النص المفهرس
صفحات 101-120
حالٍ مَنْ يُعَدُّ ما ينفرِدُ بِهِ مِنْ حديثِهِ مُنكراً، ويُعْتَبَرُ في كلّ هذا معَ سلامةِ الحديثِ مِنْ أنْ
يكونَ شاذً ومُنكَرً(١): سلاَمَتُهُ مِنْ أنْ يكونَ معلّلاً. وعلى القسمِ الثاني يَتَزَّلُ كلامُ الخطّابِيِّ.
فهذا الذي ذكرناهُ جامعٌ لِمَا تفرَّقَ في كلامٍ مَنْ بَلَغنا كلامُهُ في ذلكَ (٢)، وكأنّ
الترمذيِّ ذَكَرَ أحدَ نَوْعَيِ الحَسَنِ ، وذَكَرَ الخطّابِيُّ النوعَ الآخرَ ، مُقْتَصِراً كلُّ واحدٍ منهما
على ما رأى أنَّهُ يُشْكِلُ، مُعْرِضاً عمَّا رأى أنَّهُ لا يُشْكِلُ أو أنَّهُ غَفَلَ عَنْ البعضِ وذهلَ (٣)،
والله أعلمُ ، هذا تأصيلُ ذلكَ ، وتُوضِحُهُ بتنبيهاتٍ وتفريعات :
(١) في (ب ): (( أو منكراً)).
(٢) قال محقق شرح السيوطي: ١٢٨-١٢٩: ((عرَّفه البدر ابن جماعة - ورجَّحه اللكنوي - بأنه: (( كل
حديث خالٍ عن العلل ، وفي سنده المتصل مستور له به شاهد، أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان)).
وقد انتقد ابن حجر هذا التعريف بوجوه واردة عليه .
والحقيقة : أن الحديث الحسن درجة وسطى بين الصحيح والضعيف ؛ ولهذا تضاربت الأقوال في تعريفه .
ونصَّ غير واحد عَلَى تعسّر حده ، فقال ابن دقيق العيد: (( وفي تحقيق معناه اضطراب)). وعلّل ذَلِكَ ابن
كثير فقال: ((وذلك لأنه أمر نسبي ، شيء ينقدح عِنْدَ الحافظ، ربما تقصر عبارته عنه)). وقال البلقيني:
(( لما توسط بَيْنَ الصحيح والضعيف عِنْدَ الناظر ؛ كان شيئاً ينقدح في نفس الحافظ قد تقصر عبارته عنه ،
كما قيل في الاستحسان ، فلذلك صعب تعريفه)). ولعلّ رسم ابن حجر للحديث الحسن كان أنسب من
غيره، فإنه قال: ((وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط ، متصل السند غير معلل ولا شاذ: هو الصحيح
لذاته ... )) ثمّ قال: ((فإن خفَّ الضبط فالحسن لذاته)). فهذا ما مشى عليه علماء المصطلح، وإن نَّه السخاوي
على أن خفة الضبط في تعريف ابن حجر غير منضبطة بضابط ، ولكن يمكن أن يقال : إن مراد الحافظ
خفة ضبط معلومة لمن مارس هذا الفن وداخل كيانه ، واعتاد أقوال أئمته ، فعرف أصحاب الضبط التام
ومن في حفظه شيء ومن هو سيء الحفظ . ونحن نقرُّ أن هناك بعض الجزئيات لا تدخل في رسم ابن
حجر للحديث الحسن ، وهو مصداق لقول الإمام الذهبي - وهو من أهل الاستقراء التام كما يقول ابن
حجر -: ((ثم لا تطمع بأن للحسن قاعدة تندرج كل الأحاديث الحسان فيها، فأنا على إياس من ذلك)).
ثُمَّ إنّ الحسن مراتب - كما أن الصحيح مراتب- وبعضها أقوى في نفس الناقد من بعض. انظر: الاقتراح:
١٦٢، المنهل الروي: ٣٦، الموقظة: ٢٨، اختصار علوم الحَدِيْث: ٣٧، شرح علل التِّرْمِذِي: ٢٨٧-٢٨٩، محاسن
الاصطلاح: ١٠٥، النكت على كتاب ابن الصلاح ٤٦/١ نزهة النظر: ٨٢، ٩١، فتح المغيث ٦٦/١،
ظفر الأماني: ١٨٦، ماهية الحَدِيْث الحَسَن: ١٠، والتعليق على شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٧ - ١٨٠.
(٣) من ينعم النظر في تعريفي الترمذي والخطابي ، يجد بينهما بوناً شاسعاً، منشؤه اختلاف القصد من إيراد
التعريف ، فالخطابي قصد تعريف الأنواع الثلاثة عند أهل الحديث ، فعرَّف الصحيح والضعيف إضافة إلى
الحسن، وإنما لم يعرّف حديث المستور إذا اعتضدت روايته من غير وجه؛ لأنه داخل عنده ضمن الحَسَن.
وإذا لَمْ تعتضد فهي عنده من الضَّعِيف، إذ أطلق القَوْل بردِ رِوَايَة المجهول ، والمستور قِسْم من المجهول . =
١٠١
أحدُها : الْحَسَنُ يتقاصَرُ عَنِ الصحيحِ (١) في أنّ الصحيحَ مِنْ شرطِهِ : أنْ يكونَ
جميعُ رواتِهِ قَدْ ثَبَتَتْ عدَالَتُهُم وضَبْطُهُم وإتقانُهُم؛ إمَّا بالنقلِ الصريحِ أو بطريقِ الاستفاضةِ
عَلَى مَا سنبيِّتُهُ - إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى -، وذلكَ غيرُ مُشتَرَطِ فِي الحَسَنِ ؛ فإنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بما
سبقَ ذِكْرُهُ مِنْ مجيءِ الحديثِ مِنْ وجوهٍ ، وغيرِ ذلكَ ثَما تقدَّمَ شرحُهُ (٢).
وإِذا اسْتَبْعَدَ ذلكَ من الفقهاءِ الشافعيةِ مستبعدٌ ذَكَرْنا لهُ نصَّ الشافعيِّ ◌َلُه في
مراسيلِ التابعينَ أَنَّهُ يُقبَلُ منها المرسلُ الذي جاءَ نحوُهُ مسنَداً، وكذلكَ لو وافقَهُ مُرسلٌ
آخرُ أرسلَهُ مَنْ أَخذَ العلمَ عَنْ(٣) غيرِ رجالِ التابعيّ(٤) الأوّلِ في كلامٍ لهُ ذكرَ فيهِ وجوهاً
= قلنا : هذا ما استفدناه من نكت ابن حجر ٣٨٧/١، وقال أيضاً: ((وأما الترمذي: فلم يقصد التعريف
بالأنواع المذكورة عند أهل الحديث بدليل أنه لم يعرّف بالصحيح ولا بالضعيف ، بل ولا بالحسن المتفق
على كونه حسناً ، بل المعرّف به عنده ، وهو حديث المستور - على ما فهمه المصنّف- لا يعده كثير من
أهل الحديث من قبيل الحسن ، وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصوراً على رواية المستور ، بل
يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ والموصوف بالغلط والخطأ وحديث المختلط بعد اختلاطه ،
والمدلّس إذا عنعن وما في إسناده انقطاع خفيف. فكل ذلك عنده من قبيل الحسن)).
ثُمَّ مثّل لكل قسم بأمثلة ، فراجعها تدلك على جودة ذهن الحافظ - رحمه الله - .
(١) قال الزركشي ٣١٨/١: (( يعني من جهة الرتبة حتى ولو تعارض حسن وصحيح قُدِّم الصحيح وإلا فهما
مستويان في الاحتجاج بهما - كما سيأتي في التاسع من كلامه - وكان ينبغي له تقديم التاسع إلى هاهنا
فإنه أنسب )) .
(٢) قال العراقي ٤٧ - ٤٨: (( فيه أمران :
أحدهما : أنه قد اعترض عليه بأن جميع رواة الصحيح لا توجد فيهم هذه الشروط، إلاّ في النزر اليسير .
انتهى .
والجواب : أن العدالة تثبت إما بالتنصيص عليها كالمصرح بتوثيقهم وهُم كثير، أو بتخريج من التزم
الصحة في كتابه له فالعدالة أيضاً تثبت بذلك ، وكذلك الضبط والإتقان درجاته متفاوتة ، فلا يشترط
أعلى وجوه الضبط كمالك وشعبة ، بل المراد بالضبط أن لا يكون مغفلاً كثير الغلط ، وذلك بأن يعتبر
حديثه بحديث أهل الضبط والإتقان ، فإن وافقهم غالباً فهو ضابط كما ذكره المصنّف في المسألة الثانية من
النوع الثالث والعشرين ، وإذا كان كذلك فلا مانع من وجود هذه الصفات في رواة صحيح الأحاديث ،
والله أعلم .
الأمر الثاني : أن قوله في الحسن : إنه يكتفى فيه بما سبق ذكره من مجيء الحديث من وجوه . فيه نظر ، إذ
لم يسبق اشتراط مجيئه من وجوه ، بل من غير وجه كما سبق ذلك في كلام الترمذي ، وعلى هذا فمجيئه
من وجهين كافٍ في حدِّ الحديث الحسن ، والله أعلم )) .
(٣) في (جـ ): ((من)) . وكذلك في الرسالة .
(٤) في ( ب ): ((التابعين)).
١٠٢
مِنَ الاستدلال على صِحَّةٍ مَخرجِ المرسلِ بمجيئِهِ (١) مِنْ وجهٍ آخرَ (٢)، وذكرنا لهُ أيضاً ما
حكاهُ الإِمامُ أبو الْمُظَفّرِ السَّمْعائيُ وغيرُهُ عَنْ بعضٍ (٣) أصحابِ الشافعيِّ مِنْ أَنَّهُ تقبلُ
روايةُ المستورِ وإِنْ لَمْ تُقبلْ شهادةُ المستورِ (٤)؛ ولذلكَ وجهٌ متَّجَةٌ، كيفَ وإِنَّا لَمْ نَكْتُفِ
في الحديثِ الحسَنِ بمجرَّدٍ روايةٍ المستورِ على ما سبقَ آنِفاً؟ والله أعلمُ .
