النص المفهرس

صفحات 141-160

الوضوء مما مست النار :
روى أبو زكريا ابن منده - رحمه الله - في ((مناقب الإمام
أحمد)) كما في ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (١٣٢/٣) من
طريق أحمد بن محمد بن عمر ، حدثنا أبوعبد الرحمن - يعني
عبدالله بن أحمد بن حنبل - قال : قلت لأبي - رحمه الله - :
يقولون إنك تتوضأ مما مست النار ؟ قال : مافعلته قط ، ولم يثبت
عندي في ذا خبر .
النهى عن استقبال الشمس والقمر عند قضاء الحاجة :
لا يصح فيه حديث .
وليس فى الباب إِلا ما رواه الحكيم الترمذى فى ((المنهيات))
(ص: ٣٣) من طريق: عبَّاد بن كثير بن قيس، عن عثمان الأعرج، عن
الحسن، حدثنى سبعة رهط من أصحاب النبى تعمّه .... فذكرهم.
ولفظ الحديث: ونهى أن يبول الرجل وفرجه باد إِلى الشمس
والقمر.
قال النووى فى ((شرح المهذب)): ((هذا حديث باطل لا يعرف)).
وقال ابن الصلاح: ((لا يُعرف وهو ضعيف)).
وقال الحافظ فى ((التلخيص)) (١١٣/١) ومنه النقل:
((حديث باطل لا أصل له ، بل هو من اختلاق عبَّاد)).
:
٨١

من أبواب صفة الصلاة
مكان اليدين فى القيام فى الصلاة :
قال ابن المنذر فى ((الأوسط)) (٣ / ٩٤):
((قال قائل: ليس فى المكان الذى يضع عليه اليد خبر يثبت عن
النبى ◌َّه، فإِن شاء وضعهما تحت السرة، وإِن شاء فوقها)).
قلت: لم ینسبه إلى أحد، فلعله قوله هو، وهو قول صحيح.
ففى الباب: عن وائل بن حجر ، وهلب الطائى، وطاوس مرسلاً.
فأما حديث وائل بن حجر - رضى الله عنه - قال:
صليت مع رسول الله ثُّه ووضع يده اليمنى على اليسرى على
صدره .
أخرجه ابن خزيمة ( ٤٧٩ ) من طريق: مؤمل، حدثنا سفيان، عن
عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل به .
قلت: وهو منكر بزيادة: ((على صدره))، تفرد بها مؤمل بن
إسماعيل وهوضعيف، ولم يتابعه أحد من أصحاب سفيان الثقات، ولا
حتى الضعفاء، والزيادة لا تقبل إلا من الحافظ الثقة المتقن، والحديث
محفوظ بغير هذه الزيادة .
وقد تابع مؤمل من هو دونه، وهو سعيد بن عبد الجبار بن وائل،
عن أبيه، عن أمه، عن وائل . أخرجه البيهقى (٢ /٣٠).
قلت: سعيد بن عبد الجبار واه، قال فيه البخارى: ((فيه نظر))،
وهذا جرح شديد بمعنى أنه متهم، وقال ابن معين: ((ليس بثقة))، وقال
٨٢

النسائى: ((ليس بالقوى))، وأم أبيه قال ابن التركمانى فى ((الجوهر
النقى)): ((أم عبد الجبار هى أم يحيى، لم أعرف حالها ولا اسمها)).
فهذه متابعة واهية لا تفيد سابقتها إِلا وهنا على وهن، فاتفاق
الضعفاء على خبر دليل على ضعفه .
وأما حديث هُلب الطائى - رضى الله عنه - قال:
رأيت النبى ◌ّ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته يضع هذه
على صدره .
وصف يحيى : اليمنى على اليسرى فوق المفصل .
أخرجه أحمد (٢٢٦/٥): حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان،
حدثنى سماك ، عن قبيصة بن هُلب، عن أبيه به .
وسنده ضعيف، فإِن فيه قبيصة بن هلب ، وهو مجهول .
وأما حديث طاوس ((مرسلاً)) :
كان رسول الله ◌َيُّه يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد
بينهما على صدره وهو فى الصلاة .
فأخرجه أبو داود ( ٧٥٩) ، والمرسل لا حجة فيه .
وأما العلاَّمة الألبانى - حفظه الله - فقال في ((الإِرواء))
(٧١/٢) :
W
((وهو وإِن كان مرسلاً فهو حجة عند جميع العلماء على اختلاف
مذاهبهم فى المرسل، لأنه صحيح السند إِلى المرسل، وقد جاء موصولاً
من طرق كما أشرنا إليه آنفاً فكان حجة عند الجميع)).
قلت : وهذا القول متعقب ولا شك .
فنقل الإِجماع على الاحتجاج بالمرسل الصحيح إِلى مرسله، سواء
٨٣

