النص المفهرس

صفحات 241-260

نقد المحقق للطبقات
ولازم التفصيل

٢٤٣ =
كتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وإذا نظرنا الجزء الأول من طبقات علماء الحديث وجدنا الإِمام ابن
عبدالهادي يقول في ص ٧٧: (بسم الله الرحمن الرحيم، وهو حسبي ونعم
الوكيل، وبه ثقتي). ثم يقول: (وبعد: فهذا كتاب مختصر يشتمل على جملة
من الحفاظ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ومن
بعدهم، لا يسع من يشتغل بعلم الحديث الجهل بهم، والله المسؤول
التوفيق لما يحبه ويرضاه، وأن يجعله خالصاً لوجهه، إنه على كل قدير).
ثم بدأ - رحمه الله تعالی ۔ بأبی بکر الصدیق۔ رضي الله عنه - وهكذا،
وفعل الشيء نفسه الإِمام الذهبي - رحمه الله تعالى - وقد علق على الكتاب
أعني (الطبقات) وحققه كل من أكرم البوشي، وإبراهيم الزيبق.
ولقد کان غالب إن لم یکن کل ما قاما به هو مجرد العزو، وهذا بحد
ذاته عمل كبير، وإن كان التحقيق يتطلب النقاش والجمع والمقارنة، فليتهما
فعلاه، ليضاف إليهما جلال العمل، وروعة التحليل لحياة الرواة، فهاك
مثالاً على ما قام به البوشي:
جاء في ص ١٠١ جـ ١: (الخبر مطولاً في (تاريخ ابن عساكر))
١٥/٩. والأسود العنسي: هو عيهلة - وقيل عبهلة - بن كعب بن عوف
المذحجي متنب من أهل اليمن، أسلم لما أسلمت اليمن، وارتد في أيام
النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان أول من ارتد في الإِسلام، ادعى النبوة
وضل به كثير من مذحج، اغتيل قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -
بشهر واحد، انظر: الأعلام للزركلي) ٢٩٩/٥. وهذا تعليق قاله لتعلقه
بترجمة الإِمام أبي مسلم الخولاني وأن العنسي ألقاه في النار فنجا منها، قلت:
لم يزل في الترجمة عوز، فإنه لم يتحقق من اسم الأسود، وجاء بصيغة
التمريض فقال: ((وقيل عبهلة)) بالباء المعجمة، وهذا لا تعلق له بشيء،
لكن ضرورة الجزم بمستند جيد لابد منه، والذي يظهر لي أنه عبهلة بالباء.

٢٤٤
کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ثم الاستناد على أعلام الزركلي فيه لأنه معجم دخلته العجلة والنقل
المجرد فدخله الضعيف، والمبالغ فيه، ويكفي في مثل هذا ((أن رواية النار))
جاءت عن طريق الإِمام شرحبيل بن مسلم، وأوردها ابن عبد الهادي وابن
عساكر، لكن لعله ذكره لجمعه لها، وإلا فالأعلام ليس مرجعاً في هذا.
وفي ص ١٠٤ عند ترجمة ((عبيد بن عمير)) فقد سكت عنه ابن
عبدالهادي قال فقط: ((وكان إماماً واعظاً كبير القدر)) وسكت عنه المحقق
فقط عزا إلى المراجع.
قلت: واللازم هنا الحكم، والتحقيق يقتضيه، قلت: هو ثقة، ولا
أدري إن كان قد تغير. ومثله ص ١٠٦ /١٠٧ .
وجاء في ص ١٠٧ /١٠٨ عند ترجمة ((كثير بن مرة الحضرمي)) قال ابن
عبدالهادي: قال النسائي: لا بأس به، وعزاه المحقق إلى تهذيب الكمال،
ورقة ١١٤٥.
قلت: فيه نظر، فلم يتم جمع ما قيل فيه، فقد وثقه آخرون.
وورد في ص ٢٥٦ من جـ ١: (محمد ابن الإِمام القدوة، روی عن
أنس وأبيه عجلان، وعكرمة، ومحمد بن کعب، ونافع، وعمرو بن شعيب
وغيرهم). وفي ص ٢٥٧: (وثقه ابن عيينة وغيره) .. إلخ.
وقال المحقق: (قال أبو عبد الله الحاكم ... وقد تكلم المتأخرون من
أئمتنا في سوء حفظه ... إلخ).
قلت: في هذا إجمال، فمتى كان سوء حفظه؟ حتى الذهبي في
((الميزان)) لم يبين هذا بواسع من التفصيل، والاعتماد على نقل واحد أو نقلين
محل نظر، فلم أر السفيانين تكلما فيه، كما لم أريحيى القطان وأبا عاصم قالا
شيئاً نحوه بسوء الحفظ، لکن قد یکون عند کبره ساء حفظه، ومثل هذا لابد

