النص المفهرس
صفحات 381-400
O قول أحدهم: ((حديث فلان صار فى فمى علقمة أو هليلجة)): سبق تفسير الهليلجة أو الأهليلج بأنه ثمر أو نبات ينبت فى البحر وهو شديد المرارة. وحقيقة هذا القول أن قائل ذلك قد أتقن حديث من سماه من المشايخ لكثرة تكراره، وذلك لأن المحدث إذا كان متقناً لحديثه أحد المشايخ واشتهر بذلك فإن المحدثين يؤذونه يريدون السماع منه أو العرض عليه لاسيما إن كان عالياً فى سنده، فقد جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) للذهبى ترجمة أبى معاوية محمد بن خازم الضرير قال له الأعمش: ((أما أنت فقد ربطت رأس كيسك، ولزم أبو معاوية الأعمش عشرين سنة))، وقال أحمد: ((كان أبو معاوية إذا سئل عن حديث الأعمش يقول: قد صار فى فمى علقماً)) (٢٩٥/١)، وجاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة أبى معاوية قال أبو معاوية وقد سئل عن حديث الأعمش: ((قد صار حديث الأعمش فى فمى علقماً أو هو أمر من العلقم)) لكثرة ما يردد عليه حديث الأعمش، وقال مرة: ((كم تسألونى عن الأعمش سلونى عن حديث عبيد الله، أرأيتم لو قيل لأحدكم اقرأ الحمد فقرأها فجاء آخر فقال اقرأ الحمد فقرأها ثم جاء آخر فقال اقرأ الحمد أليس كان يتبرم؟ الأعمش الأعمش الأعمش؟)) (٢٤٥/٥ - ٢٤٦)، وجاء فى ((النبلاء)) ترجمة عبد الرزاق بن همام الصنعانى، قال عبد الرزاق: (صار معمر هليلجة فى فمى)) (٥٦٧/٩). O قولهم: ((كان فلان أحد الدواهى)): قد يُفهم من هذا أنه ذم، لكن هذا اللفظ يستعمله أئمة الجرح والتعديل فى الرواة، وقد سبق معناه فى اللغة وأن قولهم: فلان داوٍ أو داهية بمعنى عاقل والهاءِ للمبالغة، وفى ((لسان العرب)): رجل داهية أى منكر بصير بالأمور، وجاء فى ((تاريخ بغداد) ترجمة الفضل بن سهل الأعرج قال ابن عدى: ((سمعت أحمد بن الحسين الصوفى يقول: فضل بن سهل الأعرج كان أحد الدواهى، قال الخطيب: - ٣٨١ - قلت: يعنى فى الذكاء والمعرفة وجودة الأحاديث والله أعلم)) (٣٦٥/١٢) O قولهم: ((كان فلان منكراً»: الظاهر من هذا الجرح، ولكن جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة خالد بن حيان أبى يزيد الرقى قال على بن ميمون الرقى: ((كان منكراً وكان صاحب حديث))، قال الخطيب: ((قلت: قوله ((كان منكراً)) يعنى فى الضبط والتحفظ وشدة التوقى والتحرز)) (٢٩٦/٨ - ٢٩٧)، وجاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة القاسم بن الفضل بن معدان بن قريط الحدّانى الذى وثقة الأئمة، قال ابن المدينى: ((قلت ليحيى بن سعيد: إن عبد الرحمن بن مهدى يثبت القاسم بن الفضل، قال: ذاك منكر وجعل يثنى عليه))، وقال عمرو بن على: ((سمعت يحيى بن سعيد يحسن الثناء على القاسم، قال: وكان ثقة))، وقال ابن مهدى: ((كان من قدماء أشياخنا ومع ذلك من أثبتهم))، وقال يحبى القطان: ((كان منكراً) يعنى من فطنته. (٣٢٩/٨). فى ((لسان العرب»: «النُّكْر والنكراء: الدهاء والفطنة، ورجل نکِر ونگر وتُكُر ومنكر من قوم مناكير: داٍ فطن حكاه سيبويه)) (٢٣٢/٥). O قول أحدهم: «نفق حديث فلان): قد يتبادر من هذا اللفظ المدح بمعنى أن حديث فلان قبله الناس ومشى فيهم لا كحديث غيره الذى ردوه، ولكن هذا اللفظ يشير إلى لين فى الراوى ولكن حديثه مشى بين الناس مع ما فيه من اللين ولم يترك، وذلك لأن الناس قد يضطرون إلى حديث بعض الرواة إما لعلو إسنادهم أو لغير ذلك، وفى مثل هذا يقولون: ((اضطر الناس إلى فلان بأخرة))، وجاء فى ترجمة قابوس بن أبى ظبيان الجنبى كما فى ((الضعفاء للعقيلى)) سئل عنه جرير فقال: ((نفق قابوس)) وسئل عن - ٣٨٢ - بعض حديثه مرة أخرى فقال: ((نفق قابوس نفق قابوس))، وقال أحمد: ((تغير الناس عنه))، وقال مرة أخرى: ((ليس هو بذلك))، وقال جرير مرة: ((لم يكن قابوس من الثقة الجيد)) - كذا بالثاء المثلثة والقاف، انظر (٤٨٩/٣)، وفى ((تهذيب التهذيب)): ((لم يكن من النقد الجيد)) - بالنون - (٣٠٦/٨). O ومن ذلك: قول قاسم المطرف فى أحمد بن محمد بن عمر أبى سهل الحنفى اليمامى الذى كذبه أبو حاتم وغيره، قال قاسم: ((كتبت عن اليمامى هذا بسر من رأى خمسمائة حديث ليتها كانت خمسة آلاف حديث ليس عند الناس منها حرف)) (٦٦/٥) ((تاريخ بغداد))، وهذا قد يتبادر منه للقارى، أنه