على الإِنفراد، أو بوروده من وجوه ضعيفة أخرى ليس بصحيح .
قال الحافظ الذهبى - رحمه الله - فى ((الموقظة)) (ص: ٣٩):
(( وإِن صح الإِسناد إِلى تابعى متوسط الطبقة كمراسيل مجاهد،
وإِبراهيم، والشعبى، فهو مرسل جيد لا بأس به، يقبله قوم، ويرده
آخرون» .
قلت: والشافعى من أول من أطلق الاحتجاج بالمرسل بشروط
اشترطها، منها أن یکون مرسله من كبار التابعين، وإلا فلا يحتج به،
وإِن توبع، وطاوس من الطبقة الوسطى من التابعين .
بل نقل الإِمام مسلم الإِجماع إِلى عصره - وهم المتقدمون -
على عدم الاحتجاج بالمرسل، فقال فى مقدمة الصحيح: (١ /٣٠):
((المرسل من الروايات فى أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار
ليس بحجة )).
وهو مذهب الإِمام أحمد، فإِنه يقدم قول الصحابى وفعله على
المرسل المرفوع .
ففى مسائل إِسحاق بن إبراهيم بن هانىء النيسابورى
(١٦٥/٢): قلت لأبي عبد الله: حديث عن رسول الله عم ليه مرسل
برجال ثبت أحب إليك، أو حديث عن الصحابة أو عن التابعين متصل
برجال ثبت؟
قال أبو عبد الله: عن الصحابة أعجب إِلىّ.
قلت: فإن قيل: إِنه يقصد نقل الإِجماع بالحسن بمجموع الطرق،
فهذا أيضاً خطأ ولا يصح .
قال الحافظ فى ((النكت)) (١ /٤٠١):
٨٤

((لا يتجه إطلاق الاتفاق على الاحتجاج به جميعه)) ..
أى الحسن بقسميه: الحسن لذاته ، والحسن بمجموع الطرق، وقد
فصَّل ذلك فى الموضع المشار إِليه .
والإِمام أحمد - رحمه الله - هو من هو فى العلم بالأخبار
وطرقها وعللها ، فإِذا قال - فيما نقله أبو داود فى ((المسائل)) (٣١)،
وابن المنذر فى ((الأوسط)) (٣ /٩٣) -:
((فوق السرة قليلاً، وإِن كانت تحت السرة فلا بأس)) دلّ ذلك على
أنه لا يصح عنده فيه خبر، وإلا فكيف يجيز الأمرين .
ثم إِنى وقفت للشيخ الألبانى - حفظه الله ونفع به - على قوله
فى ((الإِرواء)) (٢/ ٧٠) عند الكلام على ضعف أثر على بن أبى طالب
- رضى الله عنه - :
من السنة فى الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة .
((قلت: ومما يدل على ضعفه أنه روى عن على خلافه، بإسناد
خير منه، وهو حديث ابن جرير الضبى، عن أبيه قال: رأيت علياً رضى
الله عنه يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة، وهذا إِسناد
محتمل للتحسين، وجزم البيهقى (٢ /١٣٠) أنه حسن، وعلقه
البخارى (١ /٣٠١) مختصراً مجزوماً)).
قلت: الخبر بهذا اللفظ عند أبى داود (٧٥٧) بزيادة: ((فوق
السرة))، وإِنما حسنه البيهقى وجزم به البخارى بغير هذه الزيادة .
وقد تفرد بها أبو بدر السكونى شجاع بن الوليد عن عبد السلام
ابن شداد، عن غزوان .
ورواه البيهقى فى ((الكبرى)) (٢٩/٢)، وابن حجر فى ((تغليق
٨٥