الثاني : لعلَّ الباحثَ الفَهمَ يقولُ : إِنَّ نجدُ أحاديثَ محكوماً بضَعْفِها معَ كونِها قدْ
رُوَيَتْ بأسانيدَ كثيرةٍ مِنْ وجوه عديدة، مثلُ حديثٍ (٥) : ((الأُذُنانِ مِنَ الرَّأْسِ)) (٦)
(١) في (ع): ((لمجيئه)).
(٢) انظر: الرسالة ٤٦١ - ٤٦٣ ( الفقرات ١٢٦٤ - ١٢٧٤).
وانظر عن شروط الشافعي في قبول المرسل: نكت الزركشي ١ / ٤١٩، والتقييد والإيضاح: ٤٨،
ونكت ابن حجر ١ / ٤٠٨ .
(٣) ليست في (جـ ).
(٤) قال الزركشي ١ / ٣١٩: ((لم أجده في القواطع لابن السمعاني، لكن نقله المازري في شرح البرهان
عن ابن فورك)).
(٥) ساقطة من ( ب ) .
(٦) هذا حديث روي عن عدّة من الصحابة منهم :
أبو أمامة: رواه أحمد ٢٥٨/٥ و٢٦٤ و٢٦٨، وأبو داود (١٣٤)، والترمذي (٣٧) ، وابن ماجه
(٤٤٤)، والطحاوي ٣٣/١، والطبراني في الكبير ١٢١/٨، والدار قطني ١٠٣/١، والبيهقي ٦٦/١ .
وأبو هريرة : أخرجه ابن ماجه ( ٤٤٥ )، وأبو يعلى ( ٦٣٧٠ ) ، وابن حبان في المجروحين ١١٠/٢،
والدارقطني ١ / ١٠١ - ١٠٢.
وعبد الله بن زيد : أخرجه ابن ماجه ( ٤٤٣ ) ، والبيهقي ١ / ٦٥ .
وعبد الله بن عمر : رواه الدار قطني ١ / ٩٧ .
وعائشة : رواه الدارقطني ١ / ١٠٠ .
وعبد الله بن عباس : رواه الدارقطني ١ / ٩٩ .
وهو مروي من حدیث غيرهم .
قال ابن حجر في النكت ١ / ٤١٥ بعد أن أورد الروايات وتكلم عليها: ((وإذا نظر المنصف إلى مجموع
هذه الطرق علم أن للحديث أصلاً ، وأنه ليس مما يطرح ، وقد حسنوا أحاديث كثيرة باعتبار طرق لها
دون هذه ، والله أعلم)) .
وانظر : عنه نكت الزركشي ١ / ٣٢٠، والتقييد: ٥٠ ، ونكت ابن حجر ١ / ٤٠٩ .
١٠٣
ونحوِهِ ، فهلاّ جَعَلْتُم ذلكَ وأمثالَهُ مِنْ نوعِ الحسَنِ ؛ لأنّ بعضَ ذلكَ عَضَدَ بَعْضاً، كما
قلتُّم في نوعِ الحسَنِ على ما سبقَ آنفاً .
وجوابُ ذلكَ أنَّهُ ليسَ كلُّ ضَعْفٍ في الحديثِ یزولُ بمجيئِهِ مِنْ وجوهِ ، بلْ ذلكَ
يتفاوتُ: فمنهُ (١) ضَعْفٌ يُزِيلُهُ ذلكَ، بأنْ يكونَ ضَعْفُهُ ناشئاً مِنْ ضَعْفِ حفظِ راويهِ مَعَ
كونِهِ مِنْ أهلِ الصِّدْقِ والديانةِ. فإذا رأينا ما رواهُ قدْ جاءَ مِنْ وجهٍ آخرَ ، عَرَفنا أنَّهُ نَّا
قدْ حفظَهُ، ولَمْ يختلٌ فِيهِ ضبطُهُ لهُ . وكذلكَ إذا كانَ ضَعْفُهُ مِنْ حيثُ الإرسالُ ، زالَ
بنحوِ ذلكَ، كما في المرسلِ الذي يُرسِلُهُ إمامٌ حافظٌ ، إذ فيهِ ضَعْفٌ قليلٌ يزولُ بروايتِهِ
منْ وجهٍ آخرَ ، ومِنْ ذلكَ ضَعفٌ لا يزولُ بنحوِ ذلكَ لقوّةِ الضَّعْفِ وتقاعدِ هذا الجابرِ
عَنْ جَبْرِهِ ومقاومَتِهِ ، وذلكَ كالضَّعْفِ الذي ينشأُ مِنْ كونِ الراوي متَّهَماً بالكذِبِ أو
كونِ الحديثِ شاذّاً . وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدْرَكُ بالمباشرة والبحثِ ، فاعلمْ ذلكَ فإنَّهُ مِنَ
النَّائِسِ العزيزةِ ، والله أعلمُ (٢) .
الثالثُ: إذا كانَ راوي الحديثِ متأخِّراً عَنْ درجةِ أهلِ الحفظِ والإتقانِ غيرَ أنَّهُ مِنَ
المشهورينَ بالصِّدْقِ والسِّْرِ وَرُوِيَ معَ ذلكَ حديثُهُ مِنْ غيرِ وجهٍ فقدِ اجتمعتْ لهُ القوَّةُ
مِنَ الجهتينِ ، وذلكَ يُرقّي حديثَهُ مِنْ درجةِ الحسَنِ إلى درجةِ الصحيحِ .
مثالُهُ : (( حديثُ محمّدٍ بنِ عَمْرٍو ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريرةً ، أنَّ رسولَ الله
﴿ قَالَ: (( لو لا أنْ أشُقَّ على أُمَِّي لِأَمَرَّتُهُم بالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاة))(٣). فمحمّدُ بنُ
عمرو بنِ علقَمَةَ مِنَ المشهورينَ بالصِّدْقِ والصِّيانةِ (٤)، لكنَّهُ لَمْ يكنْ مِنْ أهلِ الإتقانِ ،
(١) في (م): ((فمن)).
(٢) قال ابن حجر ١ / ٤٠٩: ((لم يذكر للجابر ضابطاً يعلم منه ما يصلح أن يكون جابراً أو لا ، والتحرير
فيه أن يقال : إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد ، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي
يصلح لأن ينجبر ، وحيث يقوى جانب الردّ فهو الذي لا ينجبر .
وأمّا إذا رجّح جانب القبول فليس من هذا ، بل ذاك في الحسن الذاتي ، والله أعلم )).
(٣) أخرجه أحمد ٢ / ٥٨ و٢٨٧ و٣٩٩ و٤٢٩، والترمذي (٢٢)، والطحاوي في شرح المعاني
٤٤/١، والطبراني في الأوسط (٧٤٢٠)، والبيهقي ٣٧/١، وأبو نعيم في الحلية ٣٨٦/٨.
(٤) محمد بن عمرو بن علقمة : (( حسن الحديث)). كما قال الذهبي في الميزان ٣ / ١٦٧، وقال الحافظ في
التقريب (٦١٨٨): ((صدوق له أوهام))، وقال في أجوبته التي في آخر المشكاة ٣ / ٣١٠: ((صدوق=
١٠٤
حَتَّى ضَعَّفَهُ بعضُهُمْ مِنْ جِهةِ سُوءِ حفظِهِ ، ووثْقَهُ بعضُهُم ؛ لِصِدْقِهِ وجلاَتِهِ ، فحديثُهُ مِنْ
هذه الجهةِ حَسَنٌ ، فلمَّ انضمَّ إلى ذلكَ كونُهُ رُويَ مِنْ أوجهٍ أُخَرَ (١)، زالَ بذلكَ ما كنّا
نخشاهُ عليهِ مِنْ جهةِ سوءِ حفظِهِ، وانجبرَ بهِ ذلكَ النقصُ اليسيرُ، فصحَّ هذا الإسنادُ
والتحقَ بدرجةِ الصحيحِ (٢) ، والله أعلمُ .
الرابعُ : كتابُ أبي عيسى التِّرمِذِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ - أصلٌ في معرفةِ الحديثِ الحسَنِ ،
وهو الذي نَوَّهَ باسِهِ وأكثرَ مِنْ ذِكْرِهِ في " جامِعِهِ " . ويوجدُ في متفرقاتٍ منْ كلامٍ بعضٍ
مشايخِهِ ، والطبقةِ التي قبلَهُ كأحمدَ بنِ حنبلٍ ، والبخاريّ، وغيرِهِما(٣) وتختلفُ النُّسَخُ مِنْ
كتاب الترمذيّ في قولِهِ : ((هذا حديثٌ حسنٌ))، أو ((هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ))،
ونحوِ ذلكَ(٤). فَيَنْبَغِي أَنْ تُصَحِّحَ أصلَكَ بهِ (٥) بجماعةِ أصولٍ وتعتمدَ على ما أَنَّفَقَتْ عليهِ.
ونصَّ الدَّارَقطنُّ في " سُنَنِهِ " على كثيرٍ مِنْ ذلكَ (٦) . ومِنْ مظَائِّهِ (٧) " سننُ أبي
= في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن)). وقال في هدي الساري ٤٤١: ((صدوق تكلم فيه
بعضهم من قبل حفظه )) .
(١) في ( ب ) : (( وجه آخر)).
(٢) انظر فيما يتعلق بهذا الحديث: نكت الزركشي ١ / ٣٣٠، ونكت ابن حجر ١ / ٤١٦.
(٣) وجد التعبير بالحسن في كلام من هو أقدم منهما كالشافعي ومالك ، بل من هو أقدم كإبراهيم النخعي
وشعبة وعلي بن المديني وغيرهم .
ولكن الملاحظ على تعابيرهم : أن منهم من أراد المعنى الاصطلاحي ، ومنهم من لم يُرده . انظر: نكت
الزركشي ١ / ٣٣١، والتقييد ٥٢، ونكت ابن حجر ١ / ٤٢٤.