=
٢٤٥)
کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
من بيانه، لأهميته، لكونه ذا تعلق بالسند .
أما ما يرويه عن عمرو بن شعيب فهذا ينظر فيه، فإن جاء عن عمرو
عن أبيه فهذا له شأن، وإن كان عن غيره فله شأن آخر.
وفي ص ٣٠٣ جـ ١ : تناول المحقق في الهامش التدليس وأحال على
((الإِيضاح)) ص ١١٠/١٠٩، وتناوله للتدليس لعل التقصير جاء بعلة
الاختصار، وإلا فمحله التطويل، والإِحالة على الإِيضاح وغيره لأهمية هذه
العلة.
وهنا أبين فقط إشارات مهمة خلافاً لما ذكره المحقق:
الأولى: أن التدليس مشتق من الدلس، وهو اختلاط الظلام بالنور،
سُمي من يدلسن بهذه الصفة لما لروايته من الخفاء والتغطية.
الثانية: التدلیس قسمان :
١ - تدليس الإِسناد: بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهماً سماعه
قائلاً: قال فلان، أو عن فلان، وربما لم يسقط شيخه، وأسقط غيره،
ضعيفاً، أو صغيراً، تحسيناً للحديث، وانظر: المنهل الراوي من
تقريب النواوي ٦٣ .
٢ - تدليس الشيوخ: وذلك بأن يسمي الراوي شيخه أو يكنيه، أوينسبه،
أو يصفه بما لا يعرف تعمية لأمره، وانظر: المنهل الراوي ص ٦٤
والباعث الحثيث ص ٥٥.
الثالثة: تدلیس الإِسناد، وهو إسقاط ضعیف بین ثقتین وهو كما ذكر
المحقق، لكن الحال هنا موجبة سبب حصول مثل هذا، والمدلسون
يختلفون .
الرابعة: أن مبارك بن فضالة الذي ترجم له ابن عبدالهادي قد
اختلف حوله، فهناك من وثقه، وهناك من قال صالح کیحیی بن معین،

= ٢٤٦
کتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وهناك من أطراه وقال: يحتج بحديثه عن الحسن، وهناك من لازمه وجالسه
كابن المبارك، وهناك من أثنى عليه كأبي حاتم. وأبو داود هو القائل بأنه
یدلس، بل شدید التدلیس، فإذا قال حدثنا فهو ثبت.
والمحقق لم يُبين حقيقة أمر ابن فضالة وتحقيقه لازم جدًّاً، ثم لابد من
الموازنة، وأين حصل منه هذا؟
وفي ص ٢٩٦ ترجم ابن عبدالهادي للإِمام ابن عيسى أسوقها للفائدة
والعبرة قال: (أحمد بن محمد بن عيسى القاضي، العلامة، أبو العباس
البرتي، الفقيه، الحافظ، ولد قبل المائتين. وسمع أبا نعيم، ومسلم بن
إبراهيم، والقعنبي، وأبا عمر الحوضي، وأبا الوليد الطيالسي، وطبقتهم،
وتفقه لأبي حنيفة) جـ ٢ إلى قوله عنه: (وقال أبو عمر القاضي رأيتُ إسماعيل
القاضي أعظمه إعظاماً شديداً، وسأله عن حاله وأهله، قال: هذا لزم بيته
واشتغل بالعبادة، هكذا يكون القضاة لا كما نحن). جـ ٢ .
وفي ص ٣٢٦ جـ ٢ : (علي بن عبدالعزيز، بن المرزبان بن سابور
الحافظ الصدوق، أبو الحسن البغوي شيخ الحرم، ومصنف المسند) إلى
قوله: (قال الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن أبي حاتم: صدوق، وأما
النسائي فمقته لأخذه على الحديث).
قال ابن عبدالهادي: (وإنما كان يأخذه؛ لأنه كان فقيراً مجاوراً).
قلت: لم أقف على من جرَّحه بشيء بين، وقول المصنف ((صدوق))
أراد به ((حافظ صدوق))، وليس المراد به المنزلة دون ((ثقة)) فتنبه.
وابن أبي حاتم لا أدري مستنده. وقول النسائي لا يقدح فيه فمقته
له مقتاً نفسيًّاً لا من ناحية علمه، وثقته، وحفظه، فليس هذا من ذاك.
وفي ص ٧٧ جـ ٣ قال ابن عبدالهادي في ترجمته للإِمام عبدالباقي بن