التعليق)) (٤٤٢/٢) من طريق: مسلم بن إبراهيم، عن عبد السلام
دون الزيادة .
ورواه ابن أبى شيبة فى ((المصنف)) (١ /٣٤٣) حدثنا وكيع قال:
حدثنا عبد السلام دون الزيادة .
فهذا دليل على شذوذ هذه اللفظة، والحمل فيها على أبى بدر
السكونى، ففيه ضعف، ويحتمل منه الخطأ، ولذا جزم به البخاري دون
زيادة: ((فوق السرة))، وهى موضع الحجة من الخبر .
والاحتجاج بالسند لا يعني مطلق قبول زيادة أحد الرواة فيه كما
لا يخفى على المتخصص في هذا العلم.
حديث : ((من كان له إِمام ، فقراءة الإِمام له قراءة)).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله - في ((التفسير)) (١ /١٢):
(( قد روي هذا الحديث من طرق ، ولا يصح شيء منها )).
حديث : ((الوقت الأول من الصلاة رضوان الله)).
نقل الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (١ /٢٤٢) عن البيهقي
في ((معرفة السنن والآثار)):
(( روي هذا الحديث بأسانيد كلها ضعيفة)).
٨٦

من أبواب التطوع
صلاة الرواتب فى السفر :
قال ابن القيم فى ((زاد المعاد)) (١ /٤٧٣ ):
((وكان من هديه ◌َّم فى سفره الاقتصار على الفرض، ولم
يُحفظ عنه عَّم أنه صلى سنة الصلاة قبلها ولا بعدها إلا ما كان من
الوتر وسنة الفجر(١)، فإنه لم يكن ليدعهما حضراً، ولا سفراً، قال ابن
عمر: وقد سئل عن ذلك: فقال: صحبت النبى ◌َّ فلم أره يسبح
فى السفر)).
قلت : ورد في صلاته الرواتب في السفر خبران :
الأول: من رواية ابن عمر - رضي الله عنه - قال :
صليت مع النبى ◌َّ الظهر فى السفر ركعتين، وبعدها ركعتين.
أخرجه الترمذى ( ٥٥١ ) من طريق: الحجاج بن أرطاة، عن عطية
وهو العوفى، عن ابن عمر به .
وسنده ضعيف لضعف عطية العوفى .
وأخرجه الترمذى (٥٥٢) من طريق: ابن أبى ليلى، عن عطية،
ونافع، عن ابن عمر به وفيه زيادة .
قال الترمذى: «هذا حديث حسن.
سمعت محمداً يقول: ما روى ابن أبى ليلى حديثاً أعجب إِلىَّ
من هذا، ولا أروى عنه شيئاً)).
(١) وربما صلى الضحى فى السفر كما فى حديث أم هانيء - رضى الله عنها -.
٨٧

قلت: ابن أبى ليلى هو الابن، عبد الرحمن بن محمد بن أبى
ليلى، وهو ضعيف سىء الحفظ، وقول الترمذى: ((حسن)) بحسب ما
اشترطه من حد الحسن، لا الاحتجاج كما هو مذهب المتأخرين .
الثانى: من رواية البراء بن عازب ـــ رضى الله عنه - قال:
صحبت رسول الله عَ ◌ّه ثمانية عشر سفراً، فما رأيته ترك ركعتين
إِذا زاغت الشمي قبل الظهر.
أخرجه أبو داود (١٢٢٢)، والترمذى ( ٥٥٠ ) من طريق:
الليث بن سعد، عن صفوان بن سليم، عن أبي بسرة الغفارى،
عن البراء بن عازب به .
قال الترمذى: ((حديث البراء حديث غريب)).
قلت: غريب من جهة المتن ، ومن جهة السند .
فأما غرابته من جهة المتن فلأنه مخالف لما صح عن ابن عمر -
رضى الله عنهما - فى عدم صلاة النبي عليه السلام للرواتب فى
السفر .
وأما غرابته من جهة السند، فلتفرد أبى بسرة الغفارى به، وهو
مجهول، قال الذهبى: ((لا يعرف)).
وأما ما نقله الترمذى عن البخارى أنه رآه حسناً، فليس معناه
الحسن المحتج به عند المتأخرين، وإِنما أطلق المتقدمون الحسن لمعان أخرى
غير الاحتجاج منها الغرابة والنكارة .
قال الخطيب البغدادى فى ((الجامع)) (٢ / ١٠١) تعليقاً على قول
إِبراهيم النخعى : كانوا يكرهون إِذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن
حديثه، أو أحسن ما عنده .
٨٨

