النص المفهرس
صفحات 341-360
فقال: لا يشتغل به قيل له: كان يكذب؟ قال: كان أبوه رجلاً صالحاً، قيل له: كان يتهم بالكذب؟ فقال: نعم)) (٢٣١/٤) ((الجرح والتعديل)) ومعلوم أن الإمام منهم إذا سئل عن راو أهو ثقة؟ فقال: لا والله، أو سئل أهو صدوق؟ فقال: من أين؟ أو يسأل أفلان ثقة؟ فيقول: لا ولا كرامة، كل هذا جرح شديد، لكن أحياناً يُسأل أحدهم: أفلان ثقة؟ فيعرض عن ذلك ويقول: الثقة فلان وفلان ويسمى بعض المشاهير، وفى مثل هذا لا يعد الجرح شديداً بل قد يكون نفياً للمنزلة العليا فقط، ونحو هذا ما حدث لعبد الرحمن بن مهدى وهو يحدث فقال: حدثنا أبو خلدة، فقال له رجل: كان ثقة؟ فقال ابن مهدى: ((صدوق خيار الثقة شعبة وسفيان))، وأمثلة هذا كثيرة. وجاء فى (التاريخ الكبير للبخارى))، محمد بن حذيفة بن داب، قال أبو عبد الله: ((وابن داب ليس هو ذاك الضعيف ذاك صاحب السمر ولكن هذا قديم قوى)) (٦٥/١)، وإذا سئل أحدهم عن راو فكذَّب غيره فالظاهر أنه تعدیل للمسئول عنه، لكن لا يلزم من ذلك أن يكون الراوى قوياً فقد سأل ابن أبى حاتم أباه عن إسماعيل بن حفص بن عمر بن ميمون الأيلى فقال: ((كتبت عنه وعن أبيه وكان أبوه يكذب وهو بخلاف أبيه، فقلت: لا بأس به؟ قال: لا يمكننى أن أقول لا بأس به)) (١٦٦/٢) ((الجرح والتعديل)). O قولهم: ((فلان شيخ أو من الشيوخ أو فى عداد الشيوخ»: سبق أن هذه الألفاظ من المراتب التى يكتب حديث أهلها للاعتبار، وقد قال أبو حاتم فى شبيب بن بشر البجلى: ((هو لين الحديث حديثه حديث الشيوخ)) (٣٥٧/٤) (الجرح والتعديل))، ولما ذكر الخلال حديث صالح بن حيان القرشى عن ابن بريدة ((شربت مع أنس الطلاء على النصف)) غضب أحمد وقال: ((لا نرى هذا فى كتاب إلا حرقته أو حككته ما أعلم فى تحليل النبيذ حديثاً صحيحاً أنَّهِموا حديث الشيوخ)) (٣٨٦/٤) ((تهذيب التهذيب)). - ٣٤١ - لكن سبق عن العجلى أنه يقول: ((فلان فى عداد الشيوخ)) يعنى بذلك قلة الحديث وإن كان الراوى ثقة ثبتاً. واستُخْدِم لفظ ((الشيوخ)) بمعنى الكبار فى السن والقدامى، كما جاء فى (تهذيب التهذيب)) ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودى، كان قد اختلط وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم، وقال معاذ بن معاذ: ((رأيته سنة (٥٤) يطالع الكتاب يعنى أنه قد تغير حفظه)) (٢١١/٦)، فمعنى هذا أن حديث الشيوخ الذين أخذوا عنه قبل التغير مستقيم وأما حديث الأحداث فلا، والله أعلم. وجاء هذا اللفظ أيضاً فى أعلى درجات التوثيق فقد قال عبد الرحمن بن أحمد: ((قال لنا محمد بن يحيى: اكتبوا عن هذا الشيخ - يعنى على بن سعيد بن جرير بن ذكوان النسائى - فإنه شيخ ثقة يشبه المشايخ)) (٣٢٦/٧) ((تهذيب التهذيب)). وقد سأل ابنُ عيينة نصر بن على عن مشايخ البصرة يوم ذاك؟ فقال: (يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى واللؤلؤى ...... ))، (١٠١/٣): ((تاريخ بغداد)). وسبق فى حكاية على بن خشرم عن وكيع أنه سمى المحدثين الحفاظ غير. الفقهاء: ((مشايخ)). وجاء هذا اللفظ بمعنى آخر كما فى ترجمة محمد بن عبد الله أبى المفضل الشيبانى الذى كذبه بعضهم واتهمه الدارقطنى بالتركيب ووصفه بأنه عدو الله، قال أبو العلاء الواسطى: ((كان حسن الهيئة جميل الظاهر نظيف اللبسة، وسمعت الدارقطنى سئل عنه فقال: يشبه الشيوخ))، وقال حمزة بن محمد بن طاهر: ((كان يضع الحديث ..... وكان له سمت ووقار))، وقال أبو ذر الهروى: «تركت الرواية عنه لأنى سمعت الدارقطنى يقول: كنت أتوهمه من رهبان هذه الأمة وسألته الدعاء لى فتعوذ بالله من الحور بعد الكور)» (٢٣١/٥ - ٢٣٢) ((لسان الميزان)) وانظر (سؤالات السهمى للدارقطنى)) (ص ٢٧٥) وهذا معناه أنه حسن الهيئة وصورته صورة أهل العلم. - ٣٤٢ - . وقد جاء قولهم: ((فلان يشبه الشيوخ)) على سبيل المدح الرفيع فى الرواية كما فى ترجمة ابن شاهين من ((تذكرة الحفاظ)) (٩٨٨/٣) فهذه عدة حالات وردت فيها هذه الألفاظ فى غير ما اشتهرت به والله أعلم. O قولهم: ((فلان كذاب)): الظاهر من هذا اللفظ أن الراوى يكذب فى الرواية إما بالسرقة أو بالتركيب أو بالوضع، ولكنهم قد يقولون ذلك على المبتدع كما قال ابن معين فى تليد بن سليمان المحاربى: ((تليد كذاب كان يشتم عثمان وكل من شتم عثمان أو طلحة أو أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فهو دجال لا يكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) (١٣٨/٧) ((تاريخ بغداد)). ويقولون ذلك أيضاً على من يكذب فى حديث الناس لا فى الرواية، وقد جاء فى ((الميزان)) ترجمة الحارث بن عبد الله الهمدانى الأعور .... ذكر الذهبى أقوال من كذبه ثم قال: ((وحديث الحارث فى السنن الأربعة، والنسائى مع تعنته فى الرجال فقد احتج به وقوَّى أمره، والجمهور على توهين أمره مع رواياتهم لحديثه فى الأبواب، فهذا الشعبى يكذبه ثم يروى عنه، قال: والظاهر أنه كان يكذب فى لهجته وحكاياته وأما فى الحديث النبوى فلا وكان من أوعية العلم» (٤٣٦/١ - ٤٣٧). قلت: وما قاله الذهبى رحمه الله محتمل وليس بصريح لأنهم يروون أحاديث الكذابين فى الرواية ويبيتّون أمرهم ويحذرون منهم ومَن وضَّح أمر الكذاب فقد برئت عهدته، لكن ذكرته شاهداً لهذه الحالة من كلام أهل العلم والله أعلم. وقد يقولون: ((فلان كذاب)) على من يخطىء ويهم لا على من يتعمد، كما جاء فى ((لسان الميزان)) ترجمة برد مولى سعيد بن المسيب قال ابن حبان فى (الثقات)): ((كان يخطىء وأهل الحجاز يسمون الخطأ كذباً، قال الحافظ: ((قلت: يعنى قول مولاه لا تكذب علىّ كما كذب عكرمة على ابن عباس» (٧/٢) وانظر - ٣٤٣ - كلام ابن حبان فى ((الثقات)) (١١٤/٦)، وجاء فى ((تهذيب التهذيب) ترجمة على بن عاصم بن صهيب الواسطى قال ابن معين: ((كذاب ليس بشىء))، وقال يعقوب بن شيبة عن ابن معين: ((ليس بشىء ولا يحتج به، قلت: ما أنكر عليه؟ قال: الخطأ. والغلط لیس ممن یکتب حديثه، فقيل لیحیی: إن أحمد يقول: علّی بن عاصم ليس بكذاب، فقال: لا والله ما كان على عنده قط ثقة ولا حدث عنه یشیء فکیف صار اليوم عنده ثقة)؟ (٣٤٧/٧) فتأمل كيف كذبه وسئل عن سبب ذلك فقال الخطأ والغلط لكن لما كثر ذلك منه عند ابن معين تركه، والله أعلم. وقال الشیخ المعلمی رحمه الله: قولهم (فلان یکذب أو کذاب))، قد یقصد بها الوهم ومخالفة الصواب ولذا عدها بعضهم من الجرح غير المفسر ولكن العبرة ببقية الأقوال فى الترجمة ...... فمثلاً قال ابن معين لأبى بدر شجاع بن الوليد السكونى: (يا كذاب)»، وقد قال ابن أبى خيثمة عن ابن معين فى شجاع: ((شجاع بن الوليد ثقة وثقه غير واحد ولكنه بهم ويغلط))، انظر ((التنكيل)) (ص ٤٩٥) ونحوه فى ((الفوائد المجموعة)) (ص ٤٤٨) وقد يقولون فلان كذاب على سبيل المزاح كما سيأتى إن شاء الله. O قولهم: ((فلانٍ لا يُسأل عنه)): كثيراً ما يُستعمل هذا اللفظ فى المدح الرفيع بمعنى أن الراوى لا يحتاج إلى سؤال عنه فشهرته وفضله ونباهته تغنى عن التزكية، ومن كان بهذه المنزلة فعدالته أقوى ممن يُعدّل بتزكية واحد أو اثنين قد يقع السهو فى كلامهما أو المحاباة، فمن ذلك ما جاء فى ((النبلاء)) أن جزرة سئل عن محمد بن يحيى الذهلى فقال: «ما فى الدنيا أحمق من یسال عنه» (٢٨٤/١٢) ولما سئل أبو حاتم عن یزید بن هارون الواسطى قال: ((ثقة إمام صدوق فى الحديث لا يسئل عن مثله)) (٢٩٥/٩) ((الجرح والتعديل)). وقد يقولون ذلك فيمن هو معروف بالفضل والتقوى والمروءة، لكن جاء - ٣٤٤ - هذا اللفظ فى الجرح الشديد، فقد سئل ابن معين عن أبى مسعود الجرار فقال: ((كذاب قد تخلى الله منه - أى تبرأ - لا يسأل عن مثل هذا ليس بثقة اسمه عبد الأعلى الجرار))، (٥٧/١) من ((معرفة الرجال لابن معين رواية أبى العباس أحمد بن محمد بن القاسم بن محرز»، وجاء فى ((الجرح والتعديل)) ترجمة عقيل الجعدى قال أبو حاتم: ((هو منكر الحديث ذاهب ويشبه أن يكون أعرابياً إذا روى عن الحسن البصرى قال: دخلت على سلمان الفارسى، فلا يحتاج إلى أن يسأل عنه)) (٢١٩/٦)، وجاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة عبد الله بن عمرو أبى معمر المقعد البصرى قال ابن المدينى: ((من ذكر محاسن عمرو بن عبيد ورفعه لا يسأل عنه - يعنى أبا معمر .....