النص المفهرس
صفحات 41-60
قلت : وهذا حكم مجمل ، ولابد من تتبع أسانيد هذه الشواهد لمعرفة إذا ما كانت ترتقي إلى التقوية أم لا . وبتتبع هذه الشواهد نجد مايلي : (١) حديث أسماء بنت يزيد - رضي الله عنها - : أخرجه أحمد (٤٥٦/٦-٤٥٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٤/ ١٦٢) من طريق : حفص السراج ، قال: سمعت شهر بن حوشب ، يقول : حدثتني أسماء .... فذكره. وحفص هو ابن أبي حفص ، أبو معمر التميمي ، ذكره ابن حبان في (ثقاته))، وقال الذهبي: ((ليس بالقوي))، وشهر ضعيف عند الشيخ الألباني -رحمه الله - . وهذا الحديث كما ترى قد تفرد به حفص من هذا الوجه وبهذا السند ، ولم يُتابع عليه ، وتفرد به شهر عن أسماء ، وهذا نوع نكارة ، ولو سلمنا بأن ضعفه محتمل فإن باقي الشواهد لا ترتقي لتقويته كما سوف يأتي بيانه. (٢) حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه - : هو عند البزار (١٤٥٠) : حدثنا روح بن حاتم أبو غسان ، حدثنا مهدي بن عيسى ، حدثنا عباد بن عباد المهلبي ، حدثنا سعيد بن يزيد أبو مسلمة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد مرفوعًا به. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد»(٢٩٤/٤): ((رواه البزار عن روح بن حاتم، وهو ضعيف)). قلت : بل هو شديد الضعف ، وقد قال ابن معين كما في ترجمته من ((تاريخ بغداد)) (٤٠٧/٨): ((ليس بشيء))، وهو من قبيل التجريح الشديد ٣٩ عند ابن معين. وقد خولف في إسناد هذا الحديث ، بما يدل على خطئه ، وعلى نكارة إسناده. فقد رواه الجريري ، عن أبي نضرة ، عن رجل ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه - به ، وهو الحديث الآتي ، فانظر تحقيق الكلام فيه. (٣) حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - : أخرجه أبو داود (٢١٧٤)، والترمذي (٢٧٨٧)، والنسائي (١٥١/٨)، والبيهقي في («الكبرى» (١٩٤/٧)، وفي ((الشعب)) (٧٨٠٩) من طرق: عن الجريري ، عن أبي نضرة، عن رجل ، وفي رواية : عن الطفاوي، وفي رواية أخرى : حدثني شيخ من الطفاوة ، عن أبي هريرة مرفوعًا ضمن حديث طويل. وهذا الوجه هو المحفوظ عن أبي نضرة ، وهو أصح من رواية روح بن حاتم المتقدمة ، فإن الجريري ثقة ، والطريق إليه محفوظة ، وقد رواه عنه جماعة منهم من سمع منه قبل الاختلاط. وعلى هذا فإن شاهد أبي سعيد الذي تقدَّم منكر ، وهذا الحديث - أي : حديث أبي هريرة - شديد الضعف لجهالة راويه عن أبي هريرة ولإبهامه. (٤) حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه - : أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨٥/١- ١٨٦) من طريق: قتيبة بن سعيد ، حدثنا الوسيم بن جميل ، حدثني محمد بن مزاحم، عن صدقة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن سلمان ، بحديث طويل ، وفيه قصة زواج سلمان بامرأة من كنده ، ولفظ الشاهد منه : ٤٠٠ ((المتحدِّث عن ذلك كالحمارين يتسافدان في الطريق)) ... . وهذا الشاهد ضعيف جداً كذلك ، فإن فيه صدقة ، وهو ابن موسى الدقيقي ، وهو ضعيف الحديث ، ومحمد بن مزاحم له ترجمة في ((اللسان)) (٤٢٥/٥)، قال أبو حاتم: ((متروك الحديث))، وأنكر البخاري عليه هذا الحديث ، فقال في ((التاريخ)): ((روى عن صدقة، عن أبي عبد الرحمن ، عن سلمان - رضي الله عنه - حديثًا لم يتابع عليه )). وكذا قال العقيلي في ((ترجمته)) من ((الضعفاء)) (١٣٥/٤)، وأخرج له هذا الحدیث. والمحفوظ عن سلمان في هذا الخبر ما رواه سعيد بن منصور في ((السنن)) (٥٩٢): حدثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن سلمان دون موضع الشاهد، وهذه الرواية كافية لإعلال الرواية الأولى ، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن الرواية الثانية معضلة ، والمعضل شديد الضعف. ومن هذا البحث في طرق وأسانيد هذا الحديث يتبين لنا أن تقوية هذه الطرق بعضها ببعض من باب تقوية شديد الضعف بمثيله ، بل تقوية شاهد أبي سعيد بشاهد أبي هريرة ، هو من باب تقوية الراجح بالمرجوح ، وإنما تتقوى الطرق محتملة الضعف بعضها ببعض إذا انتفى عنها الشذوذ والنكارة کما نبه علیه الترمذي - رحمه الله - و کما اشترطه في حدًّ الحديث الحسن. ثم وجدت بعد الحافظ البيهقي - رحمه الله - يقع في مثل هذا النوع من التقوية - أي شديدة الضعف بعضها بعضًا - فإنه قال في ((شعب الإيمان)) (٣٦٦/٣) عقب روايته لحديث التوسعة على العيال في عاشوراء من طرق واهية : ٤١ ((هذه الأسانيد، وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة )). وتبعه على هذا القول السيوطي في ((اللآلي)). وقد أحسن العلاَّمة المعلمي - رحمه الله - إذا تعقبهما في تعليقه على ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني (ص: ١٠٠)، فقال: ((بل یوهن بعضها بعضًا )). وهذا المثال مما ظهر به خلاف المتأخرين للمتقدمين في أبواب التقوية والتعضيد . فإن المتقدمين قد تكلَّموا فيه بالتضعيف والإعلال والتوهين. فقال العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٥٢/٣): ((لا يثبت في هذا عن النبي ◌ُّ شيءٌ إلا شيء يُروى عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر مرسلاً به )). وسبقه إلى ذلك الإمام أحمد - رحمه الله - فيما نقله الحافظ ابن رجب في ((لطائف المعارف)) (ص: ٥٢) من رواية : حرب ، وابن منصور. وانظر تحقيق القول في هذا الحديث في كتابنا : ((صون الشرع الحنيف)) (٣٧٠) ، وسوف يأتي زيادة تفصيل في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى. • مثال (٥): حديث عبد الرحمن بن شبل - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله ◌َيه ينهى عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يوطن الرجل المكان كما يوطن البعير. وهذا الحديث أخرجه أحمد (٤٤٤,٤٢٨/٣)، والأربعة إلا الترمذي ٤٢ من طريق : تميم بن محمود ، عن عبد الرحمن بن شبل به. وتميم بن محمود ، قال فيه البخاري : ((في حديثه نظر))، وقال العقيلي : ((لا يتابع عليه)) ، يقصدان هذا الحديث ، وذكره الدولابي وابن الجارود في ((الضعفاء))، وهذا بيِّنٌ على نكارة هذا السند. وقد ورد له شاهد من حديث عثمان البتي ، عن عبد الحميد بن سلمة، عن أبيه مرفوعًا. أخرجه أحمد (٤٤٦/٥-٤٤٧). وعبد الحميد وأبوه قال فيهما الدارقطني: ((لا يُعرفان))، وقال ابن حجر في عبد الحميد : ((مجهول)). وجهالة العين من أسباب الضعف الشديد ، ومن ثمّ فلا تصح تقوية الحديث وتحسينه بمجموع الشاهدين. (١) وبعد ؛ فكثرة الطرق الواهية والمنكرة والشاذة لا تزيد الحديث إلا وهنا، فلا يغتر الطالب بتساهل بعض المتأخرين في باب التصحيح بمجموع الطرق ، لا سيما السيوطي - رحمه الله - فإنه يُكثر من ذلك ، وقد قال في حديث: ((اطلبوا الخير عند حسان الوجوه)) : « وهذا الحديث في معتقدي حسن صحيح )). وتعقبه العلاَّمة المعلمي - رحمه الله - متعجبًا بقوله: ((كذا قال !! )).