قال الخطيب :
(عنى إِبراهيم بالأحسن: الغريب، لأن الغريب غير المألوف
يُستحسن أكثر من المشهور المعروف، وأصحاب الحديث يعبرون عن
المناكير بهذه العبارة)) .
وإِطلاق البخارى فى هذا الموضع على هذا المعنى ، وفى المسألة
تفصيل ذكرناه فى كتابنا: ((الحسن بمجموع الطرق فى ميزان الاحتجاج
بين المتقدمين والمتأخرين)).
٨٩

من أبواب الجمعة
اختصاص مغرب وعشاء ليلة الجمعة بقراءة معينة :
فیه :
ما أخرجه ابن حبان فى ((صحيحه)) (موارد: ٥٥٢ ) من طريق:
سعيد بن سماك بن حرب، حدثنى أبى، قال: ولا أعلم إِلا عن
جابر بن سمرة ، قال: كان رسول الله عَ ◌ّه يقرأ فى صلاة المغرب ليلة
الجمعة بـ ﴿ قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿ قل هو الله أحد﴾، ويقرأ فى
العشاء الآخرة ليلة الجمعة: الجمعة والمنافقين .
قلت: وهذا سند ضعيف جداً، فيه سعيد بن سماك، قال أبو
حاتم: ((متروك)).
النهى عن السفر يوم الجمعة إلى وقت النداء:
قال ابن المنذر فى ((الأوسط)) (٢٣/٤):
(( لا أعلم خبراً ثابتاً يمنع من السفر أول نهار الجمعة إِلى أن تزول
الشمس وينادى المنادى، فإِذا نادى المنادى وجب السعى إِلى الجمعة
على من سمع النداء)) .
قلت: ورد فى الباب خبران واهيان :
الأول : عن ابن عمر - رضى الله عنه - مرفوعاً :
((من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة ألا يصحب فى سفره)).
أخرجه الدار قطنى فى ((الأفراد)).
قال الحافظ فى ((التلخيص)) (٢ /٧٠): ((وفيه ابن لهيعة)).
٩٠

فكأنه ليس الحمل فى سنده إِلا عليه، ولا يحتمل من مثله هذه
النكارة .
والثانى: عن أبى هريرة - رضى الله عنه - مرفوعاً:
((من سافر يوم الجمعة دعا عليه ملكاه أن لا يصاحب فى سفره،
ولا تُقتضى له حاجة)) .
أخرجه الخطيب البغدادى فى ((أسماء الرواة عن مالك)) - كما
فى ((نيل الأوطار)) (٤ /١٥٦) - من طريق:
الحسين بن علوان، عن مالك، عن الزهرى، عن أبى سلمة، عن
أبى هريرة به .
قلت: وهذا الحديث موضوع، والمتّهم به الحسين بن علوان، فقد
كذبه ابن معين، وقال ابن حبان: ((كان يضع الحديث))، ووهاه غير
واحد .
وقال الذهبى فى ((الميزان)) (١ /٥٣) ((ومما كذب على مالك ... ))
فذكر له هذا الخبر.
وقد روى عن عمر - رضى الله عنه - وابنه ما يخالف ذلك .
فقال عمر - رضى الله عنه - :
إِن الجمعة لا تحبس مسافراً، فاخرج ما لم يحن الرواح .
أخرجه عبد الرزاق (٣ /٢٥٠)، وابن أبى شيبة (٤٤٢/١)،
وابن المنذر فى ((الأوسط)) (٤ /٢١) بسند صحيح.
وعن نافع : أن ابناً لسعيد بن زيد بن نفيل كان بأرض له بالعقيق
على رأس أميال من المدينة، فلقى ابن عمر غداة الجمعة، فأخبره
بشكواه، فانطلق إِليه وترك الجمعة .
٩١

