النص المفهرس

صفحات 81-100

بَحَسَبِ تمكَّنِ الحديثِ مِنَ الصفاتِ المذكورة التي تَنْبَنِي (١) الصِّحَّةُ عليها، وتنقسمُ باعتبارِ
ذلكَ إلى أقسامٍ يُسْتَعْصَى إحْصاؤُها على العادّ الحاصرِ .
ولهذا نرى الإمساكَ عَنِ الحكمِ لإسنادٍ أو حديثٍ بأنَّهُ الأصحُّ على الإطلاق (٢)
على أنّ جماعةٌ مِنْ أئِمَّةِ الحديثِ خاضُوا غَمْرَةَ (٣) ذلكَ، فاضطرَبَتْ أقوالُهُم . فَرُوَّيْنَاَ (٤)
عنْ إسحاقَ بنِ راهَوَيْهِ (٥) أَنَّهُ قالَ: ((أصحُّ الأسانيدِ كلِّها: الزُّهريُ عنْ
(١) في (أ): ((تنبئ))، وفي ( ب): ((يبتني))، وفي (جـ): ((تبنى))، وما أثبتناه من (ع) و (م)
والتقييد والشذا الفياح .
(٢) قال العراقي في شرح التبصرة ١ / ١١٤ (بتحقيقنا): ((القول المعتمد عليه المختار: أنّه لا يطلق على
إسناد معين بأنّه أصحّ الأسانيد مطلقاً ؛ لأنّ تفاوت مراتب الصحَّة مترتب على تمكَّن الإسناد من شروط
الصحة ؛ ويعزّ وجود أعلى درجات القبول في كلّ فردٍ فردٍ من ترجمة واحدة بالنسبة لجميع الرواة)).
وانظر: نكت الزركشي ١٣١/١-١٥٧، والتقييد والإيضاح ٢٢، ونكت ابن حجر ١ / ٢٤٧-٢٦٢.
(٣) خاضوا، أي: اقتحموا. انظر: التاج ١٨ / ٣٢٢.
والغَمْرُ مِنَ الماءِ : خلافُ الضَّحْل، وهو الذي يعلو مَنْ يدخله ويغطّيه. وغَمْرُ البحرِ : معظمه، والغَمْرة:
الشدّة، والماء الكثير. انظر: اللسان ٥ / ٢٩، والمعجم الوسيط ١ / ٢٦٢.
وبيّن السيوطي في شرح ألفية العراقي (ص ١٠٠) معنى هذا فقال: (( أي: مشوا فيه، من تشبيه
المعقول بالمحسوس ، للإشارة إلى أن المتكلّم في ذلك كالخائض في الماء ، الماشي في غير مظنة المشي ، وهو
يؤذن بعدم التمكن ، ولهذا اختلفوا فيه على أقوال كثيرة )) .
(٤) قال البقاعي في النكت الوفية ٢٩٤ ب: ((قوله: رُوَيْنا، مضبوط في نسخ عديدة - بضمِّ الراء وتشديد
الواو المكسورة - وهذا اصطلاح لابن الصلاح، سَلَكَهُ؛ لشدّة التَّحرِّي، وَهُوَ أنه إذا حدّث بما حمَلَهُ
[تمنٍ لَقِيَهُ هو وسَمِعَ منه مباشرةً ] قال: رَوَيْنا - بالفتح والتخفيف - أي: نَقَلْنَا لِغَيْرِنا، وإلاّ قال بالضمِّ
- رُوَيْنا - أي: نقل لنا شيوخُنا)) أ. هـ. وما بين المعكوفتين من كلام أبي غدّة، وانظر: نكت
الزركشي ١ / ١٢٨، وتوجيه النظر ٢ / ٩٢١ مع تعليق المحقّق .
قال الزمخشري : ((ومنه قولهم: هو راوية للحديث ، وروى الحديثَ: حمله ، من قولهم : البعير يروي
الماءَ ، أي: يحمله، وحديث مروِيّ، وهم رواة الأحاديث وراووها: حاملوها، كما يقال: رواة الماء)).
أساس البلاغة : ٢٦٠ .
قال الزركشي ١ / ١٢٩: ((ولهذا أطلقوا على المزادة التي يحمل فيها: راوية من باب مجاز المجاورة ، فإن
راوية صيغة مبالغة ، وهي حقيقة للحمل ، فإطلاقه على ظرف الماء مجاز ، وليس هذا من باب : أروي
الرباعي حتّى يستحقه الماء دون الجمل ؛ لأن اسم الفاعل منه : مَرْوٍ لا راوية ، وإنما يأتي راوية من
الثلاثي)). وانظر: اللسان ١٤ / ٣٤٨.
(٥) قال الزركشي في نكته ١ / ١٢٩: ((يجوز في (راهويه) فتح الهاء والواو وإسكان الياء ، ويجوز ضمُّ
الهاء وإسكان الواو وفتح الياء ، وهذا الثاني هو المختار . وعن الحافظ جمال الدين المزّي أنّه قال: غالب ما
عند المحدّثين ( فعلويه ) - بضم ما قبل الواو - إلّ (راهويه ) فالأغلب فيه عندهم فتح ما قبل الواو)).
وانظر: الأنساب ٣ / ٣٧، وسير أعلام النبلاء ١١ / ٣٥٨، وتدريب الراوي ١ / ٣٣٨ .=
٨١

سالمٍ عنْ أبيهِ)) (١)، وَرُوَّيْنا نحوَهُ عنْ أحمدَ بنِ حنبلٍ (٢). وَرُوّيْنا عنْ عمرو بنِ عليٍّ
الفلاسِ أنَّهُ قالَ: (( أصحُّ الأسانيدِ : محمدُ بنُ سيرينَ عنْ عَبِيدَةَ (٣) عنْ عليٍّ)) (٤)،
وَرُوَّيْنا نحوَهُ عنْ عليٍّ بنِ المدِينِيِّ (٥) ، ورُويَ ذلكَ عنْ غيرِهِما .
ثم منهم (٦) مَنْ عَيَّنَ(٧) الراويَ عنْ محمدٍ وجعلَهُ أُيُوبَ السَّخْتِيانيّ (٨)، ومنهم(٩) مَنْ
جعلَهُ ابنَ عَوْنٍ . وفيما نرويهِ عَنْ يحيى بنٍ مَعِينٍ أَنَّهُ قالَ: («أجودُها: الأعمشُ عنْ
إبراهيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عنْ عبدِ اللهِ (١٠)))(١١) ، وَرُوَّيْنَا عنْ أبي بكرٍ بِنِ أبِي شَيبةَ أَنَّهُ (١٢) قَالَ
: (( أصحُّ الأسانيدِ كُلِّها: الزهريُ عنْ عليٍّ بنِ الحسينِ، عنْ أبيهِ، عنْ عليّ (١٣))) (١٤).
وَرُوّيْنا عن أبي عبدِ الله البخاريّ - صاحبِ " الصحيح " - أنَّهُ قالَ: أصحُّ الأسانيدِ
كُلُّها : مالكٌ عنْ نافِعِ عنْ ابنِ عمرَ » (١٥) . وبنى الإِمامُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ بنِ طاهرٍ
- أمّا معناه فقد قال الزركشي ١ / ١٣١: ((واعلم أن (راهويه) لقب لجده، وسمِّي بذلك؛ لأنه وُلِدَ
في الطريق، والرهو: الطريق، وكان أبوه يكره أن يسمّى به)). وانظر: تهذيب الكمال ١ / ١٧٦ .
(١) معرفة علوم الحديث: ٥٤، والكفاية : ( ٥٦٣ ت - ٣٩٧ هـ ).
(٢) معرفة علوم الحديث : ٥٤ .
(٣) هو بفتح العين وكسر الباء، بوزن سفينة. انظر: تبصير المنتبه ٣ / ٩١٣، والتاج ٨ /٣٤٥.
(٤) معرفة علوم الحديث ٥٤ .
(٥) المصدر السابق .
(٦) هو سليمان بن حرب. انظر : شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٢٠.
(٧) في (م) : ((غيَّر)).
(٨) هو بفتح السين وسكون الخاء وكسر التاء، هذه النسبة إلى عمل السِّخْتِيان وبيعها ، وهي جلود الماعز إذا
دُبِغَتْ. انظر: الأنساب ٣ / ٢٥٥، والتاج ٤ / ٥٥٤ .
(٩) هو علي بن المديني. انظر: شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٢٠.
(١٠) في (جـ) زيادة: ((ابن مسعود)). وفي (م): ((عُبيد الله))، مصغّر محرف .
(١١) معرفة علوم الحديث : ٥٤ .
(١٢) ساقطة من ( ع ) والتقييد .
(١٣) في ( أ): ((عن أبيه علي)).
(١٤) معرفة علوم الحديث : ٥٣ . وهو قول عبد الرزاق الصنعاني. انظر: الكفاية ( ٥٦٣ ت،
٣٩٧ هـ ) .
(١٥) معرفة علوم الحديث : ٥٣، والكفاية: (٥٦٣ ت، ٣٩٨ هـ).
٨٢