- ثم قال لا تحدثوا عن أبى معمر ولا نعمى عين)) (٢٤/١٠) وجاء هذا اللفظ بمعنى الجهل بالراوى كما فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة أحمد بن محمد بن أيوب راوى مغازى ابن إسحاق: ((سئل عنه على بن المدينى وأحمد فلم يعرفاه وقالا: لا يسأل عنه، فإن كان لا بأس به حمل عنه)) (٣٩٤/٤) والله أعلم. O قولهم: ((فلان جبل)): الأصل فى هذا اللفظ أن الراوى من جبال الحفظ، والدارقطنى رحمه الله يستعمل هذا كثيراً فى هذا المعنى، لكن يَرِدُ هذا اللفظ أحياناً بمعنى أنه جبل فى العبادة والزهد، وإن كان ضعيفاً فى الحديث، وأيضاً يقصد بهذا اللفظ العبادة وإن كان الراوى ليس كغيره من المشاهير، كما قال إبراهيم الحربى فى القاسم بن سلام أبى عبيد الإِمام: ((كان أبو عبيد كأنه جبل نفخ فيه الروح يحسن كل شىء إلا الحديث صناعة أحمد ويحيى)) (٤١٣/١٢) ((تاريخ بغداد)، فأبو عبيد وإن لم يكن كأحمد ويحيى فى معرفة طرق الأحاديث وعلله إلا أنه ثقة فى نفسه بل قد قال فيه أحمد: أبو عبيد ممن يزداد كل يوم عندنا خيراً) (٤١٥/١٢) ((تاريخ بغداد)). وقد وقفت على هذا اللفظ فى الجرح الشديد كما قال الذهبى فى ((المغنى)) ترجمة أحمد بن عبد الله بن خالد الجوبارى ويقال الجويبارى: ((فى عصر شيوخ - ٣٤٥ - الأئمة كذاب جبل)) (٤٣/١) ((المغنى))، وكلمة ((جبل) فى ((المغنى)) مضبوطة بشدة على الموحدة والظاهر أنها تصحيف لأنى لم أجد بلداً بهذا الاسم يسكنها الجوبارى هذا فالظاهر ما قدمته، والله أعلم. ° قولهم: (فلان جائز الحدیث»: كثيراً ما يقولون هذا على من فى حديثه لين ولكنهم مشّوا حديثه ولم يتركوه وجاز على ما فيه من الضعف، فقد قال الذهبى رحمه الله فى زياد بن مليك أبى سفينة: ((شيخ مستور ما وُثّق ولا ضعّف فهو جائز الحديث)) (٩٣/٢) ((الميزان))، وقال عمرو بن على فى زمعة بن صالح: ((وهو جائز الحديث مع الضعف. الذى فيه)) (١٠٨٤/٣) ((الكامل))، وقول الذهبى فى ((المغنى)) فى ترجمة الربيع بن زياد الهمدانى: ((عن التابعين له غرائب وهو جائز الحديث فيه لين)) (٢٢٨/١) وفى ((النبلاء)) ترجمة صدقة بن عبد الله السمين قال الذهبى: ((قلت: هو ممن يجوز حديثه ولا يحتج به)) (٣١٦/٧) وقال أيضاً: ((كان عنده حديث كثير ولم يكن بالمتقن)) (٣١٧/٧): ((النبلاء))، لكن العجلى صاحب ((تاريخ الثقات)) يكثر من استعمال هذا اللفظ مع قرنه بكلمة ((ثقة)) أو ((صدوق) أو ((لا بأس به))، كقوله : ((صدوق جائز الحديث)) (ص ١٠٥) وقوله فى فضيل بن فى حبان بن مرزوق: ((جائز الحديث ثقة)) (ص ٣٨٤) ومع هذا فقد قال هذا اللفظ مع ذكره لضعف الراوى كما فى عبد الرحمن بن إسحاق بن سعد الواسطى قال: ((ضعيف. جائز الحدیث یکتب حديثه)) (ص ٢٨٨) وقال فی صالح بن حیان: «جائز الحديث. يكتب حديثه وليس بالقوى وهو فى عداد الشيوخ)» (٢٢٥)، وجاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة سماك بن حرب: ((وقال العجلى)»: جائز الحديث إلا أنه كان فى حديث عكرمة ربما وصل الشىء عن ابن عباس وربما قال قال رسول الله -: صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وإنما كان عكرمة يحدث عن ابن عباس: وكان سفيان الثورى يضعفه بعض الضعف وكان جائز الحديث لم يترك