أخرجه ابن أبى شيبة (١ /٤٤٣) بسند صحيح .
وقد روى عنه ما يخالف ذلك ، ولا يصح .
فعند ابن المنذر (٤ /٢٢) عنه:
لا ترح حتى تجمع ثم تسافر إِن شئت .
وفى سنده: عبد العزيز بن عبيد الله بن خمرة الحمصى وهو
ضعيف صاحب مناكير.
وأما ما صح عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت :
إذا أدركتك ليلة الجمعة فلا تخرج حتى تصلى الجمعة .
أخرجه ابن أبي شيبة (١ /٤٤٣)، وابن المنذر (٤ /٢٢).
فمخالف للأصل وهو الإِباحة، وكذا هو مخالف لقول الأكثر من
الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - .
النهى عن الإِحتباء يوم الجمعة والإِمام يخطب :
قال ابن المنذر - رحمه الله - (٤ /٨٣):
((قد روينا عن النبى ◌َِّ فى هذا الباب حديثاً، وقد احتج به
بعض أصحابنا، وقد تُكُلِّم فى إِسناده، ولا أراه ثابتاً، لأنه مجهول
الإِسناد)) .
قلت: يشير بذلك إلي ما أخرجه أبوداود (١١١٠)، والترمذى
(٥١٤)، والبيهقى فى ((الكبرى)) (٢٣٥/٣)، وهو فى ((الأوسط))
(٤ / ٨٤) من طريق :
سعيد بن أبي أيوب، حدثنى أبو مرحوم ، عن سهل بن معاذ،
عن أبيه :
أن النبى عَّة نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإِمام يخطب .
٩٢

ولم أقف على من وصف فى هذا السند بالجهالة، إِلا أن أبا
مرحوم وهو عبد الرحيم بن ميمون ضعيف الحديث، وأسوأ منه حالاً
سهل بن معاذ .
الإِيراد :
ولكن يرد عليه أن فى الباب حديث آخر ، وهو ما أخرجه ابن
ماجة ( ١١٣٤ ) من طريق :
بقية بن الوليد، عن عبد الله بن واقد ، عن محمد بن عجلان،
عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به .
وفيه بقية بن الوليد وهو صاحب تدليس، كثير الرواية عن
المجاهيل، وقد اختلف فى شيخه هذا .
فقال المزى: (١٦ /٢٥٨): ((لا أدرى هو أبو رجاء الهروى، أو
أبو قتادة الحرَّانى، أو آخر ثالث)).
فتعقبه ابن حجر فى ((التهذيب)) (٦٠/٦): ((أما الحرَّانى فيصغر
عن إِدراك محمد بن عجلان، فبقى الهروى على الاحتمال)).
قلت: ثمة عبد الله بن واقد ثالث مترجم فى اللسان
(٤٥٨/٣)، وهو يروى عن قتادة وأبى الزبير، قال فيه ابن معين:
((ليس بشىء))، وقال الأزدى: ((عنده مناكير)).
والأقرب عندى أنه يكون هو شيخ بقية، أو يكون شيخ بقية
مجهولاً كما جوّزه البوصيرى فى ((مصباح الزجاجة)) (٢١٤/١).
ولكن فى ((الصحيحين)) من رواية جماعة من الصحابة :
النهى عن الاحتباء فى ثوب واحد .
وهذا نهى عن نوع معين من الاحتباء، والعلة فى ذلك كما ورد
٩٣

