النص المفهرس
صفحات 401-420
O ويشبه ألفاظ هذا الباب قولهم: ((فلان يُنتقَى من رواياته)): إذا قالوا ذلك فى رجل تغيّر أو اختلط أو قَبِلَ التلقين فى آخر أمره فمعنى ذلك أنه ينتقى من حديثه ما رواه الشيوخ أو القدامى عنه دون ما رواه عنه الأحداث أو ينتقى من حديثه ما حدث به من كتابه، وإن قالوا ذلك فى رجل سىء الحفظ من أول أمره فمعناه أنه ينتقى من حديثه ما لم يخطىء فيه أو ما توبع عليه أو ما كان من كتابه إن كان له كتاب صحيح، وقد أشار إلى الحالة الثانية المعلمى رحمة الله فى ترجمة بندار محمد بن بشار (ص ٦٦٢) من كتابه (التنکیل)). O «امتناع المحدث من التحديث لأحد الرواة بحديث أحد المشايخ أو مطلقاً وعكس ذلك بذل المحدث وسخاؤه فى الرواية لأحد الرواة): اعلم أن امتناع المحدث عن الرواية له عدة أسباب ولكل سبب من هذه الأسباب حکم: ١- فقد يمتنع المحدث عن التحديث إذا كان شيخه الذى طُلِب منه أن يحدث بحديثه ضعيفاً، كما جاء فى ((المجروحين)) لابن حبان ترجمة عريف بن درهم الجمال، قال ابن حبان: أخبرنا الهمدانى حدثنا عمرو بن على سمعت يحيى بن سعيد يُسأل عن عريف بن درهم فيتمنع به، ذكر هذا ابن حبان دليلاً على قوله: ((منكر الحديث على قلته لا يعجبنى الاحتجاج به إذا انفرد)) (١٩٣/٢). ٢- وقد يمتنع الشيخ لأن الطالب ليس أهلاً، كما فى ((النبلاء)) ترجمة على بن عثام الكلابى قال محمد بن عبد الوهاب الفراء: ((ما رأيت فى العسرة مثل على بن عثام وكأن يقول: الناس لا يؤتون من حلم يجيىء الرجل فيَسأل فإذا أخذ ليباهى ويجيىء الرجل فيصحف ويجيىء الرجل يأخذ يمارى ويجىء الرجل يأخذ ليباهى - ٤٠١ - وليس علّ أن أعلِّم هؤلاء إلا من يهتم لأمر دينه)) (٥٧٠/١٠). ٣- وقد يمتنع المحدث عن رواية بعض الأحاديث عن بعض المشايخ التى هى عنده بعلو كى لا يسمعها أحد عن ذلك الشيخ ويتفرد هو بعد ذلك أى بعد موت ذلك الشيخ أو اختلاطه بالعلو وتكون الرحلة إليه. ٤- وقد يمتنع لعلمه أن الطالب لم يصير على طلب العلم كصبر غيره من الملازمين الأثبات، وقد جاء رجل إلى شعبة يسأله عن حديث فامتنع أن يجيبه وقال: ((يأتى أحدكم كأنه يريد أن يرى دارى ويقول ما تقول فى كذا، لا حتى تجلس كما جلس هذا - وأشار إلى روح بن عبادة -)). اهـ بمعناه كما فى مقدمة ((کامل ابن عدى)). ٥- وقد يكون ذلك لأن نية الطلبة للطلب مدخولة كما سبق من قول على بن عثام وهو فى «النبلاء)) (٥٧٠/١٠)، وكما قال الذهبى فى ترجمة عبد الله بن داود الخرينى (٣٥١/٩)، ونحوه أن الشيخ قد يرى أن القليل يكفى لفقهه والعمل به والكثرة بخلاف ذلك، والله أعلم. ٦- ومنهم من يمتنع عن التحديث ويتعسر فى الرواية لأنه يرى أنه ليس فى حاجة إلى مجىء المحدثين إليه إما لاشتغاله عنهم بالدولة كما سبق وإما لأنه يرى أن شهرته ثابتة بعمله فى الوزارة أو القضاء. ٧- وقد يكون ذلك من أجل الحذر وخشية الخطأ فى الرواية أو لأن الشيخ نفسه شرس الأخلاق. هذا وقد يمتنع المحدث على أحد الطلبة وهو يحبه، كما فى ((طبقات الشافعية)) ترجمة أحمد بن محمد الحافظ أبى الفضل الجارودى قال: ((رحلت إلى الطبرانى فقربنى وأدنانى وكان يتعسر علّ فى الأخذ، فقلت له: أيها الشيخ تتعسر على وتبذل للآخرين؟ فقال: لأنك تعرف قدر هذا الشأن)) (٤٧/٣)، فليس كل من امتنع عن تحديث راو يكون مضعِّفاً له، وليس كل من امتنع عن التحديث بحديث أحد المشايخ يكون مضعِّفاً له فتأمل. - ٤٠٢ - وكذلك بذل الحديث لأحد الرواة لا يلزم منه توثيق الشيخ للطالب، فقد يكون البذل لتوثيق الطالب والرضى عنه كما سبق أن أحدهم كان يحلف ألا يحدث ثم يستثنى فلاناً وفلاناً، وكما يفعل بعض المشايخ من بذله لبعض الطلبة أحاديثه العالمية أو الغريبة دون بقية المحدثين، لكن قد يبذل الشيخ الحديث للراوى دون تفضيل له بل وهو غير راض عنه، كما سبق عن الطبرانى مع الجارودى وكما قال أحمد بن أحمد: ((قال لى يحيى بن آدم: يجيئنى الرجل ممن أبغض وأكره مجيئه فأقرأ عليه كل شىء معه لأستريح منه ولا أراه ويجيىء الرجل أودّه فأردده حتى يرجع إلي)) (٥٢٩/٩) ((النبلاء)). O قولهم: ((فلان متساهل أو يتهاون فى الحديث)): هذا اللفظ له عدة معان: ١- أن الراوى يتساهل عند التحمل کمن ينام والشيخ يقرأ أو يملى أو يشتغل بشىء آخر فى المجلس. ٢- أن يكون تساهله عند الأداء والرواية كمن يحدث من حفظه بما ليس فى كتابه، كما جاء فى ((سؤالات السهمى للدارقطنى)): ((وسأل الشيخ أبو سعد الإسماعيلى أبا الحسن الدار قطنى عن أبى بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضى؟ فقال: كان متساهلاً ربما حدث من حفظه ما ليس عنده فى كتابه وأهلكه العجب فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء الأئمة أصلاً ..... )) (ص ١٦٤ - ١٦٥)، وهذا معناه أنه يحب أن ينتخب على المشايخ وإذا طلب منه أحد الأئمة. الأصل الذى فيه سماعه للأحاديث التى يرويها امتنع تكبراً، والله المستعان، ومعلوم أن التحديث من غير الكتاب يضر سىء الحفظ بخلاف الضابط المتقن لحديثه كما سبق بيانه. وقريب من هذا، التحديث مِن غيْر أصل كما فى ((النبلاء)) ترجمة الوراق - ٤٠٣ _ الإِمام المحدث أبى بكر محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادى المستملى (٣٨٩/١٦). ٣- وقد يكون التساهل لأنه يحدث من كتب غيره، وقد سبق هذا كما فى ((النبلاء)) ترجمة هدية بن خالد القيسى (٩٨/١١ - ٩٩). ٤- وقد يكون الراوى متساهلاً متهاوناً بمعنى أنه لا يفصل الألفاظ أى صيغ التحمل مثل قولهم: ((سمعت وحدثنى وحدثنا وأخبرنى وأخبرنا وعن)) كما جاء فى (النبلاء)) ترجمة أبى خيثمة زهير بن حرب أحد أعلام الحديث قال يعقوب بن شيبة: ((هو أثبت من ابن أبى شيبة، كان فى عبد الله - يعنى ابن أبى شيبة - تهاون فى الحديث لم يكن يفصل هذه الأشياء - يعنى الألفاظ -) (٤٩٠/١١)، ومثل هذا لا يضر ابن أبى شيبة فليس كل من يوصف بالتساهل يكون ضعيفاً نعم يكون غيره أرجح، منه والله أعلم. O قولهم: ((فلان دفن كتابه)): اعلم أنه ليس كل من دفن كتابه يكون من أهل العبادة والزهد المتجردين عن الإتقان والضبط، حتى وإن كان من العُبَّاد فإذا دفن كتابه ولم يحدث بعد . فلا يضر، ولكن البلاء إذا حدث وهو ليس بضابط فسيقع فى حديثه الاضطراب، ودَفْن الراوى كتابَه أو وصيته بحرقه أو غسله له أسباب: : ١- فقد يدفن الراوى كتابه لأنه من العُبَّاد الزهاد ويخاف على نفسه الشهرة، كما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة بشر بن الحارث الحافى أحد الزهاد والعباد: ((دفن كتبه لكراهية أن ينصب نفسه للتحديث)) (٦٧/٧). فمن فعل ذلك ثم رجع للتحديث وليس هو من أهل الضبط طعن فيه بسبب ذلك. ٢- وهناك سبب آخر يجعل بعض المحدثين يفعل ذلك، كما جاء فى ((النبلاء)» - ٤٠٤ _ ترجمة شعبة بن الحجاج، قال سعد بن شعبة: ((أوصى أبى إذا مات أن أغسل كتبه فغسلتها))، قال الذهبى رحمه الله: ((قلت: وهذا قد فعله غير واحد بالغسل أو بالحرق أو بالدفن خوفاً من أن تقع فى يد إنسان واهٍ فيزيد فيها أو يغيرها)) (٢١٣/٧). ٣- وهناك سبب آخر ذكره الذهبى فى ((النبلاء)) ترجمة إسحاق بن راهويه، قال أبو عبد الله الحاكم: ((إسحاق وابن المبارك ومحمد بن يحيى هؤلاء دفنوا كتبهم))، قال الذهبى رحمه الله: ((قلت: هذا فعله عدة من الأئمة وهو دال على أنهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط قد يتصحف على الناقل وقد يمكن أن يزاد فى الخط حرف فيغير المعنى ونحو ذلك، وأما اليوم فقد اتسع الخرق وقل تحصيل العلم من أفواه الرجال بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى» (٣٧٧/١١). ٤- وسبب آخر ذكره المحقق لكتاب ((المغنى)) للذهبى فى الحاشية عند الكلام فى ترجمة يوسف بن أسباط الشيبانى الزاهد، ذكر أن بعضهم دفن کتبه لأن فيها أشياء مدخولة ولم تتميز ولم يرد المحدث منهم أن ينشرها لذلك، قال: ((وفعل ذلك سفيان الثورى وبعض الأكابر))، قال: وانظر (صيد الخاطر)) لابن الجوزى (ص ٣١ - ٣٣) لزاماً ففيه بحث قيم. اهـ من الحاشية (٧٦١/٢)، إذا علمت هذا فليس كل من دفن كتابه يكون من الزهاد الذين لا يضبطون، فقد فعل ذلك بعض الأكابر من العلماء فرحمة الله على الأئمة ما تجدد الليل والنهار. O قولهم: ((فلان يتبع الغرائب)): سبق الكلام على نحو هذا اللفظ . وهذا اللفظ قد يقال فى أهل السرقة المتهمين، ويقال فى الحفاظ أهل الرحلة والطلب، وأما عن كونه ذماً فقد قال ابن المبارك: ((من تتبع غرائب الحديث كذب))، وقال بندار: ((من طلب الأغراب فى الحديث لم ينبل)، انظر ((سؤالات - ٤٠٥ _ ٠١ السهمى للدار قطنى﴾ (١١٣)، ومن أجل ذلك كان كبار الأئمة لا يتتبعون الغرائب خوفاً من التهمة بالكذب والسرقة، لكنه قد يهتم بجمع الغرائب الحافظ المتقن، كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة خلف بن سالم الحافظ المجوّد أبى محمد السندى المهلّبى: ((كان لسعة حفظه يتبع الغرائب)»، وقال أحمد: ((ما أعرفه بكذب نقموا عليه بتتبع هذه الأحاديث)) (١٤٩/١١)، وفى ((النبلاء)) أيضاً ترجمة المعمرى الإمام الحافظ المجود الحسن بن على بن شبيب البغدادى: «قال موسى بن هارون: استخرت الله سنتين حتى تكلمت فى المعمرى، وذلك أنى كتبت معه عن الشيوخ وما افترقنا فلما رأيت تلك الأحاديث قلت: من أين أتى بها؟)) قال الجنيدي: ((كان المعمرى يقول: كنت أتولى لهم الانتخاب فإذا مر حديث غريب قصدت الشيخ وجدى فسألته عنه))، قال الذهبى رحمه الله: ((فعوقب بنقيض قصده ولم ينتفع بتلك الغرائب بل جّت إليه شراً فقبح الله الشره) (٥١١/١٣ - ٥١٢). O قولهم: ((فلان لا يعقل أو خفيف العقل أو قليل العقل»: هذه الألفاظ ترد على وجوه متعددة: ١- قد يقال ذلك فى المبتدع وإن كان لا غبار على حديثه، كما فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة إسحاق بن أبى إسرائيل المروزى محدث بغداد، قال عبدوس بن عبد الله النيسابورى: ((حافظ جداً لم يكن مثله فى الحفظ والورع واتهم بالوقف»، وقال أبو القاسم البغوى: ((كان ثقة مأموناً لكنه قليل العقل))، وقال جزرة: ((صدوق إلا أنه كان يقول: القرآن كلام الله ويقف))، وقال أحمد: ((وأقفى مشهور إلا أنه صاحب حديث كيّس)) (٤٨٥/٢)، وانظر ((النبلاء)) (٤٧٧/١١)، وفى (النبلاء)) ترجمة هشام بن عمار أبى الوليد السلمى عالم أهل الشام ذكر عبد الله بن محمد بن يسار أنه كان يلقّن كل شىء ما كان من حديثه، وذكر عنه قصة تدل على تثبته، وذكر أحمد فقال: ((طياش خفيف))، قال الذهبى رحمه الله: ((قلت: أما قول الإِمام أحمد ((طياش)): فلأنه بلغه أنه قال فى خطبته: ((الحمد لله الذى تجلى - ٤٠٦ - لخلقه بخلقه))، فهذه الكلمة لا ينبغى إطلاقها وإن كان لها معنى صحيح، لكن يحتج بها الحلولى والاتحادى، وما بلغنا أنه سبحانه وتعالى تجلى لشىء إلا لجبل الطور فصيره دكا)، وفى تجليه لنبينا - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - اختلاف أنكرته عائشة وأثبته ابن عباس، وبكل حال كلام الأقران بعضهم فى بعض محتمل وطيُّه أولى من بثه، إلا أن يتفق معاصرون على جرح شيخ فيعتمد قولهم)) (٤٣١/١١ - ٤٣٢). وقد يقولون ذلك فى المبتدع المتكلّم فيه وإن لم يكن كذاباً، كما فى ((النبلاء)» ترجمة مسلمة بن القاسم بن إبراهيم المحدث الرحال الأندلسى القرطبى: ((لم يكن بثقة))، قال ابن الفرضى: ((سمعت من ينسبه إلى الكذب، وقال لى محمد بن يحيى بن مفرج: لم يكن كذاباً بل كان ضعيف العقل، قال: وحُفظ عليه كلام سوء فى التشبيه)) (١١٠/١٦)، وقريب منه ما جاء فى ((الضعفاء)) للعقيلى عمرو بن جابر الحضرمى قال أبو زرعة المصرى: ((قال ابن لهيعة: كان عمرو غير حصيف، كان يجلس معنا فيبصر سحابة فيقول هذا على بن أبى طالب مر فى السحاب)) (٢٦٣/٣)، وقوله ((غير حصيف)) أى غير محكم العقل، جاء فى ((لسان العرب)): ((الحصافة: ثخانة العقل، حصُف بالضم حصافة: إذا كان جيد الرأى محكم العقل، وهو حصف وحصيف بيّن الحصافة، والحصيف: الرجل المحكم العقل، وإحصاف الأمر: إحكامه، وكل محكم لا خلل فيه: حصيف ...... وثوب حصيف: إذا كان محكم النسج صفيقة وأحصف الناسج نسجه)) (٤٨/٩). ٢- وقد يقولون ذلك فيمن له أوهام كثيرة كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة إسماعيل بن عبد الله بن أويس قال ابن معين: ((صدوق ضعيف العقل ليس بذاك - يعنى أنه لا يحسن الحديث ولا يعرف أن يؤديه أو أنه يقرأ من غير كتابه، وقال الذهبى: ((قلت: الرجل وثب إلى ذاك البر واعتمده صاحبا («الصحيحين» ولا ريب أنه صاحب أفراد ومناكير تنغمر فى سعة ما روى فإنه من أوعية العلم)) (٣٩٣/١٠). - ٤٠٧ - ٣- ويأتى هذا اللفظ بمعنى أن الرجل قد خرف، كما فى ((النبلاء)) ترجمة بشر بن الولید بن خالد الکندی ابی الولید، قال جزرة: «صدوق لکنه لا یعقل کان قد خرف)) (٦٧٥/١٠): ٤- ويأتى بمعنى أن الراوى يجالس السفهاء وأنه سىء