(٢) . قلت : وهذا الحديث له طرق كثيرة مابين منكرة ، وواهية، وموضوعة، ولم يصححه أحد من أئمة الحديث والمحققين من المتقدِّمين. (٣) (١) انظر ((الصحيحة)): (١٥٦/٣ حديث رقم: ١١٦٨) ... (٢) تعليقه على ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني: (ص: ٧٠). (٣) وانظر تخريجها في تعليقنا على كتاب ((قضاء الحوائج)) لابن أبي الدنيا (٥١-٥٥). ٤٣ · الاختلاف على الراوي في رواية الحديث ٥ من أدق القواعد العلمية التي أرساها علماء الحديث : حكم رواية حديث الراوي التي تخالف رأيه. فذهب أكثر علماء الحديث وحفاظه إلى إعلال الحديث إذا كان مخالفًا الرأي راويه، واعتبروا هذه المخالفة علامة دالة على علة خفية. وقد نص على ذلك من المتأخرين صراحة : الحافظ ابن رجب الحنبلي - رحمه الله - ، وحكاه عن أحمد وأكثر الحفاظ . قاعدة (٦) : فقال في ((شرح علل الترمذي)) (ص: ٤٠٩): « قاعدة : في تضعیف حدیث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه. قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا)) . ثم أورد - رحمه الله - الأمثلة على ذلك ، ومنها : حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - : عن النبي وَجلال أنه قال للمستحاضة : (( دعي الصلاة أيام إقراءك)). قال أحمد - رحمه الله - : (( كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ ، لأن عائشة تقول : الإقراء الإطهار، لا الحيض )). قلت : من أهل العلم من صحح هذا الحديث ، وجعله دليلاً على جواز مخالفة الراوي لحديثه الذي يرويه ، وهذا مستبعد ، وفيه نظر . ٤٤ ■ ومن أمثلة هذا الباب : حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - : دخل عليَّ رسول الله وَّ فرأى في يدي فتخات من وَرِق ، فقال : ((ما هذا يا عائشة؟!)) فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله ، قال : ((أتؤدين زكاتهن؟)) قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: ((هو حسبك من النار )). قلت : هذا الحديث أخرجه أبو داود (٢٤٤/١) من طريق : يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره ، عن عبد الله بن شداد ، أنه قال : دخلنا على عائشة زوج النبي بَجله، فقالت :... فذكره. وهذا الحديث كما ترى ظاهر إسناده على شرط الصحيح كما قال الحافظ ابن حجر (١)، ولكن يخالفه ما أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١ / ٢٥٠) بسند صحيح جدًا ، عن القاسم بن محمد : أن عائشة زوج النبي ◌َّ كانت تلي بنات أخيها - يتامى في حجرها - لهن الحلي ، فلا تخرج من حليهن الزكاة. وبإمعان النظر في رجال السند الأول نجد أن راوي المرفوع هو يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، وهو وإن وُثُق إلا أنه قد تُكُلِّم فيه من قِبل حفظه ، فقال أحمد: ((سيئ الحفظ))، وقال النسائي مرة: ((ليس بالقوي))، وقال ابن صالح : ((له أشياء يخالف فيها)) ، فالحمل عليه في هذه الرواية ولا شك. (١) انظر ((آداب الزفاف)) للشيخ الألباني: (ص: ٢٦٤). ٤٥ ● حكم زيادة الثقة اختلف أهل العلم من المحدِّثين والفقهاء في رُتْبة من تُقبل منه الزيادة في الحديث من الثقات ، فقال عامة الفقهاء أن الزيادة مقبولة من عموم الثقات دون قيد أو شرط ، وجروا في قولهم هذا على أصول مذهبهم من عدم الاعتداد بكثير من العلل التي يُعل بها أهل الحديث الأحاديث. وأما جمهور المحدِّثين ، وأهل التحقيق من المتأخرين فاشترطوا لقبول الزيادة من الثقة أن يكون من الحفاظ العارفين الضابطين المميزين لرواياتهم. ومنهم من توقف في قبول بعض الزيادات من بعض الحفاظ إذا كانت هذه الزيادة سنة أو أصلاً جديداً، كما تقدَّم نقله عن الإمام أحمد -رحمه الله - حينما توقف في زيادة الإمام مالك: ((من المسلمين)) في حديث زكاة الفطر . والراجح هو ما عليه الجمهور من المحدِّثين ، ونقول أهل العلم دالة على