النص المفهرس

صفحات 301-320

موهبة النقد

٣٠٣
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ولعل من أجل علوم الحديث منذ البعثة الشريفة حتى هذا الحين علم
نقد الرجال وبيان ما لكل رجل من مكانة يوحي أمرها بما له أو عليه، وقد
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((بئس أخو العشيرة هو)) قلت: وهو
صحيح، لبيان التحرز منه لصفة فيه، والله أعلم.
وأورد مسلم - رحمه الله تعالى - في مقدمة صحيحه ١٠/١، والنووي
على مسلم ٨٨/١: (قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإِسناد، فلما
وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ
حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم). وقال ابن المبارك كما
في مقدمة مسلم أيضاً: (الإِسناد من الدين، ولولا الإِسناد لقال من شاء ما
شاء). وجاء في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: وقال هشام بن عروة: (إذا
حدثك رجل بحديثه فقل عمن هذا) ٣٤/١، ومثله ١٦/١.
وإذا وُهب الناقد علماً وتقوى وورعاً، ووُهب فهماً وأمانة وتجرداً من
حسد وكره وحقد وتعالم، كان حريًّاً به أن يكون في منجاة من الغيبة
والنميمة؛ لأن نقد الرجال، لبيان حالهم فيؤخذ من هذا ويترك ذاك بقدر ما
يستفاد منه، ويحرم قدح الذات والإِطالة في الجرح هكذا، وقد كانوا يتورعون
جداً، ويقتصرون على ما يحمي النص بسلامة السند.
ومحمد بن عوامة في ص ٣٢ تناول فأجاد، لولا أنه اختصر في موضع
هو موضع بسط، وضربه للأمثلة تتبع فيها ذكر ابن حجر ما ورد هنا في
التقريب، وما جاء في التهذيب، وكان مثل هذا يقتضي بعض الطول؛ لثقل
الفائدة منه، ولكونه يختصر في ترجمة النقد ما وقع فيه المصنف مما لازمه البيان
لضرورة الحال.
ففي الصفحة المذكورة ورد: (وهذه النماذج من الأحكام والمراتب

٣٠٤
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
مختلفة مع ما التزمه المصنف ورسمه في هذه المقدمة، ومع ما سطره وفصله
في (التهذيب) أو في كتبه الأخرى، أو مع أحكام غيره من العلماء.
١ - فمنها ما هو مختلف مع قوله في الكتاب نفسه، مثال ذلك: قوله
عن بشربن قرة لما ترجمه في حرف الباء ((صدوق)) من السادسة، وذكر أنه
يُقال فيه: بشر، فلما ترجمه في حرف القاف قال: ((مجهول)) من الخامسة.
وقال أيضاً: «حي)) أبو حية الكوفي مقبول، ويؤيده ما نقله عن أبي
زرعة فيه: محله الصدق، ولما ترجمه في الكنى قال: ((أبو حية الكلبي))
مجهول.
وقال أيضاً: ((حرملة بن إياس))، مقبول من الرابعة، وترجم له ثانياً
في الكنى فقال: أبو حرملة ((مجهول)) من الثالثة.
٢ - ومنها تراجم كثيرة يختلف حكمه فيها عما هو مقتضى كلامه في
التهذيب .
مثال ذلك: قوله في ((التقریب)): ثابت بن سعید بن أبیض بن حمال،
مقبول.
والذي في ((التهذيب)) ذكره ابن حبان في الثقات، وقرأتُ بخط
الذهبي في ((الميزان)»: لا يُعرف.
وقارنه بقوله في (ثابت أبو سعید» مجهول، وفي ((التهذيب)): ذكره ابن
حبان في ((الثقات)) وقرأت بخط الذهبي: لا يعرف.
فما الفرق بينهما ليفرق بينهما في المرتبة؟ وقد روى عن كل منهما واحد
فقط ص ٣٣.
قلت: هذا موجود بكثرة، وأحياناً يدخل فيه التصحيف، ولا مكان
له هنا، لكن الأصل في مثل هذا مادام حصل هذا التضارب الغريب في راو
واحد أن نسلك سبيلاً آخر هو البحث عن ترجمته المطولة إن حصلت، وإلا

