النص المفهرس

صفحات 201-220

وَهَوَ الْمُخْتَلَقُ الْمَصْنُوعُ. اعْلَمْ أنّ الحديثَ الْمَوْضُوْعَ شَرُّ الأحاديثِ الضَّعِيْفَةِ (١)،
ولاَ تَحِلُّ رِوَايْتُهُ لأَحَدٍ عَلِمَ حَالَهُ في أيِّ معَنَّى كَانَ إلاَّ مَقْرُوناً بَانِ وَضْعِهِ (٢)، بخِلاَف
- على أن الحافظ ابن حجر ذكر في نكته ٢ / ٨٣٨ معنيين لغويين، أحدهما الذي أشار إليه البقاعي ،
والثاني : أنه من الإلصاق: تقول : وضع فلان على فلان كذا ، أي : ألصقه به . ثم رجح كون الإلصاق
أوضح في المعنى الذي أراده المحدّثون .
وانظر في الموضوعِ :
الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٩٨/٢، وجامع الأصول ١٣٥/١، والإرشاد ٢٥٨/١ - ٢٦٥،
والتقريب: ٨٠ - ٨٥، والاقتراح: ٢٣١، والمنهل الروي: ٥٣، والخلاصة: ٧٦، والموقظة: ٣٦،
واختصار علوم الحديث: ٧٨، ونزهة النظر ص ١١٨، وشرح التبصرة والتذكرة ٤١٣/١، والمختصر:
١٤٩، وفتح المغيث ٢٣٤/١، وألفية السيوطي : ٧٩ - ٩٣ ، وشرح السيوطي على ألفية العراقي:
٢١٥، وفتح الباقي ٢٦١/١، وتوضيح الأفكار ٦٨/٢، وظفر الأماني: ٤١٢، وقواعد التحديث:
١٥٠.
(١) يَرِدُ على المصنف هنا أمران ذكرهما الزركشي ٢ / ٢٥٣ - ٢٥٤:
الأول: أن عبارته هذه قد سبقه بها الخطّابي، واستنكرها الناس ؛ لأن الموضوع لا يُعدُّ حديثاً، واسم
التفضيل إنما يستعمل في التفاضل بين معان يجمعها معنى مشترك . ويمكن أن يقال أيضاً : كيف أفرده
المصنف بنوع مستقل ، وهو ليس من الأحاديث ، فضلاً عن كونه نوعاً من أنواع علوم الحديث ؟
ويمكن الإجابة : بأنه أراد القدر المشترك بينها ، وهو ما يحدث به .
الثاني : ما ذكره هنا يخالف ما ذكره في قسم الضعيف : بقوله : (( ما عدم فيه جميع الصفات هو القسم
الأَخِرِ الأرذل)). والصواب: ما ذكره هنا. وانظر: التقييد والإيضاح: ١٣٠ - ١٣١، ونكت ابن
حجر ٢ / ٨٣٨ .
(٢) بدليل ما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه ١ / ٧ وغيره من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة
-رضي الله عنهما- عن النبي صلَ ◌ّقال: ((مَنْ حدّث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين)) .
وضُبِطَت (( يَرَى)) بالفتح بمعنى: يقطع ، وبالضمّ بمعنى: يظن.
وكذا (( الكاذبين )) فيها روايتان :
فتح الباء : بمعنى المثنى ، وكسرها على إرادة الجمع. انظر شرح النووي على صحيح مسلم ٥٣/١.
قال ابن حجر ٨٣٩/٢ : (( وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً في حقّ مَنْ روى الحديث فيظن أنه كذب ،
فضلاً عن أن يتحقق ذلك ولا يبينه؛ لأنه ﴿ جعل المحدِّثَ بذلك مشاركاً لكاذبه في وضعه)).
وقال مسلم في المقدمة ١ / ٦: ((واعلم - وفقك الله تعالى - أن الواجب على كل أحد عرف التمييز
بين صحيح الروايات وسقيمها ، وثقات الناقلين لها ، من المهتمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة
مخارجه . والستارة في ناقليه ، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع)).
٢٠١

غَيْرِهِ مِنَ الأحاديثِ الضَّعِيْفَةِ التي يُحتَمَلِ صِدقُها في الباطِنِ(١) ، حيثُ جَازَ روَايْتُها في
الترغيب والترهيب ، عَلَى مَا نُبِّئُهُ قريباً إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .
وإنَّما يُعْرَفُ كَوْنُ الحدِيْثِ مَوضُوعاً بإقْرَارِ وَاضِعِهِ (٢)، أو مَا يَتَتَزَّلُ مَنْزِلَةَ إِقْرَارِهِ (٣)،
(١) (( يريد جعل احتمال صدقها قيداً في جواز العمل بها . لكن هل يشترط في هذا الاحتمال أن يكون قوياً
بحیث یفوق احتمال كذبها أو يساويه أو لا ؟
هذا محل نظر ، والذي يظهر من كلام مسلم ربما دلّ عليه الحديث المتقدم ، بأن احتمال الصدق إذا كان
احتمالاً ضعيفاً أنه لا يعتد به )) . أفاده ابن حجر في نكته ٢ / ٨٤٠ .
(٢) اعترض عليه العلامة ابن دقيق العيد في الاقتراح: ٢٣٤، فقال: (( هذا كافٍ في ردّهِ، لكنه ليس بقلطع
في كونه موضوعاً؛ لجواز أن يكذب في هذا الإقرار بعينه )) .
وأجاب عنه الزركشي في نكته ٢ / ٢٥٦ بقوله: ((إن كان الحديث لا يعرف إلا من طريق ذلك
الشخص كان إقراره بذلك مسقطاً لروايته ، وقد حكم الشرع على المقرِّ بمقتضى إقراره، وإن كان يحتمل
أن يكون في نفس الأمر خلافه فلا نظر إلى ذلك)) .
قلنا : وقد فهم الحافظ الذهبي من كلام شيخه ابن دقيق العيد أن إقرار الواضع لا يعمل به أصلاً ، فقلل في
الموقظة : ٣٧ : ((هذا فيه بعض ما فيه ، ونحن لو افتتحنا باب التجويز والاحتمال البعيد لوقعنا في
الوسوسة والسفسطة )) .
كذا قال الذهبي !! وردّه الحافظ ابن حجر في نزهة النظر: ١١٨، فقال: ((وفهم منه بعضهم أنه لا
يعمل بذلك الإقرار أصلاً، وليس ذلك مراده ، وإنما نَّفَى القطعَ بذلك، ولا يلزم من نفي القطعِ نفيُ
الحكم ؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب وهو هنا كذلك ، ولولا ذلك لما ساغ قتل المقرِّ بالقتل ولا رجم
المعترف بالزنى ، لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به )) .
وزاد الأمر إيضاحاً في نكته على كتاب ابن الصلاح ٢ / ٨٤٠ - ٨٤١، فقال: ((كلام ابن دقيق العيد
ظاهر في أنه لا يستشكل الحكم ؛ لأن الأحكام لا يشترط فيها القطعيات ، ولم يقل أحد أنه يقطع بكون
الحديث موضوعاً بمجرد الإقرار ، إلا أن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله، ...
وهذا كله مع التجرد . أما إذا انضمّ إلى ذلك قرائن تقتضي صدقه في ذلك الإقرار كمن روى عن مللك ،
عن نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - حديث الأعمال بالنيات ، فإنا نقطع بأنه ليس من رواية
مالك ولا نافع ولا ابن عمر )) .
(٣) قال ابن حجر ٨٤٢/٢: ((يمثل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح، أنهم اختلفوا
- بحضور أحمد بن عبد الله الجويباري - في سماع الحسن من أبي هريرة ته، فروى لهم حديثاً بسنده إلى
النبي ◌ُ ﴿، قال: ((سمع الحسن من أبي هريرة ﴿ته)) . =
٢٠٢

وقدْ يَفْهَمُونَ الوَضْعَ مِنْ قَرِيْنَةِ حَالِ الراوي (١) أو الْمَرويِّ (٢)، فقدْ (٣) وُضِعَتْ أَحَاديثُ
طويلَةٌ يَشْهَدُ بوضْعِهَا رَكَاكَةُ ألفَاظِهَا وَمَعَانِيها (٤) .
- وقال الزركشي ٢ / ٢٥٧: ((مثاله: قيل الزائدة: لم تركت حديث الكلبي؟ قال: مرض الكلي
فكنت اختلف إليه فسمعته يقول : مرضت فنسيت ما كنت أحفظه ، فأتيت آل محمد فتفلوا في في
فحفظت كل ما نسيت ، فقلت : لله عليَّ لا أروي عنك شيئاً أبداً)).
(١) مثّل الحافظ العراقي في التقييد: ١٣٢ لما يتنزّل منزلة إقرار الراوي بالتاريخ، قال: ((كان يحدّث بحديث عن
شيخ، ثم يسأل عن مولده ، فيذكر تاريخاً يعلم وفاة ذلك الشيخ قبله، ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده )).
وتعقّبه تلميذه ابن حجر في نكته ٢ / ٨٤٢ بأن الأولى: ((أن يمثل بالتاريخ لقول ابن الصلاح: ((أو من
قرينة حال الراوي )) ... )) .
(٢) قال ابن حجر ٢ / ٨٤٣: ((هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول ، فنادر)).
وقال الإمام ابن دقيق العيد: (( وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بذلك باعتبار أُمور ترجع إلى المروي
وألفاظ الحديث. وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة مزاولة ألفاظ الرسول ﴿ هيأة نفسانية ، أو
مَلَكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبي ◌ُّ، وما لا يجوز أن يكون من ألفاظه. كما سُئِل
بعضهم : كيف تَعرف أن الشيخ كذّاب ؟ فقال : إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها ، علمت أنه
كذّاب)). الاقتراح: ٢٣١ - ٢٣٢.
(٣) في (جـ ) : ((وقد )).
(٤) (( اعترض عليه بأن ركاكة اللفظ لا تدلّ على الوضع، حيث جوزت الرواية بالمعنى. نعم إن صرح
الراوي بأن هذا صيغة لفظ الحديث ، وكانت تخل بالفصاحة أو لا وجه لها في الإعراب ، دل على ذلك .
والذي يظهر أن المؤلف لم يقصد أن ركاكة اللفظ وحده تدل ، كما تدل ركاكة المعنى . بل ظاهر
كلامه أن الذي يدل هو مجموع الأمرين: ركاكة اللفظ والمعنى معاً )). قاله ابن حجر في نكته ٨٤٤/٢ ،
وانظر : نكت الزركشي ٢ / ٢٦١ .
قلنا : هناك أمور أخرى يعرف ويستدل بها على الوضع ، منها :
أن يخالف أحكام العقل من غير قبول للتأويل .
أن يخالف الحسّ والمشاهدة .
أن يكون خبراً عن أمر عظيم تتوافر الدواعي على نقله ، ثم لا ينقله إلا واحد .
مناقضته لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي .
أن يصرح جمع كبير يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب ، أو التقليد بتكذيب راويه .
الإفراط بالوعيد الشديد على فعل الأمر اليسير ، أو الوعد العظيم على فعل صغير .
وغيرها من الأدلة التي تقوي في نفس الناقد الحكم على ذلك الحديث بالوضع . وانظر : نكت الزركشي
٢ / ٢٦٥، ونكت ابن حجر ٢ /٨٤٥ .
٢٠٣