تعديل، لأن المحدث لا يتمنى زيادة حديثه عن شيخ من شيوخه إلا لفرحه بهذه الأحاديث ولو كانت لا تنفق عنده لَمَا رغب فى أصلها فضلاً عن الزيادة، لكن اليمامى هذا جرحوه بشدة، فالظاهر أن القاسم يرغب فى كثرة الأخذ عنه للمعرفة، فإنهم يكتبون أحاديث الرواة إما للاحتجاج بها أو للنظر فيها للاعتبار أو للمعرفة والبيان والتحذير كى لا يقلب إسناده أحد الكذابين ويغيره بالثقات ليروج الحديث وينفق ولا يعرفه من لا علم عنده، والله أعلم. 0 ومن ذلك: ما جاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة يزيد بن إبراهيم التسترى التميمى مولاهم الذى أخرج له الجماعة، قال عثمان الدارمى عن أبى الوليد: ((ما رأيت أكيس منه كان يحدث عن الحسن فيغرب، ويحدثنا عن ابن سيرين فيلحن، يعنى أنه كان يحدث كما سمع)) (٣١٣/١١) فتأمل رحمك الله كيف أنه وصفه بالكياسة ثم وصفه - ٣٨٣ - : : بأنه يغرب عن الحسن ويلحن عن ابن سيرين، وكيف فسرها الحافظ بأنه يؤدى ما سمع، ولم يرخص لنفسه أن يغير الخطأ بالصواب بل التزم بأداء ما سمع، والله أعلم. O ومن ذلك قولهم: ((كان فلان بطّالاً)): الذى يظهر من هذا أن الرجل من أهل البطالة الذين لا يهتمون بالحديث ولا بجمعه ولا بفهمه، ولكن قال أبو يعلى الموصلى: «بات صالح جزرة عندی ههنا عشر ليال ينتخب على شيوخ الموصل وكان بطالاً))، والبطال فى اللغة كما فى ((لسان العرب)) حكى ابن الأعرابى بطال بيّن البطالة بالفتح: يعنى البطل (٥٧/١١)، ووصفه بأنه ينتخب على شيوخ الموصل يدل على فهمه وبصره وخبرته بالصحيح من السقيم، لأنه كما سبق لا يتولى الانتخاب على المشايخ إلا الفهم البصير العارف فيعلّم عليه وينتقيه من جملة حديث الشيخ، وهذا يدل على فهمه بطرق الأحاديث ومخارجها، والله أعلم. O قولهم فى الراوى: ((فلان يستدل به»: ظهر لى أولاً أنه بمعنى: ((يحتج به))، لكن سبق فى المرتبة الخامسة من مراتب التعديل ذكر عدة تراجم تدل على أن هذا اللفظ من ألفاظ الشواهد، فمن ذلك قول أبى زرعة الدمشقى: ((سألت أحمد: صالح بن أبى الأخضر يحتج به، قال: يستدل به ويعتبر به)) (٣٨١/٤) ((تهذيب التهذيب))، وراجع بقية التراجم فى المرتبة الخامسة، من مراتب التعديل والله أعلم. - ٣٨٤ - O ومن ذلك: ما جاء فى ((الميزان)) ترجمة حنظلة بن أبى سفيان الجمحى وهو من ثقات المكيين وثقه أحمد وقال يعقوب بن شيبة: ((سمعت ابن المدينى وقيل له: كيف رواية حنظلة عن سالم؟ فقال: روايته عن سالم واد ورواية موسى بن عقبة عن سالم واد آخر وأحاديث الزهرى عن سالم كأنها أحاديث نافع، فقيل لعلى: هذا يدل على أن سالماً كثير الحديث، قال: أجل))، قال الذهبى رحمه الله: ((قلت: وقد وثقه ابن معين وهذا القول من ابن المدينى لا يدل على غمز فى حنظلة بوجه بل هو دال على جلالته وأنه نظير موسى وابن شهاب فى حديثه عن سالم، فحنظلة إذاً ثقة بإجماع)) (٦٢٠/١). O ومن ذلك: O قول أحدهم: ((فلان لا أدرى هو عن فلان صحيح أم لا؟)): يعنى بذلك هل صح لقاؤه له أم لا وهل ثبت سماعه له أم أنه استصغر فيه أو روايته عنه مرسلة، والله أعلم. O ومن ذلك: ما جاء فى ترجمة الحسن بن عمارة - أحد المتروكين -، قال عبد الله بن المبارك: ((روى الحسن بن عمارة عن الحكم عن إبراهيم حديثاً، ثم قال عبد الله: هذا أعز من الكبريت الأحمر لكأن هذا الحديث لم يدخل مسامعى قط)). اهـ. (ص ٥٣) من ((أحوال الرجال)) للسعدى. - ٣٨٥ - فهذا قد يظنه البعض تعديلاً وحقيقته التجريح، وأن الغرائب التى يأتى بها ابن عمارة لا يفرح بها لأنه متروك، وقد قال ابن المبارك كما فى ((تهذيب التهذيب»: ((جرحه عندى شعبة وسفيان فبقولهما تركت حديثه، وكان شعبة یکذبه))، كما فى (تهذيب التهذيب))، انظر (٣٠٥/٢)، وفى ((التقريب)) قال الحافظ: ((أحد المتروكين)). O ومن ذلك: قول سليمان بن حرتب: ((كان جرير وأبو عوانة يصلحان أن يكونا راعيى غنم كانا يتشابهان فى رأى العين))، ذكر ذلك العلامة المعلمى اليمانى رحمه الله فى كتابه ((التنكيل)) وذكر أن الكوثرى عدها عبارة تجريح وليست كذلك. قلت: وفى الحقيقة أن غير الكوثرى يفهم من هذه العبارة أن سليمان بن حرب يجرحهما وأنهما ليسا من أهل العلم، لولا قول جرير: (( كانا يتشابهان فى رأى العين))، ولكن هذا