التدبير، كما فى ((النبلاء» ترجمة العالى بالله إدريس بن يحيى بن على العلوى الإدريسى: ((كان العالى فيه رقة: ورحمة لكنه قليل العقل يقرب السفهاء ولا يحجب عنهم خطاياه وكان سىء التدبير» (٦٥٧/١٧). O وأما قولهم: ((فلان لا يعقل الحديث))، فقد يكون لغفلته، وقد يكون نفياً للكمال فقط، فمثال الحالة الأولى ما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة غسان بن عبيد الأزدى قال يحيى بن معين: ((قدم علينا هاهنا فنزل المدينة فأتيناه فإذا هو لا يعرف الحديث إلا أنه لم يكن من أهل الكذب ولكنه كان لا يعقل الحديث)). (٣٢٨/١٢). ومثال الحالة الثانية: ما جاء فى (النبلاء) ترجمة عبد الملك ابن الإِمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة بن الماجشون قال أبو داود: ((كان لا يعقل الحديث)) - يعنى - لم يكن من فرسان الحديث وإلا فهو ثقة فى نفسه (٣٦٠/١٠)، وابن الماجشون هذا قال فيه يحيى بن أكثم: ((كان بحراً لا تكدره الدلاء)) (٣٦٠/١٠). - ٤٠٨ - O وأما قوهم: ((کان فلان یهاب فلاناً)) فله وجوه: ١- يحتمل أن ذلك لثقته وعلو قدره فيهاب مخالفته. وهذا يذكر كثيراً فى تراجم الأئمة المشاهير، ونحوه ما جاء فى ((النبلاء) ترجمة عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب قال الذهبي: ((قلت: كان أخوه عبد الله بن عمر يهابه ويجله ويمتنع من الرواية مع وجود عبيد الله فما حدث حتى توفى عبيد الله)) (٣٠٦/٦). ٢٠- وقد يكون سبب الهيبة الخوف من نقد القرين لقريته لا الإِجلال، كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة سليم بن عيسى بن سليم بن عامر شيخ القراء تلميذ حمزة وأحذق أصحابه وهو خلفه فى الإِقراء، قال الدورى: ((قال لى الكسائى: كنت أقرأ على حمزة فجاء سليم فتلكأت فقال حمزة: تهابه ولا تهابنى؟ قلت: أيها الأستاذ أنت إن أخطأتُ قومتنى وهذا إن أخطأت عيّرنى)) (٣٧٦/٩). O أما قول أحدهم: ((كنت أهاب حديث فلان)) أى أتقيه لضعفه وتخليطه واضطرابه وعدم انضباطه، والله أعلم. - ٤٠٩ - O قولهم: ((من يصبر على ما يصبر عليه فلان أو يطيق مثل ما يطيق فلان؟)): هذا التعبير يكون مدحاً فى الرواية ويكون مدحاً فى العبادة ومجاهدة النفس، أما عن المدح فى الرواية فقد جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة النسائى أحمد بن شعيب الإمام الحافظ قال أحمد بن نصر أبو طالب الحافظ: ((من يصبر على ما يصبر عليه النسائى؟ عنده حديث ابن لهيعة ترجمة ترجمة - يعنى عن قتيبة عنه - فما صنفها) (٦٩٩/٢ - ٧٠٠) وهذا القول معناه أن النسائى رحمه الله ورع فى الرواية، والسبب فى ذلك أن المحدثين يتنافسون فى كثرة الروايات، فإذا كان عند أحدهم أحاديث ثم تركها لعلة فيها فهذا غاية من الورع، كما سبق عند الكلام على قولهم: ((فلان شكاك))، وهذا اللفظ أيضاً يدل على انتقاء النسائى وحسن تمييزه فى التصنيف ويدل على كثرة ما عنده من الرواية، لأنه لم يحتج فى التصنيف إلى حديث ابن لهيعة، واكتفى بما عنده عن غيره، والله أعلم. وأما عن المدح فى العبادة ومجاهدة النفس فقد جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمه محمد بن سيرين قال أبو قلابة: ((من يطيق مثل ما يطيق محمد؟ يركب مثل حد السنان)) (٧٨/١). O قولهم: ((فلان ليس عليه قياس أو لا يقاس به أحد)): هذا يدل على أن الراوى غاية فى المدح أو فى القدح، أما فى المدح فقد جاء فى ((النبلاء)) أن ابن معين قيل له: ((شريك أعلم بحديث بلده من الثورى؟ فقال: ليس يقاس بسفيان أحد لكن شريك أروى منه فى بعض المشايخ)) (٢٠٢/٨) وانظر ((تاريخ بغداد)) (٢٣/٧). - ٤١٠ - وأما مجيئه فى القدح ففى ((النبلاء) قال الفضل بن زياد: ((قلت لأبى عبد الله فى إسرائيل وشريك، فقال: إسرائيل صاحب كتاب يؤدى ما سمع وليس على شريك قياس كان يحدث بالحديث بالتوهم)) (٢٠٥/٨)، هذا معنى اللفظ أما حال شريك فليس هو ممن بلغ الغاية فى الضعف. وسأل الأثرمُ أحمدَ ما تقول فى ابن الحمّانى؟ فحمل عليه حملاً شديداً فى أمر الحديث، وقال: ((ابن الحمانى ليس الآن عليه قياس، أمر ذاك عظيم)) قال: ورأيته شديد الغيظ عليه (٥٣١/١٠) ((النبلاء)). وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة يعقوب بن محمد بن عيسى الزهرى المدينى تكلم فيه يحيى وجزرة وقال أبو زرعة: ((ليس على يعقوب قياس)) (٢٧١/١٤). O قولهم: ((فلان مخلّط أو يخلّط أو له تخاليط»: كنت أظن أن هذه الألفاظ لا تكون إلا فيمن هو سىء الحفظ أو اختلط سواء كان بأخرة أو من أول أمره، لكن رأيت هذه الألفاظ تأتى على ثلاثة وجوه: ١- يقولون ذلك فى المدلس، لأن المدلس يروى المناكير والبواطيل، انظر ترجمة محمد بن محمد بن سليمان الباغندى فى ((سؤالات السهمى للدارقطنى)) (ص ٨٩ - ٩٢). ٢- ويقولون ذلك فيمن ساء حفظه واضطرب حديثه، وهذا ظاهر كما فى (تهذيب التهذيب)) ترجمة إسماعيل بن مسلم المكى، قال القطان: ((لم يزل مخلطاً يحدثنا بالحديث الواحد على ثلاثة ضروب))، ويوضح قولَ القطان هذا قولُ غيره فقد قال الفلاس: ((كان ضعيفاً فى الحديث يهم فيه وكان صدوقاً يكثر الغلط يحدث عنه من لا ينظر فى الرجال))، وقال غيره: ((ضعيف لا يترك)) (٢٣٢/١)، ولخص ذلك الحافظ فى ((تقريبه)) بقوله: ((ضعيف الحديث)). والذى فى ((الجرح والتعديل)) قال القطان: ((لم يزل مختلطاً كان يحدثنا ..... )) إخ. - ٤١١ - وقال أبو حاتم: ((ضعيف الحديث مخلط، فقال له ابنه: هو أحب إليك أو عمرو بن عبيد؟ فقال: جميعاً ضعيفين، وإسماعيل هو ضعيف الحديث ليس بمتروك: يكتب حديثه)) (١٩٩/٢)، وفى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة محمد بن مصفى بن بهلول القرشى الحمصى الحافظ قال صالح بن محمد: ((كان مخلطاً وأرجو أن يكون: صدوقاً وقد حدث بأحاديث مناكير)) (٤٦١/٩). ٣- ويقولون ذلك فى الكذاب الذى يضع الحديث أو يركب الأسانيد، جاء فى (لسان الميزان)) ترجمة أحمد بن عبيد الله بن أبى العز بن كادش قال عبد الله بن عبد الرحمن الحربى: ((كان مخلطاً كذاباً لا يحتج بمثله وللأئمة فيه مقال)) (٢١٨/١)، .. وفيه أيضاً ترجمة الحسن بن الحسين الرهاوى قال عبد العزيز الكتانى: ((كان فيه تخليط يحدث بما لم يسمع ويركب على الشيوخ)) (٢٠١/٢)، وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة عمر بن محمد بن السرى ويعرف بابن أبى طاهر قال محمد بن أبى الفوارس: ((كان مخلطاً فى الحديث جداً يدعى ما لم يسمع ويركب)) (٢٦٣/١١)، وفيه أيضاً ترجمة عبد الله بن محمد بن عبد الله المعروف بابن الثلاج قال الأزهرى: ((كان مخلطاً فى الحديث يدعى ما لم يسمع ويضع الحديث)) (١٣٧/١٠). O وقولهم: ((مخلط)) أكثر ما يكون فى الكذاب أو سىء الحفظ واستعماله فى المدلسين نادر؛(١) والله أعلم. O وصفهم للراوى: ((بأنه أخذ الحديث عن فلان مع وجود شيخ فلان هذا: أى أنه روى بنزول مع إمكان العلو)»: اعلم أن الرواة يتنافسون فى علو الإسناد ولا يرضى أحدهم بالنزول مع إمكان علوه إلا لسبب من الأسباب ومن هذه الأسباب ما يطعن فى الشيخ ومنها ما يعد توثيقاً للشيخ فمن ذلك: ١- إذا كان الراوى لا يحدث إلا عن ثقة وينتقى فى الرواية ولا يروى عن (١) ولذا فهذه الألفاظ بالباب السابق أشبه. - ٤١٢ - الضعفاء، ثم وجد حديثاً حسناً إما فى متنه أو فى إسناده أو غير ذلك، وأراد أن يروى هذا الحديث لكن وجد صاحبه ضعيفاً وليس على شرطه فيضطر إلى النزول ويروى هذا الحديث عن ثقة آخر عن ذلك الضعيف، وكثيراً ما كان يفعل هذا الأئمة وقد سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل عن عمرو بن شعيب فقال: ((ربما احتججنا به وربما وجس فى القلب منه، ومالك يروى عن رجل عنه)) (١٦٧/٥) ((النبلاء)). وذكر ذلك الذهبى فى جملة أقوال من ضعفه. وانظر نحو ذلك فى شرح ((علل الترمذى)) (ص ١٣٦)، وقد لا يكون هذا لضعف الشيخ ولكن غيره أرجح منه. انظر هذا فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة كامل بن طلحة الجحدرى (٤٠٩/٨). ٢- ومن أسباب ذلك أيضاً أن الشيخ يكون ثقة ثبتاً والرواة يحبون أن يتبعوا حديثه بعلو وبنزول، وقد قال أبو داود فى إبراهيم بن سليمان بن رزين: ((ثقة ورأيت أحمد يكتب حديثه بنزول)) (٨٨/٦)، «تاريخ بغداد)»، لكن هذه الحالة لا تختص بحياة الشيخ بل قد يفعلون هذا مع من مات من الشيوخ، كما أنهم قد يتتبعون حديث الراوى عالياً أو نازلاً وإن لم يكن حجة، كما سبق أن أحمد فعل هذا فى حديث ابن إسحاق، وأيضاً إذا كان الشيخ ثقة إلا أن تلميذه أحذق وأبصر بحديث شيخه من الشيخ نفسه، فيرضى المحدث الفهم بالنزول