(٤) نقل الزركشي ١ / ٣٣٤ عن ابن دقيق العيد أنه قال: ((إن النُّسَخ من كتاب الترمذي تختلف في قوله :
حسن صحيح ، أو حسن ، وأكثر ما يعتمده المتأخرون رواية الكروخي وهي مخالفة في التصحيح لرواية
المبارك بن عبد الجبار )) .
(٥) ليست في ( ب ).
(٦) أي: من الحسن. انظر: نكت الزركشي ١ / ٣٣٦ .
(٧) مَظِنَّةِ الشيء: الموضع الذي يُظنُّ كونه فيه ، قال الجوهري: ((ومَظِنَّةُ الشيء: موضعه ومألفه الذي يُظنُّ
كونه فيه ، والجمع: المَظانُ)) . وفي اللسان: (« المظانُّ: جمع مَظِنَّةٍ - بكسر الظاء -: وهي موضع
الشيء ومَعْدِنِه - مَفْعِلَة - من الظنّ بمعنى: العلم، قال ابن الأثير: وكان القياس فتح الظاء ، وإنما
كُسِرت لأجل الهاء ، قال: ويجوز أن تكون من الظنّ بمعنى العلم والميم زائدة)). انظر: الصحاح
٢١٦٠/٦، والنهاية ٣ / ١٦٤، واللسان ١٣ / ٢٧٤.
١٠٥
داوِدَ " السِّحستانيّ (١) - رَحِمَهُ اللهُ - رُوّيْنَا عِنْهُ أَنَّهُ (٢) قالَ: (( ذكرْتُ فيهِ الصحيحَ،
وما يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ)) (٣). ورُوّيْنا عنهُ أيضاً ما معناهُ أنَّهُ يذكرُ في كلِّ باب أصحَّ ما عَرَفَهُ
في ذلكَ البابِ. وقالَ : (( ما كانَ في كتابي مِنْ حديثٍ فيهِ وَهْنٌ شديدٌ فقدْ بَّتُهُ (٤) وما
لَمْ أذكرْ فيهِ شيئاً فهوَ صالِحٌ ، وبعضها أصحُّ مِنْ بعضٍ»(٥).
قلتُ : فعلى هذا ما وجدناهُ في كتابهِ مذكوراً (٦) مطلقاً وليسَ في واحدٍ
مِنَ الصحيحينِ ، ولا نصَّ على صِحَّتِهِ أحدٌ ثَمّنْ يُمَيِّرُ بينَ الصحيحِ والحسَنِ ، عرَّفْناهُ
بأنَّهُ مِنَ الحسَنِ عندَ أبي داودَ (٧) ، وقدْ يكونُ في ذلكَ ما ليسَ بحسنِ عندَ
(١) بكسر السين والجيم، وسكون السين الثانية. انظر: الأنساب ٣ / ٢٤٨ .
(٢) في ( م): (( أن)).
(٣) هذا النص الذي يذكر في كتب المصطلح بلفظ: ((ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه)). لم
نجده في رسالة أبي داود إلى أهل مكة المطبوعة مع مقدمة بذل المجهود ١ / ٣٥، ولا في المطبوعة بتحقيق
الدكتور محمد لطفي الصباغ ، على الرغم من تظافر العديد من كتب المصطلح على نسبته إلى الرسالة .
انظر: التقييد والإيضاح : ٥٥، وفتح المغيث ١ / ٧٧، وكشف الظنون ٢ / ١٠٠٥.
وقد رواه الخطيب في تاريخ بغداد ٩ / ٥٧ من طريق ابن داسة عنه ، من غير عزو إلى رسالته ، والذي
يدلّ عليه صنيع الحازمي في شروط الأئمة الخمسة ٦٧ - ٦٨ : أن هذا المقطع ليس في رسالة أبي داود ،
فإنه نقل نصاً من الرسالة ثمّ قال عقبه: (( وقد روينا عن أبي بكر ابن داسة أنه قال: سمعت أبا داود
يقول : ... )) فذكره. وهذا هو مقصد ابن الصلاح، فإنه قال: ((روينا عنه أنه قال: ذكرت فيه
الصحيح ... )) ثم قال : (( روينا عنه أيضاً ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصحّ ما عرفه))، وهذا النقل
الثاني عن رسالة أبي داود ٣٥/١ فكأنه يشير إلى أن الأول ليس في الرسالة . فرحمه الله ما أنبل قصده وأدق
مسلكه)). انظر تعليقنا على شرح التبصرة ١٩٦/١.
(٤) قال ابن حجر ١ / ٤٣٥: ((وفي قول أبي داود: ((وما كان فيه وهن شديد بينته)) ما يفهم أن الذي
یکون فیه وهن غیر شدید أنه لا يبينه )) .
(٥) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ٣٥/١ مع بذل المجهود. وفي نص الرسالة التي ساقها السيوطي بسنده في كتابه
البحر الذي زخر ٣ / ١١١٧. وانظر: النفح الشذي ٢٠٨/١، ونكت الزركشي ١ / ٣٣٦ - ٣٤٢.
(٦) في (أ): (( ما وجدناه مذكوراً في كتابه مطلقاً)).
(٧) فيه نظر ، بل هو خطأ محض ؛ لعدة أمور ، مِنْها : اختلاف روايات السُّنَن، ففي بَعْض الروايات من أقوال
أَبِي دَاوُد مَا لَيْسَ في الأخرى، ثُمَّ إن أبا دَاوُدِ قد يُضعّف الحَدِيْث بالراوي، فإذا جاء هَذَا الرَّاوِي في حَدِيث
آخر سكت عَنْهُ ؛ لأنه تقدم الكلام عَلَيْهِ ، ثُمَّ إن أبا عبيد الآجري في سؤالاته ينقل كثيراً من تضعيف أبي
دَاوُد لبعض الأحاديث، وَهُوَ قد سكت عَنْهَا في سننه. وَقَدْ أطال الحافظ ابن حجر في نكته عَلَى ابن
الصَّلاح ٤٣٢/١-٤٤٥ في بحث هذِهِ المسألة، وذكر أمثلتها . =
١٠٦
غيرِهِ (١) ، ولا مندرجٍ فيما حقّقنا ضَبْطَ الحسَنِ بهِ على ما سبقَ ، إذْ حكى أبو عبدِ اللهِ بنِ
مَنْده (٢) الحافظُ: أَنَّهُ سَمِعَ محمّدَ بنَ سَعْدٍ الباوَرْدِيِّ ◌ِمصرَ يقولُ: ((كانَ مِنْ مذهب أبي
عبدِ الرحمانِ النَّسائيِّ أنْ يُخرِجَ عَنْ كلِّ مَنْ لَمْ يُجمَعْ على تركِهِ)) (٣) ، قالَ ابنُ مَنْده :
((وكذلكَ أبو داودَ السِّجِسْنائيُّ يأخذُ مأخَذُهُ ويُخَرِّجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لَمْ يجِدْ في
الباب غيرَهُ ؛ لأَنَّهُ أقوى عِنْدَهُ مِنْ رأي الرِّجالِ)) (٤)، والله أعلمُ .
الخامسُ: ما صارَ إليهِ صاحبُ " المصابيحِ " - رحمهُ الله- مِنْ تقسِيْمٍ أحاديثِهِ إلى
نوعينِ : الصِّحَاحِ، والحِسَانِ ، مُريداً بالصِّحَاحِ : ما وردَ في أحدِ الصحيحينِ أو فيهما ،
وبالحِسَانِ: ما أوردَهُ أبو داودَ والتِّرمذيُّ وأشباهُهما في تصانيفِهم (٥) ، فهذا اصطلاحٌ لا
يُعْرَفُ ، وليسَ الحسَنُ عِندَ أهلِ الحديثِ عبارةٌ عَنْ ذلكَ. وهذه (٦) الكُتُبُ تشتملُ على
حَسَنٍ وغيرِ حَسَنٍ كما سَبَقَ بيانُهُ ، واللهُ أعلمُ (٧) .
-فيجب التنبيه على : أن سكوت أبي داود لا يستفيد منه كل أحد ، فقد قال ابن حجر في النكت
٤٣٩/١: ((فلا ينبغي للناقد أن يقلّده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم ، بل طريقه
أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به ، أو هو غريب فيتوقف فيه ؟)) .
(١) أشار محقق (ع) إلى أنه في بعض نسخه: ((عنده))، وهذا ما نصره العلاّمة عبد الفتاح أبو غدة -
يرحمه الله - في تحقيقه لتوجيه النظر ١ / ٣٦٥، ومن تأمل السياق علم أن ما نصره الشيخ خلاف ما
قصده ابن الصلاح تماماً ، كما أن كل من نقل عنه أو اختصر كلامه نقل ما أثبتناه . والله أعلم .
(٢) بفتح الميم والدال المهملة ، بينهما نون ساكنة ، وآخره هاء ساكنة. هكذا ضبطه ابن خلكان ٢٨٩/٤.
(٣) انظر: شروط الأئمة الستة لابن طاهر : ١٩ .
(٤) شروط الأئمة: ٧٣، وانظر: نكت الزركشي ١ / ٣٤٢ .
(٥) انظر: مصابيح السنة ١ / ٢ و١٨٩.
(٦) في (ب): ((فهذه )) .
(٧) قال الزركشي ١ / ٣٤٢: ((قد تبعه النووي وغيره في الاعتراض على البغوي، وهو عجيب ؛ لأن
البغوي لَم يقل : إن مراد الأئمة بالصحاح كذا ، وبالحسان كذا ، وإنما اصطلح على هذا رعاية
للاختصار ، ولا مشاحة في الاصطلاح)).
قال ابن حجر ١ / ٤٤٦: ((قلت: ومما يشهد لصحة كونه أراد بقوله الحسان اصطلاحاً خاصاً له أن
يقول في مواضع من قسم الحسان : هذا صحيح تارة ، وهذا ضعيف تارة ، بحسب ما يظهر له من ذلك .
ولو كان أراد بالحسان الاصطلاح العام ما نوّعه في كتابه إلى الأنواع الثلاثة ، وحتى لو كان عليه في بعض
ذلك مناقشة بالنسبة إلى الإطلاق ، فذلك يكون لأمر خارجي حتى يرجع إلى الذهول ولا يضر فيما نحن
فيه ، والله أعلم)). وانظر: التقييد ٥٥، وتعليقنا على شرح التبصرة ١ / ٢٠٢ - ٢٠٣.
١٠٧
السادسُ: كُتُبُ المساندِ (١) غيرُ مُلْتَحِقةٍ بالكتبِ الخمسةِ التي هيَ : " الصحيحان "
و " سننُ أبي داودَ " و " سننُ النَّسائيِّ " و" جامعُ التِّرمذيِّ" ، وما جَرَى مَجْرَاها في
الاحتجاجِ بها والرُّكُونِ إلى ما يورَدُ فيها مُطلقاً، كـ " مُسْنَدٍ أبي داودَ الطيالسيِّ" (٢) و
" مُسْنَدٍ عُبِيدِ اللهِ بنِ موسى " (٣) و" مُسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ " (٤) و" مسندِ إسحاقَ بنِ
راهَوَيْهِ " (٥) و " مسندٍ عَبْدِ بنِ حُمَيْدٍ " و" مسندِ الدَّارميِّ" (٦) و" مسندٍ أبي يعلى
(١) في (جـ) و(م): ((المسانيد)). قال الزركشي ٣٤٣/١: ((يجوز لك إثبات الياء في الجمع ويجوز حذفها،
وكذلك مراسيل ومراسل ، والأولى الحذف، قال تعالى: ﴿ مَا إنّ مَفَاتِحَهُ﴾. والإثبات عند البصريين
موقوف على السماع، وعند الکوفیین جائز، ذكر ذلك سيبويه في أول كتابه في باب الضرورات وأنشد:
نَفْيَ الدَّنَانِيْرِ تَنْقَادُ الصَّارِيْفِ
تَنْفِي يَدَاهَا الَحَصَى فِي كُلِّ هَاجِرَةٍ
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيْرَهُ﴾. قال: وقياسه معاذر؛ لكنه أشبع الكسرة
فتولدت الياء)). انظر: الكتاب لسيبويه ١ / ٢٨، ومحاسن الاصطلاح ١١٢، والبحر الذي زخر ٣ /
١٢٠٥، وتاج العروس ٨ / ٢١٧.
(٢) قال الزركشي ١ / ٣٤٨: ((هو سليمان بن داود، وليس المسند له ، وإنما هو ليونس بن حبيب بن عبد
القاهر العجلي ، سمعه في أصفهان منه فنسبه إليه )) .
قال البقاعي : ((إنه ليس من تصنيف أبي داود، وإنما هو جمع بعض الحفّاظ الخراسانيين جمع فيه ما رواه
يونس بن حبيب خاصة عن أبي داود ، ولأبي داود من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر ،
بل قد شذّ عنه کثیر من رواية يونس عن أبي داود )) . النكت الوفية ٨١ أ.
(٣) قال الزركشي ١ / ٣٤٩: (( هو أحد شيوخ البخاري، قال ابن الجوزي في المشكل: ((أوّل من صنف
المسند على تراجم الرجال عبيد الله بن موسى العبسي ، وأبو داود الطيالسي))، قلت: ولهذا صدَّر
المصنّف بالتمثيل بهما )) .
(٤) أطال النفس في الكلام عن مسند الإمام أحمد ومدى أصحية مروياته . الزركشي في نكته ١ / ٣٥١،
والعراقي في التقييد: ٥٦، وابن حجر في النكت ١ / ٤٤٧، وإياك أن تغتر بأحكام شعيب الأرنؤوط
وجماعة في أحكامهم على أحاديث المسند !!
(٥) روي عن ابن راهويه أنه قال : ((خرجت عن كل صحابي (بمعنى: الصحابي ) أمثل ما ورد عنه)) ،
نكت الزركشي ١ / ٣٦٦ .
قال العراقي ٥٨: (( وأما مسند إسحاق بن راهويه ففيه الضعيف ، ولا يلزم من كونه يخرج أمثل ما يجد
عن الصحابي ، أن يكون جميع ما خرجه صحيحاً ، بل هو أمثل بالنسبة لما تركه)) .
(٦) قال الزركشي ١ / ٣٥٠: (( وينتقد على المصنف في ذكره هنا من وجهين : -
١٠٨
الموصلِيِّ " و" مسندِ الحسنِ بن سُفيانَ " و" مسندِ البزَّارِ أبي بكرِ " (١) ، وأشباهِها ،
فهذه عادتُهُم فيها أنْ يُخَرِّجُوا في مُسندٍ كُلِّ صحابيّ ما رَوَوُهُ مِنْ حديثِهِ غَيْرَ مُتَقِّدِينَ
بأنْ يكونَ حديثاً محتَجاً بهِ ؛ فلهذا تأخَّرَتْ مرتبْتُها - وإنْ جَلَّتْ لِجلالةِ مؤلّفيها - عنْ
مرتبةِ الكُتُبِ الخمسةِ وما التحقَ بها مِنَ الكُتُبِ المصنَّفَةِ على الأبوابِ ، والله أعلمُ .
السابعُ : قولُهُم : ((هذا (٢) حديثٌ صحيحُ الإسنادِ أو حسنُ الإِسنادِ )) دونَ قولِهِم:
(( هذا حديثٌ صحيحٌ أو حديثٌ حسَنٌ))؛ لأَنَّهُ قَدْ يُقالُ: ((هذا حديثٌ صحيحُ الإسنادِ))
ولا يصحُّ؛ لكونِهِ شاذاً أو معلِّلاً غيرَ أنّ المصنِّفَ المعتمدَ منهم إذا اقتصَرَ على قولهِ: إِنَّهُ
صحيحُ الإسنادِ وَلَمْ يَذكرْ لهُ عِلَّةً ، وَلَمْ يَقدحْ فيهِ فالظاهِرُ منهُ الحكمُ لهُ بأنَّهُ صحيحٌ في
نفسِهِ ؛ لأنَّ عَدَمَ العَلَّةِ والقَادِحِ هوَ الأَصلُ والظاهرُ (٣) ، والله أعلمُ .
= أحدهما : أن مسند الدارمى مرتب على الأبواب لا على المسانيد ، إلا أن يقصد الاسم المشهور به.
الثاني : جعله دون الكتب الخمسة ، وقد أطلق جماعة عليه اسم الصحيح )) .
(١) قال الزركشي ١ / ٣٦٦: ((هو يبين فيه الكلام على علل الأحاديث والمتابعات والتفردات، قال
الدارقطني: ((لكنه يخطئ)).
وقال العراقي ٥٨: (( وأما مسند البزَّار فإنه مجملاً يبين الصحيح من الضعيف إلّ قليلاً، إلاّ أنه يتكلم في
تفرد بعض رواة الحديث به ، ومتابعة غيره عليه )) .
وقد أكد ابن حجر في نكته ١ / ٤٤٧ على وجود الضعيف فيه ، فقال: (( وقد صرَّح ببعض ذلك في
عدة مواضع من مسنده ، فيخرج الإسناد الذي فيه مقال ويذكر علته ، ويعتذر عن تخريجه بأنه لم يعرفه إلا
من ذلك الوجه )) .
ونقل السيوطي في البحر الذي زخر ٣ / ١٢٠١ عن أبي الحسن الشاري في فهرسته أنه قال : ((مسند
البزار عندي من أحسن المسندات لما اشتمل عليه من الكلام على علل الحديث ، وإن كان قد تكلّم بعض
الناس في البزار بما لم يعتمد عليه أهل التحقيق)).
(٢) ليست في ( جـ ).
(٣) قال التاج التبريزي: (( ولقائل أن يقول: لا نسلّم أن قولهم: هذا حديث صحيح الإسناد يحتمل كونه شاذاً
أو معلّلاً مردوداً؛ ليكون دون قولهم : هذا حديث صحيح ، فإن صحة الإسناد مستلزمة بصحة المتن دون
العكس، والحكم بصحة الإسناد مع احتمال عدم صحته بعيد جداً)). البحر الذي زخر ١٢٤٩/٣- ١٢٥٠.
قال الزركشي ١ / ٣٦٧ منتصراً لابن الصلاح: ((هذا فيه نظر، وقد تقدّم في كلام المصنف أنهم إذا
قالوا : ((هذا حديث صحيح))، فمرادهم اتصال سنده ، لا أنه مقطوع به في نفس الأمر ، وقد تكرر
في كلام المزي والذهبي وغيرهما من المتأخرين (( إسناده صالح والمتن منكر)) .=
١٠٩
الثامِنُ : في قولِ الترمذيّ وغيرِهِ : ((هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)) (١) إشكالٌ؛ لأنَّ
الْحَسَنَ قاصِرٌ عَنِ الصحيحِ كما سبقَ إيضاحُهُ ، ففي الْجَمْعِ بينهما في حديثٍ واحدٍ
جَمْعٌ بينَ نَفْيِ ذلكَ القصورِ وإثباتِهِ ؟! وجوابُهُ : أنَّ ذلكَ راجعٌ إلى الإسنادِ ، فإذا رُويَ
الحديثُ الواحدُ بإسنادينٍ ، أحدُهما إسنادٌ حَسَنٌ والآخرُ إسنادٌ صحيحٌ، استقامَ أنْ يقالَ
فيهِ: إِنَّهُ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ ، أي (٢) إِنَّهُ حسَنٌ بالنسبةِ إلى إسنادٍ صحيحٌ بالنسبةِ إلى
إسنادٍ آخرَ. على أنَّهُ غيرُ مُسْتَنكَرٍ أنْ يكونَ بعضُ مَنْ قالَ ذلكَ ، أرادَ بالحسنِ معناهُ
اللغويّ، وهو ما تَمِيلُ إليهِ النَّفْسُ ولا يأباهُ القلبُ ، دونَ المعنى الاصطلاحِيِّ الذي نحنُ
بِصَدَدِهِ ، فاعلمْ ذلكَ ، والله أعلمُ .
