النص المفهرس
صفحات 21-40
فهذا كلام مجمل ، وعند المحاققة ففيه جملة من الروايات الضعيفة . ثم إني قد وجدت بعد ذلك البزار والدارقطني يُعلّن هذا الحديث بالتفرد . . فقال البزار: (( لا نعلمه يُروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد)). وقال الدارقطني في ((الإفراد)): (( تفرد به إسرائيل عن يوسف ، وتفرد به يوسف عن أبيه ، وأبوه عن عائشة )) .... نقله الحافظ في ((تخريج الأذكار)) (٢١٧/١). ثانيًا : ادعاء أن العلماء قد وقفوا على متابعات تقويه إحالة على جهالة، فهذه مصنفات الحديث اليوم مبسوطة من كل عصر ومصر ، ومجموعة بين أيدي طلاب العلم ، فأين هذه المتابعات المفقودة ، ثم إن قول البزار والدارقطني ، وقبلهم الترمذي يدل على أن الحديث ليس له متابعات ، نعم له عدة شواهد ؛ إلا أنها واهية جداً ، لا ينجبر بها ضعفًا ، ولا تقوم بها حجة . ● ومثال آخر - أكثر وضوحًا - يدل على ما ذكرناه : حديث ابن عمر - رضي الله عنه - مرفوعًا في زكاة الفطر : ((فرض رسول الله وليد زكاة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين صاعًا من تمر ... الحديث)). هكذا رواه مالك، عن نافع ، عن ابن عمر بزيادة ((من المسلمين))، وقد رواه غيره دون هذه الزيادة . وقد قال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - في رواية عنه : ١٩ كنت أتهيب حديث مالك ((من المسلمين)) -يعني: حتى وجده من حديث العمريين-، قيل له: فمحفوظ هو عندك ((من المسلمين)) ؟ قال : نعم . أورده ابن رجب في ((شرح العلل)) (ص: ٢٤٠) ، وعلّق عليه بقوله : (( هذه الرواية تدل على توقفه في زيادة واحدة من الثقات ، ولو كان مثل مالك ، حتى يتابع على تلك الزيادة ... وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله - عن يحيى القطان نحو ذلك أيضًا)). قلت : هذا لأنه تفرد بما يوجب إثبات سنة أو تأصيل أصل شرعي ليس له عليه متابع ، فإذا كان هذا هو موقف الإمام أحمد ويحيى بن سعيد في زيادة في متن الحديث ، فكيف هو في حديث كامل ؟ !!. ٢٠ ● اعتبار الضبط بموافقة الثقات · وحكم رواية المستور من شروط الصحيح أن يكون رواته من العدول الضابطين ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم . والرواة بين من وُثِّق، وبين من جُرِّح ، وتبقى مرتبة ثالثة وهم المستورون الذين لم يتعرض لهم أحد بجرح ولا تعديل . فما حكم رواية هذه المرتبة ؟ هؤلاء في الحقيقة قد أحجم العلماء عن الكلام فيهم لقلة رواياتهم ، لأنهم لو كانوا معروفين بالرواية لما أحجموا عن الكلام فيهم ، لأن الكلام في رواة الحديث نصيحة للأمة ، وتثبيت للصحيح ، وإبطال للضعيف . ومجهول العين ليس ثمة خلاف في أن حديثه مردود ، وأن ضعفه شديد ، لا يتقوى بمتابع . ويبقى مجهول الحال والمستور ، فهذا قد عُلِم عينه ، وبقي حاله ، فلا بد من إلحاقه بأحد القسمين؛ إما المحتج بهم ، أو غير المحتج بهم من الرواة، وهذا ينبني على معرفة ثبوت ضبطه من عدمه . ويُعرف ضبط الراوي بموافقته أو مخالفته للثقات . قاعدة (٣) قال ابن الصلاح - رحمه الله - (ص: ١٠٦) : (( يُعرف كون الراوي ضابطًا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان ، فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم ، ٢١ أو موافقة لهم في الأغلب ، والمخالفة نادرة، عرفنا حينئذ كونه ضابطًا ثبتًا ، وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه، ولم نحتج بحديثه)). قلت : وهذا الذي ذكره ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - هو الذي عليه المحققون من أهل هذا الشأن ، وإليه يومئ كلام الإمام مسلم -رحمه الله - حينما عاب عليه أبو زرعة إخراجه حديث بعض الضعفاء في (صحيحه))، فقال - رحمه الله - : (( إنما قلت صحيح ، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقطن وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم ، إلا أنه رب وقع إليّ عنهم بارتفاع ، ويكون عندي من رواية من هو أوثق منهم بنزول ، فأقتصر على أولئك ، وأصل الحديث معروف من رواية الثقات )). أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد)» (٢٧٣/٤) بسند صحيح. فإن قيل : فكيف يكون الحكم على حديث هذا القسم من الرواة ؟ قلنا : هذا يجرنا إلى ذكر : قاعدة (٤) : قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النزهة)) (ص: ١٠٧): « قد قبل روایته - [أي المستور] - جماعة بغیر قید ، وردها الجمهور ، والتحقيق : أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يُطلق القول بردها ، ولا بقبولها ، ل يُقال : هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به إمام الحرمين، ونحوه قول ابن الصلاح فيمن جُرّح بجرح غير مفسر». قلت : قد اشتهر الاحتجاج بمن لم يوثق عند طوائف من المتأخرين كما نقله الذهبي - رحمه الله - في ((الموقظة)) (ص: ٧٨) ، والظاهر من نقول ابن ٢٢ الصلاح أن من أعمل الاحتجاج به إنما هم طائفة من الفقهاء ، لا من أهل الحديث ، وإنما يكون الاعتبار بصنيع أهل الصنعة نفسها ، وأئمة العلم نفسه، لا بصنيع أهل صنعة أخرى ، وما عليه الجمهور هو الصحيح قاعدة الشيخ الألباني في الاحتجاج بالمستور : إلا أنه يهمنا هنا أن نعرِّج على ذكر قاعدة الشيخ الألباني - رحمه الله- في الاحتجاج بأحاديث هذه الطائفة من الرواة . وقد أبان عن مذهبه في الاحتجاج بروايتهم في مقدمة كتابه (تمام المنة))، عند الكلام على من وثقه ابن حبان (ص: ٢٥) ، قال : (( من وثقه ابن حبان ، وقد روى عنه جمع من الثقات ، ولم يأت بما ◌ُنگر علیه، فهو صدوق يحتج به )) . قلت: وهذه القاعدة صحيحة المخرج، تدل على رسوخ قدم الشيخ الألباني - رحمه الله - في هذا الفن(١)، إلا أنه يجب التنبيه على عدة ملاحظات ينبغي التفطن لها عند تطبيق هذه القاعدة ؛ أولها : أن رواية العدل - أو جماعة من العدول - عن غيره لا ترقي حاله ؛ إلا في حالة واحدة وهي إذا كان مجهول العين ، لم يرو عنه غير واحد ، وإلى هذا يشير قول أبي حاتم - رحمه الله - . فقد قال ابنه عبد الرحمن في ((الجرح والتعديل)) (٣٦/١/١): سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة ، مما يقوّيه ؟ قال : إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوّه روايته عنه ، وإذا كان مجهولاً (١) لا أكون مبالغًا لو قلت : إن الشيخ - رحمه الله - قد أحیا الله به هذا العلم ونشر به السنة ، وما أعظم الفجيعة بموته ، وما أكبر البلية بغيابه ، إلا أنه ولله الحمد والمنة قد خلّف من وراثه جيلاً كاملاً من طلبة العلم من أهل الحديث والسلفيين ، فلله سبحانه الفضل كله . ٢٣ نفعه رواية الثقة عنه . قلت : لأنه يخرجه بروايته عن حد الجهالة ؛ أي : جهالة العين إلى جهالة الحال والستر . وأما أنها تُرقِيه إلى الاحتجاج فلا . قال الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) (ص: ١١١): (( احتج من زعم أن رواية العدل عن غيره تعديل له بأن العدل لو كان يعلم فيه جرحًا لذكره ، وهذا باطل ، لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته ، فلا تکون روايته عنه تعديلاً ، ولا خبراً عن صدقه ، بل يروي عنه لأغراض يقصدها ، كيف وقد وُجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنها غير مرضية ، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية ، وبفساد الآراء والمذاهب)) . وفي ((سؤالات أبي داود)) للإمام أحمد (١٣٧): قال : قلت لأحمد : إذا روى يحيى أو عبد الرحمن بن مهدي عن رجل مجهول ، يُحتج بحديثه ؟ قال : یحتج بحديثه . قلت : وهذه القاعدة تخالف ما تقدم نقله عن أبي حاتم ، في أن قول أبي حاتم مختص بمطلق رواية الثقة عن المجهول لا بخصوص رواية أفراد بعینهم ، کالذین ورد ذكرهم في سؤالات أبي داود . فإن يحيى بن سعيد كان لا يروي إلا عن ثقة ، ومثله ابن مهدي ، فروايتهما عن مجهول توثيق له ، بخلاف الثقة إذا روى عن مجهول ، فإنه لا يخرجه إلى حيز الاحتجاج إلا إذا كان من الثقات الحفاظ الأثبات العالمين ٢٤ بالرجال ، وكان لا يروي إلا عن ثقة . وقد ورد في سؤالات أبي داود (٤٦٩) : سمعت أحمد قال : عثمان بن غياث ، ثقة ، أو قال : لا بأس به ، ولكنه مرجئ ، حدَّث عنه يحيى ، ولم يكن يحدِّث إلا عن ثقة . قلت : هذه شبيهة بإخراج البخاري ومسلم أو أحدهما حديث أحد المستورين ، فإن كان احتجاجًا في الأصول، ولم يوثقه أحد فإخراجهما له أو إخراج أحدهما له توثيق وتعديل ، إلا أن يُعلَم أنهما قد تخيَّروا له حديثًا بعينه . ثانيها : متعلق بحد النكارة التي يجب أن يتخطاه الراوي لكي يُقْبَل حديثه ، وبقوة المتابع . فأما المتابعة ، فأي متابعة يقصد ؛ متابعة الثقة ، أم متابعة الضعيف ؟ فإن كانت متابعة الثقة فلا كلام . إلا أن الشيخ في غالب من يُطبِّق عليهم هذه القاعدة يكونون ممن تفردوا بالرواية أو تابعهم عليها من هو مثلهم أو دونهم . وإن كان متابعة الضعيف ، فهل متابعة الضعيف لمثيله تخرج حديثهما عن حد النكارة ؟ فيه تفصيل وخلاف عند العلماء ، والراجح أنه قد تخرجه عن حد النكارة إذا كثرت المتابعات ، وكان ضعف الرواة محتملاً ، ولم يرووا ما يُنكر عليهم . ثالثها : أن الشيخ - رحمه الله تعالى - لم يعتبر بشرط النكارة عند تطبيق هذه القاعدة في بعض الأمثلة ، منها : ٢٥ حديث أسيد بن أبي أسيد البراد ، عن نافع بن عياش ، عن أبي هريرة مرفوعًا : ((من أحب أن يحلّق حبيبه حلقة من نار، فليحلقه حلقة من ذهب ... )) الحديث . قال - رحمه الله - في ((آداب الزفاف)) (ص: ٢٢٤): : (( هذا سند جيد ، رجاله ثقات رجال مسلم ، غير أسيد هذا ، فوثقه ابن حبان ، وروى عنه جماعة من الثقات، وحسّن له الترمذي في ((الجنائز)»، وصحح له جماعة ، ولذا قال الذهبي والحافظ : صدوق)). قلت : النكارة في هذا الحديث ظاهرة ، فإنه مخالف لأحاديث صحيحة صريحة كثيرة في إباحة الذهب للنساء . وهذا الراوي مع ما قدّمه الشيخ الألباني من حاله لا يرتقي إلى مخالفة أحاديث الثقات ، فكيف نجنح إلى تقوية حديثه من هذا الوجه ؟ وقد تقدَّم أن الراوي الصدوق قد يكون تفرده منكرًا ، وذكرنا نص الإمام الذهبي على ذلك ، فكيف بمن لم تثبت عدالته أصلاً ، وإنما قد وثقه من لا يُعتمد على توثيقهم لتساهلهم ، وتابعهم عليه المتأخرون . : والذهبي وإن كان ممن عدَّل أسيد البراد إلا أنه حكم على بعض هذه الأحاديث الواردة في تثبيت ما ذهب إليه الشيخ بالنكارة . فقال - رحمه الله - في ((الرد على ابن القطان)) (٢١/أ): :(( حديث نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا، ثم قال : جاء المنع من تحلي النساء به عن ثوبان ، وحذيفة ، وأسماء بنت يزيد ، وأبي هريرة -رضي الله عنه - والصحيح الإباحة ... )). ٢٦ بل أصرح من ذلك أنه حكم على حديث أسماء بنت يزيد في هذا الباب بالنكارة ، فقال : ((وحديث أسماء ؛ رواه أبان العطار ، حدثنا يحيى ، أن محمود بن عمرو الأنصاري حدثه، أنها حدثته، أن رسول الله وَجيله قال: ((أيما امرأة تقلدت ذهبًا قُلِّدت في عنقها مسكة من النار ، وأيما امرأة جعلت في أذنيها خرصًا ، فكذلك)) ورواه الدستوائي عن يحيى ، ومحمود مجهول . قلت - القائل الذهبي - : أسماء عمته، وقد وثّق ، لكن المتن منكر)). فانظر كيف اعتبر الذهبي نكارة هذا الحديث(١). فإن قيل : ولكن هذا الحديث غير حديث أبي هريرة من رواية أسيد بن البراد ؟ فالجواب : قد رد الذهبي الاحتجاج بهذه الأحاديث جملة ، وصحح القول بأحاديث الإباحة ؛ هذا من جهة . ومن جهة أخرى ؛ فإن محمود بن عمرو هذا قد أورده ابن حبان في (الثقات))، وقد روى عنه يحيى بن أبي كثير ، وحصين بن عبد الرحمن الأشهلي ، وحديث أبي هريرة شاهد جيد له . إلا أن الشيخ - رحمه الله تعالى - قد ضعّف هذا الحديث ، وأعلّه بمحمود ، فقال في ((آداب الزفاف)) (ص: ٢٣٧): ((لكن محمودًا هذا فيه جهالة كما قال الذهبي ، فإن وجد له متابع أو شاهد معتّبَر قامت الحجة به ، وبخاصة أن الحافظ المنذري قد صرّح في (١) وفي هذا دلالة على أن وصف الراوي بالتعديل يكون حكمًا عامًّا، قد يرده خصوص تفرده بحديث أو بمتن منكر لا يُحتمل منه . ٢٧ ((الترغيب)) (٢٧٣/١) بأن إسناده جيد)). قلت : ومثل محمود بن عمرو هذا نبهان مولى أم سلمة ، فقد أورده ابن حبان في (( الثقات))، وروى عنه الزهري ، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة ، وأخرج له الترمذي ، حديثه المعروف عن أم سلمة في الاحتجاب، وقال: (( حسن صحيح))، وكذا فعل الحاكم ، وصححه ، وأقره الذهبي . . .وأما الشيخ الألباني - رحمه الله - فقد أعل الحديث بجهالة نبهان كما في ((الإرواء)) (٢١١/٦)، و((غاية المرام)) (ص: ١٣٩). والذي نخلص إليه : أن تلك القاعدة صحيحة المسلك إذا كانت صحيحة التطبيق ، ويلزم من ذلك التأكد من انتفاء النكارة ، وهذا أمر قد تجاهله كثير من المشتغلين اليوم . * ٢٨ ● ما يصلح أن يكون جابرا في المتابعات عند المتاخرين ..... من المسائل الشائكة - والتي طال الخلاف حولها قديمًا وحديثًا - ما أثير حول حدٍّ الحديث الحسن ، وتقسيمه إلى حسن لذاته وحسن لغيره ، وليس هذا هو موضع تحرير هذه المسألة ، ولكن الذي يهمنا هنا أن المتأخرين لما ذكروا في مصنفاتهم الحديث الحسن بمجموع الطرق - الذي ورد من طريقين ضعيفين فقوّى أحدهما الآخر - جعلوا لما يصلح أن يكون جابرًا شروطًا خالفها كثير من المشتغلين بالعلم اليوم ، ومنهم من يعتبر بها أحيانًا ، ويعتبر بها أحيانًا أخرى ، ومنهم من يخطئ في تطبيقها . وقد ذكر الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) (٤٠٩/١) صفة ما يصلح أن یکون جابرًا ؛ قاعدة (٥) : فقال : و ((يَرَجَع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد ، فحيث يستوي الاحتمال فيهما فهو الذي يصلح لأن ينجبر ، وحيث يقوى جانب الرد فهو الذي لا ! ینجبر )) . وهذا القول يمكن إجماله في العبارة التالية : ما كان ضعفه محتملاً كان صالحًا للتقوية . وقد عبّر الحافظ في ((النزهة)) عن هذا بما يشفي العليل ، فقال : ((ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبَر، وكذا: المستور ، والمرسل، والمدلَّس، صار حديثهم حسنًا ، لا لذاته بل بالمجموع )) . ٢٩ ١ وقد حقق العلامة الألباني - رحمه الله تعالى - هذه المسألة في مبحث خاص ، ضمّنه مقدمة كتابه ((تمام المنة)) (ص: ٣١)، وقال: « لا بد لمن يريد أن يُقوّي الحدیث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ، ومن المؤسف أن القليل جدًّا من العلماء من يفعل ذلك ، ولا سيما المتأخرين منهم ، فإنهم يذهبون إلى تقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقًا ، دون أن يقفوا عليها ، ويعرفوا ماهية ضعفها )). فهذا الكلام رائق جدًّا ، يجري على أصول المتأخرين ، إلا أن كثيراً من المعاصرين قد يقع لهم في تخريجاتهم ما يخالف هذه الطريقة ، كتقوية الوجه الراجح بالوجه المرجوح ، أو تقوية الشاذ بالمحفوظ ، أو المنكر بالمعروف ، هذا مع أن الشذوذ والنكارة - ومثلهما: الإعضال، والإبهام، وجهالة العين والتهمة، والكذب، والوضع ، ونحوها من الأسباب الموهية للحديث - لا تصلح التقوية بها أبدًا . وهذه القاعدة كما أسلفت - أي: قاعدة تقوية الضعيف بمثيله - هي من القواعد التي ذكرها المتأخرون ، ولا تجري على أصول كثير من المتقدمين وبعض المتأخرين . (١) · بل المحققين من المتأخرين إنما قالوا بالاحتجاج بهذا الصنف في فضائل الأعمال ، أما الأحكام فلم يطردوا فيها هذه القاعدة ، هذا مع اشتراطهم كثرة الطرق ، ولا شك أن الكثرة تفوق تقوية طريق ضعيف بمثيله . وما أحسن ما ذكره الحافظ ابن سيد الناس ضابطًا لهذا الباب ، فقال (١) وقد نقل الخلاف في هذه المسألة الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((النكت على ابن الصلاح» (٤٠١/١). ٣٠ فيما نقله عنه الزركشي في ((النكت)) (٣٢٢/١): ((إما أن يكون الراوي المتابع مساويًا للأول في ضَعفه ، أو منحطًا عنه، أو أعلى منه ، فأما مع الانحطاط فلا تفيد المتابعة شيئًا ، وأما مع المساواة فقد تقوي ، ولكنها قوة لا تخرجه عن رتبة الضعيف ، بل الضعيف يتفاوت، فيكون الضعيف الفرد أضعف رتبة من الضعيف المُتَابَع ، ولا يتوجه الاحتجاج بواحد منهما ، وإنما يظهر أثر ذلك في الترجيح ، وأما إن كان المتابع أقوى من الراوي الأول إن أفادت متابعته ما دفع شبهة الضعف عن الطريق الأول فلا مانع من القول بأنه يصير حسنًا )). وقد تعقبه الزركشي بقوله : (( وهو تفصيل حسن ، ولا يخفى أن هذا كله فيما إذا كان الحديث في الأحكام ، فإن كان من الفضائل فالمتابعة فيه تقوم على كل تقدير ، لأنه عند انفراده مفيد )». قلت : قد وافق ابن القطان الزركشي في هذا التفريق فيما نقله عنه الحافظ في ((النكت))، والأولى عدمه، لأن كليهما - الأحكام والفضائل - متعلقان بالعبادة ، والأصل في العبادة التوقيف بسند يحتج به سواءً كان من رتبة الصحيح ، أو الحسن. ولنضرب الآن بعض الأمثلة على ماسبق ذكره . • مثال (١): . حديث: ((الحُجَّاج والعُمَّار وفد الله، دعاهم فأجابوا ، سألوه فأعطاهم)). هذا الحديث قد رواه محمد بن أبي حميد ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر مرفوعًا به. ٣١ أخرجه البزار في ((مسنده)) ( كشف : ١١٥٣). وابن أبي حميد هذا ضعيف الحديث ، وقد تابعه طلحة بن عمرو -وهو متروك كما قال الحافظ - على هذه الرواية عند البيهقي في ((الشعب)) (٤١٠٧). وقد صحح العلامة الألباني - رحمه الله - هذا الحديث(١) من هذا الوجه بشاهد من رواية عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - من طريق : عمران بن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن مجاهد عنه. وقال : ((هذا سند ضعيف كما بينته في التعليق على ((الترغيب)) (١٦٥/٢)، لكن الحديث بمجموع الطريقين حسن)). وبتتبع طرق هذا الحديث نجد أن شاهد ابن عمر - رضي الله عنه - منکر الإسناد. فإن عطاء بن السائب كان قد اختلط ، وعمران بن عيينة لم يُذكر في الرواة عنه قبل الاختلاط ، بل عمران هذا صاحب مناكير ، وقد تابعه حماد ابن سلمة ، عن عطاء به عند الدارقطني في ((الأفراد)) (ج٣١ / رقم : ٧ من منسوختي ) ، إلا أن حماد بن سلمة سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعد ، فلم يتميز السماعان. والعلة التي بنينا عليها حكمنا بنكارة السند من طريق عطاء ، أنه قد خولف في رواية هذا الحديث. فقد أخرجه ابن أبي شيبة (١٢١/٣): حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن كعب موقوفًا. ومنصور هنا هو ابن المعتمر ، وهو أوثق وأثبت من عطاء ، فالموقوف (١) ((الصحيحة)): (٤ /٤٣٤). ٣٢ هو المحفوظ ولا شك ، وأما رواية عطاء فهي بالمقابل منكرة. ویبقی شاهد جابر - رضي الله عنه - : وفيه محمد بن أبي حميد - كما تقدَّم - وقد اختلف في روايته ، فرواه من وجه آخر : عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده. ومثل هذا اضطرابٌ ، وعليه فمثل هذه التقوية لا تصح ، لأنها في حقيقتها تقوية حديث مضطرب بشاهد منكر ، والطرق شديدة الضعف لا تُقَوِّي ولا تَتَقَوَّى . (١) • مثال (٢) : حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله وَ جاله إذا دخل الخلاء، قال : ((اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس ، الخبيث المخبث ، الشيطان الرجيم )). هذا الحديث أخرجه الطبراني في «الدعاء)) ( ٣٦٧) من طريق : حبان بن علي ، عن إسماعيل بن رافع ، عن دويد بن نافع ، عن ابن عمر به. ومن هذا الوجه أخرجه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة»(٢٥). قلت : وهذا الإسناد لا يكاد يكون محفوظًا ، فقد تفرد بروايته الضعفاء . فإن حبان بن علي هو العنزي ، ضعيف الحديث ، وشيخه إسماعيل ابن رافع أسوأ منه حالاً ، قال أحمد وأبو حاتم: (( منكر الحديث)) ، وقال ابن معين: ((ليس بشيء))، وقال النسائي والدارقطني: ((متروك))، وهذه (١) وانظر ((صون الشرع الحنيف)) (٨- ١٠). ٣٣ التجريحات شديدة ولا شك ، ولكن قال فيه البخاري : ((ثقة مقارب الحديث))، والجمهور على ضعفه ووهائه ، فلعل البخاري - رحمه الله - لم يظهر له أمره ، ومن علم حجة على من لم يعلم. · أما دويد بن نافع فيروي عن طبقة التابعين ، فروايته عن ابن عمر مرسلة إن لم تكن معضلة، وقد استظهر الحافظ هذا في ((التهذيب)) (١٨٥/٣) فقال: (( رأيت له رواية عن ابن عمر ، فقيل: مرسلة)). قلت : بل هي حتمًا مرسلة ، وعليه فإن ضعف هذا الخبر شديد ، ولا تنفعه