اللفظ ليس له صلة بالجرح والتعديل، وقد قال المعلمى رحمه الله: ((ولم يتعرض صاحب ((التهذيب)) مع محاولته استيعاب كل ما يقال من جرح أو تعديل لقضية التشابه ولا الصلاحية لرعى الغنم، لأنه لم ير فيها ما يتعلق بالجرح والتعديل، والمقصود أن مراد سليمان من بيان صلاحية الرجلين لرعى الغنم هو تحقيق تشابههما فى رأى العين كما ينبه السياق، ووجه ذلك أن من عادة الغنم أنها تنقاد لراعيها الذى قد عرفته وألفته وعرفت صوته، فإذا تأخر ذاك الراعى فى بعض الأيام وخرج بالغنم آخر لم تعهده الغنم لقى منها شدة لا تنقاد له ولا تجتمع على صوته ولا تنزجر بزجره، لكن لعله لو كان الثانى شديد الشبه بالأول لانقادت له لتوهم أنه صاحبها الأول، فأراد سليمان أن تشابه جرير وأبى عوانة شديد بحيث لو رعى أحدهما غنماً مدة، ألفته وأنست به ثم تأخر عنها وخرج الآخر لانقادت له الغنم تتوهم أنه الأول، وقد روى سليمان بن حرب عن الرجلين، وقال أبو حاتم: ((كان سليمان بن حرب قل من يرضى من المشايخ فإذا - ٣٨٦ - رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة)). اهـ (ص ٣١). وهذا الذى ذكره الشيخ المعلمى رحمه الله قد حكاه لى بعض العارفين بعادات الغنم من أهل البوادى والعلم عند الله تعالى. O ((ومن ذلك)): ما ذكره المعلمى فى ((التنكيل)) ترجمة الحسين بن حميد بن الربيع قال: ((ذكر ابن عدى حكاية فيها: قال حسين بن حميد: سمعت أبا بكر بن أبى شيبة يتكلم فى يحيى بن معين يقول: من أين له حديث حفص بن غياث عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة رفعه ((من أقال نادماً عثرته))؟ هى ذى كتب حفص بن غياث عندنا وكتب ابنه عمر بن حفص ليس فيها من ذا شىء»، قال ابن عدى: (هذه الحكاية لم يحكها عن أبى بكر غير حسين هذا وهو متهم فيها، ويحيى أجل من أن يقال فيه مثل هذا ..... )) قال المعلمى رحمه الله: ((والجواب أن يحيى كان ينتقد على الرواة ما يراهم تفردوا به وربما شدد، فلعله بلغ أبا بكر بعضُ ذلك فرآه تشديداً فى غير محله، فذكر ما حكاه الحسين عنه يريد أنه كما تفرد يحيى بهذا وليس فى كتب حفص ولا ابنه ومع ذلك نقبله من يحيى لثقته وأمانته فكذلك ليس ليحيى أن يشدد فى مثل ذلك على من عرفت ثقته وأمانته، وعلى هذا لا يكون المقصود الطعن فى يحيى كما فهمه ابن عدى والحسين وبنى عليه ابن عدى استنكار الرواية واتهام الحسين ...... ثم ذكر أن عذر ابن عدى أن يحيى تكلم فى حميد بن الربيع والد الحسين وقال: ((أخزى الله ذاك ومن يسأل عنه))، فلعله فهم أن الحسين روى ذلك انتصاراً لأبيه وانتقاماً له من يحيى، وهذا وحده لا يوجب الاتهام لأن الرجل مكثر وعارف ومصنف)). اهـ (ص ٤٥٠ - ٤٥١). قلت: وقد فهم الذهبى من هذه القصة ما فهمه ابن عدى، ففى ترجمة أبى بكر بن أبى شيبة فى ((النبلاء)) قال: ((كان قوى النفس بحيث إنه استنكر حديثاً - ٣٨٧ - تفرد به يحيى بن معين عن حفص بن غياث، وقال: من أين له هذا فهذه کتب حفص ما فيها هذا الحديث))؟. اهـ (١٢٥/١١). · ومما ينبغى أن أنبه عليه: ما جاء فى (تهذيب التهذيب)) ترجمة محمد بن جابر بن سيار بن طارق السحيمى، قال ابن عدى: ((روى عنه من الكبار أيوب وابن عون وسرد جماعة)» وقال: ((لولا أنه فى ذلك المحل لم يرو عنه هؤلاء))، وقال أحمد: ((لا يحدث عنه إلا شر منها (٩٠/٩)، والشيخ المعلمى رحمه الله تكلم فى ((التنكيل)) على ذلك فقال: ((والجواب أن قائل هذا عن أحمد ابن حبان وبينهما مفازة ولا يدرى ممن سمع تلك الكلمة))، قال: ((ولو صحت عن أحمد لكانت الكلمة أقرب إلى الإطراء البالغ منها إلى الذم، فقد رَوَى عن محمد بن جابر من يعتقد أحمد وغيره أنهم أفاضل عصرهم وخيار أهل زمانهم مثل أيوب بن أبى تميمة السختياني وعبد الله بن عون والثورى وابن المبارك وآخرين، فلا معنى لأن يقال: إن هؤلاء شر منه إلا إطراؤه بأنه خير منهم .... ) اهـ (ص ٦٦٣). قلت: ولكل جواد كبوة، ولا أدرى كيف ظهر للعلامة المعلمى رحمه الله أن عبارة أحمد لو صحت لكانت تفضيلاً له عن هؤلاء التلامذة الفحول؟ كيف. هذا وأحمد نفسه هو القائل فى محمد بن جابر: ((كان ربما ألحق أو يلحق فى كتابه)). يعنى الحديث، وابن عدى وإن كان قال فيه ما قال ودافع عنه إلا أنه قال: ((وقد خالف فى أحاديث ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه ..... )) وذكر ابن المبارك قصة تدل على سوء حفظه، وتكلم فيه غیر واحد، فراجع «تهذيب التهذيب» (٨٩/٩ - ٩٠)، فالظاهر أن هذا جرح من أحمد ولا يعنى بذلك أنه خير من هؤلاء التلامذة، ويحتمل أنهم رووا عنه قبل سوء حاله أو أن كلمة أحمد خرجت مخرج الزجر كى لا يغتر أحد برواية هؤلاء المشاهير عنه، والله أعلم، - ٣٨٨ - ويدل على ذلك أن ابن معين ذكر هذا القول فى محمد بن جابر، وقال عبد الله بن أحمد: ((سألت يحيى عنه فذمه وقال: ما يحدث عنه إلا من هو شر منه)) (١٤٥/١) ((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد، وقال عبد الله بن أحمد فى موضع آخر: ((سألت يحيى عن محمد بن جابر فغلّظ فيه وقال: لا يحدث عنه إلاّ من هو شر منه) (١٥٢/١) ((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد رحمه الله. O ومن ذلك قول أحدهم: ((ما رأيت أصح حديثا من فلان ولا أصح رجالا»: وهذا التعبير قد سبق (ص ٣٦٥) من هذا الكتاب وذكرت هناك أنه يُقصد به التعديل لكنه قد يرد على سبيل الجرح والتهكم فينبغى التأمل فى هذا، والله أعلم. O وقولهم: ((فلان يشبه حديثه حديث الصالحين»: ٠ فهذا ظاهره المدح وحقيقته القدح، لأن الصالحين - من غير العلماء الأثبات - تشغلهم العبادة عن الضبط والإتقان، فيكثر فى حديثهم الغلط وقد يصل بهم إلى حد الترك، يدل على هذا أن ابن عدى رحمه الله قال فى كادح بن رحمة العرمى: (( ...... ويشبه حديثه حديث الصالحين، فإن أحاديثهم يقع فيها ما لا يتابعهم عليه أحد)) (٢١٠٤/٦) ((الكامل)). وقد قال يحيى بن سعيد القطان: ((ما رأيت الصالحين فى شىء أكذب منهم فى الحدیث)). - ٣٨٩ - (الباب الخامس) (ذكر ألفاظ وعبارات مترددة بين مرتبتين فأكثر من مراتب الجرح والتعديل والترجيح بالقرينة) إن مما يلزم طالب العلم معرفته أن كلام أئمة الجرح والتعديل كثيراً ما يحتمل وجوهاً، ولكن قد تكون بعض الألفاظ ظاهرة فى وجه من الوجوه فهذه يكون الأصل فيها منزلة كذا حتى يثبت خلاف ذلك، وقد سبق الكلام على كثير من هذا أو على ما يظن أنه مشكل، وأما هذا الباب فسأتكلم فيه عن الألفاظ التى يتجاذبها أكثر من مرتبة، أو الألفاظ التى يُختلف فى ضبطها وإذا ضبطت على الوجه الفلانى كان لها معنى معين وإذا ضبطت على وجه آخر كان لها معنى آخر والعبرة فى ذلك بالسياق، والله أعلم. فمن ذلك قولهم: O فلان يحدث عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات)): الذى يكثر من استعمال هذا اللفظ هو أبو حاتم ابن حبان البستى رحمه الله فى كتابه ((المجروحين)) ومعنى ذلك أن الراوى سواء كان ثقة أو ضعيفاً يروى عن الثقات أحاديث لم يتابع عليها، فغيره من الثقات يروى أحاديث عنهم بخلاف روايته، ولكن هذا اللفظ إذا قيل فى الثقة الذى تثبت عدالته فى الرواية فمعنى ذلك أنه يدلس عن المجهولين والمتروكين والكذابين فيسقطهم، ويروى عن الثقات بصيغة محتملة للسماع كالعنعنة فتكثر المناكير فى روايته عنهم، وإن قيل هذا فى رجل ضعيف فإما أن يكون سىء الحفظ مغفلاً وإما أن يكون كذاباً، فإن كان سبب ذلك سوء الحفظ فينظر فى هذه المناكير كمّاً وكَيْفاً ويُحكم على الراوى - ٣٩٠ - بما يستحق، وإن كان سبب ذلك التعمد فهو كذاب متروك ولا كرامة، ففى هاتين الحالتين يكون حديث الراوى متردداً بين النكارة والبطلان وكثيراً ما يقف الناظر فى ((كامل ابن عدى)) رحمه الله على قوله: ((فلان يحدث عن الثقات بالمناكير)) ومع ذلك يصفه بسرقة الحديث أو بأنه فاحش الخطأ بيِّن الضعف، كما فى ترجمة مصعب بن سعيد أبى خيثمة المكفوف (٢٣٦٣/٦) وكما فى ترجمة مصعب بن إبراهيم (٢٣٦٤/٦). O قولهم: ((فلان مود)): هذا اللفظ مما اختلف فى ضبطه فإن كان بفتح الهمزة وتشديد الدال فمعنى ذلك أنه حسن الأداء، وإن كان بتسكين الواو وتخفيف الدال فمعنى ذلك أنه هالك كما سبق، فانظر كيف أن اللفظ الواحد إذا ضبط على وجه كان مدحاً وإذا ضبط على آخر كان قدحاً. O قولهم: ((فلان لعنه الله أو ملعون)): قد يكون سبب لعنته الكذب كما فى ترجمة حامد بن أبى آدم المروزى قال أبو داود السنجی لابن معین: «عندنا شیخ یقال له حامد بن آدم یروی عن يزيد عن الجريرى .... وساق له حديثاً، فقال: هذا