٢٤٧
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
قانع: (وقال البرقاني: أما البغداديون فيوثقونه، وهو عندنا ضعيف، قال
الخطيب: لا أدري لأي شيء ضعفه البرقاني، وقد كان عبدالباقي من أهل
العلم والدراية، والفهم، ورأيت عامة شيوخنا يوثقونه).
قلت: ما قاله الخطيب صحيح، فلم أقف على سبب لقول البرقاني،
ولم یأت بمفسر لتضعیفه، لکن لعله ذهب إلی کونه ۔ رحمه الله تعالی - قد
تغیر في آخر عمره، لکن کان علیه موجب التفصیل لمن روی عنه قبل وبعد.
وفي ص ١٦٨ جـ ٣ في ترجمة الإِمام الحاكم قال: (أبو أحمد محدث
خراسان، الإِمام، الحافظ، الناقد، محمد بن محمد بن أحمد بن إسحاق
النيسابوري) وقال في ص ١٧٠: (وقال الحافظ أبو الحسن بن القطان في
آخر كتاب ((الوهم والإبهام)»: أبو أحمد الحاكم صاحب كتاب ((الكنى)) لا
أعرفه، کذا قال).
قلتُ: قول ابن عبدالهادي بعد قول ابن القطان ((لا أعرفه)) كذا
قال .. كأنه يتعجب من قوله: لا أعرفه.
قلت: ليست هذه الكلمة تعني جهالة الحاكم، وقول ابن القطان لا
يدخل تحت ميزان الجرح، لأنه قال ما قال ذهولاً أو وهماً، والدليل على هذا
تفرد ابن القطان بهذا فلم أر في عامة ما بين يدي من قال عنه، لا أعرفه
فيبقى الأمر على ما ذكرت.
ومثل هذا قد يرد فتنبه له، وفرّق بين عبارات العلماء مما يراد بها الجرح
والتعديل، وما لا يراد بها شيء من هذا، فالفهم الفهم.
وشيء من التروي، والمراجعة يعطيك البصيرة في فهم العبارات
الصادرة من الأئمة الأعلام، لكن من يديم النظر في مطولات التراجم،
ويمعن النظر كثيراً يكسب بهذا خبرة تنفعه - بإذن الله تعالى -.

= ٢٤٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ويأتي الجزء الرابع من ((طبقات علماء الحديث)) وهو الجزء اللافت
للنظر على سعة علم ومعرفة الإِمام ابن عبدالهادي بالرجال، وما لهم من
مكانة جليلة في العلم الذي عرفوا به، ففي هذا الجزء ترجم لمحدثين،
وفقهاء كما ترجم لمن جمع بين هذين العلمين العظیمین، وترجم فیه لبعض
من نظر الأدب والتاريخ واللغة بجانب علوم الشريعة الأخرى الضرورية،
وقد توسع - رحمه الله تعالی ۔ في البعض کما اختصر في بعض تراجم أخرى.
ولم أجد - حسب علمي عن المترجم لهم - ما يحتاج إلى نظر، فغالب
من تمت ترجمة سيرهم كانوا محل ثناء عطر.
وابن عبدالهادي كأنه بهذا الجزء يختتم الترجمة حسب ما سار عليه من
الحروف، فقد ابتدأه بالإِمام الحافظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن
حسن البغدادي، وانتهى هذا الجزء بترجمة الإِمام المتضلع شيخ الإسلام ابن
تیمیة - رحمه الله تعالى -.
وللعبرة أسوق ترجمة الحافظ ابن عبدالكافي كما في ص ٢٧١ قال:
(علي بن عبدالكافي بن عبدالملك بن عبدالكافي الحافظ مفيد الطلبة نجم
الدين، أبو الحسن بن القاضي الخطيب جمال الدين الربعي الدمشقي
الشافعي، عني بهذا الشأن وكتب الكثير، وخرج وعلق، وكان من الأذكياء،
سمع من ابن عبدالدايم، وأصحاب الخشوعي، ثم ابن طبرزد ثم ابن
ملاعب، ثم ابن اللتي، وكتب العالي والنازل، وكان صحيح القراءة،
حسن الكتابة سريعها. مات شابًّا في ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين وستمائة
وله ست وعشرون سنة).

نظرة فاحظة لتذكرة الحفاظ
الملاحظات

=
٢٥١
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وأما (تذكرة الحفاظ) فلا أريد الحديث عنه بحال فما ذكرته من النماذج
عند مصنف ((طبقات علماء الحديث)) وكذا ما وقع للإِمام العقيلي من قبل في
كتابه ((الضعفاء))، كل هذا يغني عن تكرار نقد الذهبي - رحمه الله تعالى -
وبالوسع العودة إلى ما كتبته من وجه المقارنة بين الصالحي والذهبي في
کتابیھما في أول الصفحات من البدء في نظر کتاب «الصالحي» - رحمه الله -.
على أن هناك نقطة مهمة عند الذهبي لاحظتها عليه، وهي حسنة
لكنها تحتاج إلى فهم واسع لطريقته، وذلك أنه يعرض للحافظ فيكيل له
الثناء، وأحياناً يطيل فيظن القارىء أن هذا منه على سبيل التعديل ووزن
الرجل بينما هذا منه ثناء ليس غير، وهو أحياناً يخلط بين الثناء والتعديل بنقل
الأقوال فيه فتنبه هذا، فهو جدیر بالاعتبار على كل حال.
وخذ مثلاً الإِمام النضر بن شميل، وعد بعد هذا إلى العقيلي في
ترجمته له ومثل هذا کثیر.
وثمة ملاحظة أخرى مهمة كذلك وهي أن الذهبي :
١ - ذكر بعض الفقهاء.
٢ - وذكر بعض أهل النسك.
٣ - وذكر بعض أهل اللغة.
٤ - وذكر بعض أهل الأدب ونحوهم.
لكنه أحياناً إذا أورد واحداً اعتذر من الترجمة؛ لأنه ليس من ذوي
البضاعة في الحديث، فهو يذكره على سبيل كونه حافظاً لعلمه، أو فنه،
وهذا وجه في التراجم مستقيم لا أرى فيه نكارة، ولا أظن أحداً - حسب
علمي وتذوقي - بمستغن عن التذكرة، وهو يريد التحقيق، أو التخريج،
لكن كما ذكرت من قبل، فليس بمفيد أبداً الاقتصار على كتاب واحد في

=٥٢
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
الترجمة خصوصاً عند الجرح أو التعديل، فكم وجدت من يقول: عد إلى
الميزان، أو عد إلى طبقات ابن سعد، أو عد إلى الجرح والتعديل، أو عد إلى ..
تهذيب الكمال ... إلخ، وهذه طريقة علمية ناقصة، وأعظم من هذا أنها
لا تفي بضرورة اللازم، كما أنها تفتقد إلى الأمانة، لأن الحال حال ذمم
وأعراض، وليست مجرد حال دراسة أو تحقيق أو سواهما، فكن من هذا على
حذر.

المعجم المختص بالمحدثين

٢٥٥
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ووضع الإِمام شمس الدين أحمد بن عثمان الذهبي أيضاً كتاباً مستقلاً
دعاه (المعجم المختص بالمحدثين)، رأيت تحقيقه بقلم محمد الحبيب الهيلة،
والمصنف الذي بين يدي هو في طبعته الأولى من عام ١٤٠٨ هـ، والطبعة
هذه جميلة يصلح خطها لقراءة مثلي، فهي كبيرة صالحة للنظر، وجاءت
الهوامش بخط صغير واضح جيد، وهي جمع بين تخريج وعزو، وملاحظة
خفيفة، وقال الهيلة في ص ج عن سبب التسمية ووجودها: (وقال الذهبي
في تذكرة الحفاظ: ((وقد كنت ألفت معجماً لي يختص بمن طلب هذا الشأن
من شيوخي ورفاقي، فاستوعبت من له أدنى عمل وبينت أحوالهم)))
جـ ٤ /١٥٠٠.
وأورد قول ابن حجر في الدرر الكامنة ٤٦٧/١: (قال الذهبي في
معجمہ المختص بالمحدثین). إلخ کما في ص د.
وطرح المحقق في ص د من تقدمته لعرض المعجم السبب في تسمية
ابن أحمد الذهبي لكتابه هذا فهو يورد: (ألف الإِمام الذهبي معجمه
المختص هذا بعد أن كتب الإصدار الأول للمعجم الكبير حيث إنه كثيراً ما
يحيل عليه في تراجم المعجم المختص، وبالتحديد فقد ألف هذا الكتاب
سنة ٧٣١هـ كما صرح به في خاتمته).
ثم دلل - حسب ما فهم - فقال في ص د نفسها: (ومن أوضح الأمثلة
على ذلك ما أورده في الترجمة رقم ٣٠٤، حيث يقول فيها عن المترجم: ((ولئن
لزم العلم والطاعة لیسودن»، ثم يضيف بعد ذلك قوله: «توفي غريباً بحلب
عن ثلاثين سنة، وتأسف المحدثون على حفظه وذكائه في ثامن ربيع الأول
سنة أربع وأربعين [وسبعمائة]))).
ثم بين المخطوط، واعتماده في التحقيق كما في ص هـ.

...

محقق المعجم ونظرة نقدية
حول منهجه

٢٥٩ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وطرح المحقق مقدمة تقليدية طيبة عن مسلك الذهبي في كتاب
المعجم ليبين منهجه فيه، وعبوره إلى مراده منه، وهي مقدمة قليلة عرض
فيها بسطاً متواضعاً عن المسلك في الكتاب، وأنا أسميه الباب لفهم موضوع
الکتاب، ولا مشاحة هنا بيننا.
يقول المحقق كما في ص ١: (يشتمل الكتاب على مقدمة قصيرة
وأربع وتسعين وثلاثمائة ترجمة، وخاتمة موجزة، وقد رتب المؤلف الترجمات على
نظام حروف الهجاء جاعلاً مَن اسمه أحمد مقدماً على غيره ممن ابتُدِئت
أسماؤهم بالهمزة، وبعد أن انتهى من حرف الياء أورد ترجمات من كانت
أسماؤهم كنى أو من اشتهروا بكناهم، وقد اختلفت الترجمات طولاً وقصراً
حسب أهمية المترجم ومكانته في علم الحديث واشتهاره به). إلخ ص
٤/٣/٢/١.
وبنظري لجهد المحقق في المقدمة اللازمة لمثل هذا السفر فقد وجدته
ذا مسلك علمي متين، ودراية طيبة نفع الله بعلمه، وسلك بنا وبه سبیل
المتقين المخلصين الذين يقولون بالحق وبه يعدلون ويَصلحون ويُصلحون.
وقد مررت على الكتاب مراراً فتصفحته ونظرته حتى كونت عنه
- حسب فهمي - صورة بينة، لكي أنطلق منها لبيان ما يحتاج حاله إلى بيان،
وقد اتضح لي ما يلي:
أولاً: لم يذكر المحقق الفرق بين من سكت عنهم الذهبي، وبين من
أشار إليه بتعديل بين أو ولو على سبيل الإِشارة كقول الذهبي :
(جالسته ... إلخ). إذ لم يذكر بعدها خللاً فيمن جالسه ولو كان لذكره،
والإِمام الذهبي ذو باع واسع في هذا، وله معرفة متمكنة في الرجال فكيف
بمن جالسه، وعرفه، وخبر خبره من وجه قریب؟

٢٦٠
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
ثانياً: لم يقارن بين هذا المعجم وسواه مما ذكره أنه له بصرف النظر
هل هي ثلاثة أو أربعة، ولو على سبيل المثال من النقلة الذين أشاروا إليها.
ثالثاً: لم يقارن بينه وبين التذكرة، وورود هذا يلزم على سبيل بيان
هذا هل هو ذيل للتذكرة، أو هو إضافات مجملة رآها لازمة لحق المترجم لهم
فيه، حتى وإن كان الذهبي قد ذكره مستقلاً بعنوان آخر فإن العبرة من
الناحية العلمية البحتة بالمعنى المطروح بطرحنا عنوان الأسفار.
وقد وجدت شبهاً كبيراً بين هذا المعجم وبين ((تذكرة الحفاظ)) كما
لمست وجه شبه بينه وبين ((طبقات علماء الحديث)) ومن يعد إليها يجد هذا
بظاهر من الطرح يدل على ما أذهب إليه، مع عدم نظر الأزمان التي وجد
فيها المترجم لهم في هذه الكتب الثلاثة الجليلة.
ولعل الفائدة من وراء حرصي هذا تكمن في الوقوف على طرح
التشابه، والنقل، والتكرار كما أيضاً في الوقوف على الإِضافات، ومراجعة
المؤلف لرأيه عن هذا وذاك في هذا السفر وسواه.
وهذه ناحية علمية مهمة في بابها، وهي من لوازم نقد الكتب، وبيان
أمر الرواة، وما يحتاجه أمرهم من جرح أو تعدیل.
والمحقق قد كان يستطيع - وهو أهل لذلك - عقد مقارنة علمية واسعة
حينها أشار إلى قليل من هذا في ص ٣/٢/١، ومجرد العرض والملاحظة
أمران جديران بالتقدير، لكنهما من مثله على مثل هذا الكتاب أعدهما عملاً
يحتاج إلى ما ذكرته من ضرورة بيان أوجه الشبه والاختلاف بين هذا المعجم
وبين التذكرة بوجه خاص.
ولست أعتبر حسب معيار النقد العلمي أن ما ورد في ص ٣ من ذكر
المحقق لبعض المترجم لهم لست أعتبر هذا تفريقاً بين من سكت عنهم