لأن التلميذ يعلم صحيح حديث شيخه من سقيمه، فإذا كان الراوى من المشاهير رغب المحدثون فى أن يجعلوه بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - سواء بعلو أو بنزول، وقد قال الذهبى فى ترجمة شعبة بن الحجاج رحمه الله تعالى: ((ومن جلالته قد روى مالك الإمام عن رجل عنه وهذا قل أن عمله مالك)) (٢٠٥/٧) (النبلاء)). وانظر نحوه فى ((تاريخ البخارى الكبير)) وحاشية (٩/٤). ٣- ومن ذلك أن الشيخ إذا اختلط بأخرة وتلميذه أخذ عنه فى زمن الاستقامة، فيأخذ عن التلميذ من أجل هذا، وقريب منه أن الشيخ إذا كان فيه كلام خفيف لكن تلميذه أكثر من ملازمته فجُبر ضعف شيخه فى رواية التلميذ عنه، فعند ذلك يرغب المحدثون فى السماع من التلميذ، وأيضاً إذا امتنع الشيخ بأخرة من التحديث إما من عند نفسه أو منعه غيره من حكام السوء فيضطر - ٤١٣ - المحدثون أن يأخذوا حديثه من تلامذته، وفى هذه الحالة العلو ليس ممكناً بخلاف ما سبق من حالات، والله أعلم. O قولهم: فلان لم يقدر أن يصون نفسه)): هذا اللفظ وقفت عليه فى موضوعين: الأول من قول عثمان بن سعيد فى: يحيى بن عبد الحميد الحمانى كما فى ((النبلاء)) قال: ((كان يحيى الحمانى فيه غفلة: لم يقدر أن يصون نفسه كما يفعل أصحاب الحديث، ربما يجيىء رجل فيفتری عليه وفى رواية فيسبه وربما يلطِمه)) (٥٣٥/١٠)، وهو باختصار فى ((الجرح. والتعديل)) (١٦٩/٩ - ١٧٠)، وهناك حالة أخرى وقفت عليها لا أذكر موضعها. الآن، يقولون ذلك فى الراوى إذا كان مغفلاً ولم يكن ضابطاً، فمثله ينبغى أن يصون نفسه عن التحديث فى تلك الحالة كى لا يتخبط فتمسه ألسنة الجرح والطعن، لكنه لم يقدر أن يصون نفسه، والله المستعان. O قول أحدهم: ((كتبت عن فلان أحاديث كذا وكذا ليتها كانت بياضاً)): هذا اللفظ يحتمل حالتين: - الأولى: أن الراوى خُدع بهذا الشيخ وظنه ثقة فكتب عنه وأكثر وشغلته. الكتابة عن هذا الشيخ عن طلب أحاديث غيره ثم اتضح له تخليطه وكذبه بعد ذلك فعلم أن ما كتبه ليس بشىء فتمنى أن تكون هذه الأوراق بياضاً ينتفع به. الثانية: ويحتمل أن ذلك لنزول إسناد شيخه وإن كان الشيخ ثقة، لكن الأحاديث النازلة لم تنفق كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة ابن جوصاء الإمام الحافظ الأوحد أبى الحسن أحمد بن عمير بن يوسف الدمشقى، قال الذهبي: ((هو من الشيوخ النوازل عند حمزة بن محمد الكنانى ولهذا يقول: ((عندى عن ابن جوصاء - ٤١٤ - ۔۔۔ مائتا جزء ليتها كانت بياضاً)) (١٧/١٥)، والرجل قد قال فيه أبو على الحافظ: ((هذا إمام من أئمة المسلمين وقد جاز القنطرة)) (١٧/١٥) ((النبلاء)). O قولهم: ((فلان شره فى الرواية، أو حَمَله الشره على رواية كذا وكذا)»: المحدث الذى يكون شرهاً غالباً ما يكون حاطب ليل وجارف سيل، والرواة فى الشره على حالات: الحالة الأولى: فإن كان من وصف بالشره ثقة ليس ضعيفاً ولا متهماً فوصفه بالشره والحالة هذه يحتمل أمرين: ١- قد يقصد بذلك أنه مجتهد فى الطلب ومتبحر فى العلم ولا يرضى أن يقف على الحديث من وجه واحد بل كلما سمع بشىء رحل إليه واجتهد فى تحصيله، وهذا مدح وقد وصف بهذا المشاهير، وقد جاء فى ((ثقات ابن حبان)) ترجمة أحمد بن عبد الرحمن الكريزانى قال: (سمعت أبا عاصم يقول: حضرت أنا وسفيان الثورى جنازة ابن جريج بمكة فلما جُهِّز وصُلِّى عليه ووضع على شفير القبر، قال سفيان - وابن جريج على أيدى الرجال فيما بين اللحد والقرى -: يا أبا عاصم كتبت عن ابن جريج عن عطاء أنه كره صلاة الفريضة داخل البيت؟ قلت: لا، قال: فعجبت من سفيان وورعه حيث غلب عليه حب الحديث فى ذلك الموضع» (٤٩/٨)، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون الراوى متقناً لحديثه، بل قد يدل على غمز فى بعض روايات المحدث، لأن المكثر غالباً ما يوجد فى أحاديثه غرائب ومناكير، وقد سبق ما ذكره الذهبى فى ((نبلائه)) فى ترجمة الحسن بن على ابن شبيب البغدادى: ((وأن الرجل اتهم لوجود الغرائب فى حديثه وهو ليس بمتهم، .. ) أو يحمله الشره على رواية أحاديث الناس وإدخالها فى كتبه على سبيل التعليق، كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة محمد بن إسحاق بن يسار قال أحمد: ((كان ابن إسحاق يشتهى الحديث فيأخذ كتب الناس