٢٠٥ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
فنجمع كافة ما قيل عنه في تراجم متنوعة، ثم يُعطى درجته، فإن تعذر
والتضارب في مثل ((ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال)) لم نزل ننظر هنا هل
له متابع بعد البحث، وهل لهذا كنية؟ ثم نحكم حينئذ، والحديث الذي
یکون في سنده مثله یبحث قرینه فإما أن یقویه أو یستغنی به عنه.
ولستُ أرى موجباً للتساؤل المطروح من قبل الدارس إلا من باب
ضعيف.
وقال في ص ٣٣: ومثال آخر ((إسماعيل بن مسعدة التنوخي ...
صدوق)).
وإذا رجعت إلى ((التهذيب)) فلن تجد فيه سوى قوله: ((قرأت بخط
الذهبي: لا يدري من هو)). مع أن المصنف ضنّ بكلمة صدوق على
كثيرين هم أحسن حالاً وترجمة من إسماعيل هذا، فقد قال: ((إسماعيل بن
عبيدالله بن رفاعة بن رافع العجلاني، مقبول، وذكر في ((التهذيب)) أن
الترمذي روى له حديثاً وصححه، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وأخرج
حديثه هو والحاکم في صحیحیهما)).
قلتُ: هذا تساؤل في محله، وإسماعيل بن مسعدة التنوخي - رحمه
الله ۔ یکون أمره أوسع ممن لم یشر إلیه إلا مترجم واحد، وقول ابن حجر:
(صدوق) عن إسماعيل هذا لعله في محله، فقد يكون اطلع فيما بعد على ما
لم نطلع عليه نحن عنه، والتهذيب أصل كتابه التقريب، وأبين هنا أن ترجمة
الرجال مهواة للذمم، ويترتب عليها آثام كبيرة لمن لم يخبر خبر الرجال بدین،
وأمانة، وعقل، ولقد جرت عادة كثير من الفقهاء أن تكون لهم آراء كثيرة في
المسألة الواحدة، مما یقع فيها خلاف، لكن بعضها قدیم والآخر جدید، بل
لا يدري أيهما أسبق من الآخر من الآراء، فهنا يمكن الجمع بقبول الأقرب
للحق بدليله أو تعليله، والرجال من رواة المتون الأصل فيهم البراءة من

= ٣٠٦
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
الجرح فيكون الحكم هنا الأقرب إلى البراءة الأصلية حتى يثبت خلاف هذا
بقائم مادي صحيح ولو بعد حين.
ويُسار على هذا في كافة نقد الرجال، خروجاً من المأثم، فلحوم
العلماء مسمومة، والله المستعان.
وفي ص ٣٣ نفسها: (ومثال آخر: ترجم في التهذيب للأسود بن
سعید الهمداني، وذكر أن له حديثاً في سنن أبي داود، ثم قال: ((خرجه ابن
حبان في صحيحه من طريقه، وذكره في الثقات، وقال ابن القطان: ((مجهول
الحال))، وقال عنه في التقريب: ((صدوق))).
قلت: لعل هذا أخف من الذي قبله، وابن حبان إذا انفرد بالتوثيق
ينظر الأمر عند الآخرين، فلعل ابن حجر خرَّج ((صدوق)) تخريجاً مما جمعه
عن الأسود بن سعید الهمداني - رحمه الله -.
وفي ص ٣٣ نفسها: (ومثال ثالث قال في ((التقريب)): ((هشام بن
عمرو الفزاري ((مقبول))، وفي التهذيب روى عنه حماد بن سلمة، قال ابن
معين: لم يرو عنه غيره، وهو ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة، شيخ قديم، وقال
أبو داود: هو أقدم شيخ لحماد، وقال أبو طالب عن أحمد: من الثقات،
وذكره ابن حبان في الثقات).
قلت: هذا لعله ذهول من ابن حجر، ولست أجد إلا هذا، والتنبه
ضروري لمن يراجع التراجم المختصرة، فإن الأمر جدّ حساس مرهف.
وفي ص ٣٤: (ومنها ما هو مختلف مع أحکامه في کتبه الأخرى، مثال
ذلك: قال في ((التقريب)): ((عبدالله بن المثنى بن عبدالله بن أنس بن مالك
صدوق کثیر الغلط، مع أنه في ((الفتح)) ١٨٩/١ کتاب العلم، باب أعاد
الحديث ثلاثاً قال: «عبدالله بن المثنی ممن تفرد البخاري بإخراج حديثه دون

٢٠٧=
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
مسلم، وقد وثقه العجلي والترمذي، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: صالح،
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس
بالقوي). ثم عالج عوامة الوضع، ثم هو يتساءل بعد ذلك موجهاً لابن
حجر تساؤله: فكيف ساغ له أن يقول هنا كثير الغلط؟
أقول: وهذه نقطة ذات بال، ولستُ أرى بعد نظر أقوال هؤلاء ابن
عبدالله كثير الغلط، لأني لم أجد مسوغاً لهذا.
وقول عوامة أيضاً في ص ٢٨: (ويزداد الأمر تعذراً وإشكالاً حين
ملاحظة وجود متابع على بعض الأحاديث، وعدم وجود متابع على بعضها
الآخر).
لست أظن - حسب علمي ومحدود اطلاعي على كتب التراجم،
والجرح والتعديل، ومصطلح وأصول الحديث - أن هذا فيه تعذر؛ لأنه قال:
(فكيف تكون عبارة المصنف في حق هذا الراوي)؟!
أما ابن حجر فهو إمام ذو سبق، وإن كان كثيراً ما ينقل عن غيره،
وأما وقوعه في التذبذب في شأن بعض الرواة فهذا لعله ذهول منه، والذهول
نسیان وزيادة.
وأما كيف تكون عبارة المصنف فهذا أجاب عليه المصنف نفسه
حسب جهده ووسعه، لكن هل يترك مثل هذا؟
لا جرم، لا، فإنا نستطيع إعطاء الرواة حقهم بعد جهد البحث،
والاستقصاء الطول، وسوف يتبين - بعد هذا كله - وجود المتابع من عدم
وجوده، ولا يمكن إيجاد معدوم، وقد حصل في التقريب حصول تشابه في
بعض أسماء التراجم كما في الرقم ٤٣٣٨ فإن التشابه في حصول الأسماء لدی
المصنف قد وقع بسبب أو لآخر، وهذا يؤدي إلى خطأ جليل قد يذهب معه
السند بسبب راو لیس هو من أهله، إنما هو من رجال سند آخر.
----

٣٠٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
خذ مثلاً ما جاء في ص ١٩ : (عبيدالله بن محمد) في ترجمة محمد بن
عبيدالله، فإن المسمين بمحمد بن عبيدالله كثيرون، وحسب تعبير (عوامة)
فقد رجع إلى المزي فوجده یسمیه (محمد بن عبيدالله بن محمد) ومع ذلك،
فالمسمّون كذلك اثنان، فأيهما المراد؟ فهنا يقع اللبس، ثم يكون التدليس
غير المراد، وابن حجر - رحمه الله تعالى - في هذا كغيره، ولهذا لم يزل علم
الرجال - هذا العلم الجليل الحساس - بحاجة ماسة إلى نظر طويل طويل،
خصوصاً في مثل هذه الأعصر التي قلّت فيها الهمم، وصار من يحفظ نصَّاً
بسنده أو نصين، هالوا عليه ما هالوا من مبالغات الإِطراء.
وکتاب (التقریب) لا يُعاب صاحبه بما حصل فيه، فقد بذل الوسع،
واستقصاء الجهد، لكن لعلها خير، ورب ضارة نافعة، فإن حصول الخطأ
يكون باباً كبيراً، ومدعاة لظهور مواهب الرجال للبحث والتعقيب
والتهذيب، كما هي الحاجة إلى هذا اليوم.
و(التقريب) ومثله (التهذيب) حصل فيهما نواقص، هي مطلب
الباحث المتكىء على أرض عالمة فاهمة تقية ورعة، خذ ما ورد عند هذه
التراجم: ٥٧٦٦ كما سبق، ورقم ٤١، ورقم ٤٧، ورقم ٥٧، ورقم ٤٧،
ورقم ٤٨ .
وكذلك رقم ٥٧٦٠، ورقم ٦٠٤٨، ورقم ٢١٢٠، ورقم ٦٠١٠،
ورقم ٣٦٦٧، ورقم ١٠٨٧.
هذه أمثلة حصل فيها خطأ في الترجمة تعرقل طريق العَجول المتعجّل
فيتكرر إذاً الخطأ هنا كما حصل هناك، وإذا كان ابن حجر تحرَّى واجتهد
فحصل ما حصل فما عذر من توفر لدیه ما يحتاجه من کتب ونحوها إذا کرر
الخطأ، حتى وإن كان جهده أقل من جهد وفهم الموهوب؟

٣٠٩
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
لابد والحال على هذا من التأني وسعة البال، والنية الصالحة، وسؤال
أهل الاختصاص، وليس في هذا غضاضة، فإن من يترك السؤال تصاب
مقاتله وهو يدري أو لا يدري، وکم للسؤال من نفع، وکم کان له من فتح
لأبواب كثيرة من العلم والفهم، والوصول إلى المراد، فقد روى الأكابر عن
الأصغار، وسأل العلماء التلاميذ فإن الحال حال منة من الله تعالى وفضل،
وعلم الحديث لا ينفع فيه الوعظ وإلا نشأ هكذا فهو علم يقوم على السند
والمتن، ولولا السند (لقال من شاء ما شاء) كما قاله عبدالله بن المبارك، وانظر
مقدمة صحيح مسلم ص ٨٨، وقال أيضاً: (بيننا وبين القوم القوائم يعني
الإِسناد) ص ٨٩.
وجاء في كتاب الكفاية ص ٣٩٣: (وقال محمد: سمعت أبا إسحاق
إبراهيم بن عيسى الطالقاني، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا
عبدالرحمن: الحديث الذي جاء أن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع
صلاتك، وتصوم لهما مع صومك، قال: فقال عبدالله: يا أبا إسحاق:
عمن هذا؟ قال: قلت له: هذا من شهاب بن خراش، فقال: ثقة عمّن؟
قال: قلت عن الحجاج بن دينار، قال: ثقة عمن؟ قال: قلت: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا أبا إسحاق: إن بين الحجاج بن دينار
وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي).
ولهذا قال الحاكم قولاً عظيماً كأنه معنا اليوم، حيث سعة التأليف،
وسرعة الإِجابات، والميل بالإِجابة إلى سبيل الوعظ، بسبب التساهل بعلم
الحديث رواية ودراية، والخلط في الإِجابة بين المتصل والمنقطع، والأثر
والخبر، ولهذا دخل خصوم هذا الدين من هذا الطريق، وسار على إثرهم
آخرون، يقول هذا الإِمام: (لولا كثرة طائفة المحدثين على حفظ الأحاديث

=٣٠
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
لاندرس منار الإِسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والمبتدعة من وضع الأحاديث
وقلب الأسانيد). الرحلة في طلب الحديث، ص ١٧ .

٠
مراتب الجرح والتعديل
في التقريب

.

٢١٣ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ومن هنا أيضاً يأتي التهاون في الإِجابات خصوصاً عند عدم التقوى،
ونظر العواقب على الطول.
فإن حفظ الحديث، ودراسة علم الرجال يحوطان العالم بوافر من هيبة
الإجابة، وسرعة البت، والناس هم الذين يختلفون، أما الزمن كما يقال دائماً
فهو هو، لكن النوازل والحوادث المستجدة فإنه يجتهد في نصها العام، إذ لا
تخلو نازلة إلا ولها أصل في الشرع، لكن الباب هنا يلزم منه وجود التقوى
علی کل حال.
وفي مضمار نقد السند ودراسة حال الرواة فإن الدارس (للتقريب)
على ما جاء في ص ٢٣ من مقدمته بين سبباً مهمًّاً طرقه غالب من كتب في
الرجال أو تكلم فيهم وهو مراتب الجرح والتعديل، وابن حجر - رحمه الله -
قد وضح فبعد كلام المقدمة بخطبته قال في ص ٧٣: (إنني أحکم علی کل
شخص منهم بحکم یشمل أصح ما قیل فیه، وأعدل ما وصف به بألخص
عبارة، وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالباً يجمع
اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه وكنيته ولقبه مع
ضبط ما یشکل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو
تعديل، ثم التعريف بعصر كل راو منهم، بحيث يكون قائماً مقام ما حذفته
من ذکر شیوخه والرواة عنه إلا من لا يؤمن لبسه، وباعتبار ما ذكرت انحصر
لي الكلام على أحوالهم في اثنتي عشرة مرتبة، وحصر طبقاتهم في اثنتي عشرة
طبقة).
ثم بدأ - رحمه الله تعالی ۔ یبین هذا في ص ٧٤ فهو یورد قوله هكذا:
(فأما المراتب:
فأولها: الصحابة فأصرح بذلك، لشرفهم.

= ٣١٤
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
الثانية: من أكد مدحه إما بأفعل كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة
لفظاً كثقة ثقة، أو معنى كثقة حافظ.
الثالثة: من أفرد بصفة، کثقة أو متقن، أو ثبت، أو عدل.
الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلاً، وإليه الإشارة بصدوق،
أُو لا بأس به، أو ليس به بأس .
الخامسة: من قصر عن الرابعة قليلاً وإليه الإِشارة بصدوق سییء
الحفظ، أو صدوق بهم، أو له أوهام، أو يخطىء، أو تغير بآخره، ويلتحق
بذلك من رمي بنوع من البدع: كالتشيع، والقدر، والنصب، والإِرجاء،
والتجهم، مع بيان الداعية من غيره.
السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك
حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فلين
الحدیث.
السابعة: من روى عنه أكثر من واحد ولم يوثق وإليه الإِشارة بلفظ:
مستور، أو مجهول الحال.
الثامنة: من لم يوجد فيه توثیق لمعتبر ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو
لم يُفسر وإليه الإِشارة بلفظ ضعيف.
التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد، ولم يوثق، وإليه الإِشارة بلفظ
مجهول.
العاشرة: من لم يوثق البتة، وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإِشارة
بمتروك، أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط.
الحادية عشرة: من اتهم بالكذب.
الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب، والوضع.
لقد قلت من قبل: ((إن المرتبة الخامسة من مراتب الجرح والتعديل

٣١٥ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
والتي حصل فيها خلاف بين العلماء، ولما كانت هذه المسألة دقيقة رأيت أن
أتعرض لها ... إلخ)).
وهذا صحيح فقد جرى نزاع بين أهل النقد من علماء ((الرجال))
ويتضح هذا من كلام المصنف نفسه عن المرتبة الرابعة من مراتب الجرح
والتعديل في ص ٧٤، ٧٥. جاء هناك قوله: (من قصر عن درجة الثالثة
قليلاً، وإلیه الإِشارة بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس). وترتبط بها
الخامسة فهو يذكرها بقوله ص ٧٤: (من قصر عن الرابعة قليلاً، وإليه
الإِشارة بصدوق سيىء ... إلخ).
ومن المعلوم أن المراد بالجرح هو التجريح، تقول: جرَّحته بالتشديد
إذا أكثرت فيه الجراح، وبالتخفيف إذا جرحته مرة فقط، والتعديل على لفظ
على ما هو عليه.
ومثال التعديل :
١ - فلان أثبت الناس، أو إليه المنتهى ونحوهما.
٢ - أو ثقة ثقة، أو ثقة ثبت.
٣ - أو ثقة، أو حجة.
٤ - أو محله الصدق، أو صدوق.
ومثال الوسط وما يلزم منه التعقيب:
١ - فلان شیخ، روى عنه الناس، أخذوا عنه.
ومثال القرب من النقد:
١ - یکتب حديثه، يعتبر به، صالح الحديث.
وعند العودة إلى ابن حجر في طبقته الخامسة، نجد أنها تحتاج إلى
واسع من النظر لكن لعلها لا تخرج عن الضعف القليل.
والمقصود أن المصنف جاء بعبارات من عنده، وقد اختلفت عبارات

=٣١٦
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
العلماء جدًّاً حول هذا، وإن كان كثير مما رسموه قد يتفق في لفظ الجرح أو
لفظ التعديل :
مثال ذلك: فلان متهم بالكذب، أو فلان متهم بالوضع، أو ساقط،
ونحو هذه الألفاظ، فأنت تراها مختلفة لفظاً لكنها قد تتفق معنى، والعلماء
كلِّ له عبارته، فيكون القياس هنا حسب ما ظهر لي هو المعنى المراد للفظ،
إذا تكرر عن شخص ما عند أكثر علماء نقد الرواة الموثوقين.
كذلك يقال لكل درجة، بتجريح تتساوى مع أختها كقول بعضهم :
فلان لا يكتب حديثه، أو ضعيف جدًّاً، لكن هنا نتحرز من أهل البدع،
الداعي وغير الداعي، فوق ما أخذه ممن سبقه ولو لم يكن المزي، وهذا
يضطرنا إلى عدم الأخذ بما قال إلا بعد نظر وجمع للجرح عن الراوي المجروح
لنستخلص الرأي الصحیح بعد اجتهاد، وترو، وورع متین.