التاسعُ : مِنْ أهلِ الحديثِ مَنْ لا يُفردُ نوعَ الحسَنِ ويِجْعَلُهُ مُندرِجاً في أنواعِ
الصحيحِ؛ لاندراجِهِ في أنواعِ مَا يُحتجُّ بهِ (٣)، وَهُوَ الظاهرُ مِنْ كلامِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ
- ولكن الحافظ ابن حجر اختار أن التلازم بين الحكم بصحة الإسناد وصحة المتن أغلبي ، وما ندّ عن هذه
القاعدة قليل لا يصلح التعويل عليه، فضلاً عن تأسيس قاعدة عليه ، فقال: (( لا نسلم أن عدم العلة هو
الأصل ، إذ لو كان هو الأصل ما اشترط عدمه في شرط الصحيح ، فإذا كان قولهم : صحيح الإسناد
يحتمل أن يكون مع وجود العلة لم يتحقق عدم العلة ، فكيف يحكم له بالصحة ؟ )) .
ومن ثَمَّ فرَّقَ بين حكم الحافظ المعتمد وغير المعتمد ، وبين مَن عرف من حالة التفريق في الحكم بين السند
والمتن وبين مَن لم يعرف عنه ذلك. النكت ١ / ٤٧٤ .
(١) للعلماء في هذه المسألة أجوبة واعتراضات ومناقشات. انظر: الاقتراح: ١٧٤، ونكت الزركشي ٣٦٨/١،
ومحاسن الاصطلاح: ١١٤، والتقييد والإيضاح: ٥٨، ونكت ابن حجر ٤٧٥/١، والبحر الذي زخر ١٢٠٩/٣.
(٢) عبارة: ((أن يقال فيه: أنه حديث حسن صحيح، أي)) ليست في (جـ ).
(٣) بل قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية : ((قسمة الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف فهذا أول من
عرف أنه قسمه هذه القسمة أبو عيسى الترمذي، ولم تعرف هذه القسمة عن أحد قبله)). ثم قال: ((وأمَّا
مَنْ قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم الثلاثي لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح
وضعيف، والضعيف عندهم نوعان: ضعيف ضعفاً لا يمتنع العمل به، وهو يشبه الحسن في اصطلاح الترمذي،
وضعيف ضعفاً يوجب تركه وهو الواهي)). مجموع الفتاوى ١٧/١٨، ١٨. وانظر: ١٤٠/١٨ منه.
وقال العراقي في التقييد: ١٩: (( لم أرَ من سبق الخطابي إلى تقسيمه ذلك، وإن كان في كلام المتقدّمين
ذكر الحسن )) .
وقال ابن حجر في نكته ١ / ٤٧٩: ((هذا ينبغى أن يقيّد به إطلاقه في أول الكلام على نوع الصحيح،
وهو قوله : الحديث ينقسم عند أهله إلى صحيح وحسن وضعيف )) .
١١٠
الحافظِ في تصرفاتِهِ ، وإليهِ يومئُ في تسميتِهِ كتابَ الترمذيّ بـ" الجامع الصحيحِ" (١).
وأطلقَ الخطيبُ أبو بكرٍ أيضاً عليهِ اسمَ الصحيحِ ، وعلى كتابِ النَّسائيِّ. وذكرَ
الحافظُ أبو طاهرِ السِّلَفيُّ (٢) الكتبَ الخمسةَ (٣) وقالَ: (( أَّفَقَ على صِحَّتِها علماءُ الشرقِ
والغرب)) (٤). وهذا تساهلٌ؛ لأنّ فيها ما صرَّحُوا بكونِهِ ضعيفاً أو منكراً أو نحوَ ذلكَ
مِنْ أوصافِ الضعيفِ. وصرَّحَ أبو داودَ فيما قدَّمْنا روايتَهُ عنهُ بانقسامٍ ما في كتابِهِ إلى
صحيحٍ وغيرِهِ ، والترمذيُّ مُصَرِّحٌ فيما (٥) في كتابِهِ بالتمييزِ بينَ الصحيحِ والحسَنِ . ثُمَّ إِنّ
مَنْ سَمَّى الحسَنَ صحيحاً لا يُنكِرُ أَنَّهُ دونَ الصحيحِ الْمُقَدَّمِ الْمُبَيَّنِ أوْلاً ، فهذا إذنْ
اختلافٌ في العبارةِ دونَ المعنى ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ الثَّالِثُ
مَعْرِفَةُ الضَّعِيْفِ مِنَ الحَدِيْثِ (٦)
(١) قال ابن حجر في نكته ١ / ٤٧٩: ((إنما جعله يومئ إليه؛ لأن ذلك مقتضاه ، وذلك أن كتاب الترمذي
مشتمل على الأنواع الثلاثة ، لكن المقبول فيه - وهو الصحيح والحسن - أكثر من المردود فحكم
للجميع بالصحة بمقتضى الغلبة)) . وانظر : ١ / ٤٧٩ - ٤٨١ منه .
(٢) بكسر السين وفتح اللام، وانظر في سبب هذه النسبة: الأنساب ٢٩٧/٣، ووفيات الأعيان ١٠٧/١،
ونكت الزركشي ١ / ٣٨١ ، ونكت ابن حجر ١ / ٤٨٩، وتاج العروس ٢٣ / ٤٦٠ .
(٣) هي الكتب الستة ( البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، بدون ابن ماجة ، إذ لم تضف إلى
الخمسة إلا في القرن السادس الهجري .
(٤) قد أجاب الحافظ العراقي عن قول السلفي هذا في نكته على ابن الصَّلاح: ٦٢ ، فقال: ((إنما قال
السلفي بصحة أصولها))، ثم قال: ((ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحذٌ)).
وانظر : نكت الزركشي ١ / ٣٨٠، ونكت ابن حجر ١ / ٤٨١ .
(٥) ساقطة من ( جـ ).
(٦) انظر في الضعيف :
معرفة علوم الحديث : ٥٨، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ١٩٢/٢، إرشاد طلاب الحقائق
١٥٣/١، والتقريب: ٤٩، والاقتراح: ١٧٧، والمنهل الروي: ٣٨، والخلاصة: ٤٤، والموقظة: ٣٣،
واختصار علوم الحديث : ٤٤، والمقنع ١ / ١٠٣، شرح التبصرة ١ / ٢١٦، والمختصر: ١١٧، وفتح
المغيث ١ / ٩٣، وألفية السيوطي: ١٩ - ٢١، والبحر الذي زخر ٣ / ١٢٨٣، وشرح السيوطي على
ألفية العراقي ١٤١، وفتح الباقي ١ / ١١١، وتوضيح الأفكار ١ / ٢٤٦، وظفر الأماني : ٢٠٦ ،
وقواعد التحديث : ١٠٨، وتوجيه النظر ٢ / ٥٤٦.
١١١
كُلُّ حديثٍ لَمْ يَجتمعْ (١) فيهِ صفاتُ الحديثِ الصحيحِ، ولا صفاتُ الحديثِ الحسَنِ
- المذكوراتُ فيما تقدَّمَ - فهو حديثٌ ضعيفٌ (٢). وأطنبَ أبو حاتِمٍ بنِ حِبَّنَ البُسْتِيُّ في
تقسيمِهِ ، فبلغَ بهِ خمسينَ قسماً إلاّ واحداً (٣) ، وما ذكرتُهُ ضابطٌ جامعٌ لجميعِ ذلكَ .
وسبيلُ مَنْ أرادَ البَسْطَ(٤) أنْ يَعْمَدَ إلى صفةٍ مُعَّةٍ منها؛ فيجعلَ ما عُدِمَتْ فيهِ مِنْ غيرِ
أنْ يَخُلُفَها جابرٌ -على حسبِ ما تقرَّرَ في نوعِ الحسَنِ -: قسماً واحداً، ثُمَّ ما عُدِمَتْ فيهِ
تلكَ الصفةُ معَ صفةٍ أخرى معيّةٍ: قسماً ثانياً، ثم ما عُدِمَتْ فيهِ معَ صفتينٍ معيَّتَيْنِ: قسماً
ثالثاً ، .. ، وهكذا إلى أن يستوفيَ (٥) الصفات المذكوراتِ جُمَعَ (٦)، ثُمَّ يَعودَ ويُعِيِّنَ مِنَ
الابتداءِ صفةً غيرَ التي عيَّنها أوْلاً ، ويجعلَ ما عُدِمَتْ فِيهِ وَحْدَها قِسْماً، ثُمَّ القسمَ الآخرَ
ما عُدِمَتْ فيهِ مَعَ عدمٍ صفةٍ أخرى ، ولتكنِ الصفةُ الأخرى غيرَ الصفةِ الأولى المبدوءِ بها ؛
الكونِ ذلكَ سَبَقَ في أقسامِ عدمِ الصفةِ الأولى ، وهكذا هَلُمَّ جَرّاً (٧) إلى آخرِ الصفاتِ .
(١) في (أ) و (م): ((تجتمع)).
(٢) للعلماء مباحثات ومناقشات حول هذا التعريف، انظرها في: نكت الزركشي ١ / ٣٨٩، والتقييد
والإيضاح: ٦٣، ونكت ابن حجر ١ / ٤٩١، والبحر الذي زخر ٣ / ١٢٨٣.
(٣) قال ابن حجر في نكته ١ / ٤٩٢: ((لم أقف على كلام ابن حبان في ذلك)).
وقال الزركشي في نكته ١ / ٣٩١ : (( أي: في أول كتابه في الضعفاء)).
قال ابن حجر مستدركاً على الزركشي في مقالته هذه ومشيراً إلى عدم إصابته : (( لم يصب في ذلك ، فإن
الذي قسمه ابن حبان في مقدمة كتاب الضعفاء له تقسيم الأسباب الموجبة لتضعيف الرواة ، لا تقسيم
الحديث الضعيف ، ثُمَّ إنه أبلغ الأسباب المذكورة عشرين قسماً لا تسعة وأربعين ، والحاصل أن الموضع
الذي ذكر ابن حبان فيه ذلك ما عرفنا مظنته ، والله الموفق )).
(٤) قلنا : قد أطال في بسطها العراقي في شرح التبصرة ١ / ٢١٧، والبقاعي في النكت الوفية ٩٠ / أ.
