وأبو الْمُتَوَكّلِ النَّاجِيُّ
فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْبَصْرِيِّيْنَ . وابنُ وَهْبٍ ، وابنُ القَاسِمِ ، وأَشْهَبُ فِي طَائِفَةٍ مِنَ المِصْرِّيْنَ.
وَآخَرُونَ مِنَ الشَّامِّيْنَ وَالْخُرَسَانِيْنَ. ورَأَى الحاكِمُ طَائِفَةً مِنْ مَشَايِخِهِ عَلَى ذلكَ (٢)،
وفي كَلاَمِهِ بعضُ التَّخليطِ مِنْ حيثُ كَوْتُهُ خَلَطَ بعضَ ما وَرَدَ فِي عَرْضِ القِرَاءَةِ بما وَرَدَ
في عَرْضِ المناولَةِ، وسَاقَ الجميعَ مَسَاقً واحِدًاً. والصحيحُ أنَّ ذَلِكَ غيرُ حالٌّ مَحَلٌ
السَّمَاعِ، وأَّهُ مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ التَّحْدِيثِ لَفْظً والإِخْبَارِ قِرَاءَةٌ (٣) .
وقَدْ قَالَ الحاكِمُ في هذا العَرْضِ: (( أمَّا فُقَهَاءُ الإِسْلاَمِ (٤) الذينَ أَقْتُوا في الحلاَلِ
والحَرَامِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ سَمَاعاً، وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، والأَوْزَاعِيُّ ، والبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ ، وأبو
حَيْفَةَ ، وسُفْيَانُ الَّوْرِيُّ، وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ ، وابنُ المَبَارَكِ ، ويَحْتَى بنُ يَحْتَى ، وإِسْحَاقُ
بِنُ رَاهَوَيْهِ. قَالَ: وعليهِ عَهِدْنا أئِمَّتَنا وإليْهِ ذَهَبُوا وإليْهِ نَذْهَبُ))(٥)، واللهُ أعْلَمُ .
ومِنْها : أنْ يُنَاوِلَ الشَّيْخُ الطالِبَ كِتَابَهُ وَيُحُيزُ لهُ رِوايَتَهُ عنهُ، ثُمَّ يُمْسِكَهُ الشَّيْخُ
عِندَهُ وَلاَ يُمَكِنَهُ مِنْهُ ، فَهَذا يَتَقَاعَدُ عَمَّا سَبَقَ؛ لِعَدَمِ احْتِواءِ الطَّالِبِ عَلَى مَا تَحَمَّلَهُ،
وغَيْبِهِ عنهُ، وجَائِرٌ لَهُ روايةُ ذَلِكَ عنهُ إذا ظَفِرَ بالكِتابِ، أَوْ بِمَا هُوَ مُقَابَلٌ بِهِ عَلَى وَجْهٍ
يَثِقُ مَعَهُ بموافَقَتِهِ لِمَا تَنَاوَلَنْهُ الإِجازَةُ، عَلَى (٦) مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الإِجَازَاتِ المجرَّدَةِ عَنِ المناوَلَةِ.
(١) في (ب ): ((المذكورة)).
(٢) راجع: محاسن الاصطلاح : ٢٧٩ .
(٣) راجع: محاسن الاصطلاح : ٢٨٠ .
(٤) راجع: نكت الزركشي ٣ / ٥٣٥، والتقييد: ١٩٢، ومحاسن الاصطلاح: ٢٨١ .
(٥) معرفة علوم الحديث : ٢٥٩ - ٢٦٠، وانظر: محاسن الاصطلاح: ٢٨١ .
(٦) في (م): ((مع)) .
٢٧٩

ثُمَّ إِنّ المناوَلَةَ فِي مِثْلِ هذا لاَ يَكَادُ يَظْهَرُ حُصُولُ مَزِيَّةٍ بها عَلَى الإِجَازَةِ الواقِعَةِ في
مُعَيّنٍ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مناولةٍ ، وقدْ صَارَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الفُقَهَاءِ والأصُولِّيْنَ (١) إلى أَنَّهُ لاَ
تأثيرَ لَهَا ولاَ فَائِدَةَ ، غيرَ أنّ شُيُوعَ أهلِ الحديثِ في القديمِ والحديثِ ، أَوْ مَنْ حُكِيَ ذَلِكَ
عنهُ مِنْهُمْ يَرَوْنَ لِذَلِكَ مَزِيَّةً مُعْتَبَرَةً (٢)، والعِلْمُ عِنْدَ اللهِ تَبَارَكَ(٣) وتَعَلَى.