ولَّقَدْ أكثرَ الذي جَمَعَ في هذا العصْرِ ((الموْضُوعاتِ)) في نحوٍ مُحَلَّدَيْنٍ، فَأَوْدَعَ
فِيْهَا كَثِيراً مِمَّا لاَ دِيْلَ عَلَى وَضْعِهِ (١)، وإِنَّمَا حَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ في مُطلَقِ الأَحَادِيثِ
الضَّعِيْفَةِ.
والواضِعُونَ للحدِيْثِ أصْنَافٌ (٢) ، وأعْظَمُهُمْ ضَرَراً: قومٌ مِنَ المنْسُوِيْنَ إلى الزُّهْدِ
وَضَعُوا الحديثَ احْتِسَاباً فيما زَعَمُوا فَتَقَبَّلَ (٣) النَّاسُ موضُوعَاتِهِمْ ثِقَةً مِنْهُم بِهِمْ ورُكُوناً
إليهم (٤). ثُمَّ نَهَضَتْ حَهَابِذَةُ (٥) الحديثِ بِكَشْفِ عُوَارِهَا (٦)، ومَحْوِ عَارِهَا،
والحمْدُ للهِ. وفِيْما رُوِّيْنَا عَنِ الإِمَامِ أبِي بَكْرِ السَّمْعَانِيِّ (٧) أنَّ بَعْضَ
(١) مراده بهذا العلامة ابن الجوزي ، وكتابه في " الموضوعات " مطبوع متداول . انظر: نكت الزركشي
٢٧٧/٢، ونكت ابن حجر ٢ / ٨٤٧ .
(٢) قال القاضي عياض : (( منهم مَن وضع عليه ما لم يقله أصلاً، إمّا استخفافاً كالزنادقة، أو حسبةً
بزعمهم ، وتديّناً كجهلة المتعبدين الذين وضعوا الأحاديث في الفضائل والرغائب ، أو إغراباً وسمعةً
كَفَسَقَةِ المحدِّثين، أو تعصّباً واحتجاجاً كدعاة المبتدعة ومتعصي المذاهب ، أو أتِّباعاً لهوى فيما أرادوا ،
وطلب العذر لهم فيما راموه . وقد تعيّن جماعة من كل من هذه الطبقات عند أهل الصنعة وعلماء
الرجال ، ومنهم من لا يضع متن الحديث ، ولكن ربما وضع للمتن الضعيف إسناداً ، ومنهم من يقلب
الأسانيد ويزيد فيها ، ويستعمل ذلك إما للإغراب على غيره أو لرفع الجهالة عن نفسه .
ومنهم من يكذب ليدعي سماع ما لم يسمع ولقاء من لم يلق ، ويحدث بأحاديثهم الصحيحة عنهم، ومنهم
من يعمد إلى كلام الصحابة أو غيرهم وحِكَمِ العرب فينسبها للنبي ﴿ ترويجاً لها)). نقله الزركشي في
نكته ٢٨٣/٢ - ٢٨٤. وانظر: المجروحين ٦٢/١، والموضوعات ٣٦/١، ونكت ابن حجر ٨٥٠/٢،
وتذكرة الموضوعات : ٥ .
(٣) في (أ): (( فقبل)).
(٤) قال الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة ٤٢٠/١: ((ولكن الواضعون ثمّن يُنْسَبُ للصلاح، وإن
خَفِيَ حالهم على كثير من الناس ، فإنّه لم يَخْفَ على جَهابِذَةِ الحديثِ ، ونقّاده. فقاموا بأعباء ما حُمُّلُوا
فتحمَّلوه، فكشفُوا عُوَارَها ، ومَحْوا عَارَها . حتى لقد روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحداً يكذب في
الحديثِ ... الخ كلامه .
(٥) جمع جِهَيَذ، وهو النَّقَّادُ الخبيرُ بغوامِضِ الأمورِ العارفُ بطرقِ النَّقْدِ. انظر: تاج العروس ٩ / ٣٩٢.
(٦) مثلث العين ، ومعناه: العيب والخرق والشق. انظر: تاج العروس ١٣ / ١٥٧.
(٧) نقله العلامة ابن الجوزي في موضوعاته ٩٦/١، وأورد أيضاً شبه المجيزين للوضع وردها في بحث فريد
مهم .
وقال الزركشي ١ / ٢٨٣ : ((هذا قاله ابن السمعاني في المجلس الثالث من أماليه)).
٢٠٤

الكَرَّامِيَّةِ (١) ذَهَبَ إلى جوَازِ وَضْعِ الحديثِ في بابِ التَّرغِيْبِ والتَّرِهِيْبِ (٢).
(١) نسبةً إلى محمد بن كرّام السجستاني، قال الذهبي في السير ١١ / ٥٢٣: (( خُذِلَ حتَّى التقط من
المذاهب أردأها ، ومن الأحاديث أوهاها )).
وكرّام : المشهور - بتشديد الراء - ضبطه الخطيب ، وابن ماكولا ، وابن السمعاني ، وغير واحد ، وهو
الجاري على الألسنة .
وقيل: كَرَام - بالتخفيف والفتح - ، وقيل : كِرَام - بالكسر - على لفظ جمع كريم . انظر : ميزان
الاعتدال ٢١/٤، ونكت الزركشي ٢٨٨/٢، ونكت ابن حجر ٨٥٨/٢، والنكت الوفية: ١٨٣ / أ.
(٢) واستدلّوا لما ذهبوا إليه بحديث رواه يونس بن بكير، عن الأعمش ، عن طلحة بن مصرّف، عن عمرو
ابن شرحبيل ، عن عبد الله بن مسعود يرفعه : (( من كذب عليّ متعمداً ليضلّ الناس فليتبوأ مقعده من
النار )) .
قلنا : الدلالة لهم في هذا الحديث لما ذهبوا إليه منتفية من حيث الصنعة الحديثية ، ومن حيث الدلالة .
أما من حيث الصنعة فلما يأتي :
روي هذا الحديث عن يونس بن بكير من غير هذه الزيادة . أخرجه الحاكم في المدخل إلى الصحيح :
٩٨ - ٩٩ .
هذا الطريق أخرجه البزار : ( ٢٠٩ كشف الأسرار )، والطحاوي في شرح المشكل (٤١٨) ، وابن
•
عدي في مقدمة الكامل ١ / ٨٤ ، والحاكم في المدخل إلى الصحيح : ٩٩ - ١٠٠، وابن الجوزي في
الموضوعات ١ / ٩٧ .
قال الطحاوي : (( هذا حديث منكر، وليس أحد يرفعه بهذا اللفظ غير يونس بن بكير ، وطلحة ابن
مصرِّف ليس في سنّه ما يدرك به عمرو بن شرحبيل تقدم وفاته ، وقد حُدِّثَناه من غير حديث يونس بن
بكير ، فأدخل فيه بين طلحة وعمرو بن شرحبيل أبا عمار وهو غريب )).
وقال ابن عدي: ((هذا اختلفوا فيه على طلحة بن مصرَّف: فمنهم من أرسله ، ومنهم من قال : عن
علي بدل عبد الله ، ويونس بن بكير جوّد إسناده )) .
وقد نبّه الحاكم في المدخل إلى الإكليل : ١٠٠ على خطأ يونس بن بكير في موضعين :
الأول : أنه أسقط بين طلحة وعمرو رجلاً هو أبو عمار .
الثاني : وصله بذكر ابن مسعود ، وإنما هو مرسل .
وقد أخرجه الطحاوي في شرح المشكل (٤١٩) من طريق أبي معاوية الضرير محمد بن خازم - من
أحفظ الناس لحديث الأعمش ( تقريب التهذيب ٥٨٤١) - عن الأعمش ، عن طلحة ، عن أبي عمار ،
عن عمرو بن شرحبيل مرفوعاً . ليس فيه ذكر لابن مسعود .
ثم قال : (( وقد وجدناه أيضاً من حديث الثوري ، عن الأعمش كذلك غير أنه قال : عن عمرو ابن
شرحبيل ، عن رجل من أصحاب النبي عليه السلام). ثم رواه من هذه الطريق (٤٢٠) . -
٢٠٥