حديثه أحد)». (٢١٦/٩)، وقال ابن معين فى قابوس بن أبى ظبيان الجنبى: ((ثقة جائز الحديث)). - ٣٤٦ - وقال مرة: ((ضعيف الحديث)) (٢٠٧١/٦)، ((الكامل))، وفي ((ميزان الاعتدال)) قال الذهبى: ((كان ابن معين شديد الخط عليه على أنه قد وثقه)) (٣٦٧/٣) وظهر فى ((تهذيب التهذيب)) من كلام ابن معين أن ابن أبى ليلى جلده الحد (٣٠٦/٨) فلعل حط يحيى عليه بسبب ذلك، فالظاهر أن قولهم: ((جائز الحديث)) بمعنى أن الراوى ضعيف لكن لم يصل إلى حد الترك إلا إن ظهرت قرينة تدل على التوثيق فيعمل بها فى محلها، والله أعلم. O قولهم: ((فلان أدخل على المشايخ): الأصل فى هذا الجرح الشديد من جهة العدالة، ولكن قد يقع هذا من العُبّاد الذين لا يضبطون الحديث فيقع منهم قلب الأسانيد على سبيل الغفلة والوهم لا على سبيل العمد، وأيضاً قد يفعل هذا بعض الأئمة لاختبار الرواة، وقد جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة أحمد بن منصور الشيرازى الحافظ الرحال أن الحاكم قال: ((جمع هذا من الحديث ما لم يجمعه أحد وصار له من القبول بشيراز بحيث يضرب به المثل))، وقال الدارقطنى: ((أدخل الشيرازى هذا بمصر على شيوخ أحاديث وأنا بمصر، وذكر يحيى بن مندة الحافظ أن الذى صنع هذا آخر اسمه أحمد بن منصور)) (١٠٠٩/٣) ((تذكرة الحفاظ))، والظاهر أن هذا الفعل إن كان من الشيرازى الحافظ فهو على سبيل الاختبار والامتحان، والله أعلم. ٠ ٠ ٠ O قولهم: ((فلان أصلح أو الحق فى كتابه أو فى كتاب غيره)). اعلم أن الراوى إذا روى حديثاً وخولف فيه وطلب منه الأصل فقد يكون الأصل رديئاً ويجد الناقد فيه أن الراوى قد ألحق فيه بعض الأحاديث أو أصلح فيه بعض الأسانيد والمتون ، ومن هنا يطعنون فى الراوى من جهة عدالته، لكن قد يفعل هذا الثقة المتقن لحديثه أو لحديث بعض المشايخ، ففى ترجمة عبد المجيد بن - ٣٤٧ - عبد العزيز بن أبى رواد قال ابن معين: ((كان أصلح كتب ابن علية عن ابن جريج، فقيل له: كان عبد المجيد بهذا المحل؟ فقال: كان عالماً بكتب ابن جريج إلا أنه لم يكن يبذل نفسه للحديث)) (١٩٨٣/٥) ((الكامل))، كذلك قد تذهب كتب: المحدث فى حريق أو غرق أو تسرق فينسخ أحاديثه ومروياته من كتب أخرى. عليها سماعه فمثل هذا لا يضره، لكن إذا كتبها من كتب ليس عليها سماعه فهذا يضره ما لم يكن ثبتاً، لأنه إذا كان ثبتاً يحمل على أنه يحفظ حديثه ثم قابل هذه النسخ بما يحفظ وتأكد من صحتها، أو علم أن هذه الكتب قوبلت على أصوله قبل ضياع أصوله وكانت مطابقة لها، وقد فصَّل القول فى ذلك الشيخ المعلمى رحمه الله تعالى فى ((التنكيل)) بما لا مزيد عليه، انظره فى ترجمة أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبى بكر القطيعى (ص ٢٩٧ - ٢٩٩) ثم فى ترجمة أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست العلاف (ص ٤٠٧ - ٤٠٨) وترجمة أحمد بن سليمان النجاد (ص ٣٠٧) من كتاب ((التنكيل)). ٦ O قولهم: ((فلان بخطىء ويصر)) أو ((رجع عن بعض حديثه)): قال ابن مهدى رحمه الله: ((قلت أو قيل لشعبة: من الذى تترك الرواية عنه؟ قال: إذا أكثر عن المعروفين ما لم يعرف من الرواية أو أكثر الغلط أو تمادى فى غلط مجتمع عليه فلم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه أو يتهم بكذب فأما سوى من وصفت فأروى عنهم)). اهـ فالإصرار على الخطأ يؤدى إلى طرح رواية: الراوى إذا كان ذلك على سبيل العناد أو كان الخطأ فاحشاً، لكن إذا أصر على خطئه أحد الأثبات المشاهير فلا يقدح هذا فى بقية حديثه لاسيما إن كان الخطأ ليس فاحشاً، فقد أصر مالك بن أنس إمام المتقين وكبير المتثبتين - كما قاله الحافظ "ابن حجر - على قوله: عمر بن عثمان - بضم العين المهملة - فى حديث: ((لا يرث الكافر المسلم)»، والصواب عمرو بن عثمان - بفتح العين المهملة - ولم يقدح هذا فيه، وكذا ذكر الدارقطنى أن أبا حفص عمر بن شاهين صاحب كتاب - ٣٤٨ - (الثقات)) كان يصر على خطئه ويلج فيه وهو ثقة إمام، قال المعلمى رحمه الله فى كتابه ((التنكيل)): ((الخطأ الذى يضر الراوى الإصرار عليه هو ما يخشى أن تترتب عليه مفسدة ويكون الخطأ من المصرِّ نفسه، وذلك كمن يسمع حديثاً بسند صحيح فيغلط فيركب على ذلك السند متناً موضوعاً فينبهه أهل العلم فلا يرجع .... ثم ذكر أن الثبات على تغيير خفيف فى الاسم لا يضر بل يدل على عظم الأمانة وشدة التثبت وإذ لم يستحل أن يغير ما فى أصله وقد وقع هذا لمالك بن أنس ..... )) اهـ (ص٣٤). قلت: وقد یکون ثباته على ما فى أصله دليلاً على تثبته - كما قال المعلمى - وإلا اتهم بقبول التلقين، جاء فى ((الضعفاء الكبير)) للعقيلى ترجمة ثابت بن يزيد الأودى قال يحيى بن سعيد وسئل عنه كيف كان؟ قال: ((وسط ثم قال إنما أتيته مرة فأملى علَّ ثم لم أعد إليه ثم قال: إذا كان الشيخ إذا لقنته قبل فذاك بلاء وإذا ثبت على شىء واحد فلا بأس به)) (١٧٥/١)، كما أنه ليس الثبات على القول محموداً فى كل الأحوال، فقد جاء فى ((تاريخ بغداد)) أن أبا داود الطيالسى حدث بحديث ((النهى عن بيع الولاء وهبته)) - وقد أخطأ فيه شعبة أحد رجال السند وجعل النهى عن القزع - فحدث به أبو داود الطيالسى فى المجلس فصاح به الناس: ((يا أبا داود ليس هذا من حديثك هذا حديث شبابة، فقال أبو داود: فدعوه إذن فدعوه، قال أبو مسعود: قلت لأحمد فى خطأ أبى داود، قال: لا يعد لأبى داود خطأ إنما الخطأ إذا قيل له لم يعرفه وأما أبو داود قيل له فعرف، ليس هو خطأ)) (٢٦/٩). قال المعلمى رحمه الله: ((ذكر الخطيب فى ((الكفاية) ما يتعلق بخطأ الراوى وبعدم رجوعه، فذكروا أنه تُرَدُّ رواية من كان الغالب عليه الغلط ومن يغلط فى حديث مجتمع عليه فينكر عليه فلا يرجع، ومعلوم من تصرفاتهم ومقتضى أدلتهم أن