المتابعة . وقد حسَّنه بعض الأفاضل من المعاصرين بشاهدين: الأول: من رواية علي وبريدة - رضي الله عنهما -. أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢/ ٧٩٤) ، ومن طريقه الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) من طريق : حفص بن عمر بن ميمون ، حدثنا المنذر بن ثعلبة ، عن علباء بن أحمر ، عن علي ، وعن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه بمثل لفظ حديث ابن عمر. وقد أعله ابن عدي ، فقال : (( هذا الحديث قد جمع فيه صحابيين : عليًا وبريدة ، وجميعًا غريبان في هذا الباب ، وما أظن رواهما غير حفص بن عمر)). وقال الحافظ متابعة لابن عدي في حكمه : (( هذا حديث غريب )). وبالنظر إلى ترجمة حفص بن عمر هذا ، نجد أنه واه جدًا ، فقد ليّنه أبو حاتم، وقال النسائي: ((ليس بثقة))، وقال ابن عدي: ((عامة حديثه ٣٤ غير محفوظ))، وقال ابن معين: ((ليس بثقة))، وقال أبو داود: ((ليس بشيء))، وقال العقيلي: ((يحدِّث بالأباطيل)). فمن أُطلقت فيه مثل هذه التجريحات الشديدة لا يُحتج بحديثه ، ولا يُكتب حديثه إلا على وجه التعجب ، وأما للمتابعة والتقوية فلا. ولعل من حسّن هذا الحديث اغتر بقول الحافظ في ((التقريب)): (ضعيف))، فنقول : إن لفظ الضعف هنا عام ، ويدخل في عمومه من كان شديد الضعف ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن حكم الحافظ على راوٍ من الرواة في ((التقريب)) لا يجب أن يؤخذ على وجه التسليم إلا بعد تتبع جملة ماقيل فيه من جرح أو تعديل كما نبهنا عليه في كتابنا (( تيسير علوم الحديث للمبتدئين)) . فهذا هو الشاهد الأول ؛ شديد الضعف كما يظهر من أقوال العلماء ، وكما تؤيده دراسة السند والكلام في الرواة. وأما الشاهد الثاني : فهو من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - . وقد أخرجه ابن السني في ((اليوم والليلة)) (١٨)، والطبراني في ((الدعاء)) (٣٦٥)، وفي ((الأوسط)) (٨٨٢٥) من طريق : عبد الرحيم بن سليمان ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن وقتادة ، عن أنس به. قال الطبراني: ((لم يرو هذا الحديث عن الحسن وقتادة إلا إسماعيل ابن مسلم ، تفرد به عبد الرحيم بن سليمان)). قلت: وإسماعيل بن مسلم هذا؛ قال فيه أحمد: (( منكر الحديث))، وقال ابن معين : ((ليس بشيء))، وضعفه غير واحد من أهل العلم ، وقال النسائي: ((متروك الحديث))، وقال مرة: ((ليس بثقة)). ٣٥ هذا ؛ وقد تفرد بالحديث عن الحسن وقتادة دون باقي أصحابهما الثقات الحفاظ الأثبات ، فهذه الرواية منكرة ولا شك. ويؤيد الحكم عليها بالنكارة : أن محمد بن فضيل قد أخرج هذا الحديث في ((الدعاء)) (٣٧) عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن عن النبي وَّة مرسلاً. فهذا الوجه هو المحفوظ لأن إسماعيل بن مسلم قد توبع عليه . فقد أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٢) من طريق : حماد ، أخبرنا هشام بن حسان ، عن الحسن مرسلاً . فالظاهر أن إسماعيل قد وهم في الرواية الأولى ، فوصلها. وبما تقدَّم يتبين أن الشاهدين شديدا الضعف ، مثل باقي شواهد الحديث الأخرى ، فلا يصح التقوية بهما . • مثال (٣): أثر أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالم لا ينتفع بعلمه. هذا الأثر أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٠)، ومن