النص المفهرس

صفحات 221-240

الأساس المعنوى للجرح والتعديل
وطبقات علماء الحديث
ابن عبد الهادى
منهجه وطرحه في النقد للرجال

٢٢٣ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
أسس الجرح والتعديل تعتمد أول ما تعتمد - حسب التجربة
العملية، وتكرار الحاصل - على التقوى، والتقوى هنا وهناك طلب الوقاية
من غضب الله حسَّاً ومعنى، ومراقبته على حال حاضرة أبداً، ومن هذا
ديدنه تعلم، وعلم، أدرك، ويدرك، وسار على نور وبصيرة وبرهان مبين.
ومتى سلك العالم مسلك الولاء والبراء بفهم سليم، ووعي دائم،
وقلب حاضر، وأمره الله - سبحانه وتعالى - أمده الله بالعلم النافع، ويسر له
العمل الصالح، ولقد عشت مع هذه التراجم طويلاً طويلاً فرأيت عجباً من
صدق التربية العلمية النفاذة إلى روح وعقل كبار العلماء إبان طفولتهم وهم
ما بين ٥ حتى العشرين، خذ الصحابة، والطبقة الثانية، والثالثة، والرابعة
من طبقات التابعين كيف تجدهم؟ وخذ كافة كبار العلماء حتى الثانية عشرة
من الطبقات فتش عن تربيتهم يوماً بيوم، وأسبوعاً بأسبوع، وشهراً بشهر،
وعاماً بعام، يظهر لك أصول ما ربوا عليه من حقيقة الولاء لله وحده، والبراء
من كل شرك صغير أو كبير، واطراح أهله، وحين حصل هذا منهم صفت
قلوبهم، وتنورت عقولهم فأقبلوا على العلم والدين لله فسادوا أحياء وسادت
آثارهم هات مثل: السفيانين، أو مثل حماد بن زيد، أو ابن سلمة، أو
هشيم، أو ابن مهدي أعني عبدالرحمن، أو القعنبي، أو بقي بن مخلد، أو
هات مثل البخاري، أو ابن المديني، أو ابن راهویه، كلا بل هات مثل
صلاح الدين الأيوبي أو مثل محمد الفاتح، أرأيت إن الإنسان هو الذي تغیر
وتبدل، فالقرآن هو القرآن، والسنة الصحيحة هي السنة الصحيحة كما
قلت في غير هذا الكتاب، إذاً تغير الإِنسان نفسه في هذا الحين بتخلف
التقوى، وضعف الولاء والبراء، والتقصير في طلب المعالي، فكيف إذاً تكون
الحال على هذه الحال، لقد نظرت كثيرًا: (طبقات علماء الحديث)) للإِمام
أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عبدالهادي الدمشقي الصالحي (ت
:

(٢٢٤
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
٧٤٤هـ)، ونظرت ((تذكرة الحفاظ)) للإِمام أبي عبدالله شمس الدين محمد
الذهبي (ت ٧٤٨هـ)، فوجدت خلاصات بين الطول والاختصار، بين
العلم والموهبة، بين النجابة والسؤدد، بين البذل والبر، وبين الولاء والعقل
والحكمة والسداد، ووجدت هذين الإِمامين سجلا ما يحتاجه علماء الأجيال
من الفهم السليم، والتوحيد الصحيح بين ثنايا هذه التراجم مع المطولات
الأخرى التي أنصح باقتنائها كل إنسان .
وكتابنا هذا مهمته نظر ((الجرح والتعديل)) بنقد التراجم، وأما كتابا:
الصالحي، والذهبي فهذا أدعه للعلماء؛ ليطلعوا فيستفيدوا منهما على غرار
من قرأ فاستفاد فظهر منه أو من بيته النبوغ ومواهب العلم وعظم التصرف
الحكيم المحمود، وها أنذا أبين ما في هذين الكتابين مما يحتاج إلى نقد أو بيان
لابد منه - حسب علمي، وما نظرته فيهما - فأبدأ بمشيئة الله تعالی بکتاب
الإِمام الصالحي، وكتاب أبي عبدالله الصالحي - الذي هو بين يدي - يقع
في أجزاء أربعة، الطبعة الأولى سنة ١٤٠٩ هـ وهي هذه، وحققه أكرم
البوشي، وتقع المقدمة مع التعريف ومالابد منه في تسع وستين صفحة
(٦٩)، وهي مقدمة ومدخل بذل فيهما بذلاً مغنيًّا دل على حسن تصرفه
ووعیه، لکتاب مثل هذا أعتبره حسب قراءاتي أصلاً مهماً في بابه لا يستغنى
عنه في العودة إليه، إبراهيم الزيبق بتقديمه لهذا الكتاب والتعليق في هامش
الصفحات كان ذا دور طيب لولا البتر الحاصل الذي لعله حصل بسبب
كثرة المادة، أو أنه فعله على سبيل الاختصار مع دلالة الموجود على المراد،
وسوف - إن شاءالله تعالى - أبين هذا وسواه.
أما ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي فجاء في العنوان الداخلي كذا: ((كتاب
تذكرة الحفاظ، للإِمام أبي عبدالله شمس الدين محمد الذهبي المتوفى سنة
٧٤٨هـ - ١١٣٨م.

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
=
الجزء الأول، صحح على النسخة القديمة المحفوظة في مكتبة الحرم المكي
تحت إعانة وزارة المعارف للحكومة العالية الهندية، دار الكتب العلمية،
بیروت، لبنان.
ثم بدأت مقدمة المصحح مع ذكر الفهرس الذي هو طبقات الجزء
الأول ابتداءً بالصديق - رضي الله عنه - وانتهاء بأبي اليمان الحكم، بما يقارب
الثلاثين صفحة .
والمصحح هو الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي، وهو رجل
معروف، رحمه الله وتجاوز عني وعنه بجوده، ولم يشأ الشيخ التعليق، ولا
التحقيق، ولم يدخل في شيء من هذا كالترجمة والنقاش وهو أهل لهذا،
وكتاب «التذكرة)» يقتضیه علی کل حال.
وقد قال في
ص ٤
خ
صحيح البخاري
أرقام الأمهات الست
م
صحيح مسلم
١٥ شوال ١٣٧٤ هـ
د
سنن أبي داود
سنن النسائي
س
مكتبة الحرم المكي
سنن الترمذي
ت
ق
سنن ابن ماجه
٤
السنن الأربع كلها
الأمهات الست جميعها ع
ويقع كتاب ((التذكرة)) في أربعة أجزاء كصنوه طبقات الصالحي.
ولا بد لي - بحول الله تعالى - من المقارنة بينهما، فقد يكون اقتضاء هذا
من ضرورة عرض هذين الكتابين للنقد، لحاجة القارىء وتسجيل التاريخ
لما يحتاجه أمرهما من ((الجرح والتعديل))، ولعل ما أكتبه عنهما هنا من حاجة
:

= ٢٢٦
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
مثلهما إليه، إنما أكتب حسب طاقتي، وأعالج حسب فهمي، وعلى الله
التكلان، وهو الغفور الرحمن.
أورد المقدم في ص ٦١ من جـ ١ طبقات علماء الحديث قال: (يذكر
اسم شهرة المترجم له، ويجعلها عنواناً للترجمة، وقد وضع رموزاً فوق أسماء
المترجمين إشارة إلى من خرج له من أصحاب الكتب الستة، وهذه الرموز
هي :
صحيح البخاري
خ
م
د
صحيح مسلم
(ب)
سنن أبي داود
(ج)
س
(د)
سنن النسائي
ت
سنن الترمذي
(هـ)
ق
سنن ابن ماجه
(و)
السنن الأربع كلها
(ز)
٤
ع
الأمهات الست جميعاً
(ح)
يذكر ألفاظاً تدل على منزلة المترجم العلمية، نحو: الإمام، الحافظ،
المقري، یذکر کنیته ولقبه، ثم اسم المترجم له، فأسماء آبائه، وفي بعض
الأحيان يسرد نسبه مطولاً، ثم يذكر نسب المترجم إلى القبيلة، ثم المدينة أو
البلد، ثم مذهبه الفقهي، وحرفته، ثم یعرف بکتاب له مشهور، ویذکر إذا
كان من المعدلین.
القسم الثاني: ((وما مضى القسم الأول)). يذكر تاريخ مولده، وقد
بذل في ذكره عناية فائقة ... إلخ. يذكر سنة طلبه للعلم، ومتى بدأ
السماع.
القسم الثالث: يذكر مشايخ المترجم له، بتوسع أحياناً، وباقتضاب

٢٢٧ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
في أحايين كثيرة، ويذكر البلد التي سمع بها، كما يعنى بذكر صيغ التحمل.
القسم الرابع: یذکر مشاهیر تلامذته، ومن روی عنه.
القسم الخامس: ذكر المقدم أن الإِمام ابن عبدالهادي الصالحي هنا
ينقل أخباراً ويعلق عليها ... إلخ ص /٦٣/٦٢/ جـ ١.
القسم السادس: ذكر الزيبق أن المصنف يذكر وفاة المترجم له ...
إلخ، ص ٦٢ / ٦٣.
وطرح هذا العرض لكتاب قيم مفيد يُعدُّ مدخلاً لتصور المنهج العام
له يسهل تصوره ونظره علی حال مقاربة مما یریده منه.
لکن هنا نقاط يحسن الوقوف علیھا کتهذیب صغیر لهذا الكتاب حول
تراجمه، منها:
الأولى: لم يسند المصنف أقواله حول المترجم له، وهي عادة طرقها
غيره كثيرون إلا إشارة .
الثانية: ترك غالباً اجتهاده حول بعض الرواة ففتح المجال للنقل ممن
سبق - مع أنه حسب علمي - ذو سبق، ونظر مكين، فخذ مثالاً على هذا
ما ورد في ص ٣٢٠ من ترجمة الحسن بن صالح قال: (١٨٧ - الحسن بن
صالح (م، ٤).
ابن حي الإِمام القدوة، أبو عبدالله الهمداني الكوفي الفقيه العابد.
ولد سنة مائة كإسرائيل، وهو أخو المحدث علي بن صالح، كانا
توأماً.
حدث عن: سلمة بن كهيل، وعبدالله بن دينار، ومنصور بن
المعتمر، وإسماعيل بن عبدالرحمن السدي، وسماك بن حرب، وخلق.
حدث عنه: وكيع، ويحيى بن آدم، ويحيى بن فضيل، وعبدالله بن
موسى، وأبو نعيم، وقبيصة، وأحمد بن يونس، وعلي بن الجعد، وغيرهم.

=
٢٢٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
قال أبو نعيم: كتب عن ثمانمائة محدث، فما رأيت أفضل من
الحسن بن صالح .
وقال أبو حاتم: ثقة حافظ متقن.
وقال أحمد: ثقة .
وقال أبو زرعة: اجتمع في الحسن بن حي: إتقان، وفقه، وعبادة،
وزهد .
وکان وکیع یشبهه بسعید بن جبير.
وقال ابن عدي: لم أر له حديثاً منكراً، فجاوز المقدار.
مات الحسن سنة سبع وستين ومائة، ومات أخوه سنة أربع وخمسين
ومائة) ا.هـ ص ٣٢٢.
أعد القراءة تجدها تدور بين أمرين بينهما العموم والخصوص، فأحمد
قال: ثقة وسكت، وغيره ممن أوردهم المصنف اتفقوا فوق مقدار كونه ثقة،
فوكيع يشبهه بسعيد بن جبير، وابن جبير ثقة، ثبت، حافظ. وبمثله قال
أبو حاتم تقريباً، وزاد أبو زرعة بكونه فقيهاً مع الإتقان .
وأبو نعيم قال: كتب عن ثمانمائة محدث فما رأيت أفضل من
الحسن بن صالح، ويريد في الحفظ، فهو حافظ متقن، فكان مقتضى إيراد
الترجمة للإِمام الحسن هذا الاجتهاد بمقارنة درجته، فالقول بأنه (ثقة) فقط
غير القول بأنه: ثقة، متقن. فصفة الإتقان حماية لدرجة كونه ثقة، فهو
هنا: ثقة وزيادة، وهذه نقطة دقيقة لابد من التنبه لها حيال وزن الرجال
بميزان الاعتدال بعلم وفهم.
وليت المقدم طرقها للتنبه لها إلا إن كانت قد غابت عن البال، وإلا
فهي من الأهمية بمكان.
ولعل الإِمام الصالحي ترك مثل هذا، ليجعل القارىء بنفسه يقارن
بين هذا وذاك.

٢٢٩ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
الثالثة: جاء بصيغة التمريض في بعض تراجمه عن الرواة عند
الحديث عن الوفاة كما في ص ٢٥٣ حينما ترجم للإِمام محمد بن الوليد
الزبيدي (ع) فقال: (قيل: مات في المحرم سنة تسع وأربعين ومائة ... )،
وقد وردت صيغة التمريض في غير موضع الوفاة كذلك.
قلتُ: ولتقدم الولادة ولتأخَرها علاقة عظيمة في مسألة السماع واللقاء
وسواهما، فهنا الجزم ضروري، أو نقل من قال بموته سنة كذا .. وكذا،
لتتبع روايته عمن روى عنه، لإثبات نظر الاتصال أو نظر حال الانقطاع في
السند الذي ورد في سنده هذا الراوي، نعم يستطاع الوقوف على ولادته
ووفاته، لکن الإِمام ابن عبدالهادي إمام بهذا الشأن، فکان کتابه من کماله
القطع بالولادة والوفاة كما تقدم، أو نقل قول من قال بهذا، وأغلب ظني أن
معرفة الولادة والوفاة تحاكي أهمية معرفة البلدان ونحوها .
ولقد كان يغلب على بالي أن كثيراً من كتب التراجم سارت على هذا
المنوال، وكم يكون كبيراً العمل من المحققين والدارسين من العلماء وطلاب
العلم تحقيق هذه المسألة، وعدم إهمالها بحجة المشقة، أو أنها ليست ذات
بال.
وأنت إذا فهمت دورها أدركت قيمة معرفة شأنها في تحقيق دراسة
الأسانيد، وأحوال الرواة حتى لقد تخصصت كتب بالوفيات فتنبه لهذا
وأحسن القصد تعان إن شاء الله تعالى.
وفي ص ٥٩ قال المقدم: (رأينا أن المؤلفين الذين أفردوا كتباً لتراجم
علماء الحديث اقتصروا في بعض كتبهم على الحفاظ منهم ... إلخ) ثم أورد
في نفسها قال: (ولكن هل ينطبق مصطلح حفاظ - وهو اصطلاح - على كل
ما ذكره في التذكرة [يقصد الذهبي] وفيهم بعض الصحابة وبعض التابعين؟

= ٢٣٠
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وقد قال الخطيب فيمن يستحق لقب الحافظ: ((غير أن المستحقين لها يقل
معدودهم ويعز، بل يتعذر وجودهم))). ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب
السامع)) ١٧٢/٢ .
قلت: ليس الحال كذلك، لأن مراد الخطيب في الجملة أنه أراد
الغالب في صفة الحافظ أن يكون عارفاً بسنن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بصيراً مميزاً لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهل المعرفة على صحته،
وما اختلفوا فيه للاجتهاد في حال نقلته، يعرف فرق ما بين قولهم: فلان
حجة، وفلان ثقة، ومقبول، ووسط، ولا بأس به، وصدوق، وصالح،
وشيخ، ولين، وضعيف، ومتروك، وذاهب الحديث ... إلخ. ص ٦٠.
((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) ١٧٣/٢ .
ولا يريد الخطيب على وجه القطع ضرورة وجود هذه الشروط في
الحافظ، وإلا لم يوجد على هذا حافظ، وقد سكت كثير من أئمة الحديث
عن بعض الأحاديث، وسكت آخرون عن آخرين من الرواة، بل قال
بعضهم: لا أعرفه، وليس المراد بها الجرح.
وأنت واجد هذا في كتب التراجم، فعد إليها بقراءة باحث قدير.
ولقد أشكل على المقدم أيهما استفاد من الآخرِ: ابن عبدالهادي أم
الذهبي، فقال في ص ٦٦/جـ ١: (وعندي أن كلاً منهما قد اطلع على
كتاب الآخر، فإذا كان الذهبي سبق في تأليف ((تذكرة الحفاظ)) فمما لا شك
فيه أن ابن عبدالهادي ألف طبقات علماء الحديث والذهبي حي ... إلخ).
وقد قال المقدم قبل هذا في ص ٢١ / جـ ١ : (وقد حضر جنازته قضاة
البلد، وأعيان الناس من العلماء والأمراء، والتجار، والعامة، وكان ممن
حضر جنازته الإِمام الذهبي، وكان يومئذ يبكي ويقول: ما اجتمعت به قط
إلا واستفدت منه).

٢٣١ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وقال أيضاً في ص ٦٧: (ثم إننا نرى عالماً في القرن التاسع الهجري
قد اطلع على كلا الكتابين هو ابن ناصر الدين، ونقل عن ابن عبدالهادي
من كتابه: طبقات علماء الحديث، ونظم تذكرة الحفاظ كما مر، ولم يشر أدنى
إشارة إلى ما يمكن أن يظن من اتكاء ابن عبدالهادي على الذهبي، وهو
الذي وصف ابن عبدالهادي بعمدة المحدثين).
قلتُ: لا أدري فهذه مسألة لا تخضع لمنهجي في كتابي، إذ لا تعلق
لها هنا في جرح أو تعديل، فإن عادة المتقدمين - بعضهم - ينقل من بعض
دون ذکر هذا، لکن الذي تبین لي - بعد طول نظر وقياس طويل - أن
الذهبي قد عوَّل على هذا الكتاب لابن عبدالهادي في تأليفه لكتابه («تذكرة
الحفاظ)) وليس في هذا من الوصمات وصمة تمس الذهبي، فتلك عادة لا
يرون فيها شيئاً.
ولستُ أعتمد في هذا إلا على القياس، ودقة ابن عبدالهادي وجودته
في الترجمة من قليل وكثير، والله أعلم.

.

المقارنة النقدية
بين ابن عبدالهادي والذهبي
أيهما أخذ من الآخر

٢٣٥ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
أما المقارنة بين طبقات علماء الحديث، وتذكرة الحفاظ فلا تعني شيئاً بالنسبة
للوصول إلى أيهما عول على الآخر، لكنها مفيدة في بابها .
فابن عبدالهادي
والذهبي
وابن عبدالهادي
والذهبي
یطیل
أكثر نقلاً عن الأئمة حول الراوي
يختصر، وقد يعلق
وابن عبدالهادي
أدق في العبارة
أحبك لها
يقتصر على نتف النقد
قد یطیل
عباراته نقدية جرحاً وتعديلاً
٦
کذلك وضمن کتابه بعض الوعظ
يتسم بالتناول العلمي المتخصص
يجمع من هنا وهناك بقلم ثاقب
مختصران
يتشابهان في التراجم.
ركزا على غالب أهل الحديث
اتسما بوضوح الجرح والتعديل
يجيئان بصيغة التمريض في بعض الحالات.
برعا في ذكر كبار العلماء الذين يربطهم رابط
العلم بولاء وبراء عظيمين.
تحريا نقل الصحيح من السنة
وأنهما
والذهبي
وابن عبد الهادي
والذهبي
وابن عبد الهادي
والذهبي
وابن عبدالهادي
والذهبي
ويجتمعان في أن :
الکتابین
وأنهما
وأنهما
وأنهما
وأنهما
وأنهما
يختصر

:٢٣٦
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
وأنهما
وأنهما
تورعا في الجرح.
هدفا إلى إخراج جيل حي من الخلق للسير على
منهج من سلف بإخلاص ووعي، وبذل العمر
للعلم الخالص لنهوض الأمة، وسيادة الإِسلام.
ونجلب - بإذن الله تعالى - نماذج من التراجم كما هي عند ابن
عبدالهادي والذهبي، وقصدي من هذا دقة التشابه والاستفادة الحاصلة،
من واحد منهما للآخر، وإن لم يشر المستفيد؛ لأنهم كانوا ينقلون من بعضهم
البعض ولا يرون به بأساً، لأن الغاية كانت عندهم عظيمة، جاء في ص
١٩ من تذكرة الحفاظ جـ ١ قال الذهبي: (معاذ بن جبل بن عمروبن
أوس، العالم الرباني، أبو عبدالرحمن الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وهو
ابن ثماني عشرة سنة أو دونها، وشهد بدراً والمشاهد، وكان من نجباء
الصحابة وفقھائھم، وألبائهم - رضي الله عنه - قال ابن سعد: كان معاذ بن
جبل رجلاً طوالاً أبيض حسن الثغر، عظيم العينين، مجموع الحاجبين،
جعداً قططاً).
وجاء في ص ٨٣ من طبقات علماء الحديث جـ ١ قال ابن
عبد الهادي: (معاذ بن جبل أبو عبدالرحمن الأنصاري الخزرجي العالم
الرباني، شهد العقبة وهو ابن ثماني عشرة سنة أو دونها، وشهد بدراً والمشاهد
كلها).
وترجم الذهبي في ص ٧١ جـ ١ لابن يسار، قال: (الحسن بن أبي
الحسن يسار الإِمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري، يقال: مولی زید بن
ثابت، ويقال: مولى جميل بن قطبة، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، نشأ
بالمدينة، وحفظ کتاب الله في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وکان یوم

(٢٣٧ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
الدار ابن أربع عشرة سنة، ثم كبر ولازم الجهاد، ولازم العلم والعمل،
وكان أحد الشجعان الموصوفين ... إلخ).
وترجم له ابن عبدالهادي قال في ص ١٤٠ جـ ١: (الحسن بن أبي
الحسن يسار، الإِمام شيخ الإسلام أبو سعيد البصري، مولی زید بن
ثابت، وقيل: مولى جميل بن قطبة، وأمه خيرة مولاة أم سلمة، نشأ بالمدينة،
وحفظ كتاب الله - عز وجل - في خلافة عثمان، وسمعه يخطب، وکان یوم
الدار ابن ثماني عشرة سنة، فلما كبر لازم الجهاد والعمل والعلم، وكان أحد
الشجعان).
وأورد الذهبي ترجمة الإِمام البخاري في ص ٥٥٥/ جـ ٢ قال:
(البخاري شيخ الإسلام، وإمام الحفاظ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي، مولاهم البخاري صاحب الصحيح
والتصانیف، مولده في شوال سنة أربع وتسعین ومائة، وأول سماعه للحديث
سنة خمس ومائتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، ونشأ يتيماً ورحل
مع أمه وأخيه سنة عشر ومائتين بعد أن سمع مرويات بلده .. إلخ).
وترجم ابن عبدالهادي له قال في ص ٢٤٣ جـ ٢: (البخاري شيخ
الإِسلام، وإمام الحفاظ، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن
المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم، صاحب الصحيح والتصانيف، مولده في
شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأول سماعه للحديث سنة خمس ومائتين،
وحفظ تصانيف ابن المبارك وهو صبي، ونشأ يتيماً، ورحل مع أمه وأخيه سنة
عشر ومائتين بعد أن سمع مرويات بلده ... إلخ).
وترجم الذهبي في ص ٨٢٩ جـ ٣ لابن أبي حاتم قال: (ابن أبي
حاتم، الإِمام، الحافظ، الناقد شيخ الإسلام أبو محمد عبدالرحمن ابن

1
(٢٣٨
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الثاني
الحافظ الكبير أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي
الرازي، وقيل: إن الحنظلي نسبة إلى درب حنظلة بالري، ولد سنة أربعین،
وارتحل به أبوه فأدرك الأسانيد العالية، سمع أبا سعيد الأشج .. إلخ).
وجاء عند ابن عبدالهادي في ص ١٧ جـ ٣ قال مترجماً: (ابن أبي
حاتم الإِمام، الحافظ، شيخ الإِسلام. أبو محمد عبدالرحمن ابن الحافظ أبي
حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرازي، وقيل: إن
الحنظلي نسبة إلى درب حنظلة بالري، ولد سنة أربعين، وارتحل به أبوه
فأدرك الأسانيد العالية، سمع أبا سعيد الأشج ... إلخ). ص
٠٢١/٢٠/١٩/١٨
وفي جـ ٤ من ص ١٢١٢ قال الذهبي - رحمه الله تعالى -: (ابن
مردويه الصغير، هو الحافظ المفيد أبو بكر أحمد بن محمد ابن الحافظ الكبير
أبي بكربن موسى بن مردويه الأصبهاني، أحد شيوخ السلفي، لم يلحق
جده، وسمع أبا بكر بن أبي علي وابن عبدکویه، وأبا نعيم، توفي بعد
السبعين وأربعمائة في سنة ثمان رحمه الله تعالى).
وقال ابن عبدالهادي في جـ ٤ ص ٦: (ابن مردويه الصغير الحافظ
المفيد، أبو بكر، أحمد بن محمد ابن الحافظ أبي بكر، أحمد بن موسى بن
مردويه الأصبهاني، سمع أبا بكر بن أبي علي، وابن عبدکویه، وأبا نعيم،
ولم يلحق جده، روى عنه السلفي وغيره، ومات سنة ثمان وتسعين أيضاً)
أي وأربعمائة .
وليست هذه المقارنة إلا من باب ضرب المثال على حرص السلف
لإِثبات حياة الأئمة، وتكرار تراجمهم، لعلها تحرك المواهب وتوظفها،
وتغذي النفوس فتتحرك العقول، وتنشط الهمم، فيعود التاريخ من جديد

٢٣٩ =
=
کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الثاني
بصادق من النية الصحيحة الواعية المسؤولة، خصوصاً في مثل هذه الأزمنة .
وكما سلف القول عن التراجم فإنها - بجانب ما ذكرته هنا - تقتضي
أمانة النظر، وضرورة جمع عامة القول عن الراوي من جرح وتعديل، وهذا
أمر ضروري، والاقتصار على كتاب واحد أو كتابين من كتب تراجم الرواة
خلل واضح في الشعور بالمسؤولية، وأمانة النقد، وعدالة الفكر، وورع
النتيجة .