التَّمِيْمِيُّ (١) على ذلكَ أنَّ أجلِّ الأسانيدِ ((الشافعيُّ، عنْ مالكٍ، عنْ نافعٍ ، عنْ ابنِ
عمرَ ))، واحْتَجَّ بإجماعٍ أصحابِ الحديثِ على أنَّهُ لَمْ يكنْ في الرّواةِ عَنْ مالكٍ أجلٌ مِنَ
الشافعيِّ - رضيَ اللهُ عنهم أجمعينَ - ، والله أعلمُ (٢).
الثانيةُ(٣): إذا وجدنا فيما يُروى مِنْ أجزاءِ الحديثِ وغيرِهَا حديثاً صحيحَ الإسنادِ،
ولَمْ نِجِدْهُ في أحدِ (الصحيحينِ)، ولا منصوصاً على صِحَّتِهِ في شيءٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِ أئمَّةٍ
الحديثِ المعتمدة المشهورة، فإنَّا لا نتجاسرُ على حَزْمِ الْحُكْمِ بصِحَّتِهِ(٤) ، فقدْ تَعَذَّرَ في هذه
الأعصارِ الاستقلالُ بإدراكِ الصحيحِ بمحَرَّدِ اعتبارِ الأسانيدِ ؛ لأَنَّهُ مَا مِنْ إسنادٍ مِنْ ذلكَ
إلاَّ وتجدُ في رجالِهِ مَنِ اعْتَمَدَ في روايتِهِ عَلَى مَا في كتابِهِ عَرِيّاً عمَّا يُشترطُ في الصحيحِ
مِنَ الحِفْظِ والضَّبْطِ والإِنْقَانِ. فَآلَ الأمرُ - إذنْ - في معرفةِ الصحيحِ والحسنِ ، إلى
الاعتماد عَلَى مَا نصَّ عليهِ أئمَّةُ الحديثِ في تصانيفِهِم المعتمدةِ المشهورةِ ، الّتِي يُؤْمَنُ فِيْهَا ؛
لِشُهْرَتِها مِنَ التَّغييرِ والتَّحريفِ، وصارَ مُعظمُ المقصودِ بما يُتَدَاولُ مِنَ الأسانيدِ خارجاً عنْ
ذلكَ ، إبقاءَ سلسلةِ الإسناد التي خُصَّتْ بها هذه الأُمّةُ (٥)، زادها الله تعالى شرفاً ، آمينَ.
(١) هو عبد القاهر بن طاهر البغدادي، عالم متقن من أئمة الأصول ، له مؤلفات منها : الفرق بين الفرق،
ونفي خلق القرآن ، ومعيار النظر وغيرها، توفي سنة ( ٤٢٩ هــ). وفيات الأعيان ١ / ٢٩٨،
طبقات السبكي ٣ / ٢٣٨، الأعلام ٤ / ١٧٣.
(٢) انظر عن هذه المسألة: نكت الزركشي ١ / ١٤١، ومحاسن الاصطلاح: ٨٦، ونكت ابن حجر ٢٦٢/١.
(٣) راجع فيما يخصّ التصحيح في العصور المتأخرة: نكت الزركشي ١ / ١٥٨، والتقييد والإيضاح: ٢٣ ،
ونكت ابن حجر ١ / ٢٦٦ . وكَتَبَ محقّق الشذا الفياح ١ / ٧١ تعليقاً موفقاً جداً، وقد نقلناه في شرح
التبصرة ١ / ١٥٠، فراجعه فإنه نفيس .
(٤) في ( ب): ((على صحته)).
(٥) خالف الإمامُ النوويّ ابنَ الصلاحِ فيما ذهب إليه، فقالَ في التقريب: ٤١: ((والأظهر عندي جوازه لمن
تمكن وقويت معرفته )) .
قال العراقي في التقييد: ٢٣: ((وما رجَّحه الإمام النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحَّحَ
جماعة من المتأجّرين أحاديث لم نجد لمن تقدّمهم فيها تصحيحاً ... )).
وقالَ الشيخ أحمد شاكر في الباعث الحثيث : ٢٩ : ((هذا هو الصواب))، ثمّ علّل ما ذهب إليه ابن
الصلاح فقال : والذي أراه أنّ ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد
الأئمة ، فكما حظروا الاجتهاد في الفقه ، أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث . وهيهات !!!
فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل لا برهان عليه من كتاب ولا سنة ، ولا تجد له شبه دليل»، وقارن بما
سبق . وانظر : التعليق على شرح التبصرة والتذكرة ١٥٠/١-١٥٤.
٨٣

الثالثةُ: أوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الصحيحَ البخاريُّ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إسماعيلَ الْجُعْفِيُّ
مولاهُم (١) ، وتلاهُ أبو الحسينِ مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيْسابوريُّ القُشَيْرِيُّ مِنْ أَنْفُسِهِم (٢).
ومسلمٌ معَ أنَّهُ أخذَ عنِ البخاريّ واستفادَ منهُ يشاركُهُ في أكثرِ (٣) شيوخِهِ .
وكتاباهُما أصحُّ الكُتُبِ بعدَ كتابِ اللهِ العزيزِ (٤). وأمَّا ما رُوَّيْناهُ عنِ الشافعيِّ ◌َُّهُ مِنْ
أَنَّهُ قالَ: (( ما أعلمُ في الأرضِ كتاباً في العلمِ أكثرَ صواباً مِنْ كتابٍ مالكٍ)) (٥) ومنهم
مَنْ رواهُ بغيرِ هذا اللفظِ (٦) ، فإنَّما قالَ ذلكَ قبلَ وجودٍ كتابَي البخاريّ ومسلمٍ .
(١) قال العراقي في التقييد ٢٥: (( اعترض عليه بأن مالكاً صنَّف الصحيح قبله .
والجواب: أن مالكاً - رحمه الله - لم يفرد الصحيح، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات ، ومن
بلاغاته أحاديث لا تعرف ، كما ذكره ابن عبد البرّ ، فلم يفرد الصحيح إذن ، والله أعلم)). ولمزيد
الفائدة انظر : نكت الزركشي ١ / ١٦١، نكت ابن حجر ١ / ٢٧٦ - ٢٨١.
(٢) أي : من بني قشير ، لا من مواليهم ، كما في حاشية المحاسن : ٨٩ .
(٣) في (أ) و (ع): ((كثير من)) .
(٤) قال الزركشي في نكته ١٦٣/١: ((قال النووي: باتفاق العلماء فإن قيل: قد روى مسلم في صحيحه
عن جماعة من الضعفاء أو المتوسطين : أهل الطبقة الثانية الذين ليسوا من شيوخ الصحيح قال النووي :
فجوابه من أوجه ذكرها ابن الصلاح :
أحدها: أن ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال: الجرح مقدم؛ لأن شرط قبوله بيان السبب.
الثاني : أن ذِكْرَ الضعفاء في كتابيهما لم يوجد محتجاً به ، بل وقع متابعة واستشهاداً كمطر الوراق وبقيّة
وابن إسحاق وعبد الله بن عمر العمري ونعمان بن راشد وغيرهم .
الثالث : أن يكون الضعف طرأ عليهم بعد أخذه عنهم ، باختلاط حديث لم يقدح فيما رواه عنهم قبل
ذلك ، كرواية مسلم عن أحمد بن عبد الرحمان بن وهب بن أخي عبد الله بن وهب ، فذكر الحاكم أنه
اختلط بعد الخمسين ، وما بُيِّن بعد خروج مسلم من مصر .
الرابع : أن يقصد علو الإسناد بالرجل الضعيف ، والحديث عنده من رواية الثقات نازل فيقتصر على
العالي ، ولا يطول بإضافة النازل إليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن ذلك، وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصاً)).
قلنا : الأمر كما ذكر الزركشي عن النووي ؛ ولكن لا بدّ من التنبيه على أن الشيخين ينتقيان من حديث
الثقات ، وكذا من حديث الضعيف مما علما أنه لم يخطأ فيه . وانظر : ما علقناه على شرح التبصرة
والتذكرة ١ / ١٤٤ .
(٥) أسنده ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل ١ / ١٢، والبيهقي في آداب الشافعي : ١٩٥،
وابن حبان في المجروحين ١ / ٤١، وابن عبد البر في التمهيد ١ / ٧٧ .
(٦) انظر عن هذا اللفظ: نكت الزركشي ١٦٥/١، ونكت ابن حجر ٢٨١/١، وحاشية محققة المحاسن: ٩٠.
٨٤

ثُمَّ إِنَّ كتابَ البخاريِّ أصحُّ الكتابَيْنِ صحيحاً وأكثرُهُما فوائدَ(١) . وأمَّا ما رُوِّيْنَاهُ
عنْ أبي عليٍّ الحافظِ النَّيْسابوريّ أستاذِ الحاكمِ أبي عبدِ اللهِ (٢) الحافِظِ مِنْ أَنَّهُ قالَ: ((ما
تحتَ أديمِ السماءِ كتابٌ أصحُّ مِنْ كتابٍ مُسلمٍ بنِ الحجَّاجِ)) (٣) فهذا وقولُ مَنْ فضَّلَ مِن
شيوخِ المغربِ كتابَ مسلمٍ على كتابِ البخاريّ إن كانَ المرادُ بهِ أنَّ كتابَ مسلمٍ يترجَّحُ
بأنَّهُ لَمْ يُمَازِجْهُ غيرُ الصحيحِ ، فإِنَّهُ ليسَ فيهِ بعدَ خُطبِهِ إلَّ الحديثُ الصحيحُ مسروداً
غيرَ ممزوجٍ بمثلِ ما في كتابِ البخاريّ في تراجمٍ أبوابِهِ مِنَ الأشياءِ التيّ لَمْ يُسندْها على
الوصفِ المشروطِ في الصحيحِ فهذا لا بأسَ بهِ (٤) . وليسَ يلزمُ منهُ أنَّ كتابَ مسلمٍ أرجحُ
فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحيحِ على كتاب البخاريِّ ، وإنْ كانَ المرادُ بهِ أنَّ كتابَ مسلمٍ
أصحُّ صحيحاً ، فهذا مردودٌ على مَنْ يقولُهُ ، والله أعلمُ .
الرابعةُ: لَمْ يَستوعبا الصحيحَ في صحيحَيْهِما ولا التزما ذلكَ (٥) ، فقدْ رُوّيْنا عنِ
البخاريّ أَنَّهُ (٦) قالَ : (( ما أدخلْتُ في كتابي " الجامعِ " إلّ ما صحَّ، وتركْتُ مِنَ
الصِّحَاحِ الحالِ الطَّولِ)) (٧). ورُوّيْنا عنْ مسلمٍ أَنّهُ قَالَ: ((ليسَ كُلّ شيءٍ عندي،
(١) انظر في المفاضلة بين الصحيحين: نكت الزركشي ١ / ١٦٥، ونكت ابن حجر ١ / ٢٨١، والبحر
الذي زخر ٢ / ٥٣٠.
(٢) (( أستاذ الحاكم أبي عبد الله )) سقطت من (ب ).
(٣) أسنده الخطيب في تاريخ بغداد ١٣ / ١٠١ بمعناه. وللعلماء في توجيه هذا الكلام مباحثات. انظر:
صيانة صحيح مسلم: ٦٩، وسير أعلام النبلاء ١٦ / ٥٥، وهدي الساري: ١٢، والنزهة: ٨٦،
وتدريب الراوي ١ / ٩٣ - ٩٥ .
(٤) قال العراقي في التقييد ٢٦: ((قلت: قد روى مسلم بعد الخطبة في كتاب الصلاة بإسناده إلى يحيى بن
أبي كثير أنه قال: (( لا يستطاع العلم براحة الجسم))، فقد مزجه بغير الأحاديث، ولكنه نادر جداً
بخلاف البخاري ، والله أعلم )) .
قلنا انظر: صحيح مسلم ٢ / ١٠٥ ط إستانبول، و١ / ٤٢٨ (١٧٥) ط عبد الباقي.
(٥) انظر: نكت الزركشي ١ / ١٧٢ - ١٧٥ .
(٦) في (م ) : (( أن)) تحريف .
(٧) رواه ابن عدي في الكامل ١ / ٢٢٦، وفي أسماء مَن روى عنهم البخاري (٤ أ )، والخطيب في تاريخ
بغداد ٢ / ٨ - ٩، والحازمي في شروط الأئمة الخمسة : ٦٢ - ٦٣، وانظر: هدي الساري ١٨.
٨٥

صحيحٍ وَضَعْتُهُ هاهنا - يعني: في كتابِهِ (١) الصحيحِ - إنَّما وضعْتُ هَاهُنَا مَا أجْمِعُوا
عليهِ)(٢). قلتُ: أرادَ - والله أعلمُ - أَنَّهُ لَمْ يَضعْ في كتابِهِ إلاَّ الأحاديثَ التي وجدَ عندهُ
فيها شرائطَ الصحيحِ الْمُجْمَعِ عليهِ ، وإنْ لَمْ يظهرْ اجتماعُها في بعضِها عندَ بعضِهِم(٣).
ثُمَّ إِنّ أبا عبدِ اللهِ بنَ الأخرمِ الحافظَ قَالَ : ((قُلِّمَا يَفُوتُ البخاريَّ ومسلماً مَّا يَثْبُتُ
مِنْ الحَدِيْثِ)) (٤) يعني : في كتابَيْهِما. ولِقائلِ أَنْ يقولَ : ليسَ ذلكَ بالقليلِ، فإنّ
"المستدرك على الصحيحينِ" للحاكمِ أبي عبدِ اللهِ كتابٌ كبيرٌ يشتملُ ثَمّا فاتهما على شيءٍ
كثير وإنْ يكنْ عليهِ في بعضِهِ مقالٌ ، فإِنَّهُ يصفو لهُ منهُ صحيحٌ كثيرٌ. وقدْ قالَ البخاريُّ :
((أحفظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، ومئتيّ ألفِ حديثٍ غيرٍ صحيحٍ)) (٥) .
(١) في ( أ) : خلال كتابه .
(٢) صحيح مسلم ٢ / ١٥ عقيب (٤٠٤ ).
(٣) هذا أحد محملين حمل ابن الصلاح كلام مسلم عليهما ، والثاني: أنه لم يضع في كتابه ما اختلف فيه
الثقات في نفس الحديث متناً أو إسناداً. ولم يرد بكلامه هذا ما كان اختلافهم فيه في توثيق بعض رواته
وتضعيفهم. ورجَّحَ ابن الصلاح هذا الاحتمال الثاني. انظر : صيانة صحيح مُسْلِم: ٧٤ - ٧٥ .
ولكن ابن الصلاح استدرك فقال: ((ومع هذا فقد اشتمل كتابه على أحاديث اختلفوا في متنها أو
إسنادها ، وفي ذلك ذهول منه عن هذا الشرط أو سبب آخر ، وقد استدركت وعلَّت)).
وقد قيل في معناه أقوال أخر ، إذ قال القرطبي في مفهمه : (( مراده إجماع من لقيه من أهل النقل والعلم
بالحديث)). انظر: البحر الذي زخر ٢ / ٥٧٠ .
وقال الميانشي: ((يعني - [ إجماع] - أئمة الحديث كمالك، والثوري، وشعبة، وأحمد بن حنبل ،
وابن مهدي وغيرهم)). ما لا يسع المحدّث جهله ٢٧ .
وقال البلقيني في محاسنه ٩١ : ((وقيل: أراد مسلم بقوله: ((ما أجمعوا عليه)) أربعة: أحمد بن حنبل،
ويحيى بن معين ، وعثمان بن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور الخراساني )).
(٤) انظر: نكت الزركشي ١ / ١٧٩ - ١٨٨. فقد أطال النفس بكلام نفيس. وانظر أيضاً: نكت ابن
حجر ١ / ٢٩٧ .
(٥) أسنده ابن عدي في تقدمة الكامل ١ / ٢٢٦، والخطيب في تاريخه ٢ / ٢٥، والحازمي في شروط الأئمة
٦١، وابن نقطة في التقييد: ٣٣ .
قال الزركشي ١ / ١٧٨: (( وقيل: إنه أراد المبالغة في الكثرة ، وهذا ضعيف، بل أراد التحديد، وقد
نقل عن غيره من الحفّاظ ما هو أكثر من ذلك ، وعلى هذا ففيه وجهان :
أحدهما : أنه أراد به تعدد الطرق والأسانيد .
والثاني : أن مراده بالأحاديث ما هو أعمّ من المرفوع والموقوف وأقاويل السلف ، وعلى هذا حمل البيهقي
- في مناقب أحمد - قول أحمد : ((صحّ من الحديث سبع مئة ألف))، على أنه أراد أحاديث رسول الله
** ، وأقاويل الصحابة والتابعين ، فإن قلت : قد قال: ومئتي ألف غير صحيح ، فما فائدة حفظه
لذلك ؟؟ قلت : التمييز بينهما )) .=
٨٦

وجملةُ ما في كتابهِ الصحيح سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسةٌ وسبعونَ حديثاً بالأحاديثِ
المكرَّرَةِ. وقدْ قيلَ: إِنَّها بإسقاط المكرَّرَة أربعةُ آلاف حديثٍ (١)، إلاّ أنّ هذه العبارةَ قدْ يندرجُ
تحتَها عندهم آثارُ الصحابَةِ والتابعينَ، وربَّما عُدَّ الحديثُ الواحدُ المرويّ بإسنادينِ حديثينِ.
ثُمَّ إِنَّ الزيادةَ في الصحيحِ (٢) على ما في الكتابينِ (٣) يَتلقَّهَا طالبُهَا مَا اشْتَمَلَ عليهٍ
أحدُ الْمُصَنَّفَاتِ المعتمدةِ المشتهرةِ (٤) لأئمّةِ الحديثِ كأبي داودَ السِّجْسِتانيّ، وأبي عيسى
التِّرمِذيِّ ، وأبي عبدِ الرحمانِ النَّسائيِّ (٥) وأبي بكرِ بنِ خُزيمةَ ، وأبي الحسنِ الدَّارَقُطيِّ
وغيرِهِم ، منصوصاً على صحَّتِهِ فيها . ولا يكفي في ذلكَ مجرَّدُ كونِهِ موجوداً في كتابٍ
أبي داودَ ، وكتابِ الترمذيِّ ، وكتابِ النَّسائيِّ، وسائرٍ مَنْ جمعَ في كتابِهِ بينَ الصحيحِ
وغيرِهِ ، ويكفي محرَّدُ كونِهِ موجوداً في كتبٍ مَنِ اشْتَرَطَ منهم الصحيحَ فيما جَمَعَهُ
ككتابِ ابنِ خُزَيمَةَ، وكذلكَ ما يوجدُ في الكُتبِ المخرَّجَةِ على كتاب البخاريِّ وكتاب
مسلمٍ، كـ: كتابِ أبِي عَوَانَ الإسفرايينيِّ، وكتابٍ أبي بكرٍ (٦) الإسماعيليِّ (٧)، وكتابٍ أبي
-قلنا : وقد يراد الأمران كما أشار إليه المصنف ، وتابعه عليه العراقي في شرح التبصرة والتذكرة
١٣٠/١، والسيوطي في البحر الذي زخر ٢ / ٧٣٦ .
(١) للاطلاع على إحصائيات المتقدّمين لأحاديث الصحيحين، انظر: نكت الزركشي ١ / ١٨٩، ومحاسن
الاصطلاح: ٩٢، والتقييد والإيضاح: ٢٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١٣١/١، والبحر الذي زخر ٧١٩/٢.
وقد قام السيد محمد فؤاد عبد الباقي بترقيم أحاديث البخاري " فتح الباري " فبلغت ( ٧٥٦٣ ) ورقم
أحاديث صحيح مسلم فبلغت ( ٣٠٣٣ ) .
وذكر الحافظ العراقي في شرح التبصرة ١ / ١٣١، أن ابن الصلاح لم يذكر عدة أحاديث مسلم قلنا :
ولعله اكتفى بما ذكره في كتابه " صيانة صحيح مسلم ": ١٠١ - ١٠٢ ، وانظر لزاماً تعليقنا على شرح
التبصرة ١ / ١٣١ هامش : ( ٤ ).
(٢) في (م): ((الصحيح المروي)).
(٣) راجع ما كتبه الزركشي في نكته ١ / ١٩٤، والعراقي في التقييد ٢٧، وابن حجر في نكته ١ / ٢٨٩.
(٤) في (أ): ((المشهورة)).
(٤) في (أ) و (جـ): (( النسوي)).
(٦) بفتح الباء، وبعضهم يكسره. انظر: الأنساب ٣٣٦/١، ومراصد الاطلاع ١٨٦/١، والتاج ٤٠/٢٥.
(٧) (( وكتاب أبي بكر الإسماعيلي))، ساقطة من ( ب ).
٨٧

بكرِ البَرْقاني، وغيرِها مِنْ تَتِمَّةٍ لمحذوفٍ أو زيادةٍ شَرْحٍ في كثيرٍ مِنْ أحاديثِ "الصحيحينِ".
وكثيرٌ من هذا موجودٌ في " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " لأبي عبدِ اللهِ الْحُمَيديّ (١).
واعتنى الحاكمُ أبو عبدِ اللهِ الحافظُ بالزيادة في عددِ الحديثِ الصحيحِ على ما في
الصحيحينِ ، وجَمَعَ ذلكَ في كتابٍ سَّاهُ " المستدركَ " أودَعَهُ ما ليسَ في واحدٍ مِنَ
" الصحيحينِ " مما رآهُ على شرطِ الشيخينِ قدْ أخرجا عنْ رواتِهِ في كتابَيْهِما، أو على
شرط البخاريّ وَحْدَهُ، أو على شرطٍ مسلمٍ وحدَهُ ، وما أدّى اجتهادُهُ إلى تصحيحهِ وإنْ
لَمْ يَكُنْ على شرطٍ واحدٍ منهما (٢) . وهوَ واسعُ الخَطْوِ في شرطِ الصحيحِ ، متساهِلٌ في
(١) قال العراقي في التقييد ٢٨: ((وهو يقتضي أن ما وجد من الزيادات على الصحيحين في كتاب الحميدي :
يحكم بصحته ، وليس كذلك ؛ لأن المستخرجات المذكورة قد رووها بأسانيدهم الصحيحة ، فكانت
الزيادات التي تقع فيها صحيحة لوجودها بإسناد صحيح في كتاب مشهور على رأي المصنِّف . وأما الذي
زاده الحميدي في " الجمع بين الصحيحين " فإنه لم يروه بإسناده حتى ينظر فيه، ولا أظهر لنا اصطلاحاً
أنه يزيد فيه زوائد التزم فيها الصحة فيقلد فيها . وإنما جمع بين كتابين ، وليست تلك الزيادات في
واحد من الكتابين ، فهي غير مقبولة حتى توجد في غيره بإسناد صحيح ، والله أعلم .
وقد نصَّ المصنِّف بعد هذا في الفائدة الخامسة التي تلي هذه أن مَن نقل شيئاً من زيادات الحميدي عن
الصحيحين أو أحدهما فهو مخطئ ، وهو كما ذكر فمن أنزله ( كذا ) أن تلك الزيادات محكوم بصحتها
بلا مستند ، فالصواب ما ذكرناه ، والله أعلم )).
قلنا : قد تعقّب العراقيَّ تلميذُهُ ابنُ حجر في كلامِهِ هذا ببحث نفيس طويل فانظره في نكته ١ / ٣٠٠ -
٣١٠، وانظر: تعليقنا على شرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٤٠.
(٢) قال الزركشي في نكته ١ / ١٩٧: (( فيه أمران :
أحدهما : نوزع في قوله : ((أودعه ما ليس في واحد منهما))، فإنَّهُ قد أودعه أحاديث في الصحيحين ،
وهذا عجيب ، فإن هذه الأحاديث وقعت له سهواً ، على خلاف شرطه ، ولم يكن موضوع الكتاب
لذلك ، ولا هو مقصوده ؛ إذ لا يكون ذلك استدراكاً حينئذٍ . فكلام المصنف صحيح .
الثاني : ما ذكره في شرطه ، قد تبعه عليه النووي وابن دقيق العيد وغيرهما ، وكأنهم لم يقفوا على شرط
الحاكم ، والذي في خطبة المستدرك ما نصه : (( وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد
احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما )) انتهى .
وقال النووي : ((المراد بقولهم: ((على شرطهما)): أن يكون رجال إسناده في كتابيهما ؛ لأنه ليس لهما
شرط في كتابيهما ولا في غيرهما)). وعلى هذا عمل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد؛ فإنَّه ينقل عن
الحاكم تصحيحه لحديث على شرط البخاري - مثلاً - ثم يعترض عليه بأن فيه فلاناً ولم يخرج له
البخاري ، وكذلك فعل الحافظ الذهبي في مختصر المستدرك ، وليس ذلك منهم بحسن ، لما ذكرنا من كلام
الحاكم في خطبته أنه لم يشترط نفس الرجال المخرج لهم في الصحيح ، بل اشترط رواة احتج بمثلهم
الشيخان أو أحدهما ، وإنما ينبغي منازعته في تحقيق المماثلة بين رجاله ورجال الصحيحين . =
٨٨

= نعم ... القوم معذورون فإنه قال عقب أحاديث أخرجها : هو صحيح على شرط مسلم ، فقد احتج
بفلان وفلان - يعني : المذكورين في سنده - ، فهذا منه جنوح إلى إرادة نفس رجال الصحيح ، وهو يخالف
ما ذكره في مقدمة كتابه )) .
وقد تعقّب الحافظُ ابنُ حجر شيخَهُ العراقيَّ الذي تبنّى رأي الزركشي نفسه كما في التقييد ٢٩ ، فقال في
نكته ١ / ٣٢٠ مستدركاً : ((قلت: لكن تصرف الحاكم يقوي أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما شيخنا -
رحمه الله تعالى - فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته ، قال : صحيح على شرط الشيخين
أو أحدهما ، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال : صحيح الإسناد حسب . ویوضّح ذلك قوله - في باب
التوبة - لَمَّا أورد حديث أبي عثمان، عن أبي هريرة له مرفوعاً: (( لا تنزع الرحمة إلّ من شقيٍ)). قال:
هذا حديث صحيح الإسناد ، وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي ، ولو كان هو النهدي لحكمت بالحديث على
شرط الشيخين )) .
فدل هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما ، وهو عين ما ادْعى ابن دقيق
العيد وغيره . وإن كان الحاكم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان ، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا
لبعض رواته ، فيحمل ذلك على السهو والنسيان ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض ، والله أعلم)).
وفي صدد إيضاح منهج الحاكم في مستدركه وما أثارته مقالته في الشرط مع كثرة تعويل بعض المتعالمين على
قوله هذا ، قال الإِمام الزركشي - رحمه الله - موضحاً الأمر ومحلّاً ما قد خفي على هؤلاء الذين كان
قصارى علمهم النقل ، وتلقي الكلام على علاته ، والتسليم له من غير بحث وتدقیق. قال في نكته ١٩٨/١:
(( ثم إنه خالف الاصطلاحين في أثناء كتابه، وقال - لما أخرج التاريخ والسير -: ((ولا بدَّ لنا من نقل كلام
ابن إسحاق والواقدي )) .
واعلم أن ما اعتمده في تخريجه أن يرى رجلاً قد وثّق وشهد له بالصدق والعدالة ، أو حديثه في الصحيح ،
فيجعل كل ما رواه هذا الراوي على شرط الصحيح ، وفيه توقف ظاهر فإنه إنما يكون على شرط الصحيح
إذا انتفت عنه العلل والشذوذ والنكارة وتوبع عليه ، فأما مع وجود ذلك أو بعضه فلا يكون صحيحاً ولا
على شرط الصحيح .
ومن تأمل كلام البخاري ونظر في تعليله أحاديث جماعة أخرج حديثهم في صحيحه عَلِمَ إمامته وموقعه من
هذا الشأن ، وتبين له ما ذكرنا وأن الحال ليس مطّرداً على قانون واحد .
ونظير هذا من يرى الرجل قد تُكُلّم في بعض حديثه وضُعِّف في شيخ أو في حديث ، فيجعل ذلك سبباً لتعليل
حديثه ، وتضعيفه أين وجده ، كما يفعله كثير من المتأخرين من الظاهرية وغيرهم ، وهو غلط فإن تضعيفهم
في رجل أو في حديث ظهر فيه غلطه لا يوجب ضعف حديثه مطلقاً .
ثم العجب منه في شيئين :
أحدهما : أنه يخرج الحديث ويقول : ((على شرط الشيخين)) أو أحدهما، ويكون الحديث بذلك اللفظ
فيهما أو في أحدهما وقد وقع له ذلك في أحاديث )) ... فساق عشرة أمثلة ثم قال :
(( الأمر الثاني : ما يدعي أنه على شرط البخاري ، وقد ذكره البخاري على خلافه : منها : ما أخرجه
عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب أن رسول الله ﴿ قال: ((مَن وجد تمراً
فليفطرْ عليهِ، ومَنْ لا فليفطرْ على الماء فإنه طهور )).
٨٩

القضاء بهِ(١) . فالأَوْلَى أنْ نتوسَّطَ (٢) في أمرِهِ فنقولَ: مَا حَكَمَ بصِحَّتِهِ وَلَمْ نَجِدْ (٣) ذلكَ
فيهِ لغيرِهِ مِنَ الأئمَّةِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ قَبِيْلِ الصحيحِ فَهِوَ مِنْ قَبِيلِ الحسنِ يُحتجُّ بِهِ وَيُعْملُ
بهِ ، إلاّ أنْ تظهرَ فيهِ عِلَّةٌ تُوجِبُ ضَعْفَهُ (٤) ويُقَارِبُهُ فِي حُكْمِهِ " صحيحُ أبي حـاتِمِ بنِ
حِبَّنَ الْبُسْتِيِّ " (٥) - رَحِمَهُمُ اللهُ أجمعينَ- والله أعلمُ.
-وقال : ((على شرط الشيخين)).
وليس كما قال ، فإن الترمذي في العلل قال: (( سألت محمداً عنه، فقال : حديث سعيد بن عامر وهم.
ومنها : أخرج حديث عبد الله بن صالح ، عن يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر
مرفوعاً : (( من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة )) ، وقال : على شرط البخاري .
ونقل البيهقي عن البخاري أن يحيى بن المتوكل رواه عن ابن جريج عمَّن حدّثه عن نافع ، وأن هذا أشبه ،
فصحّح انقطاعه .
ومنها: أخرج من جهة جرير بن حازم، عن ثابت، عن أنس، قال: ((رأيت رسول الله ﴿ ينزل من
المنبر فيعرض له الرجل في الحاجة فيقوم معه حتى يقضي حاجته)).
وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
وهذا الحديث أخرجه الأربعة من جهة جرير ، قال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديث جرير ،
سمعت محمداً يقول : وهم جرير في هذا والصحيح ما روي عن ثابت، عن أنس، قال: ((أقيمت الصلاة
فأخذ رجل بيد النبي ﴿ ... ، الحديث هو هذا، وجرير ربما يهم في الشيء وهو صدوق)). انتهى كلام
الزركشي ، وانظر: البحر الذي زخر ٢ / ٨٠٦ - ٨١٣ ، وانظر بلا بدّ : تعليقنا على شرح التبصرة
والتذكرة ١ / ١٤٨ هامش ( ٦).
(١) قال الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٧٥: ((في المستدرك شيء كثير على شرطهما، وشيء كثير
على شرط أحدهما ، ولعل مجموع ذلك ثلث الكتاب بل أقل ، فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر
على شرط أحدهما أو كليهما ، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح
وحسن وجيد ، وذلك نحو ربعه ، وباقي الكتاب مناكير وعجائب ، وفي غضون ذلك أحاديث نحو المئة
يشهد القلب ببطلانها )) .
وقد قسم ابن حجر في نكته ١ / ٣١٤ - ٣١٩ : المستدرك إلى أقسام فانظرها فإنها مفيدة .
(٢) في ( ب ) : يتوسط .
(٣) في (جـ ): ((يجد )).
(٤) قال ابن جماعة : (( الحق أن يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف)).
قال العراقي في نكته ٣٠: ((وهذا هو الصواب)). وانظر: نكت الزركشي ١ / ٢٢٦، والبحر الذي
زخر ٢ / ٨٤٥ - ٨٤٦ .
(٥) قال الزركشي في نكته ١ / ٢٢٦: ((أي: يقاربه فيما ذكر، وليس كما قال، بل صحيح ابن حبان
أصح منه بكثير)). وانظر: التقييد والإيضاح ٣٠ - ٣١، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٣٥.
٩٠

الخامِسَةُ: الكتبُ الْمُخَرَّجَةُ (١) على كتابِ البخاريّ أو كتابٍ مسلمٍ - رضيَ اللهُ
عنهما- لَمْ يلتزمْ مصنِّفُوها فيها موافقَتَهما في ألفاظ الأحاديثِ بعينها مِنْ غيرِ زيادةٍ
ونقصان؛ لكونِهِم رَوَوْا تلكَ الأحاديثَ مِنْ غيرِ جهةِ البخاريّ ومسلمٍ طَلَباً لِعُلُوِّ الإِسنادِ،
فحصلَ فيها بعضُ التفاوتِ في الألفاظِ . وهكذا ما أخرجَهُ المؤلّفُونَ في تصانيفِهِم المستَقِلّة
كـ " السُّنَنِ الكَبِير " للبَيْهقيِّ، و" شرحِ السَُّّةِ " لأبي محمدٍ الْبَغَوِيّ، وغيرِهِما ثمّا (٢) قالوا
فيهِ : ((أخرجهُ البخاريُّ أو مسلمٌ)) ، فلا يُسْتَفَادُ (٣) بذلكَ أكثرَ من أنَّ البخاريّ أو
مسلماً أخرجَ أصلَ ذلكَ الحديثِ ، مَعَ احتِمالِ أنْ يكونَ بينهما تفاوُتٌ فِي اللَّفظِ ، وربَّما
كان تفاوتاً في بعضِ المعنى ، فقدْ وجدْتُ في ذلكَ ما فيهِ بعضُ الَّفاوتِ مِنْ حيثُ المعنى .
وإذا كانَ الأمرُ في ذلكَ على هذا فليسَ لكَ أنْ تنقُلَ حديثاً منها وتقولَ : هو على هذا
الوجهِ في كتاب البخاريّ، أو كتابٍ مسلمٍ ، إلاّ أنْ تُقَابِلَ لفظَهُ، أو يكونَ الذي خرَّجهُ
قد قالَ : أخرجهُ البخاريُّ بهذا اللَّفظِ (٤) . بخلاف الكُتبِ المختصَرَةِ منَ الصحيحينِ ، فإنّ
مصنِّفِيها نقلُوا فيها ألفاظَ الصحيحين أو أحدهما (٥) ، غيرَ أنّ " الجمعَ بينَ الصحيحينِ "
(١) ((وحقيقته: أن يأتي المصنّف إلى كتاب البخاري أو مسلم فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق
البخاري أو مسلم ، فيجتمع إسناد المصنف مع إسناد البخاري أو مسلم في شيخه أو من فوقه)) . أفاده
الزركشي في نكته ١ / ٢٢٩.
(٢) في (جـ): (( ما)) .
(٣) في (أ) و (جـ): ((فلا تستفيد))، وفي (ب ): فلا يستفيد))، وما أثبتناه من (ع) و (م ) والتقييد.
(٤) قال ابن حجر في نكته ١ / ٣١٠: ((قلت: محصل هذا أن مُخَرِّج الحديث إذا نسبه إلى تخريج بعض
المصنفين ، فلا يخلو : إما أن يصرّح بالمرادفة أو بالمساواة أو لا يصرّح. إن صرّح فذاك، وإن لَم يصرّح
كان على الاحتمال .
فإذا كان على الاحتمال فليس لأحد أن ينقل الحديث منها ويقول : هو على هذا الوجه فيهما ، لكن هلى
له أن ينقل منه ويطلق كما أطلق ؟ هذا محل بحث وتأمل)).
(٥) قال ابن حجر في نكته ٣١٢/١: ((محصله أن اللفظ إن كان متفقاً فذاك وإن كان مختلفاً فتارة يحكيه على
وجهه ، وتارة يقتصر على لفظ أحدهما ، ويبقى ما إذا كان كل منهما أخرج من الحديث جملة لم يخرجها
الآخر، فهل للمختصر أن يسوق الحديث مساقاً واحداً وينسبه إليهما ويطلق ذلك ، أو عليه أن يبيّنْ ؟
هذا محل تأمّل ، ولا يخفى الجواز ، وقد فعله غير واحد ، والله أعلم)).
٩١

لِلحُمَيديّ الأندلسيِّ منها يشتملُ على زيادةٍ تتمَّاتٍ لبعضِ الأحاديثِ كما قدَّمنا ذكرَّهُ(١)،
فربّما نَقَلَ مَنْ لا يُمَيِّزُ بعضَ ما يجدهُ فيهِ عنِ الصحيحينِ أو أحدِهما ، وهو مخطِئٌّ ؛ لكونِهِ
مِنْ تلكَ الزياداتِ (٢) التي لا وجودَ لها في واحدٍ (٣) مِنَ الصحيحينِ. ثُمَّ إِنّ التخاريجَ
المذكورةَ على الكتابينِ يُستفادُ منها فائدتان (٤):
إحداهما : عُلُوُّ الإِسنادِ .
والثانيةُ : الزيادةُ في قدْرِ الصحيحِ لما يقعُ فيها مِنْ ألفاظِ زائدةٍ وتَّتِمَّاتٍ في بعضِ
الأحاديثِ تُثْبِتُ (٥) صِحَّتَها بهذهِ التخاريجِ ؛ لأَنّها واردةٌ بالأسانيدِ الثابتةِ في الصحيحين
أو أحدِهِما وخارجةٌ مِنْ ذلكَ المَخْرَجِ الثابتِ ، والله أعلمُ .
السادسةُ : ما أسندَهُ البخاريُّ ومسلمٌ - رحمهما الله - في كتابَيْهمَا بالإسناد
المَتَّصِلِ فذلكَ الذي حَكما بصحَّتِهِ بلا إشكال . وأمَّا [ المعلَّقُ وهو] (٦) الذي حُذِفَ مِنْ
مبتدٍ إسنادِهِ واحدٌ أو أكثرُ ، وأغلبُ ما وقَعَ ذلكَ في كتاب البخاريِّ(٧) وهو في كتاب
(١) قال الزركشي ١ / ٢٣٠ - ٢٣١: ((ومن هاهنا اعترض عليه - [ يعني: الحميدي] - في إدخاله تلك
الزيادات في الكتاب ، فإنَّه لم يذكرْها بإسناد لتتميز عن إيراد الصحيحين، وذكرها في ذيل الحديث موهماً
أنها في الصحيح ، فليحذر من ذلك . وهذا بخلاف " الجمع بين الصحيحين " لعبد الحق ونحوه ، فإنه لا
يأتي بغير لفظ الصحيح . وظاهر كلام ابن الصلاح أن الزيادات الواقعة في كتاب الحميدي لها حكم
الصحيح ، وليس كذلك ؛ لأنه لم يروها بسند كالمستخرج ، ولا ذكر أنه يزيد ألفاظاً ويشترط فيها
الصحة حتى يقلد في ذلك )) .
(٢) في (جـ ): ((الزيادة)).
(٣) في (أ): ((أحد)).
(٤) انظر عن فوائد المستخرجات: نكت الزركشي ١ / ٢٣١، والتقييد والإيضاح ٣٢، وشرح التبصرة
والتذكرة ١ / ١٣٧ - ١٣٨، ونكت ابن حجر ١ / ٣٢١ .
(٥) في (ب): (( ثبتت)).
(٦) ما بين المعكوفتين من (ع) و(م) والتقييد. وراجع في تفصيل أحكام التعاليق في الصحيحين: نكت الزركشي
١ / ٢٣٢، والتقييد والإيضاح: ٣٢، وشرح التبصرة والتذكرة ١٥٦/١، ونكت ابن حجر ٣٢٤/١.
(٧) قال ابن حجر في هدي الساري ٤٦٩: ((فجملة ما في الكتاب من التعاليق ألف وثلاث مئة وواحد
وأربعون حديثاً وأكثرها مكرّر، مُخَرَّجٌ في الكتاب أصول متونه ، وليس فيه من المتون التي لم تخرج في
الكتاب ولو من طريق أخرى إلا مئة وستون حديثاً )) .
قلنا : وله كتاب فريد في بابه في وصل التعاليق التي في صحيح البخاري : تغليق التعليق ، طبع بتحقيق :
د. سعيد عبد الرحمن موسى القزقي ، وتخصه الحافظ نفسه في هدي الساري ١٧ - ٧٠ .
٩٢

مسلمٍ قليلٌ جدّاً (١) ففي بعضِهِ نَظَرٌ . وينبغي أنْ نقولَ: ما كانَ مِنْ ذلكَ ونحوِهِ بلفظٍ فيهِ
جَزْمٌ وحُكْمٌ بهِ على مَنْ عَلَّقَهُ عَنْهُ، فقدْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ عَنْهُ(٢)، مثالُهُ: قالَ رسولُ اللهِ مَّ
كذا وكذا ، قالَ ابنُ عبَّاسِ: كذا ، قالَ مجاهدٌ: كذا ، قالَ عَفّانُ: كذا ، قالَ القَعْتَبيُّ:
كذا (٣)، روى أبو هريرةَ: كذا وكذا، وما أشبهَ ذلكَ مِنَ العباراتِ. فكلُّ ذلكَ حُكْمٌ
(١) بلغ ثلاثة مواضع فقط، وصل اثنان منها في صحيحه، ثمْ لَمَّا احتاج تكرارها علّقها فلم يبقَ فيه غير حديث
واحد معلّق غير موصول ، وهو حديث أبي الجهيم بن الحارث (( أقبل رسول الله (3 / من نحو بثر جملى ...
الحديث)) ، حيث علّقه مسلم بلفظ: ((وروى الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن
بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار-مولى ميمونة زوج النبي
**- حتَّى دخلنا على أبي الجهيم فقال :... الحديث)) صحيح مسلم ١٩٤/١ (٣٦٩). وهذا الحديث
وصله أحمد ٤ / ١٦٩ من طريق أخرى ، وهي طريق الحسن بن موسى ، عن ابن لهيعة ، عن الأعرج .
ومن طريق الليث وصله: البخاري ١ / ٩٢ (٣٣٧)، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي ١٦٥/١، وفي
الكبرى (٣٠٧)، وابن خزيمة ( ٢٧٤)، وأبو عوانة ١ / ٣٠٧ .
تنبيه : جميع من وصل الحديث ذكر : عبد الله بن يسار ، وانفرد مسلم بقوله : عبد الرحمان بن يسار .
وانظر: التقييد والإيضاح: ٣٢ - ٣٣، ونكت ابن حجر ١ / ٣٤٤ - ٣٥٣، وشرح السيوطي
على ألفية العراقي : ١١٨ .
(٢) قال الزركشي في نكته ١ / ٢٣٦: ((وهذا الذي ذكره من أن صيغة الجزم تدل على صحة الحديث،
والتمريض على ضعفه ، قد تبعه عليه أكثر الناس ، وقد اعترض عليه من جهتين : من جهة الصناعة ، ومن
جهة الاستقراء .
فإن كان هذا قاله من جهة الصناعة فلا شكَّ أن قول البخاري - مثلاً - : ((قال )) بصيغة الجزم ليس ما
يرى من قول التابعي الكبير: قال رسول الله ﴿ بلفظ الجزم، وهو لا يقتضي صحة الحديث ، فبذلك
ترى البخاري إذا علّق الحديث لم يفد الصحة)). ثم قال:
(( وأما الاستقراء فلا يساعده ، فقد قال البخاري في كتاب العلم في باب الخروج في طلب العلم: رحل
جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد . انتهى .
هكذا جزم به ، ثم ذكره بصيغة التمريض في آخر الكتاب في الرد على الجهمية ، فقال : ((ويذكر عن
جابر بن عبد الله ، عن عبد الله بن أنيس سمعت النبي 8# يقول : ... فذكره .
فدلّ على استواء الصيغتين عنده ، وإلّ يلزم أن يكون الحديث الواحد ضعيفاً حسناً))، وقد ردّ ابن حجر
في الفتح ١ / ١٧٤ على قول الزركشي هذا فانظره ، وتأمل !! وانظر: تعليقنا على شرح التبصرة
والتذكرة ١ / ١٦٣ - ١٦٥.
(٣) قال العراقي في التقييد والإيضاح: ٣٣: ((أن قوله - في أمثلة ما حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر -:
قال عفان : كذا ، قال القعني : كذا ، ليس بصحيح ، ولم يسقط من هذا الإسناد شيء، فإن عفان
والقعني كلاهما من شيوخ البخاري الذين سمع منهم، فما روى عنهما -ولو بصيغة لا تقضي التصريح *
٩٣

مِنْهُ على مَنْ ذَكرَهُ عنهُ بأنّهُ (١) قدْ قالَ ذلكَ ورَوَاهُ ؛ فلنْ يَسْتَجِيْزَ إطلاقَ ذلكَ إلاّ إذا صحَّ
عِندَهُ ذلكَ عنهُ ، ثمَّ إذا كانَ الذي عُلِّقَ الحديثَ عنهُ دُوْنَ الصحابةِ فالْحُكْمُ بصِحَّتِهِ يتوقّفُ
على انِّصَالِ الإِسنادِ بينَهُ وبينَ الصحابيِّ .
وأمَّا ما لَمْ يَكُنْ في لفظِهِ جَزْمٌ وحُكْمٌ ، مثلُ: رُويَ عنْ رسولِ اللهِعَ تْ: كذا
وكذا، أو رُويَ (٢) عنْ فلانٍ: كذا وكذا (٣) أو في البابِ عنِ النِيَِّ ﴿: كذا وكذا،
فهذا وما أشْبَهَهُ مِنَ الألفاظِ ليسَ في شيءٍ منهُ (٤) حُكْمٌ منهُ (٥) بصحَّةِ ذلكَ عمَّنْ ذَكَرَهُ
عنهُ؛ لأنَّ مثلَ هذه العباراتِ تُستَعملُ في الحديثِ الضعيفِ أيضاً ، ومعَ ذلكَ فإيرادُهُ لهُ في
أثناءِ الصحيحِ مُشْعِرٌ بصِحَّةٍ أَصْلِهِ إشعاراً يُؤْنَسُ بِهِ وَيُرْكَنُ إليهِ ، والله أعلمُ .
ثُمَّ إِنَّ ما يتقاعدُ مِنْ ذلكَ عنْ شَرطِ الصحيحِ قليلٌ (٦) ، يوجَدُ في كتابِ البخاريّ
في مواضعَ مِنْ تراجمِ الأبوابِ دونَ مقاصِدِ الكتابِ وموضوعِهِ الذي يُشْعِرُ بهِ اسمُهُ الذي
سَاهُ بِهِ ، وهوَ " الجامعُ الْمُسْنَدُ الصحيحُ المختصرُ مِنْ أُمورِ رسولِ اللهِعَ﴿ّ وسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ".
وإلى الخصوصِ الذي بَّناهُ يرجعُ مطلقُ قولِهِ: (( ما أدخلْتُ في كتابِ الجامعِ إلاّ ما صحَّ)).
وكذلكَ مُطْلَقُ قولِ الحافظِ أبي نَصْرِ الوايليِّ السِّحْزِيِّ(٧): ((أجمعَ أهلُ العِلْم - الفقهاءُ(٨)
- بالسماع - فهو محمول على الاتصال ، وقد ذكره ابن الصلاح كذلك على الصواب في النوع الحادي
عشر من كتابه في الرابع من التفريعات التي ذكرها فيه ... )) إلى آخر كلامه .
(١) في (جـ): ((كأن)).
(٢) في ( ب ): ((وروي)) .
(٣) ((كذا)) الثانية من (ب) و (جـ ) و ( ع ) فقط.
(٤) ((منه )) سقطت من ( ب) .
(٥) كذلك .
(٦) قال ابن حجر في نكته ١ / ٣٢٤: ((أقول: بل الذي يتقاعد عن شرط البخاري كثير ليس بالقليل إلا
أن يريد بالقلة قلة نسبية إلى باقي ما في الكتاب فيتجه ، بل جزم أبو الحسن بن القطان بأن التعاليق التي لم
يوصل البخاري إسنادها ليست على شرطه ... )) إلى آخر كلامه فانظره فإنه بحث ممتع .
(٧) السِّجْزِي - بكسر السين وسكون الجيم -: نسبة إلى سجستان على غير قياس. انظر: الأنساب
٢٤٦/٣، وانظر: التعليق في : ٤٨٩ من هذا الكتاب .
(٨) في (جـ ): ((والفقهاء)).
٩٤

وغيرُهُم (١) - أنَّ رَجُلاً لَو حَلَفَ بالطَّلاَقِ أنَّ جميعَ ما في كتاب البخاريِّ ثَمَا رُويَ عنِ
النبيِّلَ﴿ْ قَدْ صحَّ عنهُ، وَرسولُ اللهِوَ﴿ قَالَهُ (٢) لا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لا يَحْنَثُ (٣)، والمرأةُ
بحالِها في حِبَالِتِهِ (٤)))(٥).
وكذلكَ ما ذكرَهُ أبو عبدِ اللهِ الْحُمَيديُّ في كتابِهِ " الجمعِ بينَ الصحيحينِ " من
قولِهِ : ((لَمْ نجِدْ مِنَ الأئمَّةِ الماضِينَ - رضيَ الله عنهم أجمعينَ - مَنْ أَفصَحَ لنا في جميعِ ما
جَمَعَهُ بالصِّحَّةِ إلاّ هذينِ الإِمامَيْنِ)) (٦) . فإِنَّما المرادُ بكلِ ذلكَ مقاصدُ الكتاب وموضوعُهُ
ومتونُ الأبوابِ ، دونَ التراجمِ ونحوُهَا ؛ لأنَّ في بعضِها مَا ليسَ مِنْ ذلكَ قطعاً ، مثلُ:
قولِ البخاريّ: ((بابُ مَا يُذكَرُ في الفَخِذِ، وَيُروى عنِ ابنِ عبَّاسٍ، وحَرْهَدٍ (٢)، ومحمدِ بنِ
جَحْشٍ، عنِ النِّ(﴿: الفَخِذُ عوْرَةٌ)) (٨)، وقولُهُ في أَوْلِ باب من أبوابِ العُسْلِ: ((وقلل
(١) بعد هذا في (ع) زيادة: ((على)).
(٢) في ( ب ): ((قد قاله)) .
(٣) الحِنْث: الخُلْفُ في اليمين، حَنِثَ في يمينِهِ حِيْثاً وحَنَثاً: لَمْ يبرَّ فيها. لسان العرب ٢ / ١٥١.
(٤) الحِبالة - بالكسر -: هي ما يصاد بها من أي شيء كانت ، والجمع: حبائل، ومنه : ما روي : (( النسلء
حبائل الشيطان )) أي: مصايده ، والمراد هنا: في عصمته. انظر: النهاية ٣٣٣/١ واللسان ١١/ ١٣٦.
(٥) انظر: نكت الزركشي ١ / ٢٤٩، والتقييد والإيضاح: ٣٨.
(٦) انظر : الجمع بين الصحيحين ٣ أ .
(٧) بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء . انظر: فتح الباري ١ / ٤٧٨ .
(٨) صحيح البخاري ١ / ١٠٣ عقيب (٣٧٠).
وحديث ابن عباس : أخرجه أحمد ١ / ٢٧٥، والترمذي (٢٧٩٦ )، والطحاوي في شرح المعاني
٤٧٤/١، والبيهقي ٢ / ٢٢٨ . من طريق أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس، مرفوعاً. وسنده
ضعيف؛ لضعف أبي يحيى القتات . لَّنه الحافظ في التقريب (٨٤٤٤ ).
وحديث جرهد: أخرجه عبد الرزاق (١١١٥) و (١٩٨٨)، والحميدي (٨٥٧)، وابن أبي شيبة
(٢٦٦٩٢)، وأحمد ٣ / ٤٧٨ و٤٧٩، والدارمي (٢٦٥٠)، والبخاري في تاريخه الكبير ٥/(١٥٤)،
وأبو داود (٤٠١٤)، والترمذي (٢٧٩٥)، والطحاوي في شرح المشكل (١٧٠١) و (١٧٠٢ )،
وفي شرح المعاني ١ / ٤٧٥، وابن حبان (١٧١٠) والطبراني في الكبير ( ٢١٣٨) - (٢١٥١)،
والدارقطني ٢٢٤/١، والبيهقي ٢٢٨/٢. وحديثه مضطرب جداً. قال ابن عبد البر في الاستيعاب ٢٥٥/١
متحدّثاً عن جرهد: (( لا تكاد تثبت له صحبة روى عن النبي /ّ: ((الفخذ عورة)) ، وقد رواه غيره
جماعة ، وحديثه ذلك مضطرب )) . =
٩٥

