النص المفهرس
صفحات 241-260
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَعْرَضَ النَّاسُ في هذهِ الأعْصَارِ المتَأَخِرَةِ عَنْ اعتِبارِ محمُوعٍ (١) مَا بَيَّنًا مِنَ الشروطِ في رواةِ الحديثِ ومشايخِهِ ، فَلَمْ يَتَقِيَّدُوا بها في رواياتِهِمْ؛ لِتَعَذَّرِ الوفاءِ بذلكَ عَلَى نحوٍ ما تَقَدَّمَ ، وكَانَ عليهِ مَنْ تَقَدَّمَ (٢) . ووجْهُ ذلكَ ما قَدَّمْناهُ في أَوْلِ كِتَابِنا هذا مِنْ كَونِ المقصودِ آلَ آخِراً إلى المحافَظَةِ على خَصِيْصَةِ هذهِ الأمةِ في الأسانيدِ والمحاذرةِ مِنٍ الْقِطاعٍ سِلْسِلَتِها ، فَلْيُعْتَبَرْ مِنَ الشروطِ المذكورَةِ ما يَلِيْقُ بهذا الغرضِ عَلَى تَحَرُّدِه، ولُكْتَفَ في أهْلَّةِ الشَّيْخِ بكَونِهِ مُسْلِماً، بَالِغَاً، عَاقِلاً، غَيْرَ مُتَظَاهِرِ بالفِسْقِ والسُّخْفِ(٣)، وفي ضَبْطِهِ: بوجودِ سَمَاعِهِ مُثْبَتَاً بِخَطٌ غَيْرِ مُنَّهَمٍ وبروايَتِهِ مِن أَصْلٍ موافِقٍ لأَصْلِ شبْخِهِ . وقدْ سَبَقَ إلى نحوِ ما ذَكَرْنَاهُ الحافِظُ الفِقِيْهُ أبو بَكْرِ البَيْهَقِيُّ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فإنَّهُ ذَكَرَ فِيْمَا رُوِّيْنَا (٤) عنهُ تَوَسُّعَ مَنْ تَوَسَّعَ فِي السَّماعِ مِنْ بعضِ مُحَدِّي زَمَانِهِ الذينَ لاَ يَحْفَظُونَ حديْثَهُم، ولاَ يُحْسِنُونَ قِرَاءَتَهُ مِنْ كُتُبِهِمْ ، ولاَ يَعْرِفُونَ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ تَكُونَ القِرَاءَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِمْ . وَوَجْهُ ذلكَ: بأنّ الأحاديْثَ الِي قَدْ صَحَّتْ أو وقفَتْ بينَ الصِّحَّةِ والسَقَمِ قَدْ دُوِّنَتْ وَكُتِبَتْ في الجوامِعِ التِي جَمَعَها أئِمَّةُ الحديثِ ، ولاَ يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ شيءٌ منها عَلَى جمْعِهِمْ، وإِنْ جَازَ أنْ يَذْهَبَ عَلَى بعضِهِمْ لضَمانِ صَاحِبِ الشَّرِيْعَةِ حِفْظَها . قَالَ (٥): ((فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بَحَدِيْثٍ لاَ يُوجَدُ عندَ جميعِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، ومَنْ حَاءَ بحدِيْثٍ معرُوفٍ عندَهُمْ، فالذي يَرْوِيِهِ لاَ يَنْفَرِدُ بروايَتِهِ، والحجَّةُ قائِمَةٌ بحديثِهِ بروايةِ غيرِهِ ، والقَصْدُ مِنْ روَايَتِهِ والسَّمَاعِ منهُ ، أنْ يَصِيْرَ الحديثُ مُسَلْسَلاً بـ« حَدَّثَنا وَأُخْبَرَنا))، (١) في (جـ): ((مجموع جملة)). (٢) انظر في هذا: مشكل الحديث وبيانه لابن فورك: ١٧، وجامع الأصول ١ / ٣٥ - ٣٦، ونكت الزركشي ١ / ٤٥ و ٣ / ٤٢٧ . (٣) السَّخْفُ والسُّخْفُ والسُّخْفَةُ والسَّحَافَةُ: ضعف العقل ورقّته ونقصانه، والسَّخِيْف : الناقص العقل. انظر: لسان العرب ٩/ ١٤٦، وتاج العروس ٤٢١/٢٣، ومتن اللغة ١٢٣/٣. (٤) كذا في جميع النسخ الخطية والتقييد، وفي ( ع) و (م) والشذا: ((رويناه )). (٥) في (ع) والتقييد: ((قال البيهقي)). ٢٤١ وتَبْقَى هذه الكَرامَةُ التي خُصَّتْ بها هذه الأمَّةُ ، شَرَفاً لنبيِّنا المصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ ، والله أعْلَمُ (١) . الخامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي بَيَانِ الألفَاظِ المسْتَعْمَلَةِ بَيْنَ (٢) أهْلِ هَذَا الشَّأْنِ في الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ . وقدْ رَتَّبَها أبو محمَّدٍ عَبدُ الرَّحْمانِ بنُ أبي حاتِمِ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ في " الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ " (٣) ، فأجَادَ وأحْسَنَ . ونَحْنُ ثُرَّتَّبُها كذلِكَ، ونُوْرِدُ ما ذَكَرَهُ ونضيفُ إليهِ ما بَلَغَنا في ذلكَ عَنْ غيره إنّ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٤) . أَمَّا أَلْفَاظُ التَّعْدِيلِ (٥) فَعَلَى مَرَاتِبَ : الأُوْلَى : قالَ ابنُ أبي حاتِمٍ: ((إذا قِيْلَ للوَاحِدِ: إِنَّهُ ثِقَةٌ (٦) أو مُتْقِنٌ، فَهُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بحدِيْثِهِ)) (٧). (١) عبارة: ((والله أعلم)) لم ترد في (أ) و (ب) و(جـ) والشذا، ولم ينقلها الحافظ العراقي ضمن نص ابن الصلاح الذي نقله في شرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٦٢، وهي من ( ع ) و ( م ) والتقييد وإنما أثبتناها ؛ لأن عادته أن يختم كل موضوع بقوله هذا . (٢) في ( ع) و (م) والتقييد: ((من)). (٣) الجرح والتعديل ٢ / ٣٧ . (٤) ومن جاء بعده قد زاد مراتب أخرى ، انظر تفصيل ذلك في مقدمة ميزان الاعتدال ١ / ٤، وشرح التبصرة ٢ / ٦٤، والتقييد: ١٥٧، ومقدمة تقريب التهذيب : ٧٤، ونزهة النظر: ١٨٧، وفتح المغيث ١ / ٣٩٠، وتدريب الراوي ١ / ٣٤١، وتوضيح الأفكار ٢ / ٢٦١. (٥) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٣٠ - ٤٣١. (٦) هناك رتبة أعلى ينبغي تقديمها وهي تكرار التوثيق ، إما مع تباين الألفاظ كقولهم : (( ثبت حجة، أو ثبت حافظ ، أو ثقة ثبت ، أو ثقة متقن، ونحوه . وإما مع إعادة اللفظ الأول ، كقولهم : ثقة ثقة، ونحوها ، فهذه أعلى المراتب في التوثيق كما قاله الذهبي في مقدمة الميزان ١ / ٤ . ويرى بعض العلماء أن أعلى المراتب ما أتي بصيغة: ((أفعل))، كأن يقال: ((أوثق الخلق)) و((أثبت الناس)). نكت الزركشي ٣ / ٤٣١، وفتح المغيث ١ / ٣٦٣ . (٧) الجرح والتعديل ٢ / ٣٧ . ٢٤٢ قُلْتُ: وكَذَا إذا قِيْلَ ثَبْتُ أوْ حُجَّةٌ (١)، وكَذَا إذا قِيْلَ فِي العَدْل: إنَّهُ حَـافِظٌ أوْ ضَابِطٌ ، والله أعْلَمُ . الثّانيةُ: قَالَ ابنُ أبي حاتم: ((إذا قِيْلَ: إِنَّهُ صَدُوْقٌ، أوْ مَحَلُّهُ الصِّدْقُ (٢)، أوْ لاَ بأسَ بِهِ ، فَهِوَ مِمَّنْ يُكْنَبُ حَدِيْثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ ، وَهِيَ المنْزِلَةُ الثَّانِيَّةُ)) (٣) . قُلْتُ : هذا كما قالَ؛ لأنَّ هذه العِبَاراتِ لاَ تُشْعِرُ بِشَرِيْطَةِ الضَّبْطِ ، فَيُنْظَرُ في حَدِيْثِهِ وَيُخْتَبَرُ حَتَّى يُعْرَفَ ضَبْطُهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ طرِيْقِهِ في أوّلِ هذا النَّوْعِ . وإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ النَّظَرَ المعرِّفَ لكَوْنِ ذَلِكَ المحدِّثِ في نفسِهِ ضابطاً مُطْلَقاً، واحْتَجْنا إلى حديثٍ مِنْ حديثِهِ ، اعتبَرْنا ذلكَ الحديثَ ونَظَرْنَا: هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايةِ غَيْرِهِ؟ كما تَقَدَّمَ بيانُ طَرِيْقِ الاعتِبَارِ فِي النَّوْعِ الخامِسَ عَشَرَ . ومشْهُورٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بنِ مَهْدِيِّ (٤) - القُدْوَةِ في هذا الشَّأْن - أنَّهُ حدَّثَ ، فقالَ: (( حَدَّثَّنا أبو خَلْدَةَ)) (٥) ، فَقِيْلَ لهُ: ((أَكَانَ ثِقَةً؟))