هذا حكم الغلط الفاحش الذى تعظم مفسدته فلا يدخل ما كان من قبيل اللحن الذى لا يفسد المعنى ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ فى الأسماء وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك وكما وقع من مالك ... )) (٧١٣). ومن تدبر هذه المسألة أعنى مسألة الإصرار على الخطأ علم أن رجوع - ٣٤٩ - الراوى عن بعض رواياته يحتمل أنه رجع عن ذلك أمام الأئمة لكنه كذاب ويعود إلى التحديث بذلك مرة أخرى، ويحتمل أنه يقبل التلقين مع صلاحه وعبادته لگنه لا يميز، ويحتمل أنه علم بخطئه ورجع إلى الرشد والصواب، وقد يرجع احتياطاً بمعنى أنه يترك رواية هذا الحديث بالمرة لأنه لا يريد أن يخالف الأكثر ولا يريد أن يصلح ما وجده فى أصله لقول غيره، وهذا من ورع بعض المحدثين وسماحتهم فى الحديث كما سيأتي إن شاء الله، وفى المقابل قد يكون المصر على خطئه كذاباً مستهزءاً بمن ينكر عليه كما يفعل ذلك سقطة القصاص وقليلو الحياء منهم، وقد يصر على قوله الثقةُ ثقةً بحفظه وبكتابه كما فعل مالك، وقد يصر على خطئه من يخاف أن يطعن بأنه يقبل التلقين، فالأمر يحتاج فى كل ذلك إلى تأمل إصرار المصر ورجوع من رجع على أى جهة كان ذلك، والله أعلم. O (وصفهم للراوى بأنه ينام فى المجلس والشيخ يقرأ»: معلوم أن الراوى مطالب بالإتقان فى التحمل والأداء، ونوم الطالب والشيخ يقرأ يكون سبباً لطعن الأئمة فيه غالباً، وهذا يدل على أن أحاديث هذا المجلس. لم يتقنها عن شيخه، لكن وقع هذا من بعض الأئمة المشاهير ولم يقدح فيهم، فقد جاء فى ((تهذيب التهذيب)) أن عبد الله بن وهب کان سىء الأخذ ومع ذلك فقد مدح أحمد حديثه فقال: ((صحيح الحديث يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث ما أصح حديثه وأثبته، فقيل له: إنه كان يسىء الأخذ، قال: قد كان ولكن إذا نظرت فى حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحاً)) (٧٢/٦)، وفى ((الكامل)) أن سعيد بن منصور قال: ((رأيت ابن وهب بمجلس ابن عيينة، وسفيان بن عيينة يحدث الناس وابن وهب نائم .... ومع ذلك قال ابن عدى: وعبد الله بن وهب فى أجلة الناس ومن ثقاتهم وحديث الحجاز ومصر وما وَالَى: تلك البلاد يدور على رواية ابن وهب وجمع لهم مسندهم ومقطوعهم .... ثم ذكر تفرده عن بعض المشايخ ثم قال: ومن يكون له من الأصناف مثل ما ذكرته استغنى أن يذكر له شىء ولا أعلم له حديثاً منكراً إذا حدث عنه ثقة من الثقات))، انظر - ٣٥٠ - (١٥١٨/٤ - ١٥٢١)، وجاء فى ((ثقات ابن حبان)) ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادى: ((كان متقناً صاحَبَ ابنَ عيينة سنين كثيرة وسمع أحاديثه مراراً، ومن زعم أنه كان ينام فى مجلس ابن عيينة فقد صدق، وليس هذا مما يجرح مثله فى الحديث، وذاك أنه سمع ابن عيينة مراراً، والقائل بهذا رآه ينام فى المجلس حيث كