النص المفهرس

صفحات 21-40

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
قال ابن منظور في لسان العرب: ترحم التّرجمان، الترجمان: المفسر
للسان بالضم والفتح: هو الذي يترجم الكلام، أي ينقله من لغة إلى لغة،
والجمع التراجم، ثم قال: والتاء والنون زائدتان (ص ٢٦ /جـ ٢/ت، ج)
قلت: وهذا يقصد به ابن منظور كما حكاه غيره ترجمة لغة من لسان
قوم إلى لغة أخرى بلسان قوم آخرين يفهمونها بها - وهذا هو أصل كلمة
ترجم ((ت رج م)) - وتعني الترجمة مما نحن بصدد طرحه: إيراد حياة الغير ممن
نريد الوقوف عليها بتفصيل مفيد، نأخذ منها ما نحكم به له أو عليه من
خلالها - وهذا استفدته من انكبابي على مطولات ومختصرات تراجم الرجال -
فإنني لم أطلع على تعريف محدد للترجمة سوى ما ذكرته مستقريه من سبري
للترجمة عن هذا وذاك، والذين ترجموا للرجال والنساء مما ينيف عن مائة
مصنف لم يتطرقوا إلى تعريف فأخذتُ هذا التعريف اجتهاداً مني عسى أن
يكون الأول في تعريف الترجمة، للأخذ به عند تراجم الرجال.
وإذا كانت الترجمة تعني ما ذكرتُ فإنها ولا ريب لا تخرج عنه إلا لتعود
إليه، ونحن الذين نبحث في موازين الرجال نحتاج حاجة ماسة إلى معرفة
كاملة عن حياة الرجل المراد نظر أمره جرحاً أو تعديلاً، وإذا كانت المسألة
كذلك فإنها تقتضي العدل، والأمانة، والتقوى، والورع، وطرح: الحسد
والحقد، فإن لحوم العلماء تورد التلف، وهي ليست كغيرها لما يسببه القول
فيهم من ترك لهم، وابتعاد عنهم، فيسود الجهل وترتفع العصبية، وینهض
التعالم لا يلوي على شيء خاصة في غياب: الجرح والتعديل المتسم بما تقسم
به الترجمة مما ذكرته من أمور لابد منها، ولهذا قلت في تعريفي : (له أو عليه)
ولا يظننَّ أحد أن الترجمة العادلة الأمينة التقية الورعة مع نبذ: الحسد، والحقد غيبة أو
نميمة: كلا، لكن يُجرِّحُ الشخص بقدر ما فيه بجرح مفسر محدد، ليحذر أمره، وتعالج
روايته، بل ((الجرح والتعديل)) من خلال الترجمة أمر ضروري تقتضيه حال الشريعة

=٢٢
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
حماية لها وذبًّاً عنها، وفي مثل هذه الأعصار يتوجب الجرح والتعديل، لانتشار
القول والتأليف ممن هبّ ودبَّ حول السنة رواية ودراية لكن بملفوف من
العسل المُشبَّع بسم ناقع خفي ثقيل، ولهذا أطنب مترجمو الرجال القول حول
حياة ذوي الأهواء والبدع الضالة، والوضَّاعين، والقصَّاصين، وأهل النزعة
الذاتية من ذوي الميل للشهرة مما يدفعهم إلى حطب الليل، والخلط، إذ
القصد بروز ما يروونه خيراً أو شرًّاً، وليس مثل هؤلاء بمنأى عن الحمق
والجهل بمقتصى الوعد والوعيد. وهذه حال كثيرين ممن يستعجل التأليف
والإِجابات هکذا ومدح النفس بما فيها أنه ليس كذلك، لکن دعك ممن
يريد الشر أصلاً بالسنة بسبب تقليد سيىء، أو انحراف ظاهر أكید،
وبالاطلاع على جملة مما كتب حول السنة في هذا الحين العصيب يظهر أمر
سوء القوم، وما يبيتونه للشريعة ما بين ذم لحديث الذباب الذي رواه مسلم
- رحمه الله - وما بین قدح بين لأبي هريرة- رضي الله عنه - وسوی هذا کثیر.
وإني لمعلق الآمال بصحوة علمية تقية ورعة مترابطة ومتماسكة،
يحدوها الأمل نحو قبول العمل والجنة، فتكشف زيف المبطلين: بعقل،
وحکمة، وصبر، وعمق متین، وتعي دورها بفهم سدید وحكمة رشيدة،
لتتصل القرون من خلال الأخذ من ينبوع واحد، أخذ منه الأولون فكانوا
سادة في العلم، وسادة في العمل، وليست طبقات ابن سعد، وتاريخ
البخاري الكبير والأوسط والصغير، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم منا
ببعید .
فلعل هذا التعريف الذي ذكرته آنفاً يكفي لكتاب مثل هذا الكتاب
شق عليَّ وأضناني مدة ليست باليسيرة، ومن سلك مسلك علم كهذا سوف
يقول: صدق وليس علم الحديث درايته وروايته بسهلة كحال غيره. والله
المستعان وعليه التكلان .