طريقه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١/ ١٦٢)، وأبونعيم في ((الحلية)) (٢٢٣/١): أخبرنا رجل من الأنصار ، عن يونس بن سيف ، قال : حدثني أبو كبشة السلولي ، قال : سمعت أبا الدرداء ..... فذكره. وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ٢٢٣): حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا علي بن إسحاق -[وهو ابن زاطيا]- حدثنا حسين المروزي -[وهو راوي كتاب الزهد عن ابن المبارك]- حدثنا ابن ٣٦ المبارك .... بالسند السابق. ثم أخرجه بعد ذلك من نفس الوجه ، وبنفس السند ، إلا أنه قال : حدثنا ابن المبارك ، حدثنا خلف الأنصاري ، عن يونس ..... والظاهر فيما يبدو لي أن ابن زاطيا قد وهم في هذا السند ، فسماه خلف الأنصاري ، فإنه بخلاف المحفوظ عن ابن المبارك ، وبخلاف ما في كتاب ((الزهد)) له ، والوهم فيه محتمل من ابن زاطيا ، فقد قال فيه ابن المنادي: ((لم يكن بالمحمود))، وهو مدعاة للنظر في روايته وإن ورد فيه قول ابن السني: ((لا بأس به))، فإن هذه العبارة الأخيرة إذا أطلقت دون تقييد لا تنفك عن ضعف ما. وخلف الأنصاري هذا لم أقف له على ترجمة، ولم أجد من ترجم له. وقد صحح أحد الأفاضل من المعاصرين هذا الأثر ، فقال : ((وقد صح الحديث موقوفًا على أبي الدرداء؛ أخرجه ابن المبارك (٤٠)، والدارمي (٨٢/١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٣/١)، وابن عبد البر من طريق : يونس بن يوسف ، عن أبي كبشة السلولي ، عن أبي الدرداء موقوفًا ، وهذا إسناد صحیح )). قلت : قد تقدَّم سرد طرق الحديث عند من أخرجه ، ولم يبق إلا الكلام على رواية الدارمي ، وسند الحديث عنده : أخبرنا إسماعيل بن أبان ، عن ابن القاسم بن قيس ، قال : حدثني يونس بن سيف الحمصي ، حدثني أبو كبشة السلولي ، قال : سمعت أبا الدرداء ...... فذكره. فهذه رواية أخرى عن يونس بن سيف غير الرواية السابقة ، والظاهر أن ٣٧ من صحح هذا الأثر اغتر بتعدد الرواة عن يونس بن سيف، وبإمعان النظر في هذا السند، نجد أنه تالف بمرة، فابن القاسم بن قيس هذا هو عبد الغفار، أبو مريم ، وهو من شيوخ إسماعيل بن أبان، كما ورد في ترجمته، وعبدالغفار هذا قال فيه ابن المديني: ((كان يضع الحديث))، وقال أبو داود: ((أشهد أن أبا مريم يكذب))، وقال أبو حاتم والنسائي: ((متروك)). وعليه فلا تصح مثل هذه التقوية إذ أنها تقوية شديد الضعف بمثيله، فالأول فيه مبهم وحكمه حكم مجهول العين ، والثاني فيه وضاع كذاب. · مثال (٤) : حديث أسماء بنت يزيد - رضي الله عنها- أنها كانت عند رسول الله وَله، والرجال والنساء قعود، فقال: ((لعل رجلاً يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟!)). فأرمَّ القوم ، فقلت : إي والله يا رسول الله ، إنهن ليفعلن ، وإنهم ليفعلون ، قال: (( فلا تفعلوا ، فإنما مثل ذلك الشيطان لقي شيطانة في طريق ، فغشیھا والناس ينظرون )). قلت : هذا الحديث صححه الشيخ الألباني - رحمة الله عليه - أو حسنه بشواهده ، فقال في ((آداب الزفاف)) (ص: ١٤٤): (( أخرجه أحمد ، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن أبي شيبة ، وأبي داود (٣٣٩/١) ، والبيهقي ، وابن السني (رقم: ٦٠٩)، وشاهد ثان رواه البزار ، عن أبي سعيد (رقم: ١٤٥٠ كشف الأستار)، وشاهد ثالث عن سلمان في ((الحلية)) (٨٦/١)، فالحديث بهذه الشواهد صحيح أو حسن على الأقل )). ٣٨