ثُمَّ إِنّ الوَاضِعَ رُبَّمَا صَنَعَ (١) كَلاَماً مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَرَوَاهُ ، ورُبَّمَا أَخَذَ كَلاَمَاً لِبَعْضِ
الْحُكَمَاءِ أو غيرِهِمْ فَوَضَعَهُ على رَسُوْلِ اللهِ وَ ﴿(٢). ورُبَّمَا غَلِطَ غَالِطٌ فَوَقَحَ في
شِبْهِ الوَضْعِ مِنْ غَيْرِ تَعَمَّدٍ كما وقَعَ لثَابِتِ بنِ موسَى الزَّاهِدِ في حديثِ: ((مَنْ كَثُرَتْ
صَلاَتُهُ بِاللََّلِ ، حَسَّنَ وَجْهُهُ بِالَّهَارِ )) (٣) .
رواه ابن عدي في الكامل ٨٣/١ - ٨٥، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٩٦ - ٩٧ من
حديث ابن عمر ، والبراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، ويعلى بن مرة .
قال ابن الجوزي : ((وهذه الأحاديث كلها لا تصح)). ثم بين عللها. وانظر: ما علقناه على شرح
التبصرة والتذكرة ١ / ٤٢٥ - ٤٢٦ .
أما من حيث الدلالة - على فرض الصحة - فلا يتم لهم الاستدلال به لما يأتي :
أن اللام في قوله: (( ليضل)) ليست للتعليل، بل للعاقبة والصيرورة، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ
.
فِرْعَوْنَ لِيَكُوْنَ لَهُمْ عَدُوّاً وحَزَناً﴾ (القصص: ٨). فإن آل فرعون لم يكن ذلك مقصدهم من التقاطه .
يجوز أن تكون اللام للتوكيد ، وعندئذٍ فلا يكون لها مفهوم. كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ
الْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِيّاً لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. (الأنعام: ١٤٤ ). ومعلوم أن افتراء الكذب على الله
تعالى محرم ، سواء قصد الإضلال أم لم يقصد. وانظر: شرح المشكل عقب (٤٢٠)، ونكت
الزركشي ٢ / ٢٨٧، ونكت ابن حجر ٢ / ٨٥٥ .
(١) في ( ب) و (م): ((وضع)) .
(٢) كحديث: ((المعدة بيت الداء، الحمية رأس الدواء)). قال السخاوي: ((لا يصح رفعه إلى النبي ؟
بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره)) المقاصد الحسنة (١٠٣٥).
وقال السيوطي : (( لا أصل له، إنما هو من كلام بعض الأطباء)). الدرر المنتثرة (٣٧١). وانظر : زاد
المعاد ٤ / ١٠٤، وشرح التبصرة ١ / ٤٢٨ .
(٣) رواه ابن ماجه (١٣٤٧). وراجع فيه: الضعفاء للعقيلى ١ / ١٧٦، والكامل ٢ / ٥٢٦،
والموضوعات لابن الجوزي ٢/ ١٠٩، وتهذيب الكمال ٤/ ٣٧٨، والميزان ١/ ٣٦٧، والنكت الوفية :
١٨٦/ ب، والمقاصد: (١١٦٩) واللآلي ١٨/٢، والفوائد المجموعة: ٢٥.
وقد أشبع الحافظ العراقي الكلام عليه في شرح التبصرة والتذكرة ١ / ٤٢٩ - ٤٣١، فراجعه مع ما
علّقناه هناك .
٢٠٦

مِثَالٌ: ((رُوِّيْنَا عَنْ أَبِي عِصْمَةَ وهوَ: نُوْحُ بِنُ أَبِي مَرْمَ (١) أَنّهُ قِيْلَ لَهُ: (( مِنْ أَيْنَ
لَكَ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، في فَضَائِلِ القُرْآنِ سُورَةٌ سُوْرَةً؟ ))، فقالَ: ((إِنِّي
رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ وَاشْتَغُلُوا بِفِقْهِ أبِي حَنِيْفَةً، ومَغَازِي مُحَمَّدٍ بِنِ
إِسْحَاقَ ، فَوَضَعْتُ هذِهِ الأَحَادِيْثَ حِسْبَةً)) (٢) .
وهكذا حَالُ الحديثِ الطّويلِ الذي يُرْوَى عَنْ أَبِيِّ بنِ كَعْبٍ، عَنِ النِّ ◌َ* في
فَضْلِ القُرْآنِ سُوْرَةً فَسُوْرَةً ، بحثَ باحِثٌ (٣) عَنْ مَخْرَجِهِ حَتّى انتَهَى إلى مَنِ اعترَفَ بَأَنَّهُ
وجماعةً وضَعُوْهُ ، وإِنَّ أَثَّرَ الوَضْعِ لَبِيِّنٌ عليهِ . وَلَقَدْ أخطأَ الواحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ ومَنْ ذَكَرَهُ مِنَ
المفسِّرِيْنَ فِي إِيدَاعِهِ تَفَاسِيْرَهُمْ (٤)، والله أعلمُ .
(١) هو أبو عصمة نوح بن أبي مريم يزيد بن عبد الله المروزي ، كان عالم أهل مرو ، ويلقب بالجامع؛ لجمعه
أنواع المعارف، وهو متهم بالوضع ، توفي سنة (١٧٣ هـ). ميزان الاعتدال ٢٧٩/٤ .
(٢) رواه الحاكم في المدخل إلى الإكليل : ٤٨، وابن الجوزي في الموضوعات ١ / ٤١ .
(٣) أبهمه المصنف، وهو المؤمل بن إسماعيل . كما صُرِّحَ به في القصة التي ساقها الخطيب في الكفاية:
(٥٦٧ ت، ٤٠١ هـ)، وابن الجوزي في الموضوعات ١ / ٢٤١.
.قال الزركشي ٢ / ٢٩٧ : ((كأن المصنف إنما أبهم الباحث لفضاضة فيه، فقد قال أبو حاتم الرازي :
مؤمل بن إسماعيل كثير الخطأ، وقال البخاري: منكر الحديث)). فيما يرى ابن حجر ٢ / ٨٦٢ أنه
أبهمه اختصاراً. وانظر: التقييد والإيضاح: ١٣٤، واللآلي المصنوعة ٢٢٧/١، وتنزيه الشريعة ٢٨٥/١.
(٤) (( كالثعلبي والزمخشري في ذكره، لكن الثعلي والواحدي ذكراه بالإسناد ، فخف حاله ؛ لأنه يعرف
أمره من الإسناد ، بخلاف من ذكره بلا إسنادٍ وجزم به كالزمخشري ، فإن خطأه أشد )). نكت الزركشي
٢ / ٢٩٧ - ٢٩٨ ٠
وقال الحافظ العراقي: ((وكل مَنْ أودع حديث أُبيِّ - المذكور - تفسيره، كالواحدي، والنّعْلـي
والزمخشري مخطئ في ذلك؛ لكن مَنْ أبرز إسناده منهم، كالثعلبي، والواحدي فهو أبسط لعذره، إذ أحال
ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيانه، كما تقدّم. وأما مَنْ لم
يُبْرِزْ سنَده، وأورده بصيغة الجزم فخطؤُه أفحش، كالزمخشري)). شرح التبصرة والتذكرة ٤٢٤/١.
وقال العلامة ابن الجوزي في موضوعاته ٢٤٠/١: ((وقد فرّق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلي في تفسيره
فذكر عند كل سورة منه ما يخصها ، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك ولا أعجب منهما ؛ لأنهما ليسا
من أصحاب الحديث ، وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود كيف فرقه على كتابه الذي صنّفه في فضلئل
القرآن ، وهو يعلم أنه حديث محال ، ولكن شره جمهور المحدّثين ، فإن من عادتهم تنفيق حديثهم ولو
بالبواطيل، وهذا قبيح منهم؛ لأنه قد صحّ عن رسول الله ﴿ أنه قال: (( مَن حدّث عني بحديث يرى
أنه كذب فهو أحد الكاذبين )» ... )) .
٢٠٧