بَهْزُ [بنُ حَكِيْمٍ](١)، عنْ أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عنِ النِيِّ وَ﴿ِ الله أحقُّ أنْ يُسْتَحِى منهُ))(٢).
فهذا قطعاً ليسَ مِنْ شرطِهِ ؛ ولذلكَ(٣) لَمْ يورِدْهُ الْحُمَيديّ في " جمعهِ بينَ الصحيحينِ " ،
فاعلمْ ذلكَ فإِنَّهُ مهمٌّ خافٍ ، والله أعلمُ (٤).
السابعةُ : وإذا انتهى الأمرُ في مَعْرِفَةِ الصحيحِ إلى ما خرَّجَهُ الأئمَّةُ في تصانيفِهم
الكافلةِ ببيانِ ذلكَ كما سبقَ ذِكرُهُ ، فالحاجَةُ ماسَّةٌ إلى التنبيه على أقسامِهِ باعتبارِ ذلكَ(٥):
فأوّلُها : صحيحٌ أخرجَهُ البخاريُ ومسلمٌ جميعاً .
الثاني : صحيحٌ انفَرَدَ بهِ البخاريُّ ، أيْ : عنْ مسلمٍ .
الثالثُ: صحيحٌ انفَرَدَ بهِ مسلمٌ ، أيْ : عنِ البخاري .
الرابعُ : صحيحٌ على شرطِهِما لَمْ يُخَرِّجَاهُ .
الخامسُ : صحيحٌ على شرطِ البخاريِّ لَمْ يخرِّجْهُ.
= وانظر فيه: بيان الوهم والإيهام ٣ / ٣٣٨ (١٠٨٢) و (١٠٨٣) فقد أطال النفس فيه ، ونصب
الراية ١ / ٢٤١ - ٢٤٢، وأثر علل الحديث ٢٤٣ - ٢٤٦ .
وحديث محمد بن جحش : أخرجه أحمد ٥ / ٢٨٩ - ٢٩٠، وعبد بن حميد (٣٦٧)، والنسائي
٣١٤/٧، والحاكم ١٨٠/٤، والبغوي (٢٢٥١). قال الزيلعي في نصب الراية ٤ / ٢٤٥ عن إسناد
أحمد : ((هذا مسند صالح)) .
قلنا : وكذلك ورد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده ، مرفوعاً. بلفظ : (( إذا أنكح
أحدكم عبده أو أجيره ، فلا ينظر إلى شيء من عورته ؛ فإنَّما أسفل من سرته إلى ركبتيه من عورته )).
أخرجه أحمد ١٨٧/٢، وأبو داود (٤٩٦)، والبيهقي ٢٢٨/٢ - ٢٢٩، وسنده قوي .
(١) لَم ترد في النسخ الخطية ولا في متن البخاري المطبوع، وهي من (ع) و (م) والتقييد ونكت الزركشي.
(٢) صحيح البخاري ١ / ٧٨ عقيب (٢٧٧). وقد وصله عبد الرزاق (١١٠٦)، وأحمد ٥ / ٣ و٤،
وأبو دواد ( ٤٠١٧)، وابن ماجه (١٩٢٠)، والترمذي (٢٧٦٩) و (٢٧٩٤)، والنسائي في
الكبرى (٨٩٧٢)، والحاكم ٤ / ١٧٩، وأبو نعيم ٧ / ١٢١، والبيهقي ١ / ١٩٩، والخطيب في
تاريخه ٣ / ٢٦١ . وقال اللكنوي في ظفر الأماني ١٦٤: ((هو حديث حسن مشهور)).
(٣) في (ب): ((وكذلك)).
(٤) راجع نكت الزركشي : ١ / ٢٥٢ - ٢٥٤.
(٥) تعقّب بعضُ العلماء ابنَ الصلاح حول هذا التقسيم ، ودارت بينهم مناقشات ، انظرها في : نكت
الزركشي ١ / ٢٥٤، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٤٢ مع تعليقنا، ونكت ابن حجر ١ / ٣٦٣،
وتوجيه النظر ١ / ٢٩٠ مع تعليقات محققه .
٩٦

السادسُ : صحيحٌ على شرطٍ مسلمٍ لَمْ يُخَرِّجْهُ.
السابعُ : صحيحٌ عندَ غيرِهما ، وليسَ على شرطٍ واحدٍ منهما .
هذه أمَّهاتُ أقسامِهِ وأعلاها: الأوْلُ وهو الذي يقولُ فيهِ أهلُ الحديثِ كثيراً: ((صحيحٌ
مَتَّفَقٌ عليهِ) يُطْلِقُونَ ذلكَ ويَعْنُونَ بهِ اتّفاقَ البخاريّ ومسلمٍ ، لا أتِّفَاقَ الأمَّةِ (١) عليهٍ ،
لكنَّ اتّفَاقَ الأُمَّةِ عليهِ لازمٌ منْ ذلكَ، وحاصِلٌ معهُ؛ لأنِّفاق (٢) الأمَّةِ على تلقّي ما أنَّفَقا
عليهِ بالقبولِ .
وهذا القسمُ جميعُهُ مقطوعٌ بصِحَّتِهِ ، والعِلْمُ اليقينِيُّ النَّظريُّ واقعٌ بهِ ، خلافاً لقولِ
مَنْ نَفَى ذلكَ ، مُحْتَحّاً بأنَّهُ لا يُفيدُ في أصلِهِ إلاّ الظَّنَّ (٣) ، وإنَّما تلقّتْهُ الأمَّةُ (٤) بالقبولِ ؛
لأَنّهُ يجبُ عليهمُ العملُ بالظَّنِّ ، والظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ . وقدْ كنتُ أميلُ إلى هذا، وأحسبُهُ
قويّاً ثُمَّ بانَ لي أنَّ المذهبَ الذي اخْتَرْناهُ أوْلاً هوَ الصحيحُ ؛ لأنَّ ظَنَّ مَنْ هوَ معصومٌ مِنَ
الخطأ لا يُخْطِئُ، والأمَّةُ في إجماعِها مَعْصومةٌ مِنَ الخطأِ، ولهذا كانَ الإِجماعُ الْمُبْتَنَى (٥)
على الاجتهاد حُجَّةً مقطوعاً بها ، وأكثرُ إجماعات العلماءِ كذلكَ .
وهذه نكتَةٌ نفيسةٌ نافعةٌ ، ومِنْ فوائدِها: القولُ بأنَّ ما انفردَ بهِ البخاريُّ أو مسلمٌ
مندرجٌ في قبيلٍ ما يُقْطَعُ بصِحَّتِهِ ؛ لِتَلَقِّي الأمَّةِ كلّ واحدٍ من كتابَيْهما بالقبولِ على الوجهِ
الذي فصَّلْنَاهُ مِنْ حالِهِما فيما سبقَ ، سوى أحرفٍ يسيرةٍ (٦) تكلّمَ عليها بعضُ أهلِ النَّقْدِ
مِنَ الحفّاظِ كالدَّارقطنيِّ وغيرِهِ ، وهي معروفةٌ عِندَ أهلٍ هذا الشأْنِ ، والله أعلمُ .
(١) في (أ) و (ب): ((الأئمّة)).
(٢) في (م): ((باتفاق)).
(٣) ينظر عن مسألة إفادة أحاديث الصحيحين لليقين أو الظنِّ: نكت الزركشي ١ / ٢٧٦ ، ومحاسن
الاصطلاح: ١٠١، ونكت ابن حجر ٣٧١/١، والبحر الذي زخر ٣٣٥/١، وتوجيه النظر: ٣٠٧.
(٤) في ( جـ ): ((الأئمة)).
(٥) في (م ) : ((المبني)).
(٦) هي ليست باليسيرة ، فقد بلغت انتقادات الدارقطني وحده (٢١٨)، وهذا فيما سوى ما انتقده أبو
مسعود الدمشقي ، وأبو الفضل بن عمار ، وأبو علي الجياني . =
٩٧

الثامنةُ : إذا ظهرَ بما قدَّمناهُ انحصارُ طريقِ معرفةِ الصحيحِ والحسنِ الآنَ في مراجعةٍ
الصحيحينِ وغيرِهما مِنَ الكتبِ الْمُعتمَدةِ ، فسبيلُ مَنْ أرادَ العملَ أو الاحتجاجَ بذلكَ إذا
كانَ (١) ثَمَّنْ يسوغُ لهُ العملُ بالحديثِ أو الاحتجاجُ بهِ لذي مَذْهَبٍ أنْ يرجعَ إلى أصلٍ قَدْ
قابَلَهُ هو أو ثقةٌ غيرُهُ بأصولٍ صحيحةٍ متعدِّدةٍ (٢) مرويةٍ برواياتٍ متنوعةٍ (٣)؛ ليحصلَ لهُ
بذلكَ - مَعَ اشتهارِ هذهِ الكتبِ وبُعْدِها عنْ أنْ تُقصَدَ بالتبديلِ والتحريفِ - الثقةُ بصِحَّةٍ
ما أَّفَقَتْ عليهِ تلكَ الأصولُ ، والله أعلمُ .
=ولربما أراد ابن الصلاح أنها يسيرة نسبياً إلى ما لا انتقاد عليه . والحقيقة أن هذه الانتقادات تتفرع عن
الأقسام الآتية :
أ- الزيادة التي تقع في بعض الأحاديث . إذ قد ينفرد ثقة بزيادة لا يذكرها من هو مثله أو أحفظ منه ، فتحميل
هذا الثقة تبعه أنه قد يكون غلط؛ ظن مجرد ، وغاية ما فيها أنها زيادة ثقة لا تنافي رواية الأحفظ والأكثر.
ب- الحديث الذي قد يرويه تابعي، المشهور أن روايته عن صحابي معين سمع منه، فيروي الحديث بواسطة عن
ذلك الصحابي، فيعلل الأول بزيادة الراوي في الطريق الثانية. وهذا مندفع بأنه لا مانع من كون ذلك التلبعي
قد سمع ذلك الحديث بعينه من ذلك الصحابي مباشرة ثم سمعه بواسطة وهكذا يكون الأمر فيمن بعدهم .
جـ- أن يشير صاحب الصحيح إلى علته ، كأن يرويه مسنداً ثم يذكر أنه روي مرسلاً ، فهذا من صاحب
الصحيح ترجيح لرواية الواصل على المرسل .
د- ما يكون مداراً للاجتهاد وتكون علته مرجوحة بالنسبة إلى صحته .
وانظر: نكت الزركشي ١ / ٢٨٧، والتقييد والإيضاح: ٤٢، وابن حجر ١ / ٣٨٠.
(١) ((إذا كان)): ساقطة من (جـ ).
(٢) في ( جـ ): ((معددة )).
(٣) قال العراقي في التقييد: ٤٣: (( ما اشترطه المصنّف من المقابلة بأصول متعددة، قد خالفه فيه الشيخ
محيي الدين النووي ، فقال : وإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه . قلت : وفي كلام ابن الصلاح في
موضع آخر ما يدل على عدم اشتراط تعدد الأصل ، فإنه حين تكلم في نوع الحسن أن نسخ الترمذي
تختلف في قوله : حسن أو حسن صحيح ، ونحو ذلك . قال : فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول
وتعتمد على ما اتفقت عليه . فقوله هنا: ينبغي ، يعطي عدم اشتراط، والله أعلم )).
قلنا : تعقبه تلميذه ابن حجر فقال في نكته ١ / ٣٨٤ : ((أقول: ليس بين كلاميه مناقضة، بل كلامه
هنا مبني على ما ذهب إليه من عدم الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد ؛ لأنه علل صحة
ذلك بأنه ما من إسناد إلا ونجد فيه خللاً ، فقضية ذلك أن لا يعتمد على أحدهما بل يعتمد على مجموع ما
تتفق عليه الأصول المتعددة ؛ ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع في أثناء الأسانيد .
وأما قوله في الموضع الآخر : ينبغي أن تصحح أصلك بعدة أصول ، فلا ينافي قوله المتقدم ؛ لأن هذه
العبارة تستعمل في اللازم أيضاً ، والله أعلم)). وانظر: التقريب والتيسير : ٤٢.
٩٨