فى بعض الأخبار لئلا تنكشف العورة، أما حديثى الباب ففيه المنع من
الاحتباء مطلقاً والإِمام يخطب، وهو ما لم يصح فيه حديث؛ فتنبه .
وقد صح عن ابن عمر - رضى الله عنه - :
أنه كان يحتبى يوم الجمعة والإِمام يخطب .
أخرجه ابن أبى شيبة (٤٥٣/١)، وابن المنذر (٤ /٨٣) بسند
حسن.
والجواز قول أكثر أهل العلم فيما نقله ابن المنذر ، والله أعلم .
ترك صلاة الجمعة عند اجتماعها مع عيد :
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٠ /٢٧٧):
(( لم يجز لمسلم أن يذهب إلى سقوط فرض الجمعة عمن وجبت
عليه، لأن الله عز وجل يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة
من يوم الجمعة فاسعوا إلی ذکر الله ﴾ ولم يخص الله ورسوله یوم عید
من غيره من وجه تجب حجته، فكيف بمن ذهب إِلى سقوط الجمعة
والظهر المجتمع عليهما فى الكتاب والسنة والإِجماع بأحاديث ، ليس
منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث)) .
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (٣٠٣/٣):
((إِذا اجتمع عيد فى يوم جمعة: صُلى للعيد، ثم للجمعة ولابد،
ولا يصح أثر بخلاف ذلك)).
قلت: فى الباب حديثان مرفوعان وعدة آثار موقوفة .
فأما الحديث الأول :
فأخرجه أبو داود (١٠٧٠)، والنسائى (٣ /١٩٤)، وابن
خزيمة فى ((صحيحه)) (١٤٦٤) من طريق: إِسرائيل، حدثنا عثمان
٩٤

بن المغيرة ، عن إِياس بن أبى رملة الشامى ، قال : شهدت معاوية بن
أبى سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم، قال: أشهدت مع رسول الله عَ ليه
عيدين اجتمعا فى يوم ؟ قال : نعم ، قال : فكيف صنع ؟ قال :
صلى العيد ، ثم رخص فى الجمعة ، فقال : ((من شاء أن يصلى
فليصل )).
قلت : وهذا إسناد منكر ، فإِياس بن أبى رملة الشامى مجهول
كما فى ((التقريب)) وقد تفرد به عن معاوية بن أبى سفيان - رضى
الله عنه .
وأما الحديث الثانى :
فأخرجه أبو داود (١٠٧٣)، وابن ماجة ( ١٣١١ )، وابن
الجارود فى ((المنتقى)) (٣٠٢)، والحاكم (٢٨٨/١)، والبيهقى
(٣١٨/٣)، والخطيب فى ((تاريخ بغداد)) (١٢٩/٣) من طريق:
بقيه بن الوليد ، حدثنا شعبة ، عن المغيرة الضبى ، عن عبد العزيز بن
رفيع، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، عن رسول الله عَ لّهل أنه قال:
((قد اجتمع فى يومكم هذا عيدان ، فمن شاء أجزأه من الجمعة
وإِنا مجمعون )) .
قلت : وهذا إسناد منكر ، تفرد به بقيه عن باقى أصحاب شعبة
عن شعبة ، وقد أعله غير واحد من أهل العلم ، منهم الإِمام أحمد ،
والدارقطنى ، وابن عبد البر .
فقد روى الخطيب فى ((التاريخ)) - بإِسناد صحيح - عن الإِمام
أحمد ، قال :
بلغنى أن بقية روى عن شعبة ، عن مغيرة ، عن عبد العزيز بن
٩٥

رفيع ، عن أبى صالح ، عن أبى هريرة ، فى العيدين يجتمعان فى يوم ،
من أين جاء بقية بهذا ؟ !! كأنه يعجب منه .
ثم قال أبو عبدالله : قد كتبت عن يزيد بن عبدربه ، عن بقية ،
عن شعبة حديثين ، ليس هذا فيهما ، وإِنما رواه الناس عن عبدالعزيز
عن أبى صالح مرسلا .
قال الخطيب : قال البرقانى : وقال لنا الدارقطنى : هذا حديث
غريب من حديث مغيرة ، ولم يروه عنه غير شعبة ، وهو ايضا غريب
عن شعبة ، لم يروه عنه غير بقية ، وقد رواه زياد البكائى وصالح بن
موسى الطلحى عن عبدالعزيز بن رفيع متصلا .
وروى عن الثورى ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبى صالح ، عن
أبى هريرة، عن النبى ◌َّه وهو غريب عنه، ورواه جماعة عن
عبد العزيز بن رفيع ، عن أبى صالح ، عن النبى ثُمَّةٍ مرسلا ، لم يذكروا
أبا هريرة .
وقال ابن عبدالبر فى ((التمهيد)) (١٠ / ٢٧٢):
(( هذا الحديث لم يروه - فيما علمت - عن شعبة أحد من
ثقات أصحابه الحفاظ ، وإِنما رواه عنه بقية بن الوليد ، وليس شىء فى
شعبة أصلا ، وروايته عن أهل بلده - أهل الشام - فيها كلام ، وأكثر
أهل العلم يضعفون بقية عن الشاميين وغيرهم ، وله مناكير ، وهو
ضعيف ليس ممن يحتج به .
وقد رواه الثورى عن عبدالعزيز بن رفيع ، عن أبى صالح مرسلا ،
قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله عَّه، فقال: إِنا مجمعون ،
فمن شاء منكم أن يجمع فليجمع ، ومن شاء أن يرجع فليرجع ،
٩٦