الْنَّوْعُ الثَّانِي وَالْعِشْرُوْنَ
مَعْرِفَةُ الْمَقْلُوْبِ (١)
هُوَ نَحْوُ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ عَنْ سَالِمٍ ، جُعِلَ عَنْ نَافِعٍ (٢) لَيَصِيْرَ بِذلكَ غَرِيباً مَرْغُوباً
فيهِ (٣). وكذلكَ ما رُوِّيْنَا (٤) أنّ البخاريّ ◌َهُ قَدِمَ بَعْدَادَ، فاجْتَمَعَ قَبْلَ مَجْلِسِهِ قومٌ مِنْ
أَصْحَابِ الحديثِ، وعمدُوا إلى مئةٍ حديثٍ، فَقَلَبُوا مُتُونَهَا وأسَانِيْدَهَا، وجَعَلُوا مَثْنَ هَذا
الإِسناد لإسنادٍ آخَرَ، وإسنادَ هذا المتْنِ لِمَتْنٍ آخَرَ، ثُمَّ حَضَرُوا مَجْلِسَهُ وَالْقَوْهَا عليهِ،
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ إِلْقَاءِ تِلْكَ الأحادِيْثِ المقلوبَةِ التَفَتَ إِلَيْهِمْ فَرَدْ كُلِّ مَتْنٍ إلى إسْنَادِهِ، وكُلٌ
إِسْنَادٍ إلى مَثْنِهِ، فَأَذْعُوا لَهُ بِالفَضْلِ (٥) .
(١) المقلوب لغة: هو مَنْ قَلَبَهُ إذا حَوَّلَه من حال إلى حالٍ. ويقال أيضاً قَلَبَ فلانٌ الشيءَ إذا صرفَهُ عن
وجهه. انظر : لسان العرب ٤٧٩/١، والنكت الوفية: ١٩٠ / ب، وتاج العروس ٦٨/٤ .
وانظر في المقلوب :
الإرشاد ١ / ٢٦٦ - ٢٧٢، والتقريب: ٨٦ - ٨٧، والاقتراح: ٢٣٦، والمنهل الروي: ٥٣،
والخلاصة: ٧٦ والموقظة: ٦٠ ، واختصار علوم الحديث: ٨٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٤٣٤،
ونزهة النظر : ١٢٥، والمختصر: ١٣٦، وفتح المغيث ١ / ٢٥٣، وألفية السيوطى : ٦٩ - ٧٢،
وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ٢٢٥،، وفتح الباقي ١ / ٢٨٢، وتوضيح الأفكار ٢ / ٩٨،
وظفر الأماني : ٤٠٥، وقواعد التحديث : ١٣٠ .
(٢) قال ابن حجر ٢/ ٨٦٤: ((هذا تعريف بالمثال، وحقيقته: إبدال من يعرف برواية غيره)). وزاد
السخاوي : ((عمداً أو سهواً)). ويدخل فيه إبدال راوٍ أو أكثر من راوٍ حتى الإسناد كله . وانظر :
نكت الزركشي ٢ / ٢٩٩، وفتح المغيث ٢٩٨/١، وتوضيح الأفكار ٤٣/٢ مع تعليق المحقق.
(٣) قال ابن حجر ٨٦٤/٢: ((قد يقع ذلك عمداً إما بقصد الإغراب، أو لقصد الامتحان ، وقد يقع وهماً،
فأقسامه ثلاثة وهي كلها في الإسناد ، وقد يقع نظيرها في المتن، وقد يقع فيهما جميعاً)).
(٤) في ( م ) : ((رويناه)) .
(٥) رواها ابن عدي في جزء أسامي من روى عنهم البخاري من مشايخه : ٢ / أ . ومن طريقه رواه الخطيب
في تاريخ بغداد ٢/ ٢٠. وانظر: وفيات الأعيان ٤/ ١٨٩، وسير أعلام النبلاء ١٢ / ٤٠٨، وطبقات
الشافعية الكبرى ٢ / ٦، والبداية والنهاية ١ / ٢٥.
٢٠٨

ومِنْ أَمْثِلَتِهِ - ويصلحُ مثالاً للمُعَلَّلِ (١)- ما رُوِّيْنَاهُ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ عِيْسَى الطَّاعِ ،
قالَ: حَدَّثَنَا جَرِيْرُ بنُ حازِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَ /ّ: (( إذا
أَقِيْمَتِ الصَّلاَةُ فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَروِنِي)) (٢) ، قالَ إِسْحَاقُ بنُ عِيْسَى: فَأَتَيْتُ حَمَّدَ بنَ
زَيْدٍ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الحديثِ ، فقالَ: وَهِمَ أبو النَّضْرِ إِنَّمَا كُنَّا جَمِيْعاً في مَجْلِسِ ثابتٍ
الْبُنَانِيِّ (٣) ، وحَجَّاجُ بنُ أبي عُثْمَّانَ مَعَنَا ، فَحَدَّثَّنَا حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، عَنْ يَحْتَى بنِ أبي
كَثِيْرِ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أبي قَتَادَةَ، عَنْ أبيهِ: أنَّ رَسُولَ اللهِلَّ، قالَ: ((إذا أُقِيْمَتِ الصَّلاَةُ
فلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرونِي )) (٤). فَظَنَّ أبو النَّضْرِ أَنَّهُ فيما حَدَّثَنَا ثابتٌ ، عَنْ أنسٍ (*).
أبو (٦) النَّضْرِ: هُوَ حَرِيْرُ بنُ حازِمٍ (٧)، والله أعلمُ .
(١) قال ابن حجر في نكته ٢ / ٨٧٤: (( لا يختص بهذا المثال، بل كل مقلوب لا يخرج عن كونه معللاً أو
شاذاً؛ لأنه إنما يظهر أمره بجمع الطرق واعتبار بعضها ببعض ، ومعرفة من يوافق ممن يخالف فصار
المقلوب أخص من المعلل والشاذ . والله أعلم )) .
(٢) رواية جرير عند: الطيالسي (٢٠٢٨)، وعبد بن حميد (١٢٥٩)، والترمذي في علله (١٤٦).
(٣) بضم الموحدة ونونين . تقريب التهذيب ( ٨١٠ ) .
(٤) الحديث من هذا الطريق، مرفوعاً: عبد الرزاق (١٩٣٢) ، والحميدي (٤٢٧)، وابن أبي شيبة ٤٠٥/١،
أحمد ٢٩٦/٥ و٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥ و٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩ و٣١٠، وعبد بن حميد (١٨٩)، والدارمي
(١٢٦٤) و (١٢٦٥)، والبخاري ١٦٤/١ (٦٣٧) و (٦٣٨) و٩/٢ (٩٠٩)، ومسلم ١٠١/٢
(٦٠٤)، وأبو داود (٥٣٩) و (٥٤٠)، والترمذي (٥٩٢)، والنسائي ٣١/٢ و٨١ ، وابن خزيمة
(١٦٤٤)، وابن حبان (٢٢٢٣)، والبيهقي ٢٠/٢، والبغوي (٤٤٠).
(٥) انظر: العلل ومعرفة الرجال (١١٧٢)، والمراسيل لأبي داود: ٩٤، والترمذي عقب (٥١٧) وفي العلل
الكبير ( ١٤٦ )، والضعفاء الكبير ١ / ١٩٨ .
(٦) في ( ب ): ((وأبو )).
(٧) قال السيوطي في شرحه لألفية العراقي: ٢٢٨: ((قد يكون القلب في المتن كحديث مسلم ٩٣/٣
(١٠٣١) في السبعة الذين يظلهم الله: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ أحْفَاهَا حَتَّى لاَ تعلَمَ يَمِيْنُهُ مَا تُنْفِقُ
شِمَالُهُ )) ، فإنه انقلب على بعض الرواة ، وإِنما هُوَ: ((حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ)) ... )).
قال النووي في شرح صحيح مسلم ٧١/٣ : ((هكذا وقع في جميع نسخ مسلم في بلادنا وغيرها، وكذا
نقله القاضي عن جميع روايات نسخ مُسْلِم : ((لاَ تَعلَمَ يَمِيْنُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ))، والصحيح المعروف :
(( حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِيْنُهُ )) .
وانظر : نكت الزركشي ٢ / ٣٠٥، ونكت ابن حجر ٢ / ٨٧٤ .
٢٠٩

فَصْلٌ
قَدْ وَفَّيْنَا بِمَا سَبَقَ الوَعْدُ بِشَرْحِهِ مِنَ الأَنْوَاعِ الضَّعِيْفَةِ (١)، والحمدُ للهِ، فَلُبِّهَ الآنَ
عَلَى أُمُورٍ مُهِمَّةٍ :
أَحَدُهَا : إذا رأيْتَ حَدِيْثاً بإسْنَادِ ضَعِيْفٍ ، فَلَكَ أنْ تَقُولَ: هَذَا ضَعِيْفٌ، وتَعْنِي
أنَّهُ بِذَلِكَ الإِسْنَادِ ضِعِيْفٌ، وَلَيْسَ لَكَ أنْ تَقُولَ: هَذَا ضَعيفٌ ، وتَعْنِي بِهِ ضَعْفَ مَثْنِ
الحديثِ ، بناءً عَلَى مُجَرَّدٍ ضَعْفِ ذلكَ الإِسنَادِ؛ فَقَدْ يَكُونُ مَرْوِيّاً بإسْنَادٍ آخَرَ صَحِيْحٍ
يَثْبُتُ بِثْلِهِ الحديثُ ، بَلْ يَتَوَقِّفُ جَوَازُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمٍ إِمَامٍ مِنَ أيِمَّةِ الحديثِ بأنَّهُ لَمْ يُرْوَ
بإسْنَادِ يثبْتُ بهِ (٢)، أو بأنَّهُ حديثٌ ضَعِيْفٌ، أو نَحْوِ هَذَا، مُفَسِّراً وَجْهَ القَدْحِ فيهِ (٣).
فإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يُفَسِّْ، فَفِيْهِ كَلاَمٌ يَأْتِي - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (٤) -، فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِمَّا
يُغْلَطُ فِيهِ ، والله أعلمُ .
الثّاني: يَجوزُ عِندَ أهلِ الحديثِ وغَيْرِهِمُ التَّسَاهُلُ فِي الأَسَانِيْدِ ورِوَايَهُ مَا سِوَى
الموضوعِ مِنْ أنواعِ الأحاديثِ الصَّعِيْفَةِ مِنْ غَيْرِ اهْتِمَامٍ بِيَانِ ضَعْفِهَا فِيْمَا سِوَى صِفَاتِ اللهِ
تَعَالَى وأحْكَامِ الشَّرِيْعَةِ مِنَ الحلاَلِ والحرَامِ وغَيْرِهُما. وَذَلِكَ كَالْمَوَاعِظِ ، والقَصَصِ ،
وفَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وسَائِرِ فُونِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيْبِ، وسَائِرِ مَا لاَ تَعَلَّقَ لهُ بالأحْكَامِ
(١) اعترض عليه بأنه شرح أنواعاً لا تستلزم الضعف كالمتصل والمسند والموقوف وغيرها .
وأجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الاعتراض بأن المصنف قال : ((إنه يشرح أنواع الضعيف وهو قد فعل
(( ولم يقل : إنه لا يشرح إلا الأنواع الضعيفة حتى يعترض عليه بمثل المسند والمتصل وما أشبه ذلك مما لا
يستلزم الضعف)) ... )). نكت ابن حجر ٢ /٨٨٧.
(٢) في ( ب ): ((بمثله)).
(٣) قال ابن حجر ٢ / ٨٨٧: ((إذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد وبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من
مظانه ، فلم يجده إلا من تلك الطريق الضعيفة ، فما المانع له من الحكم بالضعف بناءً على غلبة ظنه ؟
وكذلك إذا وجد كلام إمام من أئمة الحديث قد جزم بأن فلاناً تفرد به ، وعرف المتأخر أن فلاناً
المذكور قد ضعف بتضعيف قادح ، فما الذي يمنعه من الحكم بالضعف ؟ والظاهر أن المصنف مشى على
أصله في تعذر استقلال المتأخرين بالحكم على الحديث بما يليق به، والحق خلافه كما قدمناه )) .
(٤) في النوع الثالث والعشرين :
٢١٫٠