النَّوْعُ الثَّانِي
مَعْرِفَةُ الْحَسَنِ (١) مِنَ الحَدِيْثِ
رُوّيْنا عَنْ أبي سُليمانَ الخطّابِيِّ - رحمَهُ الله - أنَّهُ قالَ - بعدَ حكايتِهِ - : إنْ
الحديثَ عِندَ أهلِهِ ينقسمُ إلى الأقسامِ الثلاثةِ التي قدَّمنا ذِكْرَها: ((الحسَنُ: ما عُرفَ
مَخْرَجُهُ (٢) واشتَهَرَ رِجَالُهُ))(٣)- قالَ -: ((وعليهِ مَدَارُ أكثَرِ الحديثِ وهوَ الذي يَقْبُلُهُ(٤)
أكثَرُ (٥) العلماءِ ، ويستعمِلُهُ عامَّةُ الفقهاءِ)) (٦).
ورُوّيْنَا عَنْ أبي عيسى التِّرمِذِيّ ◌َّه أَنَّهُ يُريدُ بالحسَنِ: (( أنْ لاَ يكونَ في إسناده مَنْ
يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ ، ولا يكونَ حديثاً شاذّاً، ويُروَى مِنْ غيرِ وجهٍ نحوَ ذلكَ (٧))) (٨) .
(١) انظر في الحسن :
إرشاد طلاب الحقائق ١٣٧/١ - ١٥٢، والتقريب: ٤٢ - ٤٩، والاقتراح: ١٦٢، والمنهل الروي:
٣٥، والخلاصة: ٣٨، والموقظة: ٢٦، واختصار علوم الحديث: ٣٧، والمقنع ٨٣/١، وشرح
التبصرة والتذكرة ١٧٧/١، ونزهة النظر: ٩١، والمختصر: ٧٣، وفتح المغيث ٦١/١، وألفية
السيوطي : ١٥ - ١٩، وشرح السيوطي على ألفية العراقي: ١٢٦، وفتح الباقي ٨٤/١، وتوضيح
الأفكار ١٥٤/١، وظفر الأماني: ١٧٤، وقواعد التحديث : ١٠٥ .
(٢) بفتحِ الميم والراء، بمعنى خروجه، وهو: رجاله الراوون له؛ لأنه خَرَجَ مِنْهُمْ. قواعد التحديث: ٢١٩.
وَقَالَ البقاعي: (( رِجَالُهَ الذين يدور عَلَيْهِمْ، فكل واحد من رِجَال السَّنَد ((مَخْرَج)) خَرَجَ مِنْهُ
الحَدِيْث)). النكتَ الوفية ٥٩ ب .
(٣) اعترض غير واحد من العلماء على هذا التعريف ، وعلى تعريف الحسن عموماً ، انظر : نكت الزركشي
١ / ٣٠٤، والتقييد والإيضاح ٤٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١ / ١٧٧ مع تعليقاتنا هناك، ونكت
ابن حجر ٣٨٥/١، وقد أطال السيوطي النفس فيه في كتابه البحر الذي زخر ٣ / ٩٥٠ فما بعدها .
(٤) في (ب): (( تقبله)).
(٥) سقطت من (جـ ).
(٦) معالم السنن ١ / ١١. وهذا التعريف نقله الحافظ المزي في تهذيب الكمال ١ / ١٠.
(٧) في (ع ): ((ذاك)).
(٨) الجامع الكبير ٦ / ٢٥١ ( العلل) .
وللزركشي تعليق لطيف هنا، رأينا أن ننقل بعضه ، قال رحمه الله ١ / ٣٠٧ : ((قوله أن لا يكون في
إسناده من يتهم بالكذب . احترز به عمّا في سنده متهم ، فإنه ضعيف. وقوله: (( مَن لا يتهم بالكذب ):
يتناول مشهور العدالة ، لكنه غیر مراد ، بل المراد المستور .
واحترز بقوله : ((ولا يكون حديثاً شاذاً)) عن الشاذ، وهو ما خالف فيه الثقة روايات الثقات . وقوله :
(( ويروى من غير وجه)) عمّا لم يرد إلا من وجه واحد فإنه لا يكون حسناً ؛ لأن تعدد الروايات يقوي
ظنّ الصحة واتحادها مما يؤثر ضعفاً)) وانظر: نظرات جديدة في علوم الحديث ٣٣.
٩٩

وقالَ بعضُ المتأخِّرِينَ (١) : ((الحديثُ الذي فيهِ ضَعْفٌ قريبٌ مُحتَمَلٌ هو الحديثُ
الحسنُ ، ويَصْلُحُ للعملِ بِهِ)) .
قلتُ: كُلُّ هذا مُسْتَبْهَمٌ لا يَشْفِي الغليلَ ، وليسَ فيما ذَكَرَهُ التِّرمذيُّ والخطّائِيُّ ما
يَفْصِلُ الحَسَنَ مِنَ الصحيحِ . وقدْ أمعَنْتُ (٢) النّظَرَ في ذلكَ والبحثَ جامعاً بينَ أطراف
كلامِهِم ، ملاحظاً مواقعَ استعمالِهم؛ فتَقِّحَ لي(٣) وأَنَّضَحَ أنَّ الحديثَ الحَسَنَ قِسْمان(٤):
أحدُهُما : الحديثُ الذي لا يخلو رجالُ إسنادِهِ مِنْ مستورٍ لَمْ تَتَحَقِّقْ أهلِيَّتُهُ، غيرَ
أَنَّهُ ليسَ مُغَفّلاً كثيرَ الخطأِ فيما يَرْوِيهِ ، ولا هوَ مَّهَمٌ بالكذبِ في الحديثِ ، أي : لَمْ يَظهرْ
منهُ تَعمُّدُ (٥) الكذب في الحديثِ ولا سببٌ آخرُ مفسِّقٌ ، ويكونُ متنُ الحديثِ معَ ذلكَ
قد عُرِفَ بأنْ رُوِيَ مِثْلُهُ أو نحوُهُ مِنْ وجهٍ آخرَ أو أكثرَ، حتَّى اعتضَدَ بمتابعةٍ مَنْ تابعَ
راويَهُ على مثِلِهِ ، أو بما لَهُ مِنْ شاهِدٍ ، وهوَ ورُودُ حديثٍ آخرَ بنحوِهِ ، فَيَخْرُجُ بذلكَ عَنْ
أنْ يكونَ شاذّاً ومُنْكَراً. وكلامُ الترمِذِيّ على هذا القسمِ يتَنَزَّلُ.
القسمُ الثاني: أنْ يكونَ راوِيْهِ مِنَ المشهورينَ بالصدقِ والأمانةِ ، غيرَ أنَّهُ لَمْ يبلغْ
درجَةَ رجالِ الصحيحِ؛ لكونِهِ يقصُرُ عنهم في الحفظِ والإتقانِ، وهو معَ ذلكَ يرتفِعُ عَنْ
(١) هو ابن الجوزي. انظر: الموضوعات ١ / ٣٥، نكت الزركشي ١ / ٣١٠ . قال السخاوي ١ / ٦٥ :
(( هذا كلام صحيح في نفسه ، لكنه ليس على طريقة التعاريف)).
(٢) قال الزركشي ١ / ٣١٢: ((المعروف في اللغة: أنعمت - بتقديم النون - بمعنى: بالغت ، يقال: أنعم
في الشيء إذا بالغ فيه ... ، وأما أمعنت ، فقال ابن الأنباري في الزاهر : يقال : قد أمعن لي بحقي ، أي :
اعترف به وأظهره . قال أبو العباس : هو مأخوذ من الماء المعين ، وهو الجاري الظاهر . وقال ابن فارس
في المقاييس: معن : مادته تدلّ على سهولة في جريان، يقال: مَعَنَ الماءُ : إذا جرى ، وأمعن الفرس في
عَدْوِهِ ، وأمعنَ بحقي: ذهب به . وأمعنت الأرض رَوِيَتْ. انتهى. وعلى هذا يتخرج كلام المصنِّف)).
قلنا : انظر: الزاهر ٢ / ٥٩٢، ومقاييس اللغة ٣٥٥/٥، والصحاح ٦ / ٢٢٠٥، والتقييد والإيضاح:
٤٦، وشرح التبصرة ١ / ١٨٦.
(٣) ساقطة من ( م) .
(٤) اعترض على ابن الصلاح في تقسيمه هذا باعتراضات ، أوردها الزركشي مع أجوبته عنها. فانظر: نكته
٣١٣/١ - ٠٣١٧
(٥) في (جـ ): ((تعهد )).
١٠٠