، فقالَ: «كَانَ صَدُوْقاً، وكَانَ مَأْمُوْناً، وكَانَ خَيِّراً - وفي روايةٍ : وكَانَ خِيَاراً - الثّقَةُ شُعْبَةُ وسُفْيَانُ)) (٦) . ثُمَّ إِنَّ ذلكَ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ ، قَالَ: ((قُلْتُ لَيَحْتَى بِنِ مَعِيْنِ (٧): إِنَّكَ (١) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٣٢، ومحاسن الاصطلاح: ٢٣٧، والتقييد والإيضاح : ١٥٧. (٢) راجع التقييد والإيضاح: ١٥٨، وتدريب الراوي ١/ ٣٤٥، والنكت والوفية: ٢٣٦/ ب، ومباحث في علم الجرح والتعديل : ٣٩ . (٣) الجرح والتعديل ٢ / ٣٧ . (٤) انظر: محاسن الاصطلاح : ٢٣٨، والتقييد : ١٥٨. (٥) هو خالد بن دينار التميمي السعدي ، وأبو خلدة البصري الخياط ، مشهور بكنيته ، تابعي صغير ، توفي سنة ( ١٥٢ هـ ) . وخَلْدَة - بفتح المعجمة وسكون اللام -. انظر: الكاشف ١ / ٣٦٣، والتقريب ( ١٦٢٧ ). (٦) الكنى والأسماء للدولابي ١/ ١٦٥، والجرح والتعديل ٣/ ٣٢٨، والكفاية: (٥٩ -٦٠ ت، ٢٢ هـ). (٧) راجع نكت الزركشي ٣ / ٤٣٣ - ٤٣٤. ٢٤٣ تَقُولُ : فُلانٌ ليسَ بِهِ بأسٌ ، وفلانٌ ضَعِيْفٌ؟ قَالَ: إذا قُلْتُ لكَ: ليسَ بِهِ بأسٌ ، فهوَ ثِقَةٌ ، وإذا قُلْتُ لَكَ: هُوَ ضَعِيْفٌ، فَلَيْسَ هُوَ بِثِقَةٍ، لَا يُكْتُبُ (١) حَدِيْثُهُ)) (٢) . قُلْتُ: لَيْسَ في هذا (٣) حكَايَةُ ذلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أهْلِ الحديثِ ، فإِنَّهُ نَسَبَهُ إلى نَفْسِهِ خاصَّةً بخِلاَفِ ما ذَكَرَهُ ابنُ أبي حاتِمٍ ، والله أعلمُ . الثَّالِثَةُ: قَالَ ابنُ أبي حاتِمٍ : (( إذا قيلَ: شَيْخٌ (٤)، فهوَ بالمنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ، يُكْتُبُ حدِيْثُهُ، وَيُنْظَرُ فِيهِ ، إلّ أَنَّهُ دُوْنَ الثَّانِيَةِ)) (٥) . الرَّابِعَةُ: قالَ: ((إذا قِيْلَ: صَالِحُ الحديثِ، فَإِنَّهُ يُكْتُبُ حدِيْثُهُ للاعْتِبَارِ)) (٦). قُلْتُ: وقدْ جَاءَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بنِ سِنَانِ، قالَ: (( كَانَ عَبْدُ (٧) الرحمانِ بنُ مَهْدِيٌ رُبَّما حَرَى ذِكْرُ حديثِ الرجلِ فيهِ ضَعْفٌ ، وهو رجلٌ صَدوقٌ ، فيقولُ: رجلٌ صَالِحُ الحديثِ)) (٨) . والله أعلمُ. وأمَّا ألفاظُهُمْ في الجرْحِ فهيَ أيضاً عَلَى مَرَاتِبَ : (١) في (ع): ((لا تكتب)). (٢) الكفاية: ( ٦٠ ت، ٢٢ هـ) . (٣) لم ترد في ( ب ). (٤) قال ابن القطان ٤ / ٦٢٧ عقب (٢١٨٤): ((فأما قول أبي حاتم فيه: ((شيخ)) فليس بتعريف بشيء من حاله إلا أنه مقل ليس من أهل العلم ، وإنما وقعت له رواية أخذت عنه . وقال الزركشي ٣ / ٤٣٤: (( قال الحافظ جمال الدين المزي: المراد بقولهم: ((شيخ)) أنه لا يترك ولا يحتج بحديثه مستقلا)). وقال ابن القطان في الوهم والإيهام: ((يعنون بذلك أنه ليس من طلبة العلم، وإنما هو رجل اتفقت له رواية في الحديث أو أحاديث أخذت عنه)). وراجع مباحث في علم الجرح والتعديل : ٣٩ إذ ذكر هذا القول الأخير عن ابن القطان. (٥) الجرح والتعديل ٢ / ٣٧ . (٦) المصدر السابق . (٧) في ( ع ) : ((عبداً)) ، خطأ قبيح . (٨) الكفاية: ( ٦٠ ت، ٢٣ هـ ) . ٢٤٤ أُوْلاَها : قَوْلُهُمْ: لَيِّنُ الحديثِ . قالَ ابنُ أبي حاتِمٍ : إذا أجأبُوا في الرجلِ بـ: لَيِّنِ الحَدِيثِ ، فهوَ مِمَّنْ يُكْتُبُ حديثُهُ ويُنْظَرُ فِيهِ اعتباراً)) (١) . قُلْتُ: وسَأَلَ حَمْزَةُ بنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ (٢) أبا الحسَنِ الدَّار قطنيَّ الإِمامَ ، فقالَ لهُ: (( إذا قُلْتَ: فلانٌ لَِّنُ أَيْشِ (٣) تُرِيْدُ بِهِ؟ قالَ : لاَ يَكونُ سَاقِطاً مترُوكَ الحديثِ ولكنْ مجرُوحاً (٤) بشيءٍ لاَ يُسْقِطُ عَنِ العدالَةِ)) (٥). الثّانيةُ: قالَ ابنُ أبي حاتِمٍ: ((إذا قَالُوا: ليسَ بِقَوِيٌّ (٦)، فَهوَ بِمَنْزِلَةِ الأَوَّل في كَتْبِ حَدِيْثِهِ ، إلاَّ انَّهُ دُوْنُهُ)) (٧) . الثَّالِيَةُ: قَالَ: ((إذا قَالُوا: ضَعِيْفٌ، فهوَ دُوْنَ الثّاني، لاَ يُطْرَحُ حديثُهُ بَلْ يُعْتَبَرُ بهِ)) (٨). الرَّابِعَةُ: قَالَ: ((إذا قَالُوا: مَتْرُوكُ الحديثِ ، أَوْ ذَاهِبُ الحديثِ ، أو كَذَابٌ فهوَ سَاقِطُ الحديثِ لاَ يُكْتُبُ حديثُهُ وَهِيَ المِنْزِلَةُ الرَّابِعَةُ)) (٩) . قالَ الخطيبُ أبو بكرٍ : (( أرفعُ العباراتِ في أحوالِ الرواةِ أنْ يُقَالَ: حُجَّةٌ أو ثِقَةٌ ، وأُدْوَنُها أنْ يُقَالَ: كَذَّابٌ ، سَاقِطٌ)) (١٠). (١) الكفاية : ( ٦٠ ت، ٢٣ هـ) . (٢) سؤلات السهمي : ٧٢ . (٣) المعنى : أي شيء . (٤) في المطبوع من سؤلات السهمي: (( ولكن يكون مجروحاً)). (٥) الكفاية: ( ٦٠ ت، ٢٣ هـ ) . (٦) قال الذهبي في الموقظة: ٨٢: ((وقد قيل في جماعات: ((ليس بقوي)) واحتجّ به، وهذا النسائي قد قال في عدة : (( ليس بالقوي))، ويخرج لهم في كتابه قال: قولنا: ليس بالقوي ليس بجرح مفسد )). (٧) الجرح والتعديل ٢ / ٣٧ . (٨) المصدر السابق . (٩) المصدر نفسه . (١٠) الكفاية : ( ٥٩ ت، ٢٢ هـ ). تنبيه: بعد هذا في (ع): ((الحديث))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا (م)، بل ولا حتى في الكفاية. ٢٤٥ أُخْبَرَنَا أبو بَكرٍ بِنُ عَبْدِ المنعِمِ الصَّاعِدِيُّ الفُرَاوِيُّ قِرَاءَةً عليهِ بنَيْسَابورَ ، قَالَ : أخْبَرَنَا محمدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ الفارِسِيُّ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحسينِ البيهقيُّ الحافِظُ ، قالَ: أخْبَرَنَا أبو (١) الحسين بنُ الفَضْلِ ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا (٢) يَعقوبُ بنُ سُفيانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أحمدَ بنَ صَالِحٍ، قَالَ: ((لاَ يُتْرَكُ حديثُ ء رَجُلٍ حَتَّى يَجْتَمِعَ الجميعُ عَلَى تَركِ حديثِهِ . قَدْ يُقَالُ: فُلانٌ ضَعِيْفٌ، فأمَّا أنْ يُقَالَ : فُلاَنَّ مَتْرُوكٌ فِلاَ ، إلاَّ أنْ يُجْمِعَ الجميعُ عَلَى تَرْكِ حَدِيْثِهِ (٣). ومِمَّا لَمْ يَشْرَحْهُ ابنُ أبي حاتِمٍ وغَيْرُهُ مِنَ الألفاظِ (٤) المستعملةِ في هذا الباب قَوْلُهُمْ: فُلانٌ قَدْ رَوَى الناسُ عنهُ، فُلاَنٌ وَسَطٌ ، فُلاَنٌ مُقَارَبُ الحديثِ (٥) ، فلاَنٌ مُضْطَرِبُ الحديثِ ، فُلاَنْ لاَ يُحْتَجُّ بِهِ (٦) ، فُلاَنٌ مَجْهُولٌ ، فُلاَنٌ لا شيءَ ، فلاَنٌ ليسَ بِذَاكَ - وَرُبَّمَا قِيْلَ: لَيْسَ بِذَاكَ (٧) القَوِيّ - فُلاَنٌ فيهِ أو في حديثِهِ ضَعْفٌ - وهوَ في الجرْحِ أقَلُّ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلاَنٌ ضَعِيْفُ الحديثِ - فلاَنٌ مَا أعْلَمُ بِهِ بَأُساً - وهوَ في التَّعْدِيلِ دُونَ قَوْلِهِمْ: لاَ بأسَ بِهِ ، وما مِنْ لَفْظَةٍ منها ومِنْ أَشْبَاهِها إلاَّ وَلَها نَظِيْرٌ شَرَحْنَاهُ أو أصْلِ أَصَّلْنَاهُ ، يُتَنَّهُ (٨) إِنْ شَاءَ اللهُ بِهِ عليها ، والله أعلمُ . (١) سقطت من ( ع). (٢) في (م ): ((أنبأنا)). (٣) الكفاية: (١٨١ ت، ١١٠ هـ). (٤) انظر: التقييد والإيضاح : ١٦٠ - ١٦١. (٥) قال ابن العربي في عارضة الأحوذي ١٧/١ - ١٨: ((يُروى - بفتح الراء وكسرها - وبفتحها قرأته، فمن فتح أراد : أن غيره يقاربه في الحفظ ، ومن كسر أراد : أنه يقارب غيره ، فهو في الأول مفعول ، وفي الثاني فاعل، والمعنى واحد))، وقيل غير ذلك. انظر تفصيل ذلك في نكت الزركشي ٣ / ٤٣٥، والتقييد: ١٦٢، والنكت الوفية: ٢٣٦/ ب، ومحاسن الاصطلاح: ٢٤٠، وفتح المغيث ٣٩٤/١. (٦) انظر: التقييد : ١٦١ . (٧) في (أ) و (ب): ((بذلك)). (٨) في (م): ((ينبه )) . ٢٤٦ النَّوْعُ الرَّابِعُ والعِشْرُوْنَ مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ سَمَاعِ الْحَدِيْثِ وتَحَمُّلِهِ وَصِفَةٍ ضَبْطِهِ اعْلَمْ أنَّ طُرُقَ نَقْلِ الحديثِ وتَحَمُّلِهِ عَلَى أنواعٍ مُتَعدِّدَةٍ ، ولنُقَدِّمْ عَلَى بَيَانِها بَيَانَ أُمُورٍ : أَحَدُها: يَصِحُّ التَّحَمُّلُ قَبلَ وُجُودِ الأَهْلِيَّةِ فَتَقْبَلُ روايَةُ (١) مَنْ تَحَمَّلَ قَبْلَ الإِسْلامِ وَرَوَى بَعْدَهُ، وكَذَلِكَ روايَةُ مَنْ سَمِعَ قَبْلَ الْبُلُوغِ (٢) وَرَوَى بَعْدَهُ ومَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَومٌ فأخْطَؤُوا؛ لأنّ الناسَ قَبُوا روايَةَ أحداثِ الصَّحَابَةِ ، كالحَسَنِ بنِ عليٍّ وابنٍ عَّاسٍ، وابنٍ الزُّبَيْرِ ، والنُّعْمانِ بنِ بَشِيْرِ، وأَشْبَاهِهِمْ (٣)، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَحَمَّلُوهُ قَبْلَ الْبُلُوْغِ وَمَا بَعْدَهُ (٤) ، ولَمْ يَزَالُوا قَدِيْماً وَحَدِيْثاً يُحْضِرُونَ الصِّبْيَانَ مَحَالِسَ التَّحْدِيْثِ وَالسَّمَاعِ وَيَعْتَدُّوْنَ بِرِوَايَتِهِمْ (٥) لِذَلِكَ ، والله أعلمُ . الثّاني: قَالَ أبو عبدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ: (( يُسْتَحَبُّ كَتْبُ الحديثِ في العشرينَ؛ لأَّها مُحْتَمَعُ العَقْلِ - قَالَ - وَأُحِبُّ أنْ يَشْتَغِلَ دُوْنُها بحِفْظِ القُرْآنِ والفَرَائِضِ» . وَوَرَدَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيّ ، قَالَ: ((كَانَ الرَّجُلُ إذا أَرَادَ أنْ يَطْلُبَ الحديثَ تَعَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً)) (٦) . (١) للتمثيل على ذلك، انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٥٩. (٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٦١ . (٣) وقد بوّب الخطيب في الكفاية: (١٠٣ - ١١٩ ت، ٥٤ - ٦٦ هـ): ((باب ما جاء في صحة سماع الصغير))، وأورد فيه جملة من الآثار التي حفظها صغار الصحابة ، ومن بعدهم، وحدّثُّوا بها بعد ذلك وقبلت عنهم )) . (٤) لذلك قال ابن الأثير في جامع الأصول ١ / ٧١: (( أما إذا كان طفلاً عند التحمل، مميزاً بالغاً عند الرواية ، فتقبل ؛ لأن الخلل قد اندفع عن تحمله وأدائه )) . (٥) قال البلقيني في المحاسن: ٢٤١: ((الاعتداد بتحملهم في حال الصبا، ليرووه بعد البلوغ، هو المعروف ، وشذ قوم فجوّزوا رواية الصبي قبل بلوغه ، وهو وجه عند الشافعية، والمشهور الأول. ولهم وجه آخر بالمنع من التحمل قبل البلوغ، وقد تقدّمت حكايته عن قوم)). وانظر: نكت الزركشي ٤٦٢/٣- ٤٦٣. (٦) المحدّث الفاصل: ١٨٧، والكفاية: (١٠٤ ت، ٥٤ هـ ). ٢٤٧ وَقِيْلَ لِمُوسَى بِنِ إِسْحَاقَ: ((كَيْفَ لَمْ تَكْتُبْ(١) عَنْ أَبِي تُعَيْمِ؟))(٢)، فقالَ: (( كَانَ أهلُ الكُوْفَةِ لاَ يُخْرِجُونَ أوْلاَدَهُمْ فِي طَلَبِ الحديثِ صِغَاراً حَتَّى يَسْتَكْمِلُوا عِشْرِينَ سَنَةً)(٣). وقَالَ مُؤْسَى بِنُ هَارُوْنَ: «أَهْلُ البَصْرَةِ يَكْتُبُونَ لِعَشْرِ سِنِيْنَ، وأهْلُ الكُوْفَةِ ◌ِعِشْرِينَ ، وأهلُ الشَّامِ لِثَلاَثِينَ)) (٤) ، والله أعلمُ . قُلْتُ: ويَنْبَغِي بَعْدَ أنْ صَارَ المُلْحُوظُ إِبْقَاءَ سِلْسِلَةِ الإِسْنَادِ أنْ يُبَكِّرَ بإِسْمَاعِ الصَّغِيْرِ في أوَّلِ زَمَانِ يَصِحُّ فيهِ سَمَاعُهُ . وأمَّا الاشْتِغَالُ بِكِتْبَةِ الحديثِ (٥) ، وتَحْصِلِهِ، وضَبْطِهِ، وتَقْبِيدِهِ ، فَمِنْ حِيْنَ يَتَأَمَّلُ لِذَلِكَ وَيَسْتَعِدُّ لَهُ. وذَلِكَ يَخْتَلِفُ باخْتِلاَفِ الأشْخَاصِ، وَلَيْسَ يَنْحَصِرُ فِي سِنِّ (٦) مَخْصُوصِ كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ آنِفاً عَنْ قَوْمٍ ، والله أعلمُ . الثّلِثُ: اخْتَفُوا فِي أَوَّلِ زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ سَمَاعُ الصَّغِيْرِ (٧). فَرُوِيْنَا عَنْ مُؤْسَى بِنِ هَارُونَ الحمَّالِ (٨) - أحَدِ الْحُفَاظِ النّقَادِ - أَنَّهُ سُئِلَ: ((مَتَى يَسْمَعُ الصَِّيُّ الحديثَ؟ ))، فقالَ: إِذَا فَرَّقَ بينَ البَقَرَةِ والدََّبَّةِ)) ، وَفِي روايةٍ: (( بينَ البَقَرَةِ والحِمَارِ)) (٩). وَعَنْ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ ◌َُ أَنَّهُ سُئِلَ: «مَتَى يَجُوزُ سَمَاعُ الصَّبِيِّ (١) في (أ): ((ولم يكتب))، وفي ( ب): (( لا يكتب)). (٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٦٢ - ٤٦٣ . (٣) المحدّث الفاصل: ١٨٦، والكفاية : (١٠٤ ت، ٥٤ - ٥٥ هـ ). (٤) المحدّث الفاصل: ١٨٧، والكفاية : (١٠٤ ت، ٥٥ هـ ). (٥) في (ع): ((بكتبه الحديث))، وما أثبتناه من (أ) و (ب) و (م) والشذا الفياح، وراجع حاشية المحاسن: ٢٤٢، وتاج العروس ٤ / ١٠٠ وما بعدها . (٦) في ( ب ): ((شخص )) . (٧) فصّل الزركشي ذلك في نكته ٣ / ٤٦٣ - ٤٦٨. (٨) تشير المصادر إلى أن (الحمّال) لقب لأبيه - وهو بالحاء المهملة وتشديد الميم-، هذه النسبة إلى حمل الأشياء وإنما سُمِّيَ حَمّالاً ؛ لأنه حمل رجلاً في طريق مكة على ظهره، فانقطع به فيما يقال. وفي الأنساب ٢ / ٢٩٨: ((وهارون كان بزازاً فتزهد فصار يحمل الأشياء بالأجرة ويأكل منها ، وقيل : إنه لُقِّبَ بالحمّال؛ لكثرة ما حمل من العلم )). وانظر: تهذيب الكمال ٣٧٨/٧ وسير أعلام النبلاء ١١٥/١٢، ولكنَّ كلام صاحب الأنساب ٢٩٧/٢ يُشْعِرِ أن هذا اللقب اشتهر به ابنه أيضاً وبقي عليه. (٩) انظر الروايتين في: الكفاية: (١١٧ - ١١٨ ت، ٥٦ هـ ). ٢٤٨ للحديثٍ؟))(١)، فقالَ: ((إذا عَقَلَ وَضَبَطَ))، فَذُكِرَ لَهُ عَنْ رَجُلِ أَنَّهُ قَالَ: ((لاَ يَجُوزُ سَمَاعُهُ حَتَّى يَكُونَ(٢) لَهُ خَمسَ عَشْرَةَ سَنَةً)، فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ، وقَالَ: ((بْسَ القَوْلُ!))(٣). وأخْبَرَنِي الشيخُ أبو محمدٍ عَبدُ الرحمانِ بنُ عَبدِ اللهِ الأسدِيُّ عَنْ أبي محمدٍ عبدِ الله ابن محمدٍ الأشِيريّ ، عَنِ القاضي الحافِظِ عِيَاضِ بنِ مُؤْسَى السَّيْتِيِّ (٤) الْيَحْصُبيِّ (٥)، قالَ: ((قَدْ حَدَّدَ أهْلُ الصَّنْعَةِ فِي ذَلِكَ أنْ أَقَلْهُ سِنُّ محمودِ بنِ الرَّبِيْعِ)) (٦) . وذَكَرَ روايةً البخاريّ في " صحِيْحِهِ " (٧) بَعْدَ أنْ تَرْجَمَ: ((مَتى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيْرِ؟ )) بإسْنادِهِ عَنْ محمودِ بنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: ((عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ بَ﴿ مَجَّةً (٨) مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمسِ سِيْنَ مِنْ دَلْوٍ))، وفي روايةٍ أُخْرِى: أَنَّهُ كَانَ ابنُ أربعٍ سِنِيْنَ (٩) . قُلْتُ: التَّحْدِيدُ بَخَمْسِ هُوَ الذي اسْتَقَرَّ عليهِ عَمَلُ أهلِ الحديثِ المتأخِّرِينَ، فيكْتُبُونَ لابنِ خَمْسٍ فَصَاعِداً سَمِعَ، ولِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْساً، حَضَرَ، أو أُحْضِرَ. والذي ينبغي في (١) ارجع إلى تفصيل ذلك في نكت الزركشي ٣ / ٤٦٨ - ٤٧٠. (٢) في ( ب ) : (( تكون)) . (٣) الكفاية: (١١٣ ت، ٦١ هـ ) مع بعض الاختلاف. (٤) نسبة إلى سبتة - بفتح السين ، وقيل بالكسر وسكون الباء - مدينة مشهورة بالمغرب . انظر : معجم البلدان ٣ / ١٨٢، والتاج ٤ / ٥٤٢ . (٥) بفتح الياء المثناة ، وسكون الحاء المهملة ، وضم الصاد المهملة وفتحها وكسرها . وفيات الأعيان ٤٨٥/٣، والتاج ٢ / ٢٨٦ . (٦) الإلماع : ٦٢ . (٧) صحيح البخاري ١ / ٢٩ عقب (٧٧) باب: ((حتى يصح سماع الصغير)) و ١ / ٥٦ عقب (١٨٩) باب : استعمال وضوء الناس . وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه ١٢٦/٢ (٣٣)، وابن ماجه (٦٦٠)، والنسائي في عمل اليوم والليلة ( ١١٠٨ )، وابن خزيمة ( ١٧٠٩ ). (٨) مَجَّة - بفتح الميم وتشديد الجيم المعجمة - ، والمجّ: هو إرسال الماء من الفم، وقيل: لا يسمّى جّاً إلا إن كان على بعد. وفعله النبي ◌َ ◌ّ مع محمود إما مداعبة معه، أو ليبارك عليه بها، كما كان شأنه مع أولاد الصحابة . فتح الباري ١ / ١٧٢ . (٩) الإلماع : ٦٣. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ١ / ١٧٣ عقب (١٨٧)، وذكر القاضي عياض في الإلماع وغيره أن بعض الروايات أنه كان ابن أربع ، ولم أقف على هذا صريحاً في شيء من الروايات بعد التتبع التام ، إلا إذا كان ذلك مأخوذاً من قول صاحب الاستيعاب ٣ / ٤٢٢: ((إنه عقل مجة، وهو ابن أربع سنين أو خمس )) . ٢٤٩ ذلكَ أنْ يُعْتَبَرَ (١) فِي كُلِّ صَغِيْرِ حَالُهُ عَلَى الخصُوصِ، فإنْ وجَدْنَاهُ مُرْتَفِعاً عَنْ حَالِ مَنْ لاَ يَعْقِلُ فَهْماً للخطابِ وَردّاً للجوابِ ونحوَ ذلكَ صَحَّحْنا سَماعَهُ، وإِنْ كَانَ دُونَ خَمسٍ. وإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ نُصَحِّحْ سَمَاعَهُ ، وإِنْ كَانَ ابنُ خَمْسٍ ، بَلِ ابنُ خَمْسِيْنَ . وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ إِبراهِيْمَ بِنِ سَعِيْدٍ الجوْهَرِيِّ، قالَ: «رأيتُ صَيّاً ابنَ أرَبَعِ سِنِيْنَ، قَدْ (٢) حُمِلَ إلى المأُمُونِ قَدْ قَرَّأَ القُرآنَ، ونَظَرَ فِي الرَّأْىِ، غيرَ أنَّهُ إذا جاعَ يَبْكِي!)) (٣) . وعَنِ القاضي أبي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ الأَصْبهانيّ ، قَالَ: «حَفِظْتُ القُرْآنَ ولِي خَمسُ سِنِيْنَ، وحُمِلْتُ إلى أبي بكرِ بنِ الْمُفْرِئِ لأسْمَعَ منهُ ، ولِي أَرَبَعُ سِنِيْنَ ، فَقَالَ بَعْضُ الحاضرينَ: لاَ تُسَمِّعُوا(٤)لَهُ فيما قُرِئَ فإنَّهُ صَغِيرٌ، فقالَ لي ابنُ المغْرِئِ: اقْرَأْ سُوْرَةَ الكَافِرِيْنَ، فَقَرَأْتُها، فقالَ: اقْرَأْ سُوْرَةَ التَّكْوِيرِ، فقرأتُها، فقالَ لِي غَيْرُهُ: اقْرَأْ سُوْرَةَ والمرْسَلات، فقرَأْتُها، وَلَمْ أَغْلَطْ فيها، فقالَ ابنُ المقرِئِ: سَمِّعُوا لَهُ والعُهْدَةُ عَلَيَّ)(٥). وأمَّا حديثُ محمودِ بنِ الرَّبِيْعِ (١) في (جـ): ((تعبر))، وفي (م) والشذا: ((تعتبر)). (٢) في (ع ) والتقييد: ((وقد)). (٣) هذه القصة أوردها الخطيب في الكفاية: (١١٧ ت، ٦٤ هـ ) بسند ضعيف، فيه أحمد بن كامل القاضي ، قال الذهبي في الميزان ١ / ١٢٩: ((لَيّنه الدارقطني. وقال: كان متساهلاً ومشَّاه غيره ، وكان من أوعية العلم ، كان يعتمد على حفظه فيَهمْ )). قال العراقي في التبصرة والتذكرة ٢ / ٨٧: ((والذي يغلب على الظن عدم صحة هذه الحكاية وقد رواها الخطيب في الكفاية بإسناده وفي سندها أحمد بن كامل القاضي ، وكان يعتمد على حفظه فيهم ، وقال الدارقطني كان متساهلاً)) . وقال في التقييد والإيضاح: ١٦٥: ((أحسن المصنف في التعبير عن هذه الحكاية بقوله: بلغنا ولم يجزم بنقلها ، فقد رأيت بعض الأئمة من شيوخنا يستبعد صحتها ، ويقول على تقدير وقوعها لم يكن ابن أربع سنين ، وإنما كان ضئيل الخلقة فيظن صغره . والذي يغلب على الظن عدم صحتها . وقد مال الزركشي في نكته ٣ / ٤٧١ إلى خلاف ما ذهب إليه العراقى، وانظر: تاريخ بغداد ٣٥٦/٤ ، وسير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٤٤، وميزان الاعتدال ١ / ١٢٩، ولسان الميزان ١ / ٢٤٩ . (٤) أي : لا تكتبوا له سماعاً . (٥) الكفاية : ( ١١٧ ت ، ٦٤ - ٦٥ هـ ) . ٢٥٠ فَيَدُلُّ على صِحَّةٍ ذَلِكَ مِنِ ابنِ خَمْسٍ مِثْلٍ محمودِ، ولاَ يَدِلُّ عَلَى انتفاءِ الصِّحَّةِ فيمَنْ لَمْ يَكُنْ ابنَ خمسٍ ولاَ عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَنْ كَانَ ابنَ خمسٍ وَلَمْ يُمِّرْ تَمْيِيزَ محمودٍ رَضُه، والله أعلمُ . بَيَانُ أَقْسَامِ طُرُقِ تَقْلِ الْحَدِيْثِ وتَحَمُّلِهِ ومَجَامِعُهَا (١) ثَمَانِيَّةُ أُقْسَامٍ : القِسْمُ (٢) الأوَّلُ: السَّمَاعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ ، وهوَ يَنقسمُ إلى إمْلاَءِ، وتحديثٍ مِنْ غَيْرِ إِمْلاَءٍ، وسَواءٌ كَانَ مِنْ حِفْظِهِ أوْ مِنْ كِتَابِهِ. وهَذَا القِسْمُ أرفَعُ الأَقْسَامِ (٣) عِنْدَ الجماهِيْرِ . وفِيْما نَرْوِيِهِ عَنِ القاضِي عِياضِ بنِ موسَى السَّيْنِيِّ - أحَدِ المتَأَخِّرِينَ المطَّلِعِينَ - قولُهُ : ((لاَ خِلاَفَ أَنَّهُ يَجُوزُ في هذا أنْ يَقُولَ السَّامِعُ منهُ: حَدَّثَنَا (٤)، وأَخْبَرَنا، وأَنْبَأَنَا ، وسَمِعْتُ فُلاَنَاً يَقُولُ، وَقَالَ لَنَا فُلاَنٌ، وذَكَرَ لَنَا فُلاَنٌ)) (٥). قُلْتُ: في هذا نَظَرٌ (٦) ، ويَنْبَغِي فِيْمَا شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ هذه الألْفَاظِ مَخْصُوصـاً بِما سُمِعَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الشَّيْخِ - عَلَى مَا نُبَيِّئُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - أَنْ لاَ يُطْلَقَ فِيْما سُمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِنْهَامِ والإِلْبَاسِ ، والله أعْلَمُ . وذَكَرَ الحافِظُ أبو بَكْرِ الخَطِيْبُ: أَنْ أَرْفَعَ العِباراتِ (٧) فِي ذَلِكَ: سَمِعْتُ، ثُمَّ : حدَّثَنَا وَحَدَّثَنِي ، فَإِنَّهُ لاَ يَكَّدُ أحَدٌ يَقُولُ : سَمِعْتُ فِي أخَّادِيْثِ الإِجَازَةِ والمكَاتَّبَةِ ولاً في تَدْلِيسٍ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ (٨) . وكَانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ فيما أُجْزَ لَهُ: حَدَّثَنَا. وَرُوِيَ عَنِ الحسَنَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أبو هُرَيْرَةَ (٩)، ويَتَأَوْلُ أَنَّهُ حَدَّثَ أهْلَ المدِينَةِ، وَكَانَ الحسَنَّ إِذْ ذَاكَ بِهَا إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئاً . (١) في ( ب): ((يجمعها)). (٢) كلمة : ((القسم )) لم ترد في ( م ) . (٣) راجع : ما كتبه الزركشي ٣ / ٤٧٢ بخصوص هذا . (٤) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٧٣ . (٥) الإلماع : ٦٩ . (٦) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٧٤. (٧) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٧٥ - ٤٧٦. (٨) الكفاية : (٤١٣ ت، ٢٨٤ هـ ) . (٩) الكفاية : (٤١٣ ت، ٢٨٤ هـ)، وانظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٧٦ - ٤٧٨، وتعليقنا على شرح التبصرة ٢ / ٩٠ - ٩١. ٢٥١ قُلْتُ: ومِنْهُمْ مَنْ أَتْبَتَ لَهُ سَمَاعاً مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (١) ، والله أعلمُ. ثُمَّ يَتْلُو ذَلِكَ قَوْلُ: أَخْبَرَنا