(٥) في ( أ): (( تستوفي)) .
(٦) في ( ب): ((جميعاً))، وفي إحدى نسخ (ع): ((جمعاء)). وانظر: تاج العروس ٢٠ / ٤٥٩.
(٧) هذا تعبير يقال لاستدامة الأمر واتِّصاله. يقال: كان عاماً أوّل كذا وكذا وهُلُمَّ حَرّاً .
وانظر في تفصيل اشتقاق هذا التعبير وانتصاب ((جراً)): الزاهر ١ / ٤٧٦، ولسان العرب ٤ / ١٣١،
ونكت الزركشي ١ / ٣٩٢، ونكت ابن حجر ١ / ٥٠٣، وتاج العروس ١٥ / ٤١٢، والمعجم
الوسيط ١ / ١١٦ .
١١٢
ثُمَّ ما عُدِمَ فيهِ جميعُ الصفاتِ هوَ القسمُ الأَخِرُ (١) الأرذَلُ. وما كانَ مِنَ الصِّفاتِ
لهُ شروطٌ ، فاعملْ في شروطِهِ نحوَ ذلكَ ، فتتضاعفَ بذلكَ الأقسامُ .
والذي لهُ لقَبٌّ خاصِّ معروفٌ منْ أقسامِ ذلكَ : الموضوعُ ، والمقلوبُ ، والشاذُّ ،
والمعلّلُ، والمضطربُ والمُرسلُ، والمنقطِعُ ، والمُعضلُ - في أنواعٍ - سيأتي عليها الشرحُ
إنْ شاءَ (٢) الله تعالى .
والملحوظُ فيما نورِدُهُ مِنَ الأنواعِ : عمومُ أنواعٍ علومٍ(٣) الحديثِ لا خصوصُ أنواع
التقسيمِ الذي فرَغْنَا الآنَ مِنْ أقسامِهِ (٤) ، ونسألُ الله تباركَ وتعالى تعميمَ النَّفْعِ بهِ في
الدارينِ ، آمينَ .
النَّوْعُ الرَّابِعُ
مَعْرِفَةُ الْمُسْتَدِ (٥)
(١) قال الحافظ العراقي في التقييد: ٦٣: ((بقصر الهمز على وزن الفَخِذ، وهو بمعنى الأرذل)). وقيل: بعد
الهمز أيضاً. انظر تفصيل ذلك في: لسان العرب ٤ / ١٥، ونكت الزركشي ١ / ٣٩٣، والنكت
الوفية: ١٧٦ / ب، وتاج العروس ١٠ / ٣٨، وتعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة ١ /٤١٤.
(٢) سقطت من (م)، وهو خلل فاحش ، أفسد النص وأتلف المعنى.
(٣) سقطت من (جـ ).
(٤) في (ع) هنا زيادة: ((مفرقة))، ولم ترد في نسخنا الخطية أو المطبوعة .
قال ابن حجر ١ / ٥٠٤ : ((هذا جواب عن سؤال مقدر، وهو: أنه ذكر في أول الكتاب أن الحديث
ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، ثمّ سَّى الأقسام الثلاثة أنواعاً، ثم ذكر بعد ذلك أشياء أخر سمّاها أنواعاً، فأين
صحة دعوى الحصر في الثلاثة ؟
والجواب: بأن هذه الأنواع التي يذكرها بعد الثلاثة المراد بها أنواع علم الحديث لا أنواع أقسام الحديث .
وحاصله : أن هذه الأنواع في الحقيقة ترجع إلى تلك الثلاثة : منها ما يرجع إلى أحدها . ومنها ما يرجع
إلى المجموع ، وذلك واضح ، والله أعلم)).
قلنا : هذا استفاده ابن حجر مما علّقه الزركشي في نكته ١ / ٤٠٣ .
(٥) قال الزركشي في نكته ٤٠٥/١: ((وهو مأخوذ من السند، وهو ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل ؛ لأن
المسنِّد يرفعه إلى قائله، ويجوز أن يكون مأخوذاً من قولهم: فلان سند ، أي : معتمد . فسمِّيَ الإخبار
عن طريق المتن مسنداً ؛ لاعتماد النقّاد في الصحة والضعف عليه، وفي أدب الرواية للحفيد: أسندت
الحديث أسنده وعزوته أعزوه وأعزيه ، والأصل في الحرف راجع إلى المسند وهو الدهر، فيكون معنى إسناد
الحديث أتِّصاله في الرواية اتّصال أزمنة الدهر بعضها ببعض .
وحاصل ما حكاه المصنِّف في تعريفه ثلاثة أقوال : =
١١٣
ذكرَ أبو بكر الخطيبُ الحافظُ - رحمهُ اللهُ - أنَّ المسندَ عِندَ أهلِ الحديثِ: هوَ
الذي أَتَّصلَ إسنادُهُ مِنْ راويهِ إلى مُنتهَاهُ ، وأكثرُ مَا يستعملُ ذلكَ فِيْمَا جاءَ عنْ رسولِ اللهِ
﴿ دونَ مَا جاءَ عنِ الصحابةِ وغيرِهِم (١) . وذكرَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ الحافظُ (٢) أنَّ
المسندَ: (( مَا رُفِعَ إِلى النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَّمَ خَاصَّةً. وَقَدْ يكونُ مَتَّصِلاً ،
مثلُ: ((مالكٍ، عنْ نافعٍ ، عنِ ابنِ عمرَ ، عنْ رسولِ اللهِ ﴿ِ))، وقدْ يكونُ منقطعاً،
= أحدها: أنه المتصل إسناده وإن لم يرفع إلى النبي {َ .
والثاني: أنه المرفوع إلى النبي ﴿ وإن لم يتصل.
والثالث : أنه المتصل المرفوع .
ويتفرع على هذه الأقوال أن المرسل هل يسمّى مسنداً ؟ فعلى الأول : لا يسمّى ؛ لأنه ما اتصل إسناده ،
وعلى الثاني: يسمّى مسنداً؛ لأنه جاء عن النبي ◌َ﴿ منقطعاً. وعلى الثالث: لا يسمّى مسنداً أيضاً؛
لأنه فاته شرط الاتصال ووجد فيه الرفع .
وينبني عليه أيضاً الموقوف - وهو المروي عن الصحابة - أنه هل يسمى مسنداً؟ فعلى الأول : نعم ؛
لاتصال إسناده إلى منتهاه ، وعلى الثاني والثالث : لا . وكذلك المعضل - وهو ما سقط من إسناده اثنان
فأكثر - فعلى الأول والثالث : لا يسمى مسنداً، وعلى الثاني يسمى )) وانظر عن معنى المسند لغة: لسان
العرب ٣ / ٢٢١، والتاج ٨ / ٢١٥، والبحر الذي زخر ١ / ٣١٥.
وانظر في المسند :
معرفة علوم الحديث: ١٧، والكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هـ)، والجامع لأخلاق الرَّاوِي ٢ / ١٨٩،
والتمهيد ١/ ٢١، وجامع الأصول ١ / ١٠٧، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٥٤ - ١٥٦، والتقريب
٤٩ - ٥٠، والاقتراح: ١٩٦، والمنهل الروي: ٣٩، والخلاصة: ٤٥، والموقظة: ٤٢، واختصار
علوم الحديث : ٤٤، والمقنع ١ / ١٠٩، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٢٤، ونزهة النظر : ١٥٤،
والمختصر : ١١٨، وفتح المغيث ١ / ٩٩ ، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي
١٤٤، وفتح الباقي ١١٨/١، وتوضيح الأفكار ٢٥٨/١، وظفر الأماني: ٢٢٥، وقواعد التحديث:
١٢٣.
(١) انظر: الكفاية (٥٨ ت - ٢١ هـ)، والجامع لأخلاق الراوي ٢ / ١٨٩.
قال الزركشي ١ / ٤٠٦: ((عبارة الخطيب في الكفاية: (( إلا أن أكثر استعمالهم هذه العبارة فيما أسنده
عن النبي ﴿ خاصة)). انتهى. فشرط الإسناد لم يعتبر اتصال الإسناد فيه بأن يكون كل واحد من رواته
سمعه ممن فوقه حتى ينتهي ذلك إلى آخره ، وإن لم يبين فيه السماع ، بل اقتصر على العنعنة)).
(٢) انظر: التمهيد ١ / ٢١.
١١٤
مثلُ: ((مالكٍ، عنْ الزهريّ، عنِ ابنِ عِبَّاسٍ، عنْ رسولِ اللهِ ﴿٣)). فهذا مسندٌ؛ لأَنَّهُ
قَدْ أُسْنِدَ إلى رسولِ اللهِوَ﴿ُ، وهوَ منقطعٌ؛ لأنّ الزُّهريْ لَمْ يسمعْ مِنِ ابنِ عبَّاسٍ ﴾(١).
وحكى أبو عُمَرَ عنْ قومٍ أنَّ المسندَ لا يقعُ إلَّ عَلَى مَا أَنَّصلَ مرفوعاً إلى
النبيِّ ◌َّ (٢). قلتُ: وبهذا قَطَعَ الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ وَلَمْ يَذْكُرْ (٣) في كتابهِ
غيرَهُ (٤). فهذه أقوالٌ ثلاثةٌ مختلفةٌ (٥) ، والله أعلمُ (٦).
النَّوْعُ الخَامِسُ
مَعْرِفَةُ الْمُتَّصِلِ (٧)
(١) قال الزركشي في نكته ١ / ٤٠٧: ((هذا القول صحّحه المحب الطبري في كتابه " المعتصر " الملخص من
هذا الكتاب. وهو الظاهر من حال تصرف الأئمة المصنِّفينَ للمسندات، كأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة ،
والبزار ، وغيرهم. وقال صاحب كتاب الوصول : إنه الأرجح ؛ لعدم تداخل الصنفين ، أي : المسند
والمتصل. وحكى أبو عمر عن قوم أن المسند لا يقع إلا على ما اتصل مرفوعاً ، هذا القول جزم به أبو
الحسن بن الحصار في كتابه " تقريب المدارك" ، وأبو عمرو عثمان بن سعيد المقرئ في جزء له جمعه في
رسوم الحديث ، وابن خلفون في المنتقى ، وهو ظاهر كلام السمعاني في القواطع)).