فاقتصر فى هذا الحديث على ذكر إِباحة الرجوع ، ولم يذكر الإِجزاء.
ورواه زياد البكائى عن عبد العزيز بن رفيع ، بمعنى حديث
الثوری)) .
ثم أسنده بلفظ :
اجتمعنا إِلى رسول الله ◌َيَّةٍ فى يوم عيد ويوم جمعة ، فقال لنا
رسول الله ◌َّ، وهو فى العيد :
((هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان ، عيدكم هذا والجمعة ،
وإِنى مجمع إِذا رجعت ، فمن أحب منكم أن يشهد الجمعة
فليشهدها))، قال: فلما رجع رسول الله عَّهُ جمع بالناس.
قال ابن عبدالبر: ((فقد بان بهذه الرواية ورواية الثورى لهذا
الحديث أن رسول الله عَّه جمع ذلك اليوم بالناس، وفى ذلك دليل
على أن فرض الجمعة والظهر لازم ، وأنها غير ساقطة ، وأن
الرخصة إِنما أريد بها من لم تجب عليه الجمعة ممن شهد العيد من
أهل البوادى ، والله أعلم ، وهذا تأويل تعضده الأصول ، وتقوم
عليه الدلائل ، ومن خالفه فلا دليل معه ولا حجة له )).
قلت : أما رواية الثورى فلا يحتج بها لإِرسالها ، والمرسل ضعيف
عند أهل الحديث ، وأما رواية زياد البكائى ، وصالح بن موسى
الطلحى فلا تصح ، صالح الطلحى متروك الحديث ، وزياد البكائى لين
فى غير روايته عن ابن إسحاق ، ثم هما قد خالفا من رواه عن
عبد الرحمن بن رفيع مرسلا وهم جماعة كما قال الدارقطنى ، والله
أعلم .
٩٧

وأما الآثار الواردة فى الباب .
فالأول :
ما أخرجه البخارى فى ((صحيحه)) (فتح: ١٠ /٢٢) من طريق
الزهرى ، قال : حدثنى أبو عبيد مولى ابن أزهر : شهدت العيد مع
عثمان بن عفان ، وكان ذلك يوم الجمعة ، فصلى قبل الخطبة ، ثم
خطب فقال :
يا أيها الناس إِن هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان ، فمن أحب
أن ينتظر الجمعة من أهل العوالى فلينتظر ، ومن أحب أن يرجع فقد
أذنت له .
قال الحافظ فى ((الفتح)):
((أجيب بأن قوله: ((أذنت له)) ليس فيه تصريح بعدم العود ،
وأيضا تظاهر الحديث فى كونهم من أهل العوالى أنهم لم يكونوا ممن
تجب عليهم الجمعة لبعد منازلهم عن المسجد)).
الثانى : ما أخرجه النسائى (٣ /١٩٤)، وابن خزيمة فى
((صحيحه)) (١٤٦٥) من طريق: عبدالحميد بن جعفر، قال:
حدثنى وهب بن كيسان ، قال : اجتمع عيد أن على عهد ابن الزبير،
فأخر الخروج حتى تعالى النهار ، ثم خرج فخطب ، فأطال الخطبة ، ثم
نزل فصلى للناس ، ولم يصل للناس يومئذ الجمعة ، فذكر ذلك لابن
عباس، فقال ((أصاب السنة)).
وله بوب ابن خزيمة : ( باب الرخصة للإِمام إِذا اجتمع العيدان
والجمعة أن يعيد بهم ولا يجمع بهم ، إِن كان ابن عباس أراد بقوله
أصاب ابن الزبير السنة، سنة النبى عَّة ).
٩٨