والعَقَائِدِ (١). ومِمَّنْ رُوّيْنَا عَنْهُ التَّنْصِيْصُ عَلَى التَّسَاهُلِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ: عَبْدُ الرَّحْمَانِ بنُ
مَهْدِيٍّ (٢)، وأَحْمَدُ بنُ حَْبَلٍ (٣) - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا (٤) -.
الثّالِثُ: إذا أردْتَ رِوَايَةَ الحديثِ الضعيفِ بغَيْرِ إِسْنادٍ فَلاَ تَقُلْ فيهِ: ((قَالَ رسُولُ الله
﴿ كَذَا وَكَذا»، وما أشْبَهَ هَذا مِنَ الألفاظ الجازمةِ بأَنَّهُ﴿ قَالَ ذَلِكَ (٥)، وإِنَّمَا تَقُولُ (٦)
فِيهِ: ((رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ ﴿ كَذَا وَكَذَا، أَوْ بَلَغَنَا عَنْهُ كَذا وكذا، أوْ وَرَدَ عَنهُ، أوْ
جَاءَ عَنْهُ، أَوْ رَوَى بَعْضُهُمْ) ، ومَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (٧) .
وهَكَذا الْحُكْمُ فيما تَشُكُّ فِي صِحَّتِهِ وضَعْفِهِ (٨) ، وإِنَّمَا تَقُولُ: ((قَالَ رَسُولُ الله
﴿﴿))، فيما ظَهَرَ لَكَ صِحَتُهُ بطريقِهِ الذي أَوْ ضَحْنَاهُ أوْلاً (٩) ، والله أعلمُ.
(١) انظر: بحثاً موفقاً لمحقق شرح السيوطي : ٥٣ - ٦٣ .
(٢) رواه عنه الحاكم في المدخل إلى الإكليل: ٢٥، والبيهقي في المدخل إلى دلائل النبوة ١ / ٣٤، والخطيب
في الجامع ٢ / ٩١ (١٢٦٥).
(٣) رواه الخطيب في الكفاية: ( ٢١٣ ت، ١٣٤ هـ ).
(٤) قال البلقيني في المحاسن: ٢١٧: ((زاد الخطيب السفيانين ويحيى بن محمد)). وانظر: الكفاية (٢١٢ -
٢١٣ ت، ١٣٤ هـ ) .
(٥) في (ب): (( كذا)).
(٦) في ( ب ): ((يقول )).
(٧) نبّه الزركشي هنا على أمور هي :
• أن هذا يشمل الضعيف الذي لا يعمل به وهو الوارد في الأحكام، والضعيف الذي يعمل به وهو الوارد
في الفضائل، ومن الناس من يتساهل فيما ورد في الفضائل فيجزم به، والأحوط المنع.
• يشمل هذا الحكم الموضوع أيضاً عند عدم العلم بحاله ، أما مع العلم فيجب التبيين .
• أن قوله: ((بغير إسناد)) يقتضي أنه إذا روي بالإسناد يقال فيه بالجزم، وهو كذلك إتباعاً لما روي.
· خُرِّجَ من هذا أنه لا يجوز رواية الضعيف إلا مع تبيينه ، وقد حكاه العلامة أبو شامة عن جمع من المحدّثين
والمحققين وأهل الفقه والأصول . انظر: نكت الزركشي ٢ / ٣٢٢ - ٣٢٤.
(٨) نقل النووي اتفاق محقّقي المحدّثين وغيرهم على هذا، وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف؛ لأنها صيغة
تقتضي صحته عن المضاف إليه ، فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صحَّ، قال: (( وقد أهمل ذلك كثير من
المصنفين من الفقهاء وغيرهم ، واشتد إنكار البيهقي على من خالف ذلك، وهو تساهل قبيح جداً من
فاعله ، إذ يقول في الصحيح : يذكر ويروى ، وفي الضعيف : قال وروى ، وهذا قلب للمعاني وحَيْدٌ عن
الصواب . نقله محقق الإرشاد ١ / ٢٧١ .
(٩) قال الزركشي ٣٢٤/٢: ((سكت المصنف عن عكس ذلك، وهو إذا أردت رواية الحديث الصحيح بغير
إسناد فلا يأتي فيه بصيغة التمريض كـ((رُوِيَ)) ونحوه، ووقع ذلك في عبارة الفقهاء، ولیس یستحسن )).
قلنا: لم يسكت المصنف ، وإنما أشار إليها إشارة واضحة مفهومة من آخر كلامه ، مضمومة إلى السياق . .
والله أعلم .
٢١١

النَّوْعُ الثّالِثُ والِعِشْرُونَ
مَعْرِفَةُ صِفَةٍ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، ومَنْ تُرَدُ رِوَايَتُهُ
ومَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ قَدْحٍ وَجَرْحٍ وَتَوْثِيْقٍ وتَعْدِيْلٍ (١)
أُجْمَعَ جَمَاهِيرُ أئِمَّةِ الحديثِ والفِقْهِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيْمَنْ يُحْتَجُّ بِرِوَانِتِهِ أنْ يَكُونَ
عَدْلاً ضَابِطً لِمَا يَرْوِيِهِ.
وتَفْصِيْلُهُ :
- أنْ يَكُونَ مُسْلِماً .
- بَالِغاً .
- عَاقِلاً .
- سَالِماً مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المُرُوْءِةِ (٢).
- مُتَيَقّظاً غَيْرَ مُغَفِّلٍ .
- حَافِظً إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ .
- ضَابِطًا لِكِتَابِهِ إِنْ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ .
- وإنْ كَانْ يُحَدِّثُ بالمعنَى اشْتُرِطَ فيهِ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُوْنَ عَالِماً بِمَا يُحِيْلُ المعَاني والله
أعلَمُ. وتُوضِحُ (٣) هذِهِ الجمْلَةَ بِمسَائِلَ:
(١) انظر في صفة مَن تقبل روايته ومَنْ تُرَدُ :
الإرشاد ٢٧٣/١-٣٣٣، والتقريب: ٩٠ - ١٠٠، والمنهل الروي: ٦٣، والخلاصة: ٨٨،
واختصار علوم الحديث : ٩٢، وشرح التبصرة والتذكرة ١/٢، ونزهة النظر: ١٨٥-١٩٩،
والمختصر : ١٥٥، وفتح المغيث ١ / ٢٦٢، وألفية السيوطي: ٩٦- ١١٢، وشرح السيوطي على
ألفية العراقي: ٢٣١، وفتح الباقي ٢٩٢/١، وتوضيح الأفكار ١١٤/٢، وظفر الأماني: ٧٨.
(٢) انظر: محاسن الاصطلاح: ٣١٨، ونكت الزركشي ٣ / ٣٢٥، والتقييد والإيضاح: ١٣٦.
(٣) في ( ب): ((توضح)) .
٢١٢