لماذا الأسانيد؟
المقدمة العلمية

٢٥ =
کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول
تُعدُّ الأسانيد وما يدخلها من ضرورة الجرح والتعديل من الحاجات
العظمى للحفاظ على السنة، ولست أذهب إلى ما ذهب إليه بعض
المعاصرين وغيرهم بأن الإِسناد قد بدأ بعد الفتنة زمن عثمان بن عفان
- رضي الله عنه -، بل دراسة السند بالسؤال عن الرجال تقدم هذا قليلاً من
باب توثيق الرواية كما حصل في قصة الجدة مع أبي بكر، والاستئذان في قصة
عمر، فهذا یعتبر نظر حال الرواة لا من باب الشك، بل هو من باب
التثّت، لأن حال الصحابة - رضي الله عنهم - ليست كحال غيرهم، فهم
أهل صدق، وتقوى، وأمانة، يقول البراء - رضي الله عنه -: (ما كل ما
نحدثکم عن رسول الله - صلی الله علیه وسلم - سمعناه منه، منه ما سمعناه
منه، ومنه ما حدثنا أصحابنا، ونحن لا نكذب)، ذكره ابن عدي
٥٠/١ ب.
فانظر محل الثقة، وقول البراء: (أصحابنا أي الصحابة وهم
معروفون). ويقول أنس بن مالك - رضي الله عنه -: (ما كان بعضنا يكذب
على بعض) ذكره ابن الصلاح /٣٨ في مقدمته.
والذي رمز بأن أول من فتش عن الإِسناد هو عامر الشعبي من جيل
كبار التابعين، وقد رأى جملة من الصحابة (١٧ - ١٠٣ هـ) لست أظنه يعني
بهذا الإطلاق، فقد كان ابن عباس يقول: سموا لنا رجالكم، وهذا مثل ما
ورد عن الشعبي أنه قد (قرأ عليه الربيع بن خثيم حديثاً قال الشعبي:
فقلتُ: من حدثك؟ قال عمروبن ميمون، وقلتُ له: من حدثك؟ فقال:
أبو أيوب صاحب رسول الله - صلی الله علیه وسلم - قال يحيى بن سعيد :
وهذا أول من فتش عن الإِسناد) الرامهرمزي .
لكن الشعبي هنا سلسل، وكذا الحال بالنسبة لمنطوق ومفهوم طلب
ابن عباس.

=٢٦
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
نعم توسع الأمر وزاد في نهاية المائة الأولى الهجرية بسبب كثرة الوضع
في ذلك الحين، فكأنه تم ضبط السند بالترتيب كما في قصة الشعبي مع
الربيع بن خثیم.
ولكن - وبسبب كثرة وتداخل القول من كل حدب وصوب - يسر الله
- جل وعلا - الأفهام؛ لتعي ضرورة الضبط، ونظر حال الرجال، ولعل ما
◌ُبرھن علی هذا قول مالك بن أنس - رحمه الله -بأن: أول من أسند الحديث
الزهري كما ورد في / تقدمة / الجرح والتعديل / لابن أبي حاتم، وهذا
صواب، ودلت عليه الحال، بل لعلها تقتضيه.
وفي مقدم القرن الثاني الهجري خصوصاً في بلاد العراق أخذ أهل
الحديث الثقات بالإِسناد جدًّاً، وقاموا به، يقول الأعمش: (بقي رأس
المال، حدثني فلان، قال ثنا فلان عن فلان) أورده ابن حبان في (المجروحین
من المحدثين) ٩/١. وهذا من الأعمش دلالة على الشّد باليد على السند،
وكان يقول هذا بعد أن يحدث في المجلس، ولهذا السبب بطل الباطل وقام
سيف الحق، وهل الكذب إلا من الباطل؟ وهل السند بفهم وتقوى إلا من
الحق؟ كذلك إذاً.
ولقد تم الاهتمام بالصحابة ومن بعدهم للوصول إلى نظر الأسانيد
وحفظها، وإلصاق كل نص بصاحبه من الصحابة، ثم من رواه عنهم،
وهكذا، ويطيب لي قول: أحمد - رحمه الله - (يعني ابن حنبل) في تعريف
الصحابي، إذ ورد عنه: (أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - کل
من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه). ذكره ابن الأثير في (أسد الغابة)
١٣/١، ولكن ليس كلام الإِمام على إطلاقه حسب فهمي، فكل من رآه
وهو مسلم بالغ عاقل مميز أو وهو صغير فبلّغ عنه حال صغره، ثم أكد هذا

٢٧ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
بعد کبره کمحمود بن الربيع، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس،
وسواهم، وقول أحمد هو قول الإِمام البخاري على ما جاء في مقدمة ابن
الصلاح / ١١٩/١١٨، ونظر هذا القول هو الأقرب لما عللناه به آنفاً.
وقد ورد في الصحیحین ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد على
بعيره وأمسك إنسان بخطامه، قال: ((أي يوم هذا؟)) فسكتنا حتى ظننا أنه
سيسميه سوى اسمه، قال: ((أليس يوم النحر؟)) قلنا: بلى. قال: ((فأي
شهر هذا؟)) فسكتنا حتى ظننا بأنه سيسميه بغير اسمه، فقال: ((أليس بذي
الحجة؟)) قلنا: بلى. قال: ((فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم
حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد
الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى منه)). وأطال على هذا
النص ابن حجر في الفتح (٥٧٣/٣) و(٢٩٣/٦) و(١٣ /٤٢٤) فتأمله
جيداً هناك، وهو في صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٤ .
وقد كانت عبارة: (ليبلغ الشاهد الغائب) دالة على ضرورة تبليغ
العلم، إذ المقتضى هنا لا ينصرف إلا إلى الوجوب حسب الجهد والفهم.
قلت: وهذا فيه دلالة عظيمة على تحري الدقة في النقل مع شحذ
الفهم لاستيعابه جدًّاً، كما أن هذا الحديث دال على ضرورة التثبت، ونقد
الرجال فقد يكون المنقول إليه القول أبلغ ممن نقله، وهذا ما يتعلق بالفهم
والإِحاطة، ولهذا يرد (فلان سيىء الحفظ)، و(يهم)، و(اختلط بآخره)، أي
فلا يروي صحيحاً، و(ثقة ثبت)، و(أثبت الناس)، و(من أوعية العلم)
وهكذا. وخذ أمثلة مما ورد على ما نراه دالة على هذا، ودالة على ذاك ((كفى
بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع)). مسلم، وابن حبان، وهذا نص دال
بمنطوقه على خطورة التسرع في الرواية، أو نقد الرجال حسب ما يسمع

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
دون دليل ناهض مثل الشمس لا إشكال فيه على وجه مطلق.
والشاهد هنا أعم من السامع؛ لأن المراد ((الشاهد معنا حجنا)) فعليه
إبلاغ سواه، ومفهوم هذا من وجه قريب أن الشاهد إذا وعى وأدرك لزمه
البلاغ لغيره، ليفقه أحكام دينه ودنياه. يقول ابن حبان في (مقدمة
المجروحين) (١٠/١) كما في ص ٧ من (التقدمة وترجمة المصنف) في كتاب
(الضعفاء الكبير) للعقيلي: (إذ لا يتهيأ للشاهد أن يبلغ الغائب إلا بعد
المعرفة بصحة ما يؤديه إلى ما بعده، وأنه متى ما أدى إلى من بعده ما لم يصح
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكأنه لم يؤد عنه شيئاً، وإن لم يميز
الثقات من الضعفاء لا يتهيأ له تخليص الصحيح من بين السقيم، فإذا وقف
على أسمائهم، وأنسابهم، والأسباب التي أدت إلى نفي الاحتجاج بهم
تنكب عن حديثهم، ولزم السنن الصحيحة، فيروبها حينئذ حتى يكون
داخلاً في جملة من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يبلغ الشاهد منهم
الغائب).
ولهذا يرد على لسان من هذه صفته: الاضطراب في المتن، أو قلب
الأسانید، أو الرواية عن کل من هب ودب کحال تردید کلام أهل البدع،
أو ترديد كلام أهل الكفر في مثل عصرنا هذا من المستشرقين وأتباعهم من
غیرهم.
وهذا النص له معنى آخر حسب فهمي: أن المسلم يجب أن يقف
عند حده؛ لأن تعدي الحد في العلم والبذل قد يدفع محدود العلم، ضعيف
الموهبة إلى مزاحمة من هو أعلم منه وأفهم، فيحصل بهذا التشويش، ولعله
يدفع إلى الحسد المذموم الرادّ للقضاء والقدر، بل قد يدفع إلى الوقوف بذكاء
ومهارة في وجه العالم الموهوب، وقد يدفع إلى الغيبة والنميمة للإيقاع به، ولو

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
علی سبیل النصح، أو علی سبیل الوصایة علیه إن كان قريباً له ونحوه،
وتأمل تجد هذا كثيراً اليوم.
وهناك مثال آخر دل عليه حديث صحيح رواه البخاري ومسلم،
والحميدي، وسواهم وهو من رواية عبدالله بن عمرو: (سمعت رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من
الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جُهَّالاً
فَسُئِلوا فأفتوا بغير علم فضَلَّوا وأُضَلُّوا). واربط هذا النص بالذي قبله تجد
عجباً، ولهذا يكون من البوار فقدان العلماء الكبار البررة الذين جمعوا بين:
الإِخلاص، والوعي، وتمكن فهم صدق الولاء لله، وفهم حقيقة الولاء
والبراء .
وأنت واجد منهلاً عجباً لو قرأت سيرة كبار العلماء حقّاً خلال القرون
الثلاثة إن شئت من كتب التراجم، وإن ئشت من كتب مخصوصة، كتراجم
المحدثين، ونحوهم خلال تلك القرون.
جاء في ص /ب / من المقدمة على (تقدمة الجرح والتعديل): (ليس
نقد الرواة بالأمر الهين، فإن الناقد لابد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار
المروية، عارفاً بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيراً بعوائد الرواة
ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب،
والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي متى ولد؟
وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين، والأمانة، والعقل، والمروءة، والتحفظ؟
ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف
کتابه؟
ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم،

= (٣٠
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم،
ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول
شرحه. ويكون مع ذلك متيقظاً، مرهف الفهم، دقيق الفطنة، مالكاً
لنفسه، لا یستمیله هوی، ولا یستفزّه الغضب، ولا يستخفّه بادر ظن حتی
يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه، فلا يجاوز ولا
يقصر، وهذه المرتبة بعيدة المرام، عزيزة المنال، لم يبلغها إلا الأفذاذ).

معرفة الآثار

=
٣٣
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
ورد في ص ٢ من التقدمة: يقول الحافظ أبو محمد عبدالرحمن بن أبي
حاتم: (فإن قيل فبماذا تعرف الآثار الصحيحة والسقيمة، قيل: بنقد
العلماء الجهابذة الذين خصهم الله - عز وجل - بهذه الفضيلة، ورزقهم هذه
المعرفة، في کل دهر وزمان).
وفي ص ٣ يقول: (حدثنا أبو محمد عبدالرحمن بن محمد بن
إدريس بن المنذر الحنظلي، نا أبي، قال أخبرني عبدة بن سليمان المروزي،
قال قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة، قال: يعيش لها
الجهابذة).
وقال ص ٣ - رحمه الله تعالى -: (فإن قيل فما الدليل على صحة ذلك؟
قيل له: اتفاق أهل العلم على الشهادة لهم بذلك، ولم ينزلهم الله - عز
وجل - هذه المنزلة - إذ أنطق ألسنة أهل العلم لهم بذلك - إلا وقد جعلهم
أعلاماً لدينه، ومناراً لاستقامة طريقه، وألبسهم لباس أعمالهم). فانظر دقة
فهمه إذ قال: ((وألبسهم لباس أعمالهم)) حق ما قال، وفرق بين الهيئة العالمة
التقية الورعة الصابرة المحتسبة، وبين الهيئة المادية التي يستعمل صاحبها
عقله وهيئته فتأمل قوله، وانظر حال الصحابة، وأهل القرون المفضلة.
وأورد ابن أبي حاتم في ص ٨/٧/٦ قال: (من كان منهم في منزلة
الانتقاد، والجهبذة، والتنقير، والبحث عن الرجال، والمعرفة بهم، وهؤلاء
هم أهل التزكية والتعديل والجرح). ثم لما ذكر الصحابة - رضي الله تعالى
عنهم - قال عن التابعين: (فخلف بعدهم التابعون الذين اختارهم الله - عز
وجل - الإِقامة دينه، وخصهم بحفظ فرائضه، وحدوده، وأمره ونهيه). ثم
قال: (ثم خلفهم تابعو التابعين، وهم خلف الأخيار، وأعلام الأمصار في
دين الله - عز وجل -.. إلخ .. ) ص ٩/ ١٠ عد إلیه فهو كلام سدید.

٣٤
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
وفي ص ١٦٤/ ١٦٥: (وقال أيوب بن المتوكل عن عبدالرحمن بن
مهدي: الحفظ الإِتقان، ولا يكون إماماً من: حدث عن كل من رأى، ولا
من حدث بكل ما سمع). وكذلك: (وقال صالح بن حاتم بن وردان :
سمعت یزید بن زريع يقول: لكل دين فرسان، وفرسان هذا الدين
الأسانيد). و(وقال البخاري: سمعت علي بن المديني يقول: التفقه في
معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم). و(قال
محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي: قال يحيى بن سعيد: لا تنظروا إلى
الحديث، ولكن انظروا إلى الإِسناد، فإن صح الإِسناد وإلا فلا تغتُّوا
بالحديث إذا لم يصح الإِسناد). و(وقال محمد بن عيسى المقري عن
إسحاق بن بشر الرازي، قال عبد الله بن المبارك: ليس جودة الحديث قرب
الإِسناد، جودة الحديث صحة الرجال). و(وقال علي بن خشرم: سمعت
وكيعاً يقول: لا يكمل الرجل - أو لا ينبل - حتى يكتب عمَّن هو فوقه،
وعمن هو مثله، وعمن هو دونه) ص ١٦٦ .
قلت: یکثر کتابة الحدیث جدًّاً، ويطلبه أین وجده، فیرتفع إلی کبار
العلماء، ويأخذ من غيرهم، ثم يمحص ما أخذه، وينظر حال الأسانيد
قبله، فيحصل له بهذا مع الفهم، والتقوى، وصدق الولاء لله فيحصل له
بهذا - بتوفيق الله - النبل والسيادة.
وانظر قول أيوب بن المتوكل عن عبدالرحمن بن مهدي: (الحفظ
الإتقان، ولا یکون إماماً من حدث عن کل من رأی، ولا من حدث بکل
ما سمع). فهذا الكلام الذي أعدته هنا له معنى، ولهذا يقال عن الرجل
إذا حصلت له الإمامة بسبب فضل الله عليه ثم بالتوقي ((ثقة ثبت)) ومن
يحدث بكل ما سمع يكون مآل حاله الخلط، ولا يبعد أن يدخله الكذب

٣٥ =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
ولو لم يقصده، لأن من عادة كثرة النقل هكذا حصول تراكم الروايات
والأقوال، ومن هذا الطريق يحصل السوء، ولهذا يجب الحذر الحذر.
وورد في ص ١٦١/١٦٠ من: (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)
جـ ١ (وقال عامر بن عبدة عن عبدالله بن مسعود: إن الشيطان ليمثل في
صورة الرجل، فيأتي القوم، فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون،
فيقول الرجل منهم: سمعت رجلاً أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه
يحدث). رواه مسلم في مقدمة صحيحه، وجاء أيضاً هناك: (وقال
هشام بن حسان عن محمد بن سيرين: إن العلم دين، فانظروا عمن
تأخذون دينكم). ص ١٦١ .
وأورد المزي كذلك: (وقال الأوزاعي، عن سليمان بن موسى: لقيت
طاووساً فقلت: حدثني فلان كيت وكيت، قال: إن كان مليًَّ فخذ عنه،
وقال عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما
يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله). فتأمل أيها الناظر لهذا القول
ما أجمله! کیف حال الورع والخوف من الله، وبيان أن ذکر العيب ليس من
الغيبة إذا كان محدداً، والنية فيه حماية السنة، ورفع معالمها أشار إليه ابن
حبان في (المجروحين من المحدثين) في الجزء الأول، والخطيب في (الكفاية)
ص ٣٩/٣٨، ويقتضي هذا دلالة النص الصحيح: ((بئس أخو العشيرة)).
وكذلك في بيان حال الرجال دل قوله - صلى الله عليه وسلم - في معاوية بن
أبي سفيان، وأبي الجهم حين سألته فاطمة بنت قيس عنهما وقد خطباها،
فبين لها صفة كل واحد منهما، بأمانة، وعدل، وحدود، وانظر في هذا
(الكفاية) و(الإعلان بالتوبيخ) للسخاوي ففیھما كلام شامل.
والمقصود جواز ذکر الجرح بقصد بيان حال السند لا بيان حال الرجل

=٣٦
کتب تراجم الرجال بین الجرح والتعديل - الجزء الأول
ذاته، وإلا لما كان لهذا ثمة فائدة إلا ما كان من حال الفسق ليحذر منه،
وكذلك دعاة الباطل وإن تسموا بمثلنا ونطقوا وجاملوا فتنبه لهذا بعقل ودين
ونية خالصة .
وهنا مسألة جديرة بالنظر المليء والتبصّر بها بلازم من الورع والأمانة
والفهم الجيد، ألا وهي أن بيان عيوب الراوي لا يُعدُّ من الغيبة إذا كانت
التقوى والعدل، ونبذ نقد الشخصية كالقول: بسفيه، أو أعور، أو جاهل،
أو ذميم الخلقة، أو قصير، أو عبد، وما شاكل هذا مما لا يتطلبه العيب
العلمي المحدد، فنقد الذات سوء وشر ولا خير فيه، والتقوى والورع
والأمانة تقتضي هذه كلها ترك ما ذكرت، إذ لا حاجة إليه، وحتى لا تنشأ
الخصومة يوم القيامة، فإن المسلم يجب عند النقد أن يفتش عن دخيلته،
والباعث لديه حتى في النقد اللازم لحماية السنة، ورد كيد المبطلين، وهذا مما
يجب نظره قبل الموت، فإنما الأعمال بالنيات، وتخسر النفس، ويذهب
الشيطان بصدق النية، وإخلاص الدعاء من الحسد والكره، ونقل الكلام
هكذا.
وإذا وقفنا على هذا فقد ورد في: (الرفع والتكميل) ص ١١٧
للكنوي، و(تذكرة الحفاظ) للذهبي، و(تاريخ بغداد) للخطيب، و(تاريخ
الإِسلام) للذهبي أيضاً/٢٤٢/٥ و(لسان الميزان) لابن حجر، ما مؤداه:
أن من عرف بالتشدد في جرح الرجال لا يقبل قوله حسب فهمي لما
قرأته إلا إذا تم التثبت، فالاقتصار على نقد المتشدد قد يكون فيه عجلة لمن
أخذ به، والعجلة محلها الذم. وهذا لا يعيب هؤلاء المتشددين، وما دفعهم
إلى التشدد إلا الحرص على السنة، وحماية الدين، لكن قد تؤدي الشدة دون
قصد إلى المبالغة في الجرح، فيسبب هذا جرحاً لا محل له، وينتج عنه الرد
المطلق لهذا الراوي، وهذه جرأة، فلابد إذاً من التثبت.

السؤالات
لأبي جعفر محمد بن عثمان العبسي
١

(٣٩) =
كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
جاء عن ابن المديني ص ٦/ وما بعدها من المقدمة: (هو حافظ
العصر، أبو الحسن علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح السعدي المديني،
ثم البصري، ولد بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة، سمع أباه، وحماد بن
زيد، وهشيماً، وابن عُيينة، والدراوردي، وابن وهب، وعبدالوارث،
والوليد بن مسلم، وغندراً، ويحيى القطان .. إلخ .. ).
روى عنه البخاري، وأبو داود، وروى أبو داود، والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه في التفسير بواسطة الحسن بن الصباح البزار .. إلخ.
تذكرة الحفاظ /٤٢٨/٢، النجوم الزاهرة/٢٧٦/٢، تاريخ بغداد
/ ٤٥٨/١١، ولا يتسع القول لترجمة هذا الفحل، لكن بالعودة إلى ما أشير
إليه من هذه المراجع تعطيك حياته بمواهبه وتحريه، وسبقه، وتجنبه الحقد،
والحسد، والبغي، وكم استفاد منه البخاري وسواه رواية ودراية فعد إليها
تجد عجباً.
السائل: هو الإِمام الحافظ أبو جعفر محمد بن عثمان بن محمد بن
إبراهيم بن عثمان العبسي، ص/١٣ من المقدمة.
وفي ص ١٥: (ونشأ محمد وترعرع في بيئة علمية، فأبوه عثمان روى
عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود وغيرهم). تاريخ بغداد /٤٢/٣،
المنتظم /٩٥/٦. وكذا: الوافي بالوفيات / ٤ /٨٢، الشذرات /٢٢٦/٢،
ويتبين من هذا أنه نشأ في بيت رواية، ودراية، ودين، وألمعية، وفي بيئة ذات
تربية سليمة نفساً وعقلاً، تلمس هذا في أدبه لشيخه، وحسن الإلقاء،
والتعقيب، والتوضيح .
وهذا مطلب مهم لطالب العلم لبلوغه المعالي عسى الله - تعالى - أن
يجعل على يديه خيراً، ونوراً لا سيما إذا أخلص وعاش بين الكتاب والسنة،

كتب تراجم الرجال بين الجرح والتعديل - الجزء الأول
بهيبة ووقار، وجمع بين العلوم والآداب، لتكون له عدة يؤديها بعقل وحكمة
وولاء ناصع البياض.
ولعظم هذا الإِمام نذكر كتبه كما هي مرسومة في ص ١٠، وكما ذكرها
الحاكم في كتابه الذائع (معرفة علوم الحديث):
١ - كتاب الأسامي والكنى، ثمانية أجزاء.
٢ - كتاب الضعفاء، عشرة أجزاء.
٣ - كتاب المدلسين، خمسة أجزاء.
٤ - كتاب أول من نظر في الرجال وفحص عنهم.
٥ - كتاب الطبقات، عشرة أجزاء.
٦- کتاب من روی عن رجل لم يره، جزء.
٧ - كتاب علل المسند، ثلاثون جزءاً.
٨- كتاب العلل لإسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءاً.
٩ - كتاب علل الحديث، ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءاً.
١٠ - كتاب من لا يحتج بحديثه ولا يسقط، جزآن.
١١ - كتاب الكنى، خمسة أجزاء.
١٢ - كتاب الوهم والخطأ، خمسة أجزاء.
١٣ - كتاب قبائل العرب، عشرة أجزاء.
١٤ - كتاب من نزل من الصحابة سائر البلدان، خمسة أجزاء.
١٥ - كتاب التاريخ، عشرة أجزاء.
١٦ - كتاب العرض على المحدث، جزآن.
١٧ - كتاب من حدث ثم رجع عنه، جزآن.
١٨ - كتاب يحيى وعبدالرحمن في الرجال، خمسة أجزاء.
١٩ - كتاب سؤالات يحيى، جزآن.