كذاب لعنه الله)) (٤٤٧/١) ((الميزان))، ويقال هذا اللفظ أو نحوه فى المبتدع كما فى ترجمة الحسين بن على الكرابيسى الفقيه قال الخطيب: ((حديثه يعز جداً لأن أحمد بن حنبل كان يتكلم فيه بسبب مسألة اللفظ، وهو أيضاً كان يتكلم فى أحمد فتجنب الناس الأخذ عنه، فلما بلغ يحيى أنه يتكلم فى أحمد لعنه وقال ما أحوجه إلى أن يضرب)) (٥٤٤/١) ((الميزان)) وانظر «تاريخ بغداد)) (٦٤/٨)، وكما قال العجلى فى بشر - ٣٩١ - المريسى: ((رأيت بشراً عليه لعنة الله مرة واحدة ... ثم قال: لا يرحمه الله فلقد كان فاسقاً)) (ص ٨١) من ((ثقات العجلى). O قولهم فى أحد الرواة: ((كان فلان يسىء الرأى أو القول فيه)): يحتمل أن ذلك لكذبه، كما جاء فى ترجمة ابن كادش أبى العز أحمد بن عبيد قال السمعانى: ((كان ابن ناصر يسىء القول فيه))، وقال ابن ناصر: ((لم يُسمع كل كتاب الجليس من أبى على الجازرى))، وقال السمعانى عن ابن ناصر أيضاً: («سمعت ابن كادش يقول: وضعت حديثاً على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وأقر بذلك عندى)) (٥٥٩/١٩) ((النبلاء»، وقد يكون ذلك الغفلته. الشديدة التى تؤدى إلى روايته للبواطیل وما لا أصل له، وقد يكون ذلك بسبب غلوه فى البدعة أو لفسقه وشهوته، كما جاء فى ترجمة محمد بن فضاء الأزدى البصرى العابر، قال البخارى: ((كان سليمان بن حرب سىء الرأى فيه كان يقول: يبيع الشراب)) (٥/٤) ((الميزان)). O قولهم فى إسناد: ((جوده فلان)): قد يذكرون ذلك فى المدلس الذى يسقط الضعيف من الإسناد ويظهر الثقة كما هو مبسوط فى كتب المصطلح، وقيل فيه ذلك لأنه يظهر الإسناد جيداً. سالماً من العلة، وقد يقولون ذلك فى الراوى الذى يروى الحديث جيداً عن أحد المشايخ وغيره من الرواة يرويه عن نفس الشيخ مع وجود علة فى الحديث ولولا رواية هذا الراوى لكان الحديث معلّاً، فلما رواه هذا الثقة بلا علة قالوا: ((جوده فلان)) أى أتى به جيداً بخلاف غيره، كما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة محمد بن إسحاق بن المرزبان الفارسی (٢٥٦/١)، وقد یکون الراوى جود هذا الحديث - ٣٩٢ - غفلة ووهماً والصحيح أن الحديث به علة، والله أعلم. O قولهم فى أحد الرواة: ((روى عن فلان كأنه فلان آخر)): هذا التعبير يطلق ويراد به الجرح ويطلق أيضاً ويراد به المدح، والفارق بين هذا وذاك أن ننظر فى الشيخ الذى روى عنه هذا الراوى، فإن كان الشيخ ثقة مستقيم الحديث والثقات يروون عنه أحاديث مستقيمة دل هذا على تجريح فى الراوى، ويكون قولهم هذا معناه أن الراوى يأتى عن شيخه الثقة المعروف باستقامة حديثه بمناكير لا يعرف بها، فكأن فلاناً الذى يروى عنه هذا الراوى فلان آخر غير معروف باستقامة حديثه، وإن كان الشيخ المروى عنه سىء الحفظ مختلطاً كان هذا مدحاً للراوى، ويكون المعنى حينئذ أن الشيخ معروف باضطراب حديثه كما فى رواية الثقات عنه والعهدة عليه، لكن هذا التلميذ أو هذا الراوى روى عنه أحاديث جيدة مستقيمة، وذلك إما لطول ملازمته للشيخ أو لشدة تحريه وانتقائه الصحيح من حديثه دون السقيم، فإذا سمع أحد أحاديث هذا الراوى عن ذلك الشيخ ورأوا جودتها واستقامتها بخلاف المعروف عن الشيخ وأحاديثه قال: ((هذا يروى عن فلان كأنه فلان آخر)). فمن أمثلة الحالة الأولى: ما جاء فى ((الميزان)) ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادى صاحب ابن عيينة: ((ليس بمتقن وله مناكير))، قال أحمد: ((كأن سفيان الذى يروى عنه إبراهيم بن بشار ليس بسفيان بن عيينة - يعنى مما يغرب عنه - وكان مكثراً عنه)) (٢٣/١)، وجاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة شعبة بن دينار الهاشمى مولى ابن عباس قال ابن حبان: ((روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر)) (٣٤٧/٤) وانظره فى ((المجروحين)) (٣٥٧/١)، وقد قال هذا اللفظ ابن حبان فى كتابه ((المجروحين)) فى عشر تراجم، وفى ((الجرح والتعديل)) ترجمة يحيى بن يمان العجلى قال يحيى بن معين: ((لا يشبه حديثه عن الثورى أحاديث غيره عن - ٣٩٣ - الثوری))، وقال وكيع: ((كأن هذا ليس سفيان الذى سمعنا نحن منه)) (١٩٩/٩) وزاد الخطيب فى ((تاريخه)) بعد قول وكيع: ((أنكرها جداً)) (١٢٢/١٤). ومن الأمثلة على الحالة