إِحْدَاهَا (١): عَدَالَةُ الرَّاوِي تَارَةٌ تَثْبُتُ بِتَنصِيْصِ مُعدِّلَيْنِ عَلَى عَدَالَتِهِ ، وتَارَةٌ تَنْبُتُ
بالاسْتِفَاضَةِ (٢) ، فَمَنِ اشْتَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بَيْنَ أهلِ النَّقْلِ أو نَحْوِهِم مِنْ أهلِ العِلْمِ وشَاعَ
الثِّنَاءِ عليهِ بالنّقَةِ والأمانةِ اسْتُغْنِيَ فِيهِ بِذلكَ (٣) عَنْ بَيِّنَةٍ شَاهِدَةٍ بِعَدَالَتِهِ تَنْصِيْصاً.
وهَذَا هُوَ الصحيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وعليهِ الاعتمادُ فِي فَنِّ أصُوْلِ الفِقْهِ. ومِمَّنْ
ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ أهلِ الحديثِ أبو بَكْرِ الخطيبُ الحافظُ (٤)، ومَّثْلَ ذَلِكَ بمالِكٍ ،
وشُعبةَ ، والسُّفْيانَيْنِ ، والأوْزَاعِيِّ ، والّيْثِ ، وابنِ المبارَكِ، ووكِيعٍ ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ ،
ويحيى بنِ مَعِينٍ، وعَلِيِّ بنِ المدِيْنِيِّ، ومَنْ حَرَى مَجْرَاهُمْ فِي نَبَاهَةِ الذِّكْرِ واستِقَامَةِ الأمرِ ،
فَلاَ يُسْألُ عَنْ عَدَالَةِ هَؤُلاءِ وأمْثَالِهِمْ، وإِنَّمَا يُسْألُ عَنْ عَدَالَةٍ مَنْ خَفِيَ أمرُهُ عَلَى الطّالِيْنَ.
وتَوَسَّعَ ابْنُ عَبْدِ البرِّ الحافِظُ في هذا فقالَ (٥): «كُلُّ حَامِلٍ عِلْمٍ مَعْرُوفِ العِنايةِ بهِ ،
فَهِوَ عَدْلٌ مَحْمُولٌ في أمْرِهِ أَبَدًا عَلَى العَدَالَةِ حَتَّى يَتَبَّنَ حَرْحُهُ، لِقَولِهِعَ﴿ِ: ((يَحْمِلُ هذا
العِلْمَ مِنْ كُلّ خَلَفٍ عُدُوْلُهُ)) (٦)، وفيما قَالَهُ أَتِّسَاعٌ غَيْرُ
(١) في (ب) و (جـ): ((أحدها)).
(٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٣٢٧.
(٣) في (جـ ): ((لذلك)).
(٤) الكفاية : ( ١٤٧ ت ، ٨٦ - ٨٧ هـ ) .
(٥) ينظر: التمهيد ١ / ٢٨، وجامع بيان العلم وفضله ٢ / ١٩٩.
(٦) هذا الحديث مروي عن عدة من الصحابة ﴿نه مرفوعاً، ومع ذلك فهو حديث ضعيف ، وإليك البيان:
الأول : وهو أشهرها ، روي من حديث إبراهيم بن عبد الرحمان العذري ، ورواه عنه :
١- الوليد بن مسلم، عنه، عن الثقة من أشياخه ، عن النبي ﴿ . أخرجه البيهقي في الكبرى ٢٠٩/١٠،
وابن عدي ٢٤٩/١، وابن عساكر ٧ / ٣٨، من طريقين صرّح الوليد في أحدهما بالتحديث ، وكذا
شيخه ، وهذا الطريق معلِّ بأمرين :
أولاً : جهالة العذري .
ثانياً : إبهام شيخه .
ولعل قائلاً يقول: شيخه يروي عن رسول الله و﴿، فلعله يكون صحابياً، فالجهالة لا تضرّ بحاله؟ -
٢١٣

قلنا : الأمر محتمل لكلا القولين ، وعادة المحدّثين فيما هذه صورته تقديم أضعف الاحتمالين من باب
=
الاحتياط ، كما إذا روى عن شخص يشترك في اسمه اثنان : ثقة وضعيف ، ولا يعين واحداً منهما
بصفة أو علامة أو دلالة تخصّه عن الآخر ، قدّم الضعيف احتياطاً . ثم إن هذا الاحتمال ينتفي لو قال :
عن رجل من أصحاب رسول الله أو نحو ذلك ، لكن توثيقه في الرواية بقوله : الثقة من أشياخنا ، يدل
على أنه ليس صحابياً ، فإن الصحابة لا يحتاجون إلى توثيق البتة .
٢- معان بن رفاعة السلامي ، عنه، عن النبي ◌ُّ، وروي عنه من ثلاثة وجوه :
• أخرجه ابن حبان في الثقات ٤ / ١٠، وابن عدي ١ / ٢٤٩، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ١ / ٥٣،
وابن عبد البر في التمهيد ١ / ٥٩، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٥ )، وابن عساكر في
تاريخ دمشق ٧ / ٣٧ - ٣٨ ، من طريق أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد ، عن بقية بن الوليد ،
عن معان ، به .
• أخرجه العقيلي ٤ / ٢٥٦، وابن أبي حاتم ٢ / ١٧، وابن عدي ١ / ٢٤٩، وابن عبد البر ١ / ٥٩،
وابن عساكر في تاريخه ٧ / ٣٨ ، من طريق إسماعيل بن عياش ، عن معان ، به .
• أخرجه ابن أبي حاتم ٢ / ١٧، وابن عدي ١ / ٢٤٩، وابن عساكر ٧ / ٣٨، من طريق مبشر بن
إسماعيل ، عن معان ، به .
وجميع طرق معان معلّة بضعفه ، وجهالة إبراهيم العذري ، وإرسال الحديث ، وزاد عليها الوجه الأول
عنعنة بقية - وهو مدلس - .
الثاني: من حديث أسامة بن زيد نَظَلُله، أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٣ )، وابن عساكر
٧ / ٣٩، من طريق محمد بن جرير الطبري ، عن عثمان بن يحيى ، عن عمرو بن هاشم البيروتي ، عن ابن
أبي كريمة ، عن معان ، عن أبي عثمان النهدي ، عنه مرفوعاً.
وفي هذا الإسناد :
عمرو بن هاشم فيه كلام . ديوان الضعفاء ٢ / ٢١١ ، وتقريب التهذيب ( ٥١٢٧ ).
وابن أبي كريمة : ضعّفه أبو حاتم ، وقال العقيلي: روى عن هشام بواطيل . ميزان الاعتدال ٥٧٠/٣ .
ومعان بن رفاعة : قال الذهبي : ((صاحب حديث ليس بمتقن)). ميزان الاعتدال ١٣٤/٤.
الثالث: من حديث ابن مسعود ◌ّ اله، أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٤) من طريق عبد الله
ابن صالح ، عن الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن مسعود ، به .
وعبد الله بن صالح ، كاتب الليث: صدوق ، ثبت في كتابه ، كثير الغلط من حفظه ، وكانت فيه غفلة .
ديوان الضعفاء ٢ / ٤٣، وتقريب التهذيب ( ٣٣٨٨) . =
٢١٤

= الرابع: من حديث علي بن أبي طالب ظه، أخرجه ابن عدي في الكامل ١ / ٢٤٧، من طريق موسى
الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي ، به .
وهذا إسناد معضل ، فالباقر لم يدرك جديه الحسن والحسين ، فضلاً عن جده الأعلى عليّ . انظر : جامع
التحصيل : ٢٦٦ .
الخامس: من حديث أبي أمامة ظُله، أخرجه العقيلي ١ / ٩، وابن عدي ١ / ٢٤٩، من طريق محمد بن
عبد العزيز الرملي ، عن بقية ، عن رزيق الألهاني ، عن القاسم بن عبد الرحمان ، عن أبي أمامة ، به .
وفيه : محمد بن عبد العزيز : صدوق يهم . تقريب التهذيب ( ٦٠٩٣ ).
ورزيق : قال ابن حبان فيه : يتفرد بالأشياء التي لا تشبه حديث الأثبات ، لا يجوز الاحتجاج به .
المجروحين ١ / ٣٠١ . وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. تقريب التهذيب ( ١٩٣٨)، والقاسم بن
عبد الرحمان تكلم فيه أحمد. انظر : ديوان الضعفاء ٢٤٧/٢، ومجمع الزوائد ١٤/١.
السادس : من حديث معاذ بن جبل ظُبه ، أخرجه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (١٤ ). من طريق
عبد الله بن خراش بن حوشب ، عن العوام بن حوشب ، عن شهر بن حوشب ، عن معاذ، به .
وفيه : عبد الله بن خراش : ضعّفه الدارقطني، وقال أبو زرعة : ليس بشيء، وقال أبو حاتم : ذاهب
الحديث ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال ابن حجر : ضعيف .
وأطلق عليه ابن عمار: الكذب. انظر : ميزان الاعتدال ٤١٣/٢، وتقريب التهذيب (٣٢٩٣).
وشهر بن حوشب: مختلف فيه . انظر : ميزان الاعتدال ٢ / ٢٨٤، ثم إنه لم يلق معاذاً، فروايته عنه
منقطعة . انظر : جامع التحصيل : ١٩٧ .
السابع: من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ، أخرجه ابن عدي في الكامل ٣ / ٤٥٧، من طريق
خالد بن عمرو القرشي ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن سالم ، عن ابن عمر ، به .
قال ابن عدي: (( لا أعلم يرويه عن الليث غير خالد بن عمرو)). ورواه في ٣ / ٤٥٧ - ٤٥٨، وقال
عقبه : (( وهذه الأحاديث التي رواها خالد عن الليث ، عن يزيد ابن أبي حبيب كلها باطلة ، وعندي أن
خالد بن عمرو وضعها على الليث )) .
قلنا : نعم ... خالد بن عمرو: متهم. قال أحمد: ليس بثقة، وكذّبه ابن معين ، ونسبه صالح جزرة إلى
الوضع . انظر : ميزان الاعتدال ١ / ٦٣٥ .
الثامن : من حديث ابن عمرو - رضي الله عنهما - ، أخرجه العقيلي ١ / ٩ - ١٠ من طريق خالد بن
عمرو ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي قبيل ، عن ابن عمرو ، به . وفيه ما في الذي قبله .
التاسع : من حديث أبي هريرة ، وقد روي عنه من وجوه :=
٢١٥