ذلك. قاعدة (٧) : قال الترمذي في ((العلل)) (٥٢٤/٥): ((ورُبّ حديث إنما يُستغرب لزيادة تكون في الحديث ، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يُعتمد على حفظه )). ((فإن زاد حافظ ممن يُعتمد على حفظه قبل ذلك عنه)). ١ وقال ابن خزيمة - رحمه الله - : (١) (١) نقلاً عن ((النكت على ابن الصلاح)) للحافظ ابن حجر (٦٨٨/٢-٦٨٩). ٤٦ (( لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ ، ولكن نقول : إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان ، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قُبلت زيادته ، فإذا تواردت الأخبار ، فزاد ، وليس مثلهم في الحفظ زيادة لم تكن تلك الزيادة مقبولة )». وقال ابن الصلاح - رحمه الله - : (١) (( إذا انفرد الراوي بشيء نُظر فيه ، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط ، كان ما انفرد به شاذًا مردودًا ، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره ، وإنما هو أمر رواه هو ، ولم يروه غيره ، فيُنظر في هذا الراوي المنفرد ، فإن كان عدلاً حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه ، قُبل ما انفرد به ، ولم يقدح الانفراد فيه ، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به ، كان انفراده به خارمًا له ، مزحزحًا له عن حيز الصحیح )). وأما الإمام النووي - رحمه الله - فقد أكثر الحكاية عن جماهير أهل الحديث أنهم كانوا يقولون بقبول زيادة الثقة دون شرط أو قيد ، وفيه نظر شديد ، وقد نهض لإبطال هذا القول الحافظان ابن دقيق العيد ، والعلائي. فأما ابن دقيق - رحمه الله - فقال : (( من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند ، أو رافع وواقف ، أو ناقص وزائد أن الحكم للزائد فلم يُصب في هذا الإطلاق ، فإن ذلك ليس قانونًا مطَّردًا ، وبمراجعة أحكامهم الجزئية (١) ((مقدمة ابن الصلاح)): (ص: ٧٩). ٤٧ يُعرف صواب ما نقول )). وأما العلائي - رحمه الله - فقال : («كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن ، كعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى بن سعيد القطان ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي ، بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث )). وقد تابع الحافظ ابن حجر - رحمه الله - العلائي على هذا القول ، وقال : (١) ((لا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة )). ثم نهض للإنكار على النووي ومن قال بعموم قبول زيادة الثقة من الفقهاء والأصوليين - لا سيما من الشافعية - ، وبيّن أن هذا القول مخالف لمذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - ، فقال : (( وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة ، مع أن نص الشافعي يدل على غير ذلك ، فإنه قال في أثناء كلامه على ما يُعتبر به حال الراوي ، مانصه : ويكون إذا شارك أحداً من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه ، فَوُجد حديثه أنقص، كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتی خالف ما وصفت أضر ذلك بحديثه. ومقتضاه : أنه إذا خالف ، فَوُجد حديثه أزيد أضر ذلك بحديثه ، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقًا ، وإنما تُقبل من الحافظ ، فإنه (١) ((نزهة النظر)): (ص: ٧٢). ٤٨ اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث من خالفه من الحفاظ ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلاً على صحته ، لأنه يدل على تحريه ، وجعل ما عدا ذلك مضرًا