الثانية: ما جاء فى ((الميزان)) ترجمة شبيب بن سعيد بن حبيب الحبطى البصرى قال ابن عدى: ((كان شبيب لعله يغلط ويهم إذا حدث من حفظه وأرجو أنه لا يتعمده، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه شبيب آخر - يعنى يجود -)) (٢٦٢/٢). O قولهم: ((فلان أحاديثه تشبه أحاديث فلان)): يُنظر فى المشبّه به، فإن كان ثقة فهذا تعديل وعكسه عكسه، فمثال الحالة الأولى ما جاء فى ترجمة وضاح أبى عوانة مولى يزيد بن عطاء قال يحيى بن سعيد القطان: ((ما أشبه حديثه بحديثهما)) يعنى أبا عوانة بسفيان وشعبة، وقال عفان : : ((كان صحيح الكتاب كثير العجم والنقط كان ثبتاً، وأبو عوانة فى جميع حاله أصح حديثاً عندنا من هشيم)) (٤٠/٩) ((الجرح والتعديل)). ومثال الحالة الثانية ما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة يعقوب بن محمد بن عيسى الزهرى المدينى قال يحيى: ((صدوق ولكن لا يبالى عمن حدث))، وقال: مرة: «أحاديثه تشبه أحاديث الواقدی محمد بن عمر)) - یعنی تر کوا حديثه : -، وقال محمد بن أحمد الفقیه: «سئل عنه صالح بن محمد فقال: حديثه یشبه حدیث الواقدى)) - كأنه يضعفه - (٢٧٠/١٤)، ومعلوم أنه لا يلزم من التشبيه المثلية فى كل شىء والظاهر هنا التشبيه من حيث القوة والضعف. وهناك حالة أخرى وهى أن بعض الرواة لسوء حفظه واضطرابه قد يحدث بحديث أحد المشايخ ويعزوه إلى شيخ آخر، فإذا سمع ذلك أحد الأئمة الذين يعرفون الراوی وما روی، قال: «هذا یشبه حدیث فلان وليس من حديث فلان)). - ٣٩٤ - : وهل يقولون ذلك فيمن سرق حديث شيخ وسمى شيخاً آخر؟ محتمل، وقد يقولون ذلك فى بعض أحاديث الحفاظ الذين يعلق بأذهانهم أحاديث بعض الرواة المذاكرين لهم أثناء المذاكرة، انظر نحو ذلك فى شرح ((علل الترمذى)) لابن رجب رحمه الله تعالى. O قولهم: ((فلان حديثه یزید»: هذا يدل على زيادة إما فى الإِسناد أو فى المتن، لكن لا يتحدد لنا منزلة ذلك فى الجرح إلا إذا علمنا ما سبب هذه الزيادة، هل هى عن وهم أو عن عمد؟ ثم إذا كانت عن وهم ننظر إلى هذه الزيادة بالنسبة لحديث الراوى هل كثرت أم لا؟ وهل هى منكرة جدا أم لا؟، فمن أمثلة الحالة الأولى أعنى وقوع ذلك فى حديث الراوى على سبيل الوهم ما جاء فى ((الكامل)) لابن عدى ترجمة إبراهيم بن الحكم بن أبان الصنعانى قال أحمد: ((وقت ما رأيناه لم يكن به بأس، ثم قال: إنى أظن كان حديثه يزيد بعدنا ولم يحمده)) (٢٤١/١)، وذكر العقيلى فى ((ضعفائه)) قول أحمد ثم قال: ((وقال محمد بن رافع: بعهدنا لم يكن به بأس ولكن اختلط بعد)) (٥٠/١). ومثال الحالة الثانية ما جاء فى ((المجروحين)) لابن حبان ترجمة النضر بن سلمة المروزى، قال أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوزان: ((عرفنا كذبه لأنه كان يجالسنا فنذ کر باباً من العلم ونذکر ما فيه ویذکر هو ما فيه ثم یزیدنا فيه ما ليس عندنا بأحاديث، ثم نجالسه بعد مدة فنذكر ذلك الباب بعينه فتذكر ما فيه ويذكر هو ما فيه ويزيدنا أشياء غير تلك الأشياء التى زادها فى المجلس الماضى، فعلمنا أنه يضع الحديث)). (٥١/٣ - ٥٢)، وكما فى ((لسان الميزان)) ترجمة الفضل بن خصيب أبى العباس قال أبو الشیخ: (( کان حديثه یزید))، وذکر قبل عن أبی کریب حدیثین ثم زاد: ((وروى من كُتب أبى مسعود كل ما يحمل إليه)) (٤٤٠/٤)، وفى ((الجرح ٣٩٥ _ - والتعديل)) ترجمة خالد بن القاسم أبى الهيثم المدائنی قال أحمد: «يزيد فى الإسناد»، وقال ابن راهويه: ((كان كذاباً)، وقال يحيى بن معين: ((كان يزيد فى الأحاديث الرجال يوصلها لتصير مسندة)) (٣٤٧/٣) فالزيادة إن كانت عن وهم ففيها تفصيل، إن لم تكثر ولم تفحش فصاحبها يصلح حديثه فى الشواهد والمتابعات وإلا رد حديثه، وإن كانت عن عمد فلا يُحدَّث عن صاحبها ولا نعمی عین، وصورة الزيادة عن وهم أن يسند المرسلات ويرفع الموقوفات فى حديثه المسموع له من مشايخه، وأما إذا كانت عن عمد فقد يكون كما فى الحالة الأولى وقد يكون سرقة وتركيباً واختلافاً والله المستعان. O قولهم: ((فلان يتلون)): كثيراً ما يقول هذا ابن عدى فى ((كامله)) على من يضطرب فى حديثه ويأتى به على وجوه مختلفة، لكن الدارقطنى رحمه الله استعمله فى معنى آخر كما جاء فى (الضعفاء والمتروكين)) له ترجمة عمارة بن جوين أبى هارون العبدى قال: ! (يتلون خارجى وشيعى)) (ص ٢٩٩) فتأمل كيف انتقل من الشىء إلى نقيضه، فالخوارج يكفرون علياً رضى الله عنه والشيعة يغالون فيه، ثم هل يطلق هذا على من يكذب ويتلون فى كذبه؟ الظاهر أن هذا اللفظ بمعنى قولهم: (( كان فلان بالغداة شيئاً وبالعشى شيئاً)) كما سبق فى المتروكين والكذابين. واعلم أن التلون قد يكون سببه عدم وضوح الحق للمرء فيعتقد مقالة ثم يظهر له ضدها فيرجع وهكذا، وقد يكون سببه رقة الدين والرغبة فى العاجل دون الآجل، وقد ذكر ابن كثير فى ((البداية)) لأحدهم كما فى ترجمة الوجيه الأعمى (٧٦/١٣) كلاماً قال فيه: وإن کان لا تجدی لدیه الرسائل فمن مُبْلِغ عنى الوجيه رسالة وذلك لما أعورتك المآكل تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل ولكنما ترجو الذى هو حاصل وما اخترت رأى الشافعى ديانة. - ٣٩٦ - إلى مالك فانظر إلى ما أنت قائل وبعد قليل لا شك أنت صائر O قولهم: ((فلان فسد حديثه)): هذا اللفظ يحتمل وجوهاً: ١ - أن الراوى كان مستقيم الرواية ثم خلط واضطرب ولم يتميز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا حكمه أن ينظر إلى هذه الأوهام، فإن كان فاحش الاختلاط رد حديثه وإلا صلح فى الشواهد والمتابعات، وهناك تفاصيل أخرى. ٢- وإما لأنه يروى عن المجاهيل فكثرت المناكير فى روايته ففسد من أجل ذلك كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة عبد الرحمن بن زياد المحاربى قال ابن معين: ((له أحاديث مناكير عن المجهولين))، وقال أبو حاتم: ((يروى عن المجهولين أحاديث منكرة فيفسد حديثه بذلك)) (١٣٧/٩) وانظره فى ((الجرح والتعديل)) (٢٨٢/٥)، وأنت خبير أن هذا لا يضر الراوى إلا بشروط سبق ذكرها. ٣- وإما أن يكون للراوى أصل صحيح وأصل فاسد فيحدث بهما فيفسد حديثه لذلك، كما قال الدارقطنى فى ((سؤالات حمزة بن يوسف السهمى)) ترجمة أبى بحر محمد بن حسين بن كوثر البربهارى: ((كان له أصل صحيح وسماع صحيح وأصل ردىء فحدث بذا وبذاك فأفسده)) (ص ١٢٨ - ١٢٩). ٤- وقريب من ذلك أن يكون الراوى له سماع صحيح من مشايخه ولكنه ألحق فى سماعه وكثّر على نفسه ولم يكتف بما سمع فأفسد حديثه هذا، والوجهان الأخيران فيمن طعن فى عدالته، والله أعلم. O وأما قولهم: ((فلان أفسد علينا سماعنا من فلان)) فقد يكون لأنه أدخل فى حديث الشيخ ما ليس منه ولم يميزه الشيخ كما فى ترجمة جبارة بن مغلس (٢٢١/١) من ((المجروحين)) لابن حبان وكذا ترجمة سفيان بن وكيع بن الجراح - ٣٩٧ - (٣٥٩/١) ((المجروحين))، وهل يقولون ذلك فى أحد أئمة الجرح والتعديل الذى كشف حال الرجل بعد أن كان يُظن به العدالة؟ ينطر (١). O وأما قولهم: ((أفسد علينا ما كتبنا عنه)) أى أنه كان له سماع صحيح أو كان يُظن به ذلك، ثم ادعى ما لم يسمع إما عمداً أو غفلة، وقد ذكر ابن حبان فى مقدمة كتابه ((المجروحين)) أنواع جرح الضعفاء فقال: ((النوع الثامن: ومنهم من يكذب ولا يعلم أنه يكذب إذ العلم لم يكن من صناعته ولا اغبر قدمه فيها: أخبرنى محمد بن المنذر قال حدثنا محمد بن إدريس قال حدثنا مؤمل بن إهاب عن يزيد بن هارون قال: كان بواسط رجل يروى عن أنس بن مالك أحرفاً ثم قيل إنه أخرج كتاباً عن أنس، فأتيناه فقلنا له: هل عندك سوى تلك الأحرف؟ فقال: نعم عندى كتاب عن أنس، فقلنا: أخرجه إلينا فنظرنا فيه فإذاهى أحاديث شريك بن عبد الله النخعى فجعل يقول: حدثنا أنس بن مالك، فقلنا له: هذه أحاديث شريك، فقال: صدقتم حدثنا أنس بن مالك عن شريك، قال: فأفسد علينا تلك الأحرف التى سمعناها منه وقمنا عنه)) (٧١/١)، ونحوه قول الذهبى فى ((العبر)) ترجمة عيسى بن عبد العزيز بن عيسى اللخمى الإسكندرانى: ((سمع من السلفى وقرأ القراءات على أبي الطيب عبد المنعم بن الخلوف ثم ادعى أنه قرأ على ابن خلف الدانى وغيره فاتهم وصار من الضعفاء وفَجَعنا بنفسه)) (٢٠٤/٣). O قولهم: ((فلان بئس الرجل»: سبق أن قولهم: ((فلان نعم الرجل)) يطلق فى المشاهير الأثبات ويطلق فى أهل العبادة أو أهل الفقه أو من حسنت أخلاقهم أو المتمسكين بالسنة، وكل وجه من ذلك له حكم، وكذلك قولهم: ((فلان بئس الرجل)) فقد يكون من أجل كذبه على رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أو