(٢) التمهيد ١ / ٢٥.
(٣) في ( ب) و (جـ ): ((يذكره )).
(٤) معرفة علوم الحديث ١٧ .
(٥) في (م) هنا زيادة: ((والقول الأول أعدل وأولى)).
(٦) عبارة : (( والله أعلم)) ليست في ( جـ )، وفي ( ب): ((والله تعالى أعلم)).
(٧) قال البلقيني: ((يخرج بذلك المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق ونحوها)). محاسن الاصطلاح: ١٢١.
وقال الزركشي ١ / ٤١٠: ((وقد يطلقونه على المنقطع مقيداً، كقولهم: هذا متصل إلى سعيد، أو إلى
الزهري ، أو إلى مالك ونحوه )) .
وانظر في المُتَّصل والموصول :
التمهيد ١ / ٢٣، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٥٦، والتقريب: ٥٠، والاقتراح: ١٩٥، والمنهل
الروي : ٤٠؛ والخلاصة: ٤٦، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث: ٤٥، والمقنع ١/ ١١٢،
وشرح التبصرة والتذكرة ٢٢٧/١، ونزهة النظر: ٨٣، والمختصر: ١١٩، وفتح المغيث ١/ ١٠٢،
وألفية السيوطي : ٢٤، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٥، وفتح الباقي ١٢١/١، وتوضيح
الأفكار ٢٦٠/١، وظفر الأماني: ٢٢٦، وقواعد التحديث : ١٢٣.
١١٥
ويقالُ فيهِ أيضاً: الموصولُ (١)، ومُطلقُهُ يقعُ على المرفوعِ والموقوف وهو الذي
أَّصَلَ إسنادُهُ، فكانَ (٢) كُلُّ واحِدٍ مِنْ رواتِهِ قَدْ سَمِعَهُ مَّنْ فَوقَهُ حَتَّى ينتهِيَ إلى منتهاهُ .
مثالُ المَتَّصِلِ المرفوعِ مِنَ " الموطّأٍ " : ((مالكٌ، عنْ ابنِ شهابٍ ، عنْ سالِمِ بنِ
عبدِ اللهِ، عنْ أبيهِ، عنْ رسولِ اللهِ ﴿)) (٣)، ومثالُ المَتَّصِلِ الموقوفِ: ((مالكٌ، عنْ
نافعٍ ، عنِ ابنِ عُمَرَ ، عنْ عمرَ قولَهُ)) (٤) ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ السَّادِسُ
مَعْرِفَةُ الْمَرْفُوعِ(٥)
وهوَ ما أُضِيفَ إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ خاصَّةً، ولا يَقَعُ مُطلقُهُ على غيرِ ذلكَ نحوُ
الموقوف على الصحابةِ وغيرِهِم (٦) . ويدخُلُ في المرفوعِ: المتصلُ، والمنقطِعُ، والمرسَلُ ،
ونحوُها ، فهو والمسندُ عندَ قومٍ (٧) سواءٌ، والانقطاعُ والاتصالُ يَدخلان عليهما جميعاً.
(١) قال الزركشي ١ / ٤١٠: ((قلت: والموتصل، وهي عبارة الشافعي - رضي الله تعالى عنه - كما نقله
البيهقي ، وقال ابن الحاجب : في تصريفه : هي لغة الشافعي)).
وقال ابن حجر ٥١٠/١: ((قلت: ويقال له: المؤتصل - بالفك والهمز - وهي عبارة الشافعي في الأم
في مواضع . وقال ابن الحاجب في التصريف له : ((هي لغة الشافعي، وهي عبارة عن ما سمعه كل راوٍ
من شيخه في سياق الإسناد من أوله إلى منتهاه . فهو أعم من المرفوع)).
قلنا : انظر في إطلاق الشافعي: الأم ١٤/٤، ١٠٣/٦ و١٠٤، والرسالة : ٤٦٤ الفقرة (١٢٧٥)،
وسنن البيهقي الكبرى ٨ / ١٢٥.
(٢) في (ب ): ((وكان))، وفي الشذا الفياح: ((فكأنٌ)) بتشديد النون.
(٣) انظر: الموطأ (١٩٦) و (١١٩١) و (٢٦٣٥) و(٢٧٨٧) مثلاً .
(٤) انظر: الموطأ ( ٧٦٧ ) مثلاً .
(٥) انظر في المرفوع :
الكفاية: (٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ٢٥/١، إرشاد طلاب الحقائق ١٥٧/١، والتقريب: ٥٠ - ٥١،
والاقتراح : ١٩٥، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٤٦، والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحديث:
٤٥، والمقنع ٧٣/١، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٢٢، ونزهة النظر: ١٤٠، والمختصر: ١١٩،
وفتح المغيث ١ / ٩٨، وألفية السيوطي: ٢١، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٣، وفتح
الباقي ١ / ١١٦، وتوضيح الأفكار ١ / ٢٥٤، وظفر الأماني: ٢٢٧، وقواعد التحديث: ١٢٣ .
(٦) في نسخة (جـ)، جاءت حاشية نصّها: ((قال المؤلف: رأيت في كتاب الضعفاء لعلي بن المديني
تسمية قول الحسن البصري قال رسول الله {﴿ مرفوعاً)).
(٧) كابن عبد البر كما تقدم في الكلام على المسند (ص : ١٣٣).
١١٦
وعندَ قومٍ يفترقانِ في أنّ (١) الانقطاعَ والاتصالَ يدخلانِ على المرفوعِ ولا يقعُ المسندُ إلاّ
على المتَّصِلِ المضافِ (٢) إلى رسولِ اللهِ ﴿. وقالَ الحافظُ أبو بكرِ بنِ ثابتٍ: ((المرفوعُ:
ما أخبرَ فيهِ الصحابيُّ عنْ قولِ الرسولِ (٣) ﴿ أو فِعِلِهِ)) (٤). فخصَّصَهُ بالصحابةِ ،
فَيَخْرُجُ (٥) عنهُ مُرسَلُ التابعِيِّ عنْ رسولِ اللهِ ◌ِ ◌ِّ(٦).
قلتُ : ومَنْ جَعلَ مِنْ أهلِ الحديثِ : المرفوعَ في مقابلةِ المرسَلِ ، فقدْ عَنَى
بالمرفوعِ : المتصلَ ، والله أعلمُ .
النَّوْعُ السَّابِعُ
مَعْرِفَةُ الْمَوْقُوْقِ (٧)
وهوَ ما يُروَى عنِ الصحابَةِ ﴿ مِنْ أقوالِهِم ، أو أفعالِهِم (٨) ونَحْوِها، فيُوقَفُ
عَلَيْهِم ولا يُتَجَاوَزُ بِهِ إلى رسولِ اللهِوَّ(٩). ثُمَّ إنّ منهُ ما يَتَّصِلُ الإِسنادُ فيهِ إلى الصحابيِّ
(١) ليست في ( أ).
(٢) سقطت من ( ب ) .
(٣) في (ب): ((قول رسول الله)).
(٤) الكفاية : ( ٥٨ ت - ٢١ هـ )
(٥) في (م): ((فخرج)).
(٦) قال الزركشي ٤١١/١: ((هذا فيه قصور بل يخرج عنه ما لم يكن فيه الصحابي مرسلاً كان أو غيره)).
وانظر: محاسن الاصطلاح: ١٢٢، ونكت ابن حجر ١ / ٥١١ .
(٧) انظر في الموقوف :
معرفة علوم الحديث: ١٩، والكفاية: ( ٥٨ ت، ٢١ هـ)، والتمهيد ١ / ٢٥، والإرشاد ١٥٨/١،
والتقريب: ٥١ - ٥٣، والاقتراح: ١٩٤، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة : ٦٤، والموقظة: ٤١،
واختصار علوم الحديث : ٤٥، والمقنع ١ / ١١٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٢٩، ونزهة النظر:
١٥٤، والمختصر: ١٤٥، وفتح المغيث ١ / ١٠٣، وألفية السيوطي ٢١ - ٢٣، وشرح السيوطي
على ألفية العراقي ١٤٦، وفتح الباقي ١ / ١٢٣، وتوضيح الأفكار ١ / ٢٦١، وظفر الأماني : ٣٢٥،
وقواعد التحديث : ١٣٠ .
(٨) في (أ) و (ب): ((وأفعالهم)).
(٩) انظر: الكفاية (٥٨ ت، ٢١ هـ).
قال الزركشي ١ / ٤١٢: ((هذا التعريف غير صالح، إذ ليس كل ما يروى عن الصحابي من قوله
موقوفاً ، كقول عائشة - رضي الله عنها -: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ... ))، ولهذا احتج
الشافعي بمثل هذا في الجديد وأعطاه حكم المرفوع ، مع نصّه على أن قول الصحابي ليس بحجة )).
١١٧
فيكونُ مِنَ (١) الموقوف الموصول. ومنهُ ما لا يَتَّصلُ إسنادُهُ فيكُونُ مِنَ الموقوفِ غيرِ
الموصولِ، على حَسَبِ ما عُرِفَ مِثْلُهُ في المرفوعِ إلى رسولِ اللهِ مَ ﴿ه، والله أعلمُ .
وما ذكرناهُ مِنْ تخصيصِهِ بالصحابيِّ ، فذلكَ إذا ذُكِرَ الموقوفُ مطلقاً، وقدْ
يُستعملُ مقَيَّداً في غيرِ الصحابيّ (٢)، فيقالُ: ((حديثُ كذا وكذا ، وقفَهُ فلانٌ على عطاء
ء
أو عَلَى طاوسٍ أو نحوِ هذا))، والله أعلمُ (٣).
وموجودٌ في اصطلاحِ الفقهاءِ الْخُراسانيينَ تعريفُ الموقوف باسم (٤) الأثرِ (٥)
قالَ (٦) أبو القاسمِ الفُوْرَانِيُّ (٧) - منهم - فيما بَلَغَنا عنهُ: الفقهاءُ يقولونَ: ((الخبرُ:
ما يُروى (٨) عنِ النبيِّ ◌َ﴿ٌ، والأثَّرُ: ما يُرْوى (٩) عنِ الصحابةِ ﴿ه)) (١٠).