بحديثه ، فدخلت فيه الزيادة ، فلو كانت عنده مقبولة مطلقًا لم تكن مضرة بحديث صاحبها )). قلت : وهذا الذي ذكره الحافظ ابن حجر - رحمه الله - غاية في التحقيق والتحرير لمذهب الأئمة والمحققين ، لا سيما المتقدمين منهم. .... ٤٩ ● اعتبار المتن عند التحقق من يدة السندى من المسائل المهمة التي اعتنى بها علماء الحديث ومحققوه عند الحكم على حديث ما بصحة أو بضعف : اعتبار متن الحديث جنباً إلى جنب اعتبار سنده ، ولم يقع منهم أبدًا حكم يختص بأحدهما في معزل عن الآخر. ذلك لأن من شروط الصحة : سلامة الحديث من الشذوذ والعلة ، والشذوذ والعلة قد يقعان في المتن نفسه. ولذلك قد يجرون على إعلال بعض المتون المنكرة ذات الأسانيد ظاهرة الصحة بعلل غير قادحة ، يرونها كافية لرد الحديث. قاعدة (٨) : قال العلاَّمة المعلمي - رحمه الله - : (١) (( إذا استنكر الأئمة المحققون المتن ، وكان ظاهر السند الصحة ، فإنهم يتطلبون له علة ، فإذا لم يجدوا له علة قادحة مطلقًا ، حيث وقعت ، أعلوه! بعلة ليست بقادحة مطلقًا ، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر )). وقال : (( فمن ذلك : · إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس . أعلَّ البخاري بذلك خبراً رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ، عن عكرمة ، تراه في ترجمة عمرو من ((التهذيب)). (١) مقدمة ((الفوائد المجموعة)): (ص: ٨) بتحقيق المعلمي - رحمه الله -. ونحو ذلك : كلامه في حديث عمرو بن دينار في القضاء بالشاهد واليمين . ونحوه أيضًا : كلام شيخه علي بن المديني في حديث: (( خلق الله التربة يوم السبت ... )) إلخ كما تراه في الأسماء والصفات. وكذلك أعل أبو حاتم خبراً رواه الليث بن سعد ، عن سعيد المقبري ، كما تراه في ((علل ابن أبي حاتم)) (٣٥٣/٢). ومن ذلك : إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين : بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني ، وكان خالد يُدخل على الشيوخ، يُراجع ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص: ١٢٠). • ومن ذلك الإعلال : بالحمل على الخطأ، وإن لم يُتْبين وجهه . كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشفعة . · ومن ذلك إعلالهم : بظن أن الحديث أُدخل على الشيخ. كما ترى في (( لسان الميزان )) في ترجمة فضل بن الحباب ، وغيرها. وحجتهم في هذا : أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر ، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا ، يغلب على ظن الناقد بطلانه فقد يحقق وجود الخلل ، وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة ، فالظاهر أنها السبب ، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها . وبهذا يتبين: أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، ٥١ وأنهم قد صححوا ما لا يُحصى من الأحاديث ، مع وجودها فيها ، إنما هو غفلة عما تقدَّم من الفرق ، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منكر )). • مثال (١) على ما تقدم : ما أخرجه ابن عبد البر في ((الاستذكار)): أخبرنا أحمد بن قاسم ، ومحمد بن إبراهيم ، ومحمد بن حكم ، قالوا : حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا الفضل بن الحباب ، حدثنا هشام بن عبد الملك الطيالسي ، حدثني شعبة ، عن أبي الزبير ، عن جابر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله و ◌َله يقول: ((من وسَّع على نفسه وأهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سنته)). قال جابر : جربناه ، فوجدناه كذلك. وقال أبو الزبير مثله ، وقال شعبة مثله. قلت : وهذا المتن منكر جدًا مع نظافة سنده ، وثقة رجاله ، وقد أعله الحافظ ابن حجر -رحمه الله - في ((اللسان)) (٥١٤/٤)، فقال : (« شيوخ ابن عبد البر الثلاثة موثقون ، وشيخهم محمد بن معاوية هو ابن الأحمر ، راوي السنن عن النسائي ، وثقه ابن حزم وغيره ، فالظاهر أن الغلط فيه من أبي خليفة ، فلعل ابن الأحمر سمعه منه بعد احتراق کتبه )». قلت : وهذا إعلال محتمل غير مقطوع به ، إلا أن الأئمة يلجأون إليه عندما يكون المتن منكرًا ، والسند نظيفًا ، وليست له علة ظاهرة تقدح فيه. .. ولا يلزم من الحكم على متن منكر بالوضع أن يكون راويه كذابًا أو ٠ ٥٢ وضاعًا ، أو متهمًا بالكذب أو بالوضع ، بل ربما كان من أهل الصدق والعدالة والضبط ، وربما كان من الثقات الأثبات ، ولكن وهم فيه سواءً سماعًا ، أو تحديثًا ، ولذلك فقد عرَّف أهل العلم الموضوع بأنه ما كان راويه متهمًا ، أو كان مخالفًا للأصول. واستخدام ((أو)) دلالة على التخيير. وقد أشار المعلمي - رحمه الله - إلى هذا المعنى ، فقال (ص: ٧) من تعليقه على كتاب ((الفوائد المجموعة)) للشوكاني : ((قد تتوفر الأدلة على البطلان ، مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يُتهم بتعمد الكذب ، قد يكون صدوقًا فاضلاً ، ولكن يرى الناقد أنه غلط ، أو أُدخل عليه الحديث)). • مثال (٢) : ما رواه عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَليه : ((إذا صلَّى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه )). أخرجه أبو داود (١٢٦١)، والترمذي (٤٢٠). قلت : عبد الواحد بن زياد من الثقات ، وقد احتج البخاري بروايته عن الأعمش ، ولكن أنكروا حديثه هذا عنه ، لما فيه من النكارة الظاهرة. قال الحافظ الذهبي في ((الميزان)) (٢/ ٦٧٢) في ترجمته: ((أحد المشاهير ، احتجا به في الصحيحين ، وتجنبا تلك المناكير التي ٠٠ ٥٣ نُقمت عليه ، فيحدِّث عن الأعمش بصيغة السماع ، عن أبي صالح ... )). فذكر له هذا الحديث ، وأنكره عليه ، لا سيما تصريحه فيه بالسماع. هذا ، وقد تكلّم يحيى بن سعيد القطان ، وأبو داود الطيالسي في روايته عن الأعمش ، فقال القطان: (( كنت أجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أذاكره حديث الأعمش ، لا يعرف منه حرفًا)) ، وقال الطيالسي: ((عمد عبد الواحد إلى أحاديث كان يرسلها الأعمش ، فوصلها ، يقول : حدثنا الأعمش ، حدثنا مجاهد في كذا وكذا )). والحاصل من ذلك : أن هؤلاء الجهابذة لا يقنعون بمجرد نظافة السند ، بل يعتبرونها بالنسبة إلى المتن الوارد به. وبعد :. . . . كانت هذه بعض القواعد العلمية الهامة في مصطلح الحديث وعلومه التي نص عليها الجهابذة من أئمة هذا الشأن ، التي يلزم كل مشتغل بعلم الحديث أن يتنبه إليها ، عند تحقيقه أسانيد الأحاديث والأخبار وعند دراستها ، والله الموفق إلى ما يحبه ويرضاه. و کتب : أبو عبد الرحمن عمرو عبد المنعم سليم. طنطا : ليلة الأول من محرم ١٤٢٠هـ ٥٤ ● فهرس الموضوعات ٥ مقدمة الكتاب. ٥ ٧ طريقة المؤلف ومنهجه في الكتاب. اشتراط انتفاء الشذوذ في حدِّ الصحيح. ٨ حدُّ الحديث الصحيح. ٨ الاختلاف في تعريف الشذوذ. ٨ قاعدة (١) حكم التفرد بالحديث مثال على الشذوذ. ١٠ بعض أهل العلم قد يرد ما يتفرد به الثقة. ١١ مثال على ذلك: (( حديث صلاة حفظ القرآن)). ١٢ المحققون لا يقنعون بمجرد نظافة سند الحديث بل يعتبرونها بالنسبة ٠ للمتن. ١٢ مثال على ذلك: ((حديث صلاة التسابيح)). ١٢ مثال آخر على ذلك : حديث النوم جنبًا دون مس الماء. ١٤ بيان أن هذا الحديث مما اشتُهر تصحيحه بين المعاصرين لأن إسناده ظاهر الصحة ، وذكر إعلال الإمام مسلم له بالشذوذ. ١٤ قاعدة (٢): حكم تفرد الصدوق. ١٤ مثال على حكم ما تفرد به الصدوق : ((حديث دعاء الخروج من الخلاء)). ١٥ ٥٥ ١٠ مناقشة من صحح هذا الحديث من أهل العلم المعاصرين. ١٧ . مثال آخر : (( حديث زكاة الفطر)) ... ١٩ ٢١ اعتبار الضبط بموافقة الثقات وحكم رواية المستور . ٠ ٢١ قاعدة (٣) معرفة ضبط الراوى يُعرف ضبط الراوي بموافقته للثقات ، ونص ابن الصلاح ، ومن قبله الإمام مسلم على ذلك .. ٢٢ قاعدة (٤) حكم رواية المستور احتجاج بعض طوائف المتأخرين من الفقهاء برواية المستور ، وبيان مافيه . ٢٣ من النظر . ٠ ٢٣ قاعدة الشيخ الألباني -رحمه الله - في الاحتجاج بالمستور. ٢٣ كلمة حق في الشيخ الألباني - رحمه الله - (حاشية) .. مناقشة الشيخ ناصر - رحمه الله - في هذه القاعدة ، وبيان أنها تدل على رسوخ قدم الشيخ في علم الحديث .... . ٢٣ رواية العدول عن الراوي لا ترقي حاله ، إلا إذا كان فيهم من اشترط أن لا يروي إلا عن ثقة ..... ٢٣ ذكر أقوال أهل العلم الدالة على ذلك. ٢٤ مناقشة الشيخ - رحمه الله - في تحسين حديث أبي هريرة في الذهب ٠٠ ٢٦ المحلق ، وبيان علة ضعفه. اعتبار الذهبي لنكارة المتن ، وإعلال الحديث بها ، وإن كان ظاهر السند نظيفًا. .. ٢٧ ٠ بيان أن قاعدة الشيخ الألباني - رحمه الله - صحيحة المسلك إن تأكد الناقد من انتفاء النكارة عن الرواية .. ٢٨ ٥٦ ٢٢ ٢٩ ما يصلح أن يكون جابرً في المتابعات عند المتأخرين قاعدة (٥) مايصلح لأن يكون جابرًا ٢٩ ٣٠ كلام نفيس للشيخ الألباني -رحمه الله - في باب التقوية .. بيان أن كثيرًا من أهل العلم اشترط كثرة الطرق المحتملة الضعف للتقوية ، وأن منهم من احتج بهذا النوع في الفضائل دون الأحكام .... ٣٠ كلام نفيس للحافظ ابن سيد الناس فيما يصلح أن يقوي الطريق المحتمل الضعف وما لا يصلح. . ٣١ ٣١ بعض الأمثلة على الأخطاء الشائعة في الباب السابق. مثال (١): حديث: ((الحجّاج والعمّار وفد الله ... )) ... ٣١ .٠ ٣٣ · مثال (٢): حديث: ((اللهم إني أعوذ بك من الرجس ... )) مثال (٣): أثر: ((إن من شر الناس عند الله منزلة ... )) ........ ٣٦ . ٣٨ مثال (٤): حديث: ((لعل رجلاً يقول ما يفعل بأهله ... )) .. بيان أن الطرق الشديدة الضعف لا تتقوى ولا تُقوِّي ، وأما المحتملة الضعف فتتقوى بالتعضيد إذا انتفى عنها الشذوذ والنكارة .. ٤١٠ خطأ للحافظ البيهقي في تقوية الطرق شديدة الضعف بعضها ببعض ، ومتابعة السيوطي له. ٤١ تعقب العلاَّمة المعلمي لهما. ٤٢ مثال (٥): حديث : النهي عن نقرة الغراب. ٤٢ · بيان أن كثرة الطرق الواهية والشاذة لا تزيد الحديث إلا وهنا .... ٤٣ ٤٤٠٠ الاختلاف على الراوي في رواية الحديث. قاعدة (٦) : تضعيف حديث الراوى إذا خالف رأيه ٤٤ ذكر مثالين على هذه القاعدة ٤٤ ٥٧ ٤٦ حكم زيادة الثقة اختلاف الفقهاء والمحدثون في حكم زيادة الثقة ، ومتى تُقبل ومتى ٤٦ تُرد. ٤٦ قاعدة (٧) : من تقبل زيادته. الرد على الإمام النووي - رحمه الله - في حكايته عن جمهور المحدثين قبول عموم زيادات الثقات ، وذكر أقول أهل العلم والنقول عنهم الدالة على ٤٧ خلاف ذلك. بيان أن الشافعي -رحمه الله - لم يقل بمطلق قبول زيادة الثقة ... ٤٨ اعتبار المتن عند التحقق من صحة السند. ٠ ٥٠ إعلال الحديث بعلة غير قادحة إن كان المتن منكراً والسند نظيفًا .. ٥٠ ٥٠ قاعدة (٨): كيفية إعلال سند المتن المنكر. مثالين على ما تقدَّم ذكره. ٥٢ خاتمة الكتاب .. ٥٤ فهرس الموضوعات. ٥٥ ٥٨