لغلوه فى بدعته أو من أجل فسقه وشهوته والعياذ بالله، ونحو ذلك قول أحدهم فى الراوى: (ذمّه فلان) (١) وهناك حالة أخرى، وذلك أن الثقة إذا روى الحديث مُعَلاًّ مبنية بذلك علة الحديث المستقيم الذى رواه الضعيف - انظر ما قاله أبو حاتم - كما فى ((العلل)) الرازى (٢٦٨/٢) برقم (٠٢٣٠٠ .. - ٣٩٨ _ فقد يكون لكذبه أو لبدعته انظر ترجمة داود بن عبد الجبار الكوفى. ° وقوهم: «فلان لا يفوته شیء أو لا يفوته حدیث جید»: هذا اللفظ يحتمل التعديل ويحتمل التجريح، فإن كان بمعنى التعديل فالمقصود منه أن الراوى حافظ بارع مجتهد رحال، إذا سمع بحديث لا يستريح إلا إذا أخذه عن راويه، وقد جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة سفيان الثورى قال القطان: ((ما رأيت أحفظ منه كنت إذا سألته عن مسألة أو عن حديث ليس عنده اشتد عليه)) (٢٠٤/١) وفى ((التذكرة)) أيضاً ترجمة الفضل بن سهل البغدادى الأعرج ذكر الذهبى أنه كان لا يكاد يفوته حديث فرد (٥٥٣/٢)، والرجل كان موصوفاً بالذكاء والمعرفة والإتقان وأنه كان أحد الدواهى فى الحفظ، وذكر كل هذا الذهبى على سبيل المدح وسيأتى خلاف ذلك كما فى ((النبلاء)»، وجاء فى «تاريخ بغداد)) ترجمة عبد الله بن محمد المسندى شيخ البخارى، قال محمد بن إسماعيل البخارى: ((قال لى الحسن بن شجاع: من أين يفوتك الحديث وأنت وقعت على هذا الكنز - يعنى المسندى -)) (٦٥/١٠). وقد يكون هذا اللفظ تجريحاً بمعنى أن الراوى سارق كلما وجد حديثاً عند غيره وثب عليه وادعاه لنفسه، كما فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة يحيى بن عبد الحميد الحمانى قال الحسين بن إدريس: («سمعت ابن عمار يقول: قد سقط حديثه، قيل: فما علته؟ قال: لم يكن لأهل الكوفة حديث جيد غريب ولا لأهل المدينة ولا لأهل بلد حديث جيد غريب إلا رواه فهذا يكون هكذا)) (١٧٤/١٤)، وجاء فى ((النبلاء)) قال عبدان: «سمعت أبا داود يقول: أنا لا أحدث عن فضل الأعرج قلت: لم؟ قال: لأنه كان لا يفوته حديث جيد)) (٢١٠/١٢) فعَلِم الإِمامُ الذهبى مدى شدة الجرح بهذا فقال: ((ما بهذا الخيال يُغمز الحافظ ثم هذا أبو داود قائل هذا قد روى عنه فى ((سننه))). اهـ قلت: وسبب كلام أبى داود فى فضل بن سهل الأعرج الغرائب التى وجدها فى حديثه، ووجود الغرائب فى حديث الراوى لا يقدح فيه إلا بشروط سبق ذكرها، والله أعلم. وسيأتى بقية لهذا (ص ٤٠٦ - ٤٠٨). - ٣٩٩ - O قولهم: ((فلان يُروى الحديث على أوجه)): أو عبارة نحو ذلك. هذا اللفظ أو ما فى معناه يحتمل عدة أوجه: ١- إذا قيل هذا فى أحد الأثبات المكترين فهذا معناه أنه یروى الحديث على عدة أوجه لكثرة حفظه، كما قال إبراهيم بن سعيد الجوهرى: ((كل حديث لا يكون عندى من مائة وجه فأنا فيه يتيم)) (١٢٤/١) ((تهذيب التهذيب)). ٢- وأيضاً إن قيل فى أحد الأثبات فقد يكون معناه أنه يروى الحديث بالمعنى، کما جاء فی «تاريخ بغداد» قال أبو داود: «کان سلیمان بن حرب یحدث بحديث ثم يحدث به كأنه ليس بذاك. قال الخطيب: قلت: كان سليمان يروى الحديث على المعنى فتتغير ألفاظه فى روايته)) (٣٦/٩) وذكر هذا الذهبى فى ((نبلائه)) (٣٣٤/١٠). ٣- وقد يكون من معانى هذا اللفظ اضطراب الراوى واختلاطه، كما فى ((الضعفاء» للعقيلى قال رحمه الله: ((حدثنا محمد قال حدثنا صالح قال حدثنا على قال سمعت يحيى وسئل عن إسماعيل بن مسلم المكى قيل له: كيف كان فى أول أمره؟ قال: لم يزل مختلطاً كان يحدثنا بحديث الواحد على ثلاثة دروب)) (٩٢/١). ٤- وقد يكون ذلك لتهمة الراوى بالكذب، كما ذكر ابن رجب رحمه الله فى شرحه «لعلل الترمذی))، قال: «فاختلاف الرجل الواحد فى الإِسناد إن كان متهماً فإنه ينسب به إلى الكذب، وإن كان سيء الحفظ نسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط، وإنما يحتمل مثل ذلك ممن كثر حديثه وقوى حفظه كالزهرى وشعبة ونحوهما، وقد كان عكرمة يتهم فى روايته الحديث عن رجل ثم يرويه عن آخر حتى ظهر لهم سعة علمه وكثرة حديثه ...... )) اهـ (ص ١٠٨) .. ٥- وقد يكون ذلك من المدلس، فإن المدلس تدليس الشيوخ لاسيما إن كان مقلاً يأتى بالحديث على أوجه ويسمى شيخه بأكثر من اسم حتى يظهر أنه مكثر والله المستعان. ٤٠٠ -