وَهَوَ كَثِيْرٌ في الاسْتِعْمالِ ، حَتَّى إِنْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلٍ العِلْمِ كَانُوا لاَ يَكَادُونَ يُخْبِرُونَ عَمَّ سَمِعُوهُ مِنْ لَفْظٍ مَنْ حَدَّتَهُمْ إلَّ بِقَوْلِهِمْ: أَخْبَرَنا ، مِنْهُم : حَمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، وعَبْدُ اللهِ بنُ المبارَكِ ، وهُشَيْمُ بِنُ بَشِيْرٍ وعُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوسَى ، وعَبْدُ الرَّزَاقِ بِنُ هَمَّامٍ ، وَيَزِيْدُ بِنُ هَارُونَ ، وعَمْرُو بنُ عَوْنٍ وَيَحْتَى بِنُ يَخْتَى النَّمِيْمِيُّ ، وإسْحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ ، وأبو مَسْعُودٍ أحمدُ بنُ الفُرَاتِ، ومحمَّدُ بنُ أُيُوبَ الرَّازِيَّانِ ، وغَيْرُهُمْ (٢). وذَكَرَ الخطيبُ عَنْ محمَّدٍ بِنِ رَافِعٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ: أَخْبَرَنا حَتَّى قَدِمَ أحمدُ بنُ حَنْبَلِ وَإِسْحَاقُ بنُ رَاهَوِيهِ فقَالاَ لَهُ: قُلْ: ((حَدَّثَنَا)) ، فَكُلُّ مَا سَمِعْتَ مَعَ هَؤْلاَءِ قالَ: ((حَدَّثَّنَا))، ومَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ: ((أَخْبَرَنا))(٣). وعَنْ محمَّدٍ بنِ أبي الفَوَارِسِ الْحَافِظِ، قَالَ: هُشَيْمٌ، وَيَزِيْدُ بنُ هَارُونَ، وعَبْدُ الرَّزَاقِ لاَ يَقُولُونَ إلاَّ: ((أُخْبَرَنا))، فإذا رَأَيْتَ: ((حَدَّتْنَا))، فَهُوَ مِنْ خَطَأِ الكَاتِبِ (٤)، واللهُ أعلمُ . قُلْتُ: وَكَانَ هذا كُلُّهُ قَبْلَ أنْ يَشِيْعَ تَخْصِيْصُ أَخْبَرَنَا بِمَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ ، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَ أَخْبَرَنا قَوْلُ أَثْبَأَنَا وَنَبَّأَنًا، وهوَ قَلِيْلٌ فِي الاسْتِعْمَالِ . قُلْتُ: حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنا أرفعُ مِنْ سَمِعْتُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وهيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي سَمِعْتُ دِلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَوَّاهُ الحديثَ وَخَاطَبَهُ بهِ ، وفي حدَّثَنَا، وأخْبَرَنا دلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِهِ ورَوَّهُ لَهُ أوْ هُوَ مِمَّنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. سَأَلَ الخطِيْبُ أبو بَكْرِ الحافِظُ (٥) شَيْخَهُ أبا بَكْرٍ البَرْقَائِيّ (٦) الفَقِيْهَ الحافِظَ - رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَلَى - عَنِ السِّرِّ فِي كَوْنِهِ يَقُولُ فيما رَوَاهُ لَهُمْ (١) انظر: جامع التحصيل: ١٦٤، ونكت الزركشي ٣ / ٤٧٦ - ٤٧٨. (٢) هذا النص في الكفاية : (٤١٣ - ٤١٤ ت، ٢٨٤ - ٢٨٥ هـ ) . (٣) الكفاية : (٤١٥ ت - ٢٨٦ هـ ). (٤) المصدر السابق . (٥) الكفاية : ( ٤١٧ ت، ٢٨٧ هـ ) . (٦) قال الزركشي ٣ / ٤٨٧: ((مثل هذه الحكاية ما روي عن النسائي أنه فيما رواه عن الحارث ابن مسكين يقول : قراءةً عليه وأنا أسمع ، ولا يقول : أخبرنا ولا حدثنا فإن الحارث كان يتولى قضاء مصر ، وبينه وبين النسائي خشونة لم يمكنه حضور مجلسه ، فكان يتستر في موضع ويسمع حيث لا يراه أحد فلذلك تورع وتحرى )) . ٢٥٢ عَنْ أَبِي القَاسِمِ عَبْدِ اللهِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الْجُرْجَانِيِّ الآبَتْدُونِيِّ (١) ، سَمِعْتُ ولاَ يَقُولُ حَدَّثَنَا ، ولاَ أخْبَرَنَا فَذَكَرَ لهُ أنَّ أبا القاسِمٍ كَانَ مَعَ ثِقَتِهِ وصَلاَحِهِ عَسِراً (٢) فِي الرِّوَايَةِ ن فَكَانَ البَرْقَائِيُ يَجْلِسُ بَحَيْثُ لاَ يَرَاهُ أبو القَاسِمِ وَلاَ يَعْلَمُ بحضُورِهِ ، فَيَسْمَعُ منهُ (٣) ما يُحَدِّثُ بهِ الشَّخْصَ الدَّاخِلَ إليهِ فَلِذَلِكَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ولاَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا، وَلاَ أَخْبَرَنا؛ لأنَّ قَصْدَهُ كَانَ الروايةُ للدَّاخِلِ إِليهِ وَحْدَهُ . وأمَّا قَوْلَهُ، قَالَ لنا فُلاَنٌ (٤)، أو ذَكَرَ لنا فلانٌ فَهِوَ مِنْ قَبْلٍ قَوْلِهِ: حَدَّثَنَا فُلاَنٌ؛ غَيْرَ أَّهُ لاَئِقٌ بما سَمِعَهُ منهُ في المذَاكَرَةِ وهوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ حَدَّثَنَا . وَقَدْ حَكَيْنَا فِي فَصْلِ التَّعْلِيْفِ عَقِيْبَ النَّوْعِ الحادِي عَشَرَ عَنْ كَثِيْرِ مِنَ المحدِّثِيْنَ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مُعَبِّرِيْنَ بِهِ عَمَّ جَرَى بَيْنَهُمْ فِي المَذَاكَرَاتِ وَالمَنَاظَرَات . وَأَوْضَعُ العِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: قَالَ فُلاَنٌ، أوْ ذَكَرَ فُلاَّنٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ قَوْلِهِ : لِي ، وَلَنا ونَحْوِ ذَلِكَ. وقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الإِسْنَادِ المعَنْعَنِ أنَّ ذَلِكَ ومَا أَشْبَهَهُ مِنَ الأَلْفَاظ، مَحْمُولٌ عِنْدَهُم عَلَى السَّمَاعِ إِذَا عُرِفَ لِقَاؤُهُ لَهُ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ، لاَ سِيَّمَا إذَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لاَ يَقُولُ: قَالَ فُلاَنٌ، إلاَّ فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ. وقَدْ كَانَ حَجَّاجُ بِنُ محمَّدٍ الأَعْوَرُ يَرْوِي عَنِ ابنِ حُرَيْجٍ كُبَهُ ، وَيَقُولُ فيها : قَالَ ابنُ جُرَيْجٍ فَحَمَلَها النَّاسُ عَنْهُ وَاحْتَجُوا بِرِوايَاتِهِ ، وكَانَ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لاَ يَرْوِي إلاَّ مَا سَمِعَهُ (٥) . وقَدْ خَصَّصَ الخطيبُ أبو بَكْرِ الحافِظُ القَوْلَ بَحَمْلٍ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ بِمَنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ (٦) ، والمحفُوظُ المعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، والله أعْلَمُ . (١) بالهمزة الممدودة ، والباء الموحدة، وسكون النون، وضم الدال المهملة وفي آخرها النون، هذه النسبة إلى آبندون، وهي قرية من قرى جرجان. انظر: الأنساب ١ / ٥١، ومعجم البلدان ١ / ٥٠، وترجمته في السير ١٦ / ٢٦١ . (٢) في ( م) : ((عسيراً)) . (٣) (( منه )) ليست في ( ب). (٤) قال الزركشي ٣ / ٤٧٩: (( خالف في ذلك أبو عبد الله بن منده، فقال في جزء له: ((إن البخاري حيث قال: قال لي فلان فهو إجازة وحيث قال : قال فلان فهو تدليس ))، وهذا مردود عليه ، ولما ذكر أبو الحسن بن القطان تدليس الشيوخ فقال: ((وأما البخاري فذاك عنه باطل ولم يصحّ قطّ عنه)). وانظر: بيان الوهم والإيهام ٥ / ٤٩٩ عقب (٢٧٢١)، وشرح التبصرة والتذكرة ٢ / ٩٤ - ٩٥. (٥) الكفاية : ( ٤٢٠ ت، ٢٩٠ هـ ) . (٦) الكفاية : ( ٤١٨ ت، ٢٨٩ هـ ) . ٢٥٣ القِسْمُ الثَّاني مِنْ أَقْسَامِ الأَخْذِ والتَّحَمُّلِ القِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ ، وأَكْثَرُ المحدِّثِيْنَ يُسَمُّونَهَا: عَرْضاً، مِنْ حَيْثُ إِنَّ القَارئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ مَا