ومِنْهَا أنْ يَأْتِيَ الطالِبُ الشَّيْخَ بِكِتَابٍ أو جُزْءٍ ، فَيَقُولَ: ((هذا روايتُكَ فَنَاوِلْنِيْهِ
وأجِزْ لِي رِوَايَتَهُ » ، فُجِيْبَهُ إلى ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَنْظُرَ فِيهِ وَيَتَحَقِّقَ روَايَتَهُ لِجَمِيْعِهِ ، فَهَذَا
لاَ يَجُوزُ ولاَ يَصِحُّ. فإِنْ كَانَ الطالِبُ مَوْتُوقاً بَخَرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ جَازَ الاعْتِمَادُ عليهِ فِي ذَلِكَ ،
وكانَ ذلكَ إجازَةٌ جَائِرَةً، كما حازَ في القِرَاءَةِ على الشيخِ الاعتمادُ عَلَى الطالِبِ حَتَّى(٤)
يكونَ هُوَ القَارِئَ مِنَ الأَصْلِ إذا كَانَ مَوْثُوقاً بِهِ مَعْرِفَةٌ ودِيْناً (٥) . قالَ الخطيبُ أبو بكرِ
- رَحِمَهُ اللهُ - : ((ولوْ قَالَ: حَدِّثْ بِمَا في هذا الكِتَابِ عَنِّي إِنْ كَانَ مِنْ حَدِيْثِي مَعَ
بَرَاءَتِي مِنَ الغَلَطِ والوَهَمِ ، كَانَ ذَلِكَ جَائِّزاً حَسَناً)) (٦) ، والله أعلَمُ .
الثَّانِي: المناوَلَةُ المَحَرَّدَةُ عَنِ الإِجَازَةِ بأَنْ يُنَاوِلَهُ الكِتَابَ - كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَوْلاً - ،
ويَقْتَصِرَ عَلَّى قَوْلِهِ: ((هذا مِنْ حَدِيْثِي أَوْ مِنْ سَمَاعَاتِي))، ولاَ يَقُولَ: (( أَرْوِهِ عَنِّيٍ أوْ
أَجَزْتُ لَكَ روايَتَهُ عَنِّي)) ، ونحوَ ذلكَ، فَهَذِهِ مُنَاوَلَةٌ مُخْتَلَّةٌ لاَ تَجُوزُ الروايَةُ بها (٧)،
وعَابَها غيرُ واحِدٍ مِنَ الفُقَهَاءِ والأصُولِّيْنَ عَلَى المحدِّقِينَ (٨) الذينَ أجَازوها وسَوَّغُوا الروايةَ
بها . وحَكَى الخطيبُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوها وأجازُوا الروايةَ بها (٩)،
(١) راجع : نكت الزركشي ٣ / ٥٣٧ - ٥٣٨.
(٢) الإلماع : ٨٣ .
(٣) لم ترد في : ( م ) .
(٤) في ( أ) : (( حين)) .
(٥) قال البلقيني في المحاسن: ٢٨٢: ((لا سيّما إذا كان الكتاب مشهوراً كالبخاري أو مسلم أو نحوهما،
فإنه يقرب من تمليكه له أو إعارته )) .
(٦) الكفاية : ( ٤٦٩ ت، ٣٢٨ هـ ).
(٧) حكى الزركشي الاتفاق على هذا في البحر المحيط ٤ / ٣٩٥ .
(٨) راجع: نكت الزركشي ٣ / ٥٣٨ - ٥٣٩.
(٩) الكفاية : ( ٤٩٤ - ٤٩٩ ت، ٣٢٧ - ٣٢٩ هـ ).
٢٨٠