مَرْضِيٍّ (١) ، والله أعلمُ .
أخرجه ابن عدي ١ / ٢٤٨ من طريق مروان الفزاري ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي
هريرة ، به . قال ابن عدي: (( لم أرَ هذا الحديث لمروان الفزاري بهذا الإسناد إلا من هذا الطريق)).
ويزيد بن كيسان: فيه مقال. انظر : ميزان الاعتدال ٤ / ٤٣٨.
• أخرجه ابن عدي ١ / ٢٤٨، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٥٢) من طريق مسلمة ابن علي ،
عن عبد الرحمان بن يزيد ، عن علي بن مسلم ، عن أبي صالح الأشعري ، عن أبي هريرة ، به .
ورواه مسلمة بن علي ، عن أبي هريرة من غير وجه .
قال ابن عدي : ((وهذا الحديث لا يرويه غير مسلمة بن علي )).
قلنا : مسلمة بن علي: واه . انظر : ميزان الاعتدال ٤ / ١٠٩.
• أخرجه البزار (١٤٣ كشف الأستار)، والعقيلي ٩/١، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٩/١-١٠ ،
من طريق خالد بن عمرو ، عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي قبيل ، عن أبي هريرة وعبد الله
ابن عمرو مقرونین ، به .
قال البزار : (( خالد بن عمرو : منكر الحديث ، قد حدّث بأحاديث لم يتابع عليها، وهذا منها)).
وانظر : مجمع الزوائد ١ / ١٤٠ .
والحديث صحّحه الإمام أحمد فيما رواه الخلال عنه. نقله الخطيب في شرف أصحاب الحديث ( ٥٦ ).
وضعَّفه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٢ / ٣٤٦ (٣٤١). وقال العراقي في التقييد والإيضاح:
١٣٩: ((وقد روي هذا الحديث متصلاً من رواية جماعة من الصحابة ... ))، فذكرهم ثم قال :
(( وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء، وليس فيها شيء يقوي المرسل المذكور)). وانظر: نكت
الزركشي ٣/ ٣٣١، وشرح السيوطي : ٢٣٤-٢٣٦.
(١) ووافقه عليه ابن الموّاق في كتابه " بغية النقاد" . وقال المزي : (( ما قاله ابن عبد البر هو في زماننا مرضي
بل ربما يتعين )). وقال ابن سيد الناس : (( لست أرى ما قاله أبو عمر إلا مرضياً)). وقال ابن الجزري :
((إنه الصواب)). وقال الذهبي: ((إنه الحق)). ينظر: نكت الزركشي ٣٣٠/٢، والتقييد والإيضاح :
١٣٩، وفتح المغيث ١ / ٢٧٨.
على أن ابن الوزير أفاض في تأييد ابن عبد البر في بحث طويل نفيس في كتابه " الروض الباسم" :
٢١ - ٢٦، واقتبس الصنعاني جزءاً منه ضمنه كتابه توضيح الأفكار ٢/ ١٢٦ - ١٣٣.
٢١٦

الثّانيَّةُ: يُعْرَفُ كَوْنُ الرَّاوِي ضَابِطاً، بأنْ نَعْتَبَرَ (١) رِوَايَاتِهِ بروايات الثّقَات
المعْرُوفِيْنَ بالضبْطِ والإِثْقَانِ ، فَإِنْ وَجَدْنا رِوَايَاتِهِ موافقةٌ وَلَوْ مِنْ حَيْثُ المعْنَى لِرِوَايَاتِهِم أو
موافِقَةٌ لَهَا فِي الأَغْلَبِ والمخالَفَةُ نَادِرَةٌ عَرَفْنَا حِيْنَئِذٍ كَوْنَهُ ضَابِطاً تَبْتاً ، وإنْ وَجدْناهُ كثيرَ
المخالَفةِ لهم عَرَفْنَا اخْتِلاَلَ ضَبْطِهِ وَلَّمْ نَحْتَجِّ(٢) بحديثِهِ(٣)، والله أعلمُ.
الثّالِثَةُ: التعديلُ مقبولٌ مِنْ غيرِ ذِكْرِ سَبِبِهِ على المذهبِ الصحيحِ المشهورِ (٤)؛ لأنّ
أَسْبَابَهُ كَثِيرةٌ يَصْعُبُ ذِكْرُها ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْوِجُ المعدِّلَ إلى أنْ يقولَ: لَمْ يَفْعَلْ كذا، ولَمْ
يَرْتَكِبْ كَذَا، فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فُيُعَدِّدُ جميعَ ما يفسقُ بِفِعِلِهِ أو بتَرَكِهِ وَذَلِكَ شَاقٌّ جدّاً (٥).
وأمَّا (٦) الْجَرْحُ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ إِلَّ مُفَسَّراً مَبَيَّنَ السَّبَبِ (٧) ؛ لأنَّ الناسَ يَخْتَلِفُونَ فيما
يَخْرَحُ وما لاَ يَجْرَحُ ، فَيَطلقُ أحدُهُمُ الْجَرْحَ بناءً على أمرٍ اعتَقَدَهُ جَرْحاً وَلَيْسَ بحرْجٍ في
نفسِ الأمرِ ؛ فلا بُدَّ مِنْ بِيَانِ سَبِهِ لِيُنْظَرَ فيهِ: أَهُوَ جَرْحٌ أُمْ لاَ ؟ وهذا ظاهرٌ مقرّرٌ في الفِقْهِ
وأصُولِهِ (٨) .
(١) في (أ) و (ب) و (م): ((تعتبر))، وفي (جـ ): ((يعتبر)) .
(٢) في (أ) و ( ب): (( يحتج)) .
(٣) انظر فيما يتعلق بالضبط: جامع الأصول ١ / ٧٢ - ٧٤، ونكت الزركشي ٢ / ٣٣٦ .
(٤) وهو الذي صَوَّبَه الخطيب البغدادي ، واختاره أبو إسحاق الشيرازي ، وصحّحه الزركشي، وقال :
(( هو المنصوص للشافعي))، وقال القرطبي : هو الأكثر من قول مالك.
انظر: الكفاية: ( ١٦٥ ت، ٩٩ هـ )، واللمع: ٤٦، والبحر المحيط ٤ / ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٥) و ((لأن المزكّي إن كان بصيراً قُبِلَ جرحه وتعديله وإلّ فلا، وهو قول القاضي أبي بكر ، وقال إمام
الحرمين : (( إن كان المزكّي عالماً بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا)) ، والمختار ما قاله
الغزالي : إنه ينظر في مذاهب الجارحين والمزكّين ، فإن كانت مختلفة توقفنا عن قبول الجرح حتى يتبين
وجهه ، وما كان مطلقاً أو غير مقيد فلا يجرح به ، ومما ينبغي في الجارح والمعدِّل: أن يكون عالماً
باختلاف المذاهب في ذلك». قاله الزركشي ٣ / ٣٣٨.
(٦) في (أ): (( أما ))، الواو ساقطة.
(٧) قال العراقي في التقييد ١٤٠: (( وقد حكى القاضي أبو بكر عن الجمهور قبول جرح أهل العلم بهذا
الشأن من غير بَيَان، واختاره إمام الحرمين، وأبو بكر الْخَطِيْب، والغزالي ، وابن الخطيب )).
(٨) قال البلقيني في المحاسن: ٢٢١: ((وذهب قوم إلى أنه لا يشترط ذلك، كما مرّ مثله في التعديل على
المشهور . وأغْرَبَ مَنْ قَال : يكفي الإطلاق في الجرح دون التعديل . وقيل : إن كان عالماً بالأسباب كفى
الإطلاق فيهما ، وإلا لم يكف واحد منهما . وتقرير الأدلة في فن الأصول)).
٢١٧

وذَكَرَ الخطيبُ الحافِظُ (١): أنَّهُ مَذْهَبُ الأَئِمَّةِ مِنْ حُفّاظِ الحديثِ ونُقَادِهِ ، مِثْلَ
البخارِيِّ، ومُسْلِمٍ ، وغَيْرِهِما؛ ولذلكَ احْتَجَّ البخاريِّ بجماعَةٍ سَبَقَ مِنْ غَيْرِهِ الجرحُ
لَهُمْ (٢) ، كَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - ، وكَإِسْمَاعِيْلَ بنِ أبي أُوَيْسٍ،
وعَاصِمِ بنِ علِيِّ، وعَمْرِو بنِ مَرْزُوَقٍ، وغَيْرِهِمْ .
واحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِسُؤَيْدِ بنِ سعيدٍ وجماعةٍ اشْتَهَرَ الطَّعْنُ فيهِمْ، وهَكَذَا فَعَلَ أبو دَاوُدَ
السِّحِسْتَانِيُّ ؛ وَذَلِكَ دَالَّ عَلَى أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلى أنّ الجرحَ لاَ يَثْبُتُ إلاّ إذَا فُسِّرَ سَبَبُهُ.
ومَذَاهِبُ النُّقَادِ للرِّحَالِ غَامِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ (٣) .
وَعَقَدَ الخطيبُ (٤) باباً في بَعْضِ أَخْبَارٍ مَنِ اسْتُفْسِرَ في جَرْحِهِ فَذَكَرَ ما لاَ يصلحُ جارِحاً،
منها: عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قِيْلَ لهُ: ((لِمَ تَرِكْتَ حَدِيْثَ فُلاَنٍ؟))، فَقَالَ: ((رأيْتُهُ يَرْكُضُ عَلَى
بِرْذَونِ (٥) ، فَتَرَكْتُ حَدِيْثَهُ)) (٦). ومِنْها عَنْ مُسْلِمٍ بنِ إبراهيمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيْثٍ
لِصَالِحِ الْمُرِّيّ (٧)، فَقَالَ: مَا يُصْنَعُ (٨) بصَالِحِ؟ ذَكروهُ يوماً عِنْدَ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ
فامتَخَطَ حَمَّادٌ (٩) ، واللهُ أعلمُ .
(١) الكفاية: (١٧٨-١٧٩ت، ١٠٨هـ). وانظر: البرهان ٥٦٠/١، والبحر المحيط ٢٩٤/٤.
(٢) انظر: نكت الزركشي ٣ / ٣٣٨ وما بعدها .
(٣) انظر: الكفاية: (١٧٩ - ١٨٠ ت، ١٠٨ - ١٠٩ هـ ) .
(٤) الكفاية : ( ١٨١ - ١٨٧ ت، ١١٠ - ١١٤ هـ ).
(٥) يطلق على غير العربي من الخيل والبغال، ويعرف باسم: ((الكديش)). انظر: معجم متن اللغة
٢٦٩/١، والمعجم الوسيط ١ / ٤٨ .
(٦) رواه الخطيب في الكفاية: (١٨٢ ت، ١١٠ - ١١١ هـ).
(٧) بضم الميم وتشديد الراء . تقريب التهذيب ( ٢٨٤٥).
(٨) في (أ) وتدريب الراوي ١/ ٣٠٦: ((تصنع))، وكذا في نشرتي الكفاية: (١٨٥ ت، ١١٣ هـ )،
وفي فتح المغيث ١ / ٣٣٢ : ((نصنع)) .
ووردت في بعض النسخ الخطية حاشية للمصنف ، وأوردها الزركشي في نكته ٣ / ٣٥٣ قائلاً: (( ضبطه
المصنف بضم الياء المثناة من تحت وفتح النون ، وقال : هكذا في أصل موثوق به ، فيه سماع الخطيب )).
(٩) الكفاية : ( ١٨٥ ت، ١١٣ هـ ) .
٢١٨

قُلْتُ: ولِقَائِلِ أنْ يَقُولَ: إِنَّمَا يَعْتمِدُ النَّاسُ فِي جَرْحِ الرواةِ وَرَدِّ حَدِيْثِهِمْ، عَلَى
الكُتُبِ التِي صَنَّفَها أئِمَّهُ الحديثِ في الجرْحِ ، أو في الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ ، وقَلَّمَا يَتَعَرَّضُونَ فيها
لِبَانِ السََّبِ ، بَلْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى مُحَرَّدٍ قَوْلِهِمْ: فُلاَنٌ ضَعِيْفٌ ، وفُلاَنٌ لَيْسَ بِشَيءٍ،
ونَحْوُ ذلكَ ، أو هذا حديثٌ ضَعيفٌ ، وهذا حديثٌ غيرُ ثابتٍ ، ونَحْوُ ذلكَ ؛ فاشتِرَاطُ
بَيَانِ السَبَبِ يُفْضِي إلى تَعْطِيْلِ ذَلِكَ ، وسَدِّ بابِ الْجَرْحِ فِي الأَغْلَبِ الأكْثَرِ.
وَجَوابُهُ : أنْ ذلكَ وإِنْ لَمْ تَعْتَمِدْهُ (١) في إثباتِ الجرحِ والحكمٍ بِهِ ، فَقَدْ اعْتَمَدْنَاهُ
في أنْ توقّفْنا عَنْ قَبُولِ حديثِ مَنْ قَالُوا فِيهِ مِثْلَ ذَلِكَ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ أَوقَعَ عِندنا فيهِم
رِيبَةً قَويَّةٌ يُوْجِبُ مِثْلُها التَّوَقُّفَ .
ثُمَّ مَنِ الْزَاحَتْ عنهُ الرِّبَةُ منهُمْ، بِبَحْثٍ عَنْ حَالِهِ أَوْحَبَ النّقَةَ بِعَدَالَتِهِ ، قَبَلْنَا
حَدِيْثَهُ وَلَمْ نَتَوَقِّفْ (٢) ، كالذينَ احْتَجَّ بِهِمْ صَاحِبًا " الصَّحِيْحَيْنِ " وغَيْرِهِما مِمَّنْ مَسَّهُمْ
مثلُ هذا الجرحِ مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَاقْهَمْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَخْلَصٌ حَسَنٌ (٣) ، والله أعلمُ .
(١) في (ب): ((يعتمد))، وفي (جـ ): ((يعتمده )).
(٢) في ( ب ): ((يتوقف)).
(٣) قال البلقيني: ٢٢٢: ((هذا الملخص فيه نظر)).
وقال الزركشي في نكته ٣٥٤/٣ : (( ما ذكره في الجواب من الملخص تبعه عليه النووي في شرح مسلم ،
وقال: ((إن الجرح وإن لم يثبت بذلك، لكنه يوجب التوقف))، وفيه نظر؛ لأن الريبة لا توجب
التوقف ، ولهذا لَوْ ارتاب الْقَاضِي في الشهود فإنه يجوز لَهُ الحكم مَعَ قيام الريبة. ثُمَّ يرده مَا ذكره أولاً
من إعراض البخاري عن أقوال الجارحين حيث لم يفسروا ، فيقال: إذا لم يفسروا فهلا توقف كما قلتم
هاهنا ، وإنما الجواب أن كلام الأئمة المنتصبين لهذا الشأن المدونين فيه ، أهل الإنصاف والديانة والنصح
إنما يطلقون هذه الألفاظ بعد ثبوت أسبابها )) .
وقال العراقي في التقييد : ١٤١ - ١٤٢: ((إن الجمهور إنما يوجبون البيان في جرح من ليس عالماً
بأسباب الجرح والتعديل ، وأما العالم بأسبابهما فيقبلون جرحه من غير تفسير )) .
ثم قال: ((وقال أبو بكر الخطيب في الكفاية بعد حكاية الخلاف: على أنا نقول أيضاً : إن كان الذي
يرجع إليه في الجرح عدلاً مرضياً في اعتقاده وأفعاله، عارفاً بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالماً
باختلاف الفقهاء في ذلك قُبِلَ قوله فيمن جرحه محملاً ولا يسأل عن سببه» .
وهذا ما ذهب إليه جمع من الأصوليين منهم: إمام الحرمين في البرهان ١ / ٤٠٠، فقال: (( والذي
أختاره أن الأمر في ذلك يختلف بالمعدِّل والجارح ، فإن كان المعدّل إماماً موثوقاً به في الصناعة لا يليق به=
٢١٩

الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ: هَلْ يَثْبُتُ الجرحُ والتَّعْدِيْلُ بِقَوْلٍ واحِدٍ ، أو لا بُدَّ مِنِ
اثنينِ ؟ .
فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لاَ يَتِبتُ ذَلِكَ إلاَّ بِاثْنَيْنِ كَما في الجرْحِ والتَّعْدِيْلِ فِي الشَّهَاداتِ ،
ومِنْهُمْ مَنْ قَالَ - وهوَ الصحيحُ الذي اخْتَارَهُ الحافِظُ أبو بَكْرِ الخطيبُ (١) وغيرُهُ - أَنَّهُ
يَثْبُتُ بواحِدٍ ؛ لأنَّ العدَدَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي قَبُولِ الخَبَرِ ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ في خَرْحِ راويِهِ وتعديْلِهِ
بِخِلاَفِ الشَّهادات (٢) ، والله أعلمُ .
=إطلاق التعديل إلا عند علمه بالعدالة الظاهرة ، فمطلق ذلك كاف منه ، فإنا نعلم أنه لا يطلقه إلا عن
بحث واستفراغ وسع في النظر. فأما مَن لم يكن من أهل هذا الشأن وإن كان عدلاً رضاً ، إذا لم يُحِطْ
عِلْماً بعلل الروايات فلا بد من البوح بالأسباب وإبداء المباحثة التامة . والجرح أيضاً يختلف باختلاف
أحوال من يجرح ، والعامي العري عن التحصيل إذا جرح ولم يفصل ، فلا يكترث بقوله ، فأما من يثير
جرحه المطلق خرم الثقة ، فمطلق جرحه كاف في اقتضاء التوقف )).
قال العراقي: ١٤٢: (( وما ذهب إليه الإمام في هذا اختاره أيضاً أبو حامد الغزالي وفخر الدين الرازي)).
وقال محقق شرح السيوطي : ٢٣٩: ((والذي يبدو لي - والله أعلم - أن الأولى في توجيه قاعدة (( لا
يقبل الجرح إلا مفسراً)) أنها تُعْمَل فيمن تعارضت فيه أقوال المجرحين والمعدلين ، بأن جرحه بعضهم ،
وعدّله بعضهم ، فحينئذ يشترط بيان سبب الجرح ؛ حتى يحكم بكونه خارماً للثقة بالراوي أم لا . وفي
هذا يقول الإمام تاج الدين السبكي : (( إن قولهم: (( لا يقبل الجرح إلا مفسراً))، إنما هو أيضاً في جرح
من ثبتت عدالته واستقرّت ، فإذا أراد رافع رفعها بالجرح ، قيل له : ائتِ ببرهان على هذا .
أو فيمن لم يعرف حاله ، ولكن ابتدره جارحان ومزكيان ، فيقال إذ ذاك للجارحين : فسراً ما رميتماه
به . أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه ؛ لجريانه على الأصل المقرر عندنا ، ولا نطالبه
بالتفسير ، إذ لا حاجة إلى طلبه )) . طبقات الشافعية الكبرى ١ / ٩٠.
وقال الحافظ ابن حجر : (( والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة ، ولكن محله إن صدر مبيناً
من عارف بأسبابه ؛ لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته)). نزهة النظر: ١٩٣، وانظر:
لسان الميزان ١ / ١٥ .
وقال البقاعي : ((فإن كان قد وثّقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل فيه الجرح من أحد كائناً من كان إلا
مفسراً؛ لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة، فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي)). النكت الوفية : ١٠٠ / أ .
(١) الكفاية: (١٦٠ - ١٦١ ت، ٩٦ هـ ) .
(٢) قال الحافظ العراقي في التقييد: ١٤٢ - ١٤٣: ((فيه أمران:
أحدهما : أنه حُكِيَ عن الأكثرين خلاف ما صحّحه المصنف ، واختلف كلام الناقلين لذلك عنهم ،
فحكى الخطيب في الكفاية أن القاضي أبا بكر بن الباقلاني حكى عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة =
٢٢٠