خلاصة تهذيب التهذيب
عرض المقدم
النقد العلمي

كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
جاء فيما بين يدي من كتاب (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء
الرجال) في ص ٧: (هو الحافظ صفي الدين أحمد بن عبدالله بن أبي
الخيربن عبدالعليم بن عبدالله بن علي بن حسن الخزرجي الأنصاري
الساعدي، ولد - رحمه الله - سنة ٩٠٠هـ، وصنف هذا الكتاب سنة ٩٢٣،
تغمده الله برحمته، وأسكنه بحبوحة جنته).
ولم يدلني مقدم الكتاب على غير هذا فيما يتعلق بحياته العلمية
ونحوها، ولعله هو قد تعذر عليه هذا خصوصاً وأن صاحب (الأعلام) كما
ذكر لم يفد شيئاً عنه.
قلت: إن القصد الخلاصة وما حوته، وإلا فالخزرجي - رحمه الله
تعالى - لا يضيره أنَّا لا نعلم عنه شيئاً، فعسى - بمن الله وفضله - أن نجتمع
به في جنته، فمنته عظيمة، وفضله واسع.
في ص ٨، ٩، ١٠ من مقدمة کتاب (خلاصة تذهیب تهذيب الكمال
في أسماء الرجال) ط ١٣٩١٢هـ للإِمام الخزرجي: (أن خلاصة الخزرجي
تميزت بجل مزايا كتاب ((التقريب)) وزاد الخزرجي مزايا كان من أهمها:
١ - ذكر أشهر شيوخ الراوي وتلامذته.
نقل عبارات علماء الجرح والتعديل بألفاظها.
٢ -
وفيه بيان ما أخرج للراوي في تلك الكتب الستة أو أحدها
٣ -
احتجاجاً، أو متابعة، أو استشهاداً بحديثه، وأنهم رووا له مستقلًا أو مقروناً
بغيره، ويقول الخزرجي - رحمه الله - في ص ٣/٢: (فهذا مختصر في أسماء
الرجال اختصرته من تذهيب تهذيب الكمال، وضبطت ما يحتاج إلى ضبطه
في غالب الأحوال، وزدت فيه زيادات مفيدة، ووفيات عديدة من الكتب
المعتمدة والنقول المسندة).

=٣٢٠
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ثم بين منهجه في العزو إلى كتب السنة المشهورة فقال في ص ٣/٢ :
(فصل في ذكر الكتب التي احتوى هذا المختصر وأصله على رجالها، صحيح
البخاري وعلامته ((خ))، وما كان فيه تعليقات فعلامته: ((خت))، وجزء
القراءة له ((ز))، ورفع اليدين له ((ي))، والأدب المفرد ((بخ))، وأفعال العباد
له «عنح))، وصحيح مسلم علامته «م))، وما کان في مقدمة صحیحة (مق))،
وسنن أبي داود علامتها ((د))، والمراسيل له ((مد))، والقدر له ((قد))، والناسخ
والمنسوخ له ((خذ))، وتفرد أهل الأمصار بالسنن له ((ف))، وفضائل الأنصار
له «صد)، ومسائل أحمد له ((ل))، ومسند مالك له «کد)، وجامع الترمذي
علامته ((ت))، والشمائل له ((تم))، وسنن النسائي علامتها ((س))، وكتاب
عمل اليوم والليلة له ((س))، وخصائص علي له ((ص))، ومسند علي له
((عس))، وسنن ابن ماجه علامتها ((ق))، والتفسير له ((فق))، فإن اجتمع
الستة فالرمز ((ع))، أو الأربعة فالرمز ((٤))، ومن ذكر في هذا الكتاب وليست
له رواية في الکتب فالرمز علیه «تمییز»).
ثم بين بعد ذلك إخباره عن شيخه، ثم الإِجازة فقال في ص ٣ :
(وقد أخبرني بالتذهيب شيخنا الحافظ أبو فارس عزالدين فهد المكي إجازة
منه عن الإِمام شرف الدين أبي الفتح محمد بن الحافظ زين الدين أبي
بكربن الحسين المراغي عن أبيه قال: أنبأنا الحافظ الحجة شمس الدين أبو
عبدالله أحمد بن عثمان الذهبي - رحمه الله تعالى - آمين).
ثم بدأ في ص ٣ نفسها وما بعدها ... إلخ عملية الترجمة، وهي
تراجم فريدة، دقيقة المسلك، مفهومة المقصد لمن وقف على طريقة
الخزرجي وتبين له مراده، سواء من حيث الرمز أو الحكم على الرجال، وهذه
أمثلة ممن ترجم لهم: (س ق: أحمد بن الأزهر بن منيع العبدي، مولاهم،
أبو الأزهر النيسابوري، الحافظ عن عبدالله بن نمير وأسباط بن محمد، وابن