قلت : وقد تأول أهل العلم قول ابن عباس : ( أصاب السنة )
على وجوه ، والصواب أن يقال أن الثابت عنه والمحفوظ قوله :
(أصاب) ، ولفظة ( السنة ) زيادة شاذة إِما من إدخال بعض الرواة
لروايته بالمعنى على ما فهمه ، وإِما لقلة ضبط .
فإِن من رواه بهذا اللفظ ( أصاب السنة ) هو عبدالحميد بن
جعفر، وهو وإِن كان صدوقًا إلا أن بعض العلماء ليَّنه ، و(السنة )
زيادة بحكم جديد على المسألة ، والزيادة لا تقبل إلا من الثقة الحافظ ،
ومثل عبد الحميد إِذا تفرد لم يقبل تفرده.
ولكن لهذه الزيادة طريق آخر :
وهو ما أخرجه أبو داود ( ١٠٧١ ) : حدثنا محمد بن طريف
البجلى ، حدثنا أسباط ، عن الأعمش ، عن عطاء بن أبى رباح ، قال :
صلى بنا ابن الزبير ... فذكر الخبر والزيادة .
قلت : الأعمش مدلس فاحش التدليس ، أفسد حديث أهل
الكوفة بتدليسه ، وقد عنعن الإِسناد ، وقد رواه ابن جريج عن عطاء -
وهو من أثبت وأحفظ أصحاب عطاء - فلم يأتى بقول ابن عباس :
((أصاب السنة))، ولا حتى بلفظ: ( أصاب).
أخرجه عبدالرازق ( ٥٧٢٥ ) عن ابن جريج به .
ورواه الفریابى فى ((أحكام العيدين)) (١٥٣)، حدثنا عمرو بن
على ، حدثنا أبو عاصم ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، قال : اجتمع
يوم الفطر ويوم جمعة زمن ابن الزبير فصلى ركعتين فذكرذلك لابن
عباس ، فقال : ((أصاب)) .
ورواه عبد الرازق (٥٧٢٦) - ومن طريقه ابن المنذر فى
٩٩

((الأوسط)) (٤ /٢٩٠) - عن ابن جريج، قال : أخبرنى أبو الزبير فى
جمع ابن الزبير بينهما يوم جمع بينهما ، قال : سمعنا ذلك أن ابن
عباس ، قال: ((أصاب)) عيدان اجتمعا فى يوم واحد .
قلت : أما رواية الفريابى ، فلم يصرح فيها ابن جريج بالسماع
من عطاء كما فعل فى رواية عبد الرزاق الناقصة .
ولا يؤمن تدليسه - إِذ عنعنه ولم يصرح - فلعله سمعه من غير
عطاء ، عن عطاء بهذه الزيادة ، فرواه عن عطاء معنعناً .
وأما رواية أبى الزبير ، فليس فيه التصريح بالسماع من ابن عباس
)) ، فلعله سمعه
إنما قال : (( سمعنا ذلك أن ابن عباس قال .
عن غير واحد عن ابن عباس ، خصوصا وأنه متكلم فى روايته عن ابن
عباس ، وقال أبو حاتم: ((رآه رؤية))، ومجرد الرؤية لا تثبت السماع.
انظر ((مراسيل)) ابن أبى حاتم (ص: ١٩٣).
وحتى على تقدير ثبوت لفظ: ((أصاب)) فلا يعنى أنه أصاب
السنة ، والله أعلم .
ثم إِنى بعد ذلك وقفت على خبر يفيد أن ابن الزبير إِنما ترك
الجمع ، ولم يترك صلاة الظهر .
فقد روى ابن أبى شيبة (٧١٢) : حدثنا هشيم ، عن منصور ،
عن عطاء ، قال : اجتمع عيدان فى عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد ،
ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً.
وأما الخبر الثالث :
فهو عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - :
وهو تتمة لحديث عبدالحميد بن جعفر عند ابن خزيمة ( ١٤٦٥ )
١٠٠