(١) سقطت من ( أ).
(٢) هذا صريح في أن القيد لا يتقيد بالتابعي ، بل يقال : موقوف على الثوري وعلى مالك وعلى الشافعي ،
ونحوه . أفاده الزركشي ١ / ٤١٧ .
(٣) عبارة: (( والله أعلم)) سقطت من ( ع ) والتقييد .
(٤) في (أ) : (( تعريفه باسم)) .
(٥) قلنا: ورد ذلك أيضاً في كلام الشافعي. انظر: الرسالة الفقرات ( ٥٩٧) و ( ١٤٦٨).
(٦) في (أ): ((وقال)).
(٧) هو القاضي أبو القاسم عبد الرحمان بن محمد بن أحمد الفوراني ، توفي سنة (٤٦١ هـ). والفُوْرَاني - بضم
الفاء وسكون الواو وفتح الراء وبعد الألف نون -: نسبة إلى جده فوران. انظر: الأنساب ٣٨٥/٤،
ووفيات الأعيان ١٣٢/٣، والسير ٢٦٤/١٨، والتاج ٣٥١/١٣ .
(٨) في ( ب ): ((روي)).
(٩) كذلك .
(١٠) قال ابن حجر ١ / ٥١٣: ((هذا قد وجد في عبارة الشافعي - رضي الله تعالى عنه - في مواضع،
والأثر في الأصل: العلامة والبقية والرواية ، ونقل النووي عن أهل الحديث أنهم يطلقون الأثر على المرفوع
والموقوف معاً، ويؤيده تسمية أبي جعفر الطبري كتابه "تهذيب الآثار" وهو مقصور على المرفوعات وإنما
يورد فيه الموقوفات تبعاً . وأما كتاب " شرح معاني الآثار " للطحاوي فمشتمل على المرفوع والموقوف
- أيضاً - والله تعالى الموفق)). وانظر: الرسالة للإمام الشافعي الفقرات (٥٩٧) و(١٤٦٨) - كما
تقدمت قبل قليل الإشارة إليه - ، ونكت الزركشي ١ / ٤١٧ .
١١٨
النَّوْعُ الثَّامِنُ
مَعْرِفَةُ الْمَقْطَّوْعِ (١)
وهوَ غيرُ المنقطعِ الذي يأتي ذكرُهُ إنْ شاءَ الله تعالى ، ويقالُ في جمعِهِ : المقاطِيعُ
والمقاطِعُ(٢)، وهوَ ما جاءَ عنِ التابعينَ موقوفاً عليْهِم مِنْ أقوِالهِم أو أفعالِهِمْ(٣). قال الخطيبُ
أبو بكر الحافظُ في " جامِعِهِ " : ((مِنَ الحديثِ: المقطوعُ)) (٤)، وقالَ: («المقاطِعُ: هيَ
ء
الموقوفاتُ على التابعينَ )) (٥) .
قلتُ : وقدْ وجدْتُ التعبيرَ بالمقطوعِ عنِ المنقطعِ غيرِ الموصولِ في كلامِ الإِمامِ (١)
الشافعيِّ ، وأبي القاسمِ الطبرانيّ وغيرِهِما (٧)، والله أعلمُ.
(١) انظر في المقطوع :
الجامع لأخلاق الراوي ١ / ١٩١، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٦٦، والتقريب: ٥٣، والاقتراح:
١٩٤، والمنهل الروي: ٤٢، والخلاصة: ٦٥، واختصار علوم الحديث: ٤٦، والمقنع ١ / ١١٦،
وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ٢٣١، ونزهة النظر: ١٥٤، والمختصر: ١٣١، وفتح المغيث ١٠٥/١،
وألفية السيوطي: ٢١ - ٢٣، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٤٦، وفتح الباقي ١ / ١٢٤،
وتوضيح الأفكار ١ / ٢٤٩، وظفر الأماني: ٣٤٢، وقواعد التحديث : ١٣٠.
(٢) وكلاهما جائز كما تقدّم في المساند والمسانيد. انظر: نكت الزركشي ١ / ٤٢٠، ومحاسن الاصطلاح:
١٢٥ ، ونكت ابن حجر ٢ /٥١٤ .
(٣) قال الزركشي ١ / ٤٢١: ((قلت: في إدخاله في أنواع الحديث تسامح كثير، فإن أقوال التابعين
ومذاهبهم لا مدخل لها في الحديث، فكيف يكون نوعاً منه ؟ نعم، يجئ هنا ما بُيِّنَ في الموقوف من أنه إذا
كان ذلك لا مجال للاجتهاد فيه أن يكون في حكم المرفوع ، وبه صرّح ابن العربي وادّعى أنه مذهب
مالك ، ولهذا أدخل عن سعيد بن المسيب : ((صلاة الملائكة خلف المصلي)).
وقد نوَّه ابن حجر بفائدة كتابة المقاطيع في النكت ٥١٤/٢ فقال: ((وذكر الخطيب أن الفائدة في كتابه
المقاطيع ليتخير المجتهد من أقوالهم ولا يخرج عن جملتهم ، والله أعلم)) .
(٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ١٨٨ عقب (١٧٥١) ، بتصرف .
(٥) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ١٩١ عقب (١٥٧٧ )، بتصرف .
وورد في (ع) بعد كلام الخطيب عبارة: ((والله أعلم))، ولم ترد في نسختنا الخطية ولا في ( م)،
وهي ثابتة في التقييد .
(٦) ليست في ( ب ) .
(٧) قال ابن حجر ٥١٤/٢: ((عنى به الدارقطني والحميدي، فقد وجد التعبير في كلامهما بالمقطوع في مقام
المنقطع . وأفاد شيخنا - أي: العراقي- في منظومته: أنه وجد التعبير بالمنقطع في كلام البرديجي في مقام
المقطوع على عكس الأول ... )). وانظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢٣١/١، وتدريب الراوي ١٩٤/١.
١١٩
تَفْرِيْعَاتٌ
أحدُها: قولُ الصَّحابيِّ: ((كُنَّا نَفْعَلُ كذا أو كنَّا نقولُ كذا)) (١) إنْ لَمْ يُضِفْهُ إلى
زمانِ رسولِ اللهِ (٢) ﴿ فهوَ مِنْ قبيلِ الموقوفِ، وإِنْ أضافَهُ إلى زمانِ رسولِ اللهِ /،
فالذي قَطَعَ بهِ أبو عبدِ اللهِ بنُ البِيِّعِ (٣) الحافظُ وغيرُهُ مِنْ أهلِ الحديثِ وغيرِهِم أنّ ذلكَ
مِنْ قبيلِ المرفوعِ (٤).
وبَلَغَنِي عَنْ أبي بكرِ البَرْقَانِيّ أَنَّهُ سألَ أبا بكرِ الإسماعيليَّ الإِمامَ عنْ ذلكَ فأنكرَ كونَهُ
مِنَ المرفوعِ . والأوّلُ هوَ الذي عَليْهِ(٥) الاعتمادُ؛ لأنَّ ظاهرَ ذلكَ مُشْعِرٌ بأنَّ رسولَ اللهِ ﴾.
اطْلَعَ على ذلكَ وقرَّرَهُم عليهِ ، وتقريرُهُ أحدُ وجوهِ السُّنَنِ المرفوعةِ ؛ فإنَّها أنواعٌ منها :
أقوالُهُ مَّ، ومنها: أفعالُهُ (٦)، ومنها: تقريرُهُ وسكوتُهُ عنِ الإنكارِ بعدَ اطّلاعِهِ. ومِنْ
(١) قال الزركشي ١ / ٤٢١ - ٤٢٣: ((حاصله: حكاية قولين: الوقف مطلقاً، والتفصيل بأن تضيفه إلى
زمان النبي / أو لا ، وأهمل مذاهب :
أحدها : أنه مرفوع مطلقاً ، وبه قال الحاكم ورجّحه من الأصوليين الإمام الرازي . وقال ابن الصباغ في
العدة : إنه الظاهر ، ومثّله بقول عائشة: ((كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه)) وحكاه النووي في
شرحه على البخاري والوسيط عن ظاهر كلام كثير من المحدّثين والفقهاء، وقال: وهو قوي ، فإن
ظاهره أنه فعله على وجه يحتج به ، ولا يكون إلا برفعه .
والثاني: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالباً فمرفوع، وإلاّ فموقوف ، وبه قطع الشيخ أبو
إسحاق وغيره، حكاه النووي في أوائل شرح مسلم. وقال غيره: أما إذا كان في القصة اطّلاعهم،﴿ فلا شكَّ
في رفعه، كقول ابن عمر: ((كنا نقول ورسول الله: ﴿ حيٌّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر
وعثمان ويسمع ذلك رسول الله ﴿ فلا ينكره)). رواه الطبراني في المعجم الكبير، وأصله في الصحيح .
والثالث : إن ذكره الصحابي في معرض الحجة ، حمل على الرفع ، وإلاّ فعلى الوقف ، حكاه القرطبي في
أصوله)). وانظر: التقييد والإيضاح ٦٦، ونكت ابن حجر ٢ / ٥١٥ .
(٢) في ( ب ): ((النبي)).
(٣) بفتح الباء وكسر الياء المشددة ، بعدها عين مهملة. ويقال له أيضاً: ابن البيَّاع، وهذه اللفظة تقال لمن
يتولى البياعة والتوسط في الخانات بين البائع والمشتري من التجار للأمتعة. انظر: الأنساب ٤٤٨/١،
ووفيات الأعيان ٢٨١/٤، وسير أعلام النبلاء ١٦٣/١٧، والتاج ٣٦٨/٢٥.
(٤) انظر : معرفة علوم الحديث ٢٢ .
(٥) عبارة: ((الذي عليه)) ليست في ( م).
(٦) قوله: ((ومنها أفعاله)) ساقطة من ( م).
١٢٠