يَقْرَؤُهُ كَمَا يَعْرِضُ القُرْآنَ عَلَى الْمُقْرِئِ. وسَوَاءٌ كُنْتَ أَنْتَ القَارِئَ، أَوْ قَرَأَ غَيْرُكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُ، أَوْ قَرَأْتُ مِنْ كِتَابٍ أَوْ مِنْ حِفْظِكَ، أَوْ كَانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ مَا يُقْرَأُ عليهِ، أوْ لاَ يَحْفَظُهُ لَكِنْ يُمْسِكُ أَصْلَهُ هُوَ أوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ. ولاَ خِلاَفَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيْحَةٌ (١) إِلَّ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضٍ مَنْ لاَ يُعْتَدُّ بِخِلاَفِهِ (٢)، واللهُ أعْلَمُ . واخْتَلَفُوا فِي أَنَّها مِثْلُ السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخَ في المرْتَبَةِ أوْ دُوْنَهُ أَوْ فَوْقَهُ، فَنُقِلَ عَنْ أبي حَنِيْفَةَ (٣) ، وابنِ أبِي ذِئْبٍ (٤) وغَيْرِهِما تَرْجِيْحُ القِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ عَلَى السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِهِ (٥)، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ (٦) أيْضاً، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ(٧) وغيرِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ(٨). وقَدْ قِيْلَ : إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا مَذْهَبُ مُعْظَمٍ عُلَمَاءِ الحِجَازِ والكُوفَةِ ، ومَذْهَبُ مَالِكٍ وأصْحَابِهِ وأشْيَاخِهِ مِنْ عُلَمَاءِ المدينةِ ، ومَذْهَبُ البخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ (٩). والصحيحُ تَرجيحُ السَّمَاعِ (١٠) مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ، والحِكْمُ بأنّ القِرَاءَةَ عليهِ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ ، وَقَدْ قِيْلَ: إِنَّ هَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ أهْلِ المشْرِقِ (١١) ، والله أعلمُ . (١) الإلماع : ١٠٣ . (٢) ذهب جمع من السلف إلى عدم صحة القراءة على الشيخ، منهم: أبو عاصم النبيل ، وعبد الرحمان ابن سلام الجمحي، ووكيع ومحمد بن سلام، ينظر: المحدّث الفاصل: ٤٢٠، والكفاية: (٣٩٥ - ٣٩٨ ت، ٢٧١ - ٢٧٣ هـ)، والإبهاج ٣٢٢/٢، ونكت الزركشي ٣ / ١٧٩، وفتح المغيث ٢ / ٢٥. (٣) الكفاية: (٤٠٠ ت، ٢٧٦ هـ)، والإلماع: ٧٣، وفي هذين المصدرين يظهر أن لأبي حنيفة أكثر من قول. (٤) المحدّث الفاصل: ٥٢٢، والكفاية (٤٤٤ ت، ٣٠٩ هـ)، والإلماع : ٧١ . (٥) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٨٠. (٦) الكفاية : (٤٠١ ت، ٢٧٦ هـ)، والإلماع : ٧٣. (٧) صحيح البخاري ١ / ٢٢، والإلماع : ٧١ . (٨) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٨١. (٩) انظر: معرفة علوم الحديث: ٢٥٧-٢٥٨، والكفاية: (٣٩٣-٣٩٤، ٢٧٠-٢٧١ هـ)، والإلماع: ٧١. (١٠) راجع نكت الزركشي ٣ / ٤٨٢ . (١١) الإلماع : ٧٣ . ٢٥٤ وأمَّا العِبَارَةُ عَنْهَا عندَ الروايةِ بها فهيَ عَلَى مَرَاتِبَ ، أَجْوَدُها وأسْلَمُهَا أنْ يَقُولَ : قَرَأْتُ عَلَى فُلانٍ، أَوْ قُرِئَ عَلَى فُلاَنٍ وَأَنَا أسْمَعُ فَأَقَرَّ بِهِ ، فَهَذا سَائِغٌ (١) مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ . ويَتْلُوَ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ مِنَ العِبَاراتِ فِي السَّمَاعِ (٢) مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ مُطْلَقَةٌ، إذا أَتَى بها هَاهُنا مُقَيَّدَةً بأنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا فُلانٌ قِرَاءَةً عليْهِ ، أَوْ أَخْبَرَنا قِرَاءَةٌ عليهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وكَذَلِكَ : أَنْشَدَنَا قِرَاءَةٌ عليهِ في الشِّعْرِ . وأمَّا إِطْلاَقُ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنا في القِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا(٣) فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ: فَمِنْ أهْلِ الحديْثِ مَنْ مَنَعَ مِنْهُما جَمِيْعاً، وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَوْلُ ابنِ الْبَارَكِ(٤)، ويَحْتَى بنِ يَحْبَى الَّمِيْمِيِّ (٥)، وأحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ (٦)، والنَّسَائِيِّ (٧)، وغَيْرِهِمْ. ومِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلى تَجْوِيْزِ (٨) ذَلِكَ، وأَنَّهُ كالسَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ فِي جَوَازِ إِطْلاَق: حَدَّثَنَا، وأخْبَرَنا، وأَثْبَأَنا. وقَدْ قِيْلَ: إنّ هذا مَذْهَبُ مُعْظَمِ الحجَازِيِّيْنَ، والكُوفِّيْنَ، وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ (٩) ومَالِكٍ (١٠)، وسُفيانَ بنِ عُبِينَةَ (١١)، وَيَحْتِى بِنِ سَعِيْدِ القَطِّان(١٢) في (١) في ( ب ): ((شائع)). (٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٨٢ . (٣) أي: من غير تقييد بقوله: ((بقراءتي))، أو قراءة عليه، وما حكاه من المنع ، قال القاضي أبو بكرٍ : إنه الصحيح، وصحّحه الغزالي في المستصفى ١ / ١٦٥، والآمدي في الإحكام ٢ / ٩٠، وانظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٨٢ - ٤٨٣ ٠ (٤) ينظر: المحدّث الفاصل: ٤٣٤، والكفاية: (٤٣٠ ت، ٢٩٨ هـ)، والإلماع: ١٢٥. (٥) الإلماع : ١٢٥ . (٦) المحدّث الفاصل: ٤٣٤، والكفاية: (٤٣١ ت، ٢٩٩ هـ)، والإلماع: ١٢٥. (٧) الإلماع : ١٢٥ . (٨) حكاه الخطيب في جامعه ٢ / ٥٠ عن أكثر أهل العلم. وانظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٨٣. (٩) المحدّث الفاصل: ٤٢٨، والكفاية: (٤٣٩ ت، ٣٠٥ - ٣٠٦ هـ)، والإلماع : ١٢٣. (١٠) جامع بيان العلم وفضله ٢ / ٢١٨، والإلماع : ١٢٣. (١١) صحيح البخاري ٢٣/١، والمحدّث الفاصل: ٥١٨، والكفاية: (٤٢٤ت، ٢٩٣هـ)، والإلماع: ١٢٤. (١٢) المحدّث الفاصل: ٥٢٢، والكفاية: (٤٤٤ ت، ٣٠٩ هـ)، والإلماع: ٧١. ٢٥٥ آخَرِينَ مِنَ الأَئِمَّةِ المتَقَدِّمِيْنَ، وهوَ مَذْهَبُ البِخَارِيِّ - صَاحِبِ "الصحيح" - فِي جَمَاعَةٍ مِنَ المحدِّثِّينَ ، ومِنْ هَؤُلاءِ مَنْ أَجَازَ فيها أيْضاً أنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَاناً (١). والمذهَبُ الثالثُ: الفَرْقُ بينَهُما فِي ذَلِكَ ، والمنْعُ مِنْ إِطْلاَقٍ: حَدَّثَنَا، وتَحْوِيْزُ إِطْلاَقٍ: أَخْبَرَنا ، وهوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ (١) وأصْحَابِهِ ، وهوَ مَتْقُولٌ عَنْ مُسْلِمٍ - صَاحِبٍ " الصحيحِ " (٣)- ، وجمهورِ أهْلِ المُشْرِقِ. وذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ "الإِنْصَافِ" محمَّدُ بنُ الحَسَنِ التَّمِيْمِيُّ الجَوْهَرِيُّ (٤) المِصْريُّ: أنّ هذا مَذْهَبُ الأكْثَرِ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ الذِيْنَ لاَ يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ ، وأنَّهُمْ جَعَلُوا : أَخْبَرَنَا عَلَمَا يَقُومُ مَقَامَ قَولِ(٥) قَائِلِهِ: (( أَنَّا قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ لَ أَنَّهُ لَفَظَ بِهِ لِي). قَالَ: ((ومِمَّنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنا أبو عَبْدِ الرَّحْمَانِ النَّسَائِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِثْلِهِ مِنْ مُحَدِّثِيْنَا)) . قُلْتُ: وَقَدْ قِيْلَ: إِنْ أَوْلَ مَنْ أَحْدَثَ الفَرْقَ بِينَ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ ابْنُ وَهْبٍ بِمِصْرَ ، وهَذَا يَدْفَعُهُ أنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٍّ عَنِ ابنِ حُرَيْجٍ ، وَالأَوْزَاعِيِّ حَكَاهُ عَنْهُمَا الخَطِيْبُ أبو بَكْرٍ (٦) إلاّ أنْ يَعْنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِمِصْرَ ، والله أعْلَمُ . قُلْتُ: الفَرْقُ بَيْنَهُمَا صَارَ هُوَ الشَّائِعَ الغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الحَدِيْثِ (٧) ، والاحْتِحَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ عَنَاءٌ وَتَكُلُفٌ؛ وخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ اصْطِلاَحٌ مِنْهُمْ، أَرَادُوا بِهِ الثَّمِيزَ بينَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ خُصِّصَ النَّوْعُ الأوّلُ بِقَوْلِ: ((حَدَّثَنَا)) لِقُوَّةِ إِشْعَارِهِ بـالنطْقِ والمشَافَهَةِ ، واللهُ أعْلَمُ (٨). (١) قال البلقيني في المحاسن: ٢٥١: ((وممن جوّز إطلاق: حدثنا في ذلك عطاء والحسن، وأبو حنيفة وصاحباه ، وزفر ، ومنصور )) . (٢) المحدّث الفاصل: ٤٢٥، والكفاية: (٤٣٥ ت، ٣٠٣ هـ)، والإلماع: ٧٣ و١٢٥. (٣) الإلماع : ٧٣ و ١٢٥ . (٤) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد التميمي المصري الجوهري ، كان من المعاصرين للنسائي ، له كتاب " الإنصاف فيما بين الأئمة في حدّثنا وأنبأنا من الخلاف". ينظر: فتح المغيث ٢ / ٣١. (٥) لم ترد في ( ب ) . (٦) الكفاية : (٤٣٤ ت، ٣٠٢ هـ ) . (٧) بعد هذا في ( ب): ((المتأخرين)). (٨) جملة: ((والله أعلم)) لم ترد في ( م). ٢٥٦ ومِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى عَمَّنْ يَذْهَبُ هذا المذْهَبَ (١)، مَا حَكَاهُ الحافِظُ أبو بَكْرِ البَرْقَائِيُ عَنْ أبي حاتِمٍ محمدِ بنِ يَعْقُوبَ الَرَوِيّ - أَحَدِ رُؤَسَاءِ أهلِ الحديثِ بُرَاسَانَ - أَنَّهُ ء قَرَأْ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ عَنِ الفِرَبْرِيِّ (٢) " صحيحَ البخاريِّ" ، وكانَ يَقُولُ لهُ فِي كُلّ حديثٍ: (( حَدَّتَكُمُ الفِرَبْرِيُّ)) فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الكِتَابِ ، سَمِعَ الشَّيخَ يذكُرُ أَنَّهُ إِنَّمَا سَمِعَ الكِتَابَ مِنَ الفِرَبْرِيِّ فِرَاءَةٌ عليهِ ، فَأَعَادَ أبو حاتِمٍ قِرَاءَةَ الكِتَابِ كُلِّهِ ، وقَالَ لهُ في جميعِهِ : ((أَخْبَرَكُمْ الفِرَبْرِيُّ)) (٣) ، والله أعلمُ. تَفْرِيْعَاتٌ الأَوَّلُ: إذا كانَ أَصْلُ الشَّيخِ عِندَ القِرَاءَةِ (٤) عليهِ بِيَدٍ غَيْرِهِ وهوَ موتُوقٌ بهِ ، مُرَاعٍ لِمَا يَقْرَأْ ، أهْلٌ لذلِكَ، فإنْ كانَ الشَّيْخُ يَحْفَظُ ما يُقْرَأُ عليهِ فهوَ كَمَا لَوْ كَانَ أصْلُهُ بِيَدِّ نَفْسِهِ ، بَلْ أوْلَى لِتَعَاضُدِ ذِهْنَي شَخْصَيْنِ عليهِ ، وإِنْ كَانَ الشَّيْخُ لاَ يَحْفَظُ ما يُقْرَأُ عليهِ، فهذَا مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَرَأَى بعضُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ (٥) أنْ هَذَا سَمَاعٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، والمخْتَارُ أنَّ ذَلِكَ صَحيحٌ وبِهِ عَمِلَ مُعْظَمُ الشُّيُوخِ وأهْلِ الحديثِ . وإذا كانَ الأَصْلُ بِيِّدِ القَارِئِ وهوَ مُوتُوقٌ بِهِ دِيْناً ومَعْرِفَةٌ ، فَكَذَلِكَ الحكْمُ فيهِ ، وأَوْلَى بِالنَّصْحِيْحِ، وأمَّا إذا كَانَ أَصْلُّهُ بَيَدٍ مَنْ لاَ يُوثَقُ بإمْسَاكِهِ لهُ، ولاَ يُؤْمَنُ إِهْمَالُهُ لِمَا يَقْرَأُ، فَسَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ القَارِئِ أوْ بِيَدِ غَيْرِهِ فِي أَنَّهُ سَمَاعٌ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِه إذَا كانَ الشَّيخُ غَيرَ حافِظٍ للمَقْرُوءِ عليهِ ، واللهُ أعلمُ . (١) شكك الزركشي في هذه القصة في نكته ٣ / ٤٨٦ - ٤٨٧ ثم قال: ((فكأن هذه الحكاية لم تصحّ)). وانظر: محاسن الاصطلاح ٢٥٢ - ٢٥٣، وفتح المغيث ١ / ٤١٨. (٢) هو أبو عبد الله ، محمد بن يوسف بن مطر الفِرَبْرِيّ، راوي الجامع الصحيح عن البخاري ، توفي سنة (٣٢٠ هـ). قال صاحب الأنساب ٤ / ٣٣٤ عن الفِرَبْرِيّ: ((بفتح الفاء والراء، وسكون الباء الموحدة وبعدها راء أخرى . هذه النسبة إلى فربر ، وهي بلدة على طرف جيحون مما يلي بخارى))، ومثل هذا في وفيات الأعيان ٤ / ٢٩٠. وفي التاج ١٣ / ٣١١: «فِرَبْر، كِسَبْحل، وضُبط بالفتح أيضاً، وذكر الحافظ في التبصير الوجهين))، وبالوجهين في سير أعلام النبلاء ١٥ / ١٢، ومعجم البلدان ٤ / ٢٤٥. (٣) هذه القصة في الكفاية : (٤٣٦ ت، ٣٠٣ - ٣٠٤ هـ )، وانظر: محاسن الاصطلاح ٢٥٢ - ٢٥٣. (٤) انظر التقييد والإيضاح : ١٧١. (٥) هذا الأصولي، هو أبو بكر الباقلاني ووافقه إمام الحرمين. الإلماع: ٧٥، والبرهان ٤١٣/١. قال الزركشي ٤٨٨/٣(والعجب من المصنف في عزوه ذلك لبعض الأصوليين، وقد نقله الحاكم عن مالك وأبي حنيفة)). ٢٥٧ الثّاني: إذا قَرَّأَ القارِئُ على الشَّيْخِ قَائِلاً: أخْبَرَكَ فُلاَنٌ، أوْ قُلْتَ أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ ، أوْ نَحْوَ ذلكَ؛ والشَّيْخُ سَاكِتٌ مُصْغٍ إِليهِ ، فَاهِمٌ لِذَلِكَ ، غَيرُ مُنْكِرٍ لهُ، فَهَذا كَاف في ذلكَ. واشْتَرطَ بعضُ الظَّاهِرِيَّةِ وغيرُهُمْ إِقْرَارَ الشَّيْخِ نُطْقَاً (١) ، وبِهِ قَطَعَ الشَّيخُ (٢) أبو إسْحاقَ الشِّيراريُ (٣) ، وأبو الفتْحِ سُلَيْمُ الرَّازيُّ، وأبو نَصْرَ بِنُ الصَّغِ مِنَ الفُقَهَاءِ الشَّافِعِيْنَ . قالَ أبو نَصْرِ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ: ((حدَّثَنِي)) أو (أخْبَرَنِي))(٤)، ولهُ أنْ يَعْمَلَ بما قُرِئَ عليهِ، وإذا أرادَ روَايَتَهُ عنهُ قَالَ: ((قَرَأْتُ عليهِ ، أَوْ قُرِئَ عَليهِ وهُوَ يَسْمَعُ )) . وفي حِكَايةِ بَعضٍ المِصَنِّفِيْنَ للخِلاَفِ فِي ذَلِكَ أنّ بعضَ الظَّاهِرِيَّةِ شَرَطَ إِقْرَارَ الشَّيْخِ عِنْدَ تَمامِ السَّماعِ ، بأنْ يَقُولَ القَارِئُ للشَّيْخِ: ((هوَ (٥) كَمَا قَرَأْتُهُ عَليكَ؟)، فيقولُ: ((نَعَمْ). والصحيحُ أنّ ذلِكَ غَيْرُ لاَزِمٍ ، وأنّ سُكُوتَ الشَّيْخِ عَلَى الوجْهِ المذكُورِ نازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيْحِهِ بِتَصْدِيْقِ القَارِئِ اكْتِفَاءٌ بِالقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ، وهذا مَذْهَبُ الجماهِيْرِ مِنَ المَحَدِّثِيْنَ وَالفُقَهَاءِ وغَيْرِهِمْ، والله أعلمُ. الثّالِثُ: فيمَا نَرْوِيِهِ عَنِ الحاكِمِ أبي عبدِ اللهِ الحافِظِ(٦) - رَحِمَهُ اللهُ- قالَ: ((الذي أخْتَارُهُ في الروايةِ وعَهِدْتُ عليهِ أكثرَ مَشَايِخِي وأَئِمَّةَ عَصْرِي أنْ يَقُولَ في الذي يأخُذُهُ مِنَ المحدِّث لَفْظً وليْسَ مَعَهُ أحَدٌ ((حَدَّثَنِي فُلاَنٌ))، وما يأخُذُهُ مِنَ المَحَدِّثِ لَفْظاً ومعهُ غيرُهُ (( حَدَّثَنَا فُلاَنٌ)). ومَا قَرَّأَ عَلَى المحدِّثِ بنفسِهِ: ((أَخْبَرَنِي فُلاَنٌ)) ، وما قُرِئَ عَلَى المحدِّثِ وهوَ حَاضِرٌ ((أَخْبَرَنَا فُلاَنٌ)) (٧) . وَقَدْ رُوِّيْنَا نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبدِ اللهِ بنِ وَهْبٍ - صَاحِبِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنْهُما- وهوَ حَسَنٌ رَائقٌ . (١) في ( ب): ((مطلقاً)). (٢) لم ترد في ( أ) . (٣) اللمع : ٤٨ . (٤) قال الزركشي في النكت ٤٨٩/٣: (( ما قاله ابن الصبّاغ من أنه لا يطلق: ((حدّثنا))، ولا: ((أخبرنا))، هو الصحيح عند الغزالي ، وحكاه الآمدي عن المتكلمين وصحّحه وحكى تجويزه عن الفقهاء والمحدّثين ، وصحّحه ابن الحاجب وحكاه عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة، وبقيت هنا مسألة ملحّة: وهو أن يشير الشيخ بأصبعه أو رأسه إلى الإقرار ولا يتلفّظ، فجزم صاحب المحصول بأنه لا نقول في الأداء : حدَّثني ولا أخبرني ولا سمعت، وفيه نظر)). وانظر: المستصفى ١٦٥/١، والإحكام ٩٠/٢-٩١، والمحصول ٦٤٦/٤. (٥) في (م): ((وهو)). (٦) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٩٠ . (٧) معرفة علوم الحديث : ٢٦٠ . ٢٥٨ فإنْ شَكَّ في شيءٍ عندَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلٍ: ((حَدَّثَنَا أو أخْبَرَنا)) (١)، أو مِنْ قَبِيلٍ: ((حدَّثْني أو أخْبَرني)) لتَرَدِّدِهِ فِي أَنَّهُ كَانَ عِندَ التَّحَمُّلِ والسَّمَاعِ وحْدَهُ أو مَعَ غيرِهِ فَيَحْتَمِلُ أنْ نَقُولَ: ليقُلْ: (( حَدَّثَني أو أخْبَرني))؛ لأنَّ عَدَمَ غَيْرِهِ هوَ الأَصْلُ. ولكِنْ ذَكَرَ عليُّ بنُ عبدِ الله المدينيُّ الإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ يَحْتَى بِنِ سَعِيْدِ القَطَّانِ الإِمامِ، فِيْمَا إذا شَكَّ أنَّ الشَّيْخَ قالَ: (( حَدَّثَنْ فُلاَنٌ))، أو قَالَ: ((حَدَّثَنَا فلانٌ)) أَنَّهُ يَقُولُ: ((حَدَّثَّنَا)) ، وهذا يقتَضِي فيما إذا شَكَّ فِي سَماعِ نَفْسِهِ في مِثلِ ذلكَ أنْ يَقُولَ: ((حَدَّثَّنَا)) . وهو عِندي يَتَوَجَّهُ بأنّ ((حَدَّثَنِي)) أَكْمَلُ مَرْتَبَةً، و ((حَدَّثَنَا)) أَنقَصُ مَرْتَبَةً، فَلْيَقْتُصِرْ - إذا شَكَّ - على الناقِصِ ؛ لأنَّ عدمَ الزَّائِدِ هوَ الأَصْلُ وهذا لَطِيْفٌ . ثُمَّ وَجَدْتُ (٢) الْحَافِظَ أحمَدَ الْبَيْهَقِيَّ - رَحِمَهُ اللهُ - قدِ اخْتَارَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ قَوْلَ القَطَّان مَا قَدَّمْتُهُ . ثُمَّ إِنَّ هذا التفصيلَ مِنْ أصْلِهِ مُسْتَحَبٌّ ، وليسَ بواجب ، حكاهُ الخطيبُ الحافِظُ عَنْ أهلِ العِلْمِ كَافَةً (٣) ، فَجَائِرٌ إذا سَمِعَ وَحْدَهُ أَنْ يَقُولَ : ((حدَّثَنَا)) أو نحوَهُ لِجَوَازِ ذَلِكَ للواحِدِ فِي كَلاَمِ العَرَبِ، وجَائِرٌ إذا سَمِعَ في جَمَاعَةٍ أنْ يَقُولَ: ((حَدَّثَني)) ؛ لأنْ المحدِّثَ حَدَّثَهُ وحدَّثَ غَيْرَهُ ، والله أعلمُ . الرَّبِعُ: رُوَّيْنَا عَنْ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَتْبَلٍ ◌َُ أَنَّهُ قَالَ (٤): أَّبِعْ لَفْظَ الشَّيْخِ في قَوْلِهِ: ((حَدَّثَنَا، وحَدَّثَنِي، وسَمِعْتُ، وأخْبَرَنا))، ولاَ تَعْدُهُ (٥). قُلْتُ: لَيسَ لكَ فيما تَجدُهُ في الكُتُبِ المؤلّفَةِ مِنْ رِوَايَاتٍ (٦) مَنْ تَقَدَّمَكَ أنْ تُبَدِّلَ فِي نَفْسِ الكِتَابِ مَا قِيْلَ فيهِ: ((أُخْبَرَنا)) بر« حَدَّثَنَا)) ونحوِ ذلكَ، وإِنْ كَانَ فِي إِقَامَةٍ (١) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٩١، والتقييد: ١٧٢. (٢) في (ب ): ((وجدنا)). (٣) الكفاية: (٤٢٥ ت، ٢٩٤ هـ)، قال الزركشي في نكته ٣ / ٤٩٢: ((في نقل الإجماع نظر، قال ابن فارس : وهذا تشديد لا وجه له )) . (٤) الكفاية : (٤٢٣ ت ، ٢٩٣ هـ) . (٥) في (أ) و (م) والتقييد والشذا: ((تعدوه))، وكلاهما في (جـ )، وفي حاشية ( م) توجيه قوله ( تعدوه ) - أي : بإثبات الواو - بأن ( لا) : نافية، وليست ناهية . (٦) انظر: التقييد والإيضاح : ١٧٤ - ١٧٦. ٢٥٩ أحدِهِمَا مَقَامَ الآخَرِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ سَبْقَ؛ لاحْتِمَالِ أنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِمَّنْ لاَ يَرَى التَّسْوِيةَ بَيْنَهُما ، ولَوْ وَجَدْتَ مِنْ ذَلِكَ إِسْنَادًاً عَرَفَتْ مِنْ مَذْهَبٍ رجالِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِإِقَامَتُكَ أَحدَهُمَا مَقَامَ الآخَرِ مِنْ بَابِ تجويزِ الرواية بالمعنَى . وذلكَ وإنْ كانَ فِيهِ خِلاَفٌ مَعْرُوفٌ ، فالذي نَرَاهُ : الامتناعُ مِنْ إجراءٍ مِثِهِ فِي إِبْدَالِ مَا وُضِعَ في الكُتُب المصَنَّفَةِ والمجامِعِ المجموعةِ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. ومَا ذَكَرَهُ الخطيبُ أبو بكرٍ في " كِفايتِهِ "(١) مِنْ إِجْرَاءِ ذَلِكَ الْخِلاَفِ (٢) في هذا، فَمَحْمُولٌ عندَنا عَلَى مَا يَسْمَعُهُ الطّالِبُ مِنْ لَفْظِ المحدِّثِ غَيْرَ موضوعٍ في كِتَابٍ مُؤَلَّفٍ ، والله أعلمُ . الخامِسُ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِي صِحَّةٍ سَّمَاعِ مَنْ يَنْسَخُ وَقْتَ القِرَاءَةِ (٣) ، فَورَدَ عَنِ الإِمامِ إِبْرَاهِيمَ الحرْبِيِّ (٤)، وأبي أحمدَ بنِ عَدِيّ الحافِظِ (٥) ، والأسْتَاذ أبي إسْحَاقَ الإِسْفِرَائِيْنِيِّ الفقيهِ الأُصُولِيِّ وغيرِهِمْ نَفْيُ ذَلِكَ. وَرُوِّْنَا عَنْ أَبِي بَكْرِ أحمدَ ابْنِ إِسْحَاقَ الصِّغِيِّ (٦) - أحَدٍ أئِمَّةِ الشَّافِعِّنَ بِخُرَاسَانَ - أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَكْتُبُ فِي السَّمَاعِ؟ فَقَالَ : يَقُولُ: ((حَضَرْتُ))، ولاَ يَقُلْ: ((حَدَّثَنَا، ولاَ أَخْبَرَنا)) (٧). ووَرَدَ عَنْ مُوسَى بنِ هَارُونَ الحمَّالِ تَجْوِيْزُ ذَلِكَ (٨). وَعَنْ أَبي حاتِمِ الرَّازِيِّ قَالَ: ((كَتَبْتُ عِندَ عَارِمٍ (٩) وهوَ يَقْرَأُ، وكَتَبْتُ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ مَرْزُوقٍ وهوَ يَقْرَأُ)). وعَنْ عَبدِ اللهِ بنِ المَارَكِ أَنَّهُ (١) الكفاية : (٤٢٢ ت ، ٢٩٢ هـ ) . (٢) انظر : نكت الزركشي ٣ / ٤٩٢. (٣) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٤٩٤ . (٤) رواه عنه الخطيب في الكفاية : ( ١٢٠ ت ، ٦٦ هـ ). (٥) رواه عنه الخطيب في الكفاية: (١٢٠ ت ، ٦٦ هـ). (٦) بكسر الصاد المهملة ، وسكون الباء المنقوطة بواحدة ، وفي آخرها الغين المعجمة ، هذه النسبة إلى الصِّبْغِ - الذي تُلَوَّنُ به الثِّياب - . وهو أبو بكر ، أحمد بن إسحاق بن أيوب النيسابوري ، توفي سنة (٣٤٢ هـ). انظر: الأنساب ٥٣٠/٣، وسير أعلام النبلاء ١٥ / ٤٨٣، والتاج ٢٢ / ٥١٤. (٧) رواه عنه الخطيب في الكفاية (١٢٠ ت ، ٦٦ هـ). (٨) انظر: الروايات عنه في الكفاية (١٢٢ ت، ٦٧ - ٦٨ هـ) . (٩) هو الحافظ: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري، توفي سنة (٢٢٠٤ هـ ). انظر : الأنساب ٤ / ٨٨، والسير ١٠ / ٢٦٥. ٢٦٠