فيضعها فى كتبه، قال الحافظ - ٤١٥ - الذهبى: قلت: هذا الفعل سائغ فهذا ((الصحيح)) للبخارى فيه تعليق كثير)). (٤٦/٧)، فإن كان أحمد يقصد التعليق فذاك وإن كان يقصد التدليس فهو الأمر الثانى من هذه الحالة. ٢- وقد يوصف بالشره الراوى الثقة إذا كان يدلس، لأن حبه للحديث يجعله يروى الأحاديث الصحيحة والضعيفة ويروى عن الثقات والضعفاء وقد بصرح بالواسطة الضعيفة وقد يدلسها، بل قد يستعمل التدليس الخبيث وهو تدليس التسوية أو تدليس القطع أو الحذف أو السكوت، والمتشبع بما لم يعط كلابس توبى زور، والله سبحانه وتعالى يعامل كل امرىء بنيته، فكثير من المدلسين الذين يروون الأباطيل وما لا أصل له ويسقطون الضعفاء ويقصدون بذلك التكثر كثيراً ما يلزق الوهن بهم، لأن الناقد إذا وجد المتن منكراً ووجد رجال الإِسناد ثقات ولم يجد من يحمل عليه عهدة هذه النكارة ألزقه بالمدلس، وإذا غلب ذلك على حديثه ضُعِّف، وإنما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى، جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة حميد بن الربيع بن حميد أبى الحسن اللخمى، أنه تكلم فيه وطعن عليه ابن معين حين سئل عنه فقال: ((وما يسأل عن حميد مسلم أخزى الله ذاك وأخرى من يسأل عنه)»، وقال مرة: ((كذابو زماننا أربعة)»، وعده فيهم، وقال مرة: (أويكتب عن ذاك أحد))؟ ومع قول ابن معين هذا إلا أن عثمان بن أبى شيبة قال: (أنا أعلم الناس به هو ثقةً لكنه شره يدلس)) (١٦٥/٨)، فتأمل كيف أن شرهه فى الرواية جعل ابن معين يقول فيه ما قال، والله المستعان. الحالة الثانية: أما إن وصُف بذلك أحدُ الضعفاء فمعناه أنه مع سوء حفظه لم يقدر أن يصون نفسه وغلبته شهوة الحديث فذهب يحدث بما لا يحفظ وما لا يوجد فى كتابه، وقد يجره هذا إلى رواية الموضوعات وقبول التلقين، انظر ترجمة الأندرشى أبى عبد الله محمد بن أبى الأندلسى وما قاله فيه ابن مسدى (٢٥١/٢٢) ((النبلاء)). الحالة الثالثة: وقد يوصف بذلك المتهم بالكذب أو الكذاب، ويحمله حبه للروايات ورغبته فى مجىء المحدثين إليه أن يسرق أحاديث الناس العالمية أو الغريبة - ٤١٦ - أو أن يضع الحديث من أصله، وقد جاء فى ((الذيل على طبقات الحنابلة)) لابن رجب رحمه الله ترجمة هبة الله بن المبارك السقطى المحدث الرحال: ((كتب عن أصحاب الدارقطنى وابن شاهين والمخلص وابن حبابة وطبقتهم ومن دونهم حتى كتب عن أقرانه ومن دونهم، وزاد به الشره فى هذا الأمر حتى ادعى السماع من شيوخ لم يسمع منهم ولا يحتمل سنة السماع منهم كأبى محمد الجوهرى وغيره)) (١١٤/١). إذا علمت معنى الشره فى الرواية وعلمت حكم كل حالة من ذلك فاعلم أن عكس الشره هو الورع فى الرواية، والراوى يكون ورعاً فى الحديث وذلك على وجوه: ١- إما لأنه يترك رواية الأحاديث التى خولف فيها وإن كان سنده عالياً. ٢- وإما لأنه يترك الرواية عن المشايخ الذين استصغر فيهم، بمعنى أنه بكَّر بالطلب وسمع من هؤلاء المشايخ فى أواخر عمرهم، فيعتبرون من أكبر مشايخه وإسناده عنهم عال، كما قال الذهبى رحمه الله تعالى فى ((النبلاء) ترجمة العبدويى شرف المحدثين أبى حازم عمر بن أحمد بن إبراهيم بن عبدويه: ((من ورعه ما حدث عن الصبغى ولا عن حامد الرفّاء لصغره، وقد كانا أكبر مشايخه)) (٣٣٥/١٧)، وكما فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة عبد الله بن أحمد بن أبى حامد النيسابورى: ((سمع من ابن خزيمة وهو صغير فتورع عن الرواية عنه لصغره» (٣٩١/٩). ٣- وإما لأنه لا يحدث بما سمعه حضوراً، أى إذا حضر المجلسَ ولم يقصده الشيخ بالتحديث، كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة عبد الحق بن الحافظ عبد الخالق ابن أحمد بن عبد القادر البغدادى اليوسفى: ((قال ابن الأخضر: كان لا يحدث بما سمعه حضوراً تورعاً))، وقال البهاء بن عبد الرحمن: ((وكان عسراً فى السماع جداً) (٥٥٣/٢٠). ٤- ويكون ورعاً أيضاً لكونه إذا شك فى حديث تركه، ولا يحمله الشره على الرواية فى هذه الحالة، وقد قال الثورى: ((ما رأيت أحداً أورع فى الحديث - ٤١٧ - من شعبة، يشك فى الحديث الجيد فيتركه)) (٢٦٥/٩) ((تاريخ بغداد))، وقد قال ابن معين: ((من لم يكن سمحاً فى الحديث كان كذاباً، قيل: كيف يكون كذاباً؟. قال: إذا شك فى حديث تركه)) - أى وإلا كان كذاباً - انظر (٨٧/١١). ((النبلاء)). ٥- وإما لأنه لا يروى إلا عن ثقة أو ينتقى فى الرواية ويتحرز من الرواية عن الضعفاء والمتروكين والمجهولين، فهذا يدل على ورعه، لأن الشره يحمل صاحبه: على التدليس والرواية عن الهلكى كما سبق بيانه، بل قد يحمله على الكذب، وقد سبق تفصيله .. فأما الذى ينتقى فى الرواية فإنه يترك أحاديث كثيرة كما سبق أن النسائى: رحمه الله لم يخرّج حديث ابن لهيعة مع أنه عنده ترجمة ترجمة. O أما قولهم: ((فلان سمح فى الحديث))، فالظاهر أنه يفيد المعانى الخمسة هذه، بالإضافة إلى أن الراوى غير عسر فى الرواية بل يبذل العلم للطلبة، لأن سخاء العلم كسخاء المال كما قال بعضهم، وهذا بخلاف قولهم: ((فلان فيه تسامح» كما جاء فى ترجمة محمد بن العباس بن محمد الخزاز بن حيويه، قال الأزهرى: ((كان مكثراً وكان فيه تسامح ربما أراد أن يقرأ شيئاً ولا يقرب أصله منه فيقرأه من كتاب أبى الحسن بن الرزاز، لثقته فى ذلك الكتاب، وإن لم یکن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة)) (١٢٢/٣): ((تاريخ بغداد))، وقد سبق بيان هذا عند الكلام على قولهم :: ((فلان متساهل أو متهاون))، والله أعلم. O قولهم: ((فلان قديم الحفظ»: يحتمل أن هذا معناه علو الإِسناد، وقد ذكر أبو داود فى «رسالته لأهل مكة)) فى وصفه ((لسننه)) أنه يختار أحد الحديثين الصحيحين لقدم حفظ صاحبه وإن كان غيره أقوى منه، وذكر المحقق فى الحاشية أن المقصود بذلك علو الإِسناد. - ٤١٨ - اهـ( ص ٢٤) وهو ظاهر ووجه ذلك أن الراوى بكر فى الطلب فحفظ منذ دهر والله أعلم. ويحتمل هذا اللفظ أيضاً أن الراوى تغير أو اختلط بأخرة وأنه كان فى أول أمره يحفظ ثم طرأ عليه ما طرأ والله أعلم، ولكل حالة من ذلك حكمها، فالحالة الأولى لا يلزم منها التوثيق فقد يكون الراوى عالى الإسناد مع لين فى حديثه أو طعن فى عدالته، والحالة الثانية لا يحتج بحديث أهلها إلا بشروط ستأتى إن شاء الله تعالى. O قولهم: ((فلان لم يرو عنه إلا الأحداث)): يحتمل أن ذلك لضعفه ولم يرو عنه إلا الأحداث الذين لا يعرفون أحوال الرجال ومنازلهم فى الجرح والتعديل، أما أهل الرسوخ والفهم فإنهم تجنبوا رواياته لعلمهم بحاله، ويحتمل أن يكون ذلك لأنه وافق عصر إمام أشهر منه ولم يتأخر بعده فى الوفاة، انظر ترجمة أحمد بن حميد أبى طالب صاحب أحمد (١٢٢/٤) (تاريخ بغداد))، ولكل من ذلك حكمه وهو ظاهر، والله أعلم. O قولهم: ((فلان محنة)): أی أنه يمتحن به الناس فمن أحبه سلِم ومن کرهه هلك، فإذا كان فلان هذا ممن يتكلم فى الرواة ويبين الكذابين ويكشف أمرهم فإن أبغضه أحد فهو كذاب وروايته مردودة، وإذا كان فلان هذا من المتمسكين بالسنة الصادعين بها فلا يبغضه إلا مبتدع وفى روايته تفصيل، وقد جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال سفيان بن وكيع: «أحمد عندنا محنة من عاب أحمد فهو عندنا فاسق))، وقال غيره: ((أحمد محنة به يعرف المسلم من - ٤١٩ - الزنديق))، وقيل فيه: وبحب أحمد يعرف المتنسك أضحى ابن حنبل محنة مأمونة وإذا رأيت لأحمد متنقصاً فاعلم بأن ستوره ستهتك ٠ انظر (تاريخ بغداد)) (٤١٩/٤ - ٤٢١). وقد يعبرون عن هذا بقولهم: ((فلان من تكلم فيه فاتهمه على الإِسلام)» أو ((فلان من الأئمة يعرف به أهل مصر مثلاً أو أهل خراسان)) أى يعرف السنّى منهم من المبتدع. وكما سبق أنهم يقولون ذلك فيمن يتكلم فى الرواة، وقد قال أبو حاتم فى يحيى ابن معين: ((إذا رأيت البغدادى يبغض يحيى فاعلم أنه كذاب وإنما يبغضه لما يبين من أمر الكذابين))، انظره مختصراً فى ((تاريخ بغداد)) (١٨٤/١٤). O قول أحدهم: ((ما رأيت أحسن عقلاً من فلان)»: هذا يحتمل أن يكون معناه أنه ما رأى أحسن منه فى فهم الحديث وعلله وطرقه ومعرفة صحيحه من سقيمه، ويحتمل أن يكون ذلك فى الفقه واستنباط الأحكام، كما قال ابن مهدى: ((ما رأيت رجلاً أحسن عقلاً من مالك بن أنس ولا أعلم بالحديث من سفيان)) (١٧٠/٩) ((تاريخ بغداد))، وقد يُقصد بذلك رجاحة العقل والرأى والمشورة وحسن التدبير والعبرة بالسياق ولكل حالة من ذلك حكمها والله أعلم. ● قولهم: ((قلان شريف»: هذه العبارة لا يلزم منها توثيق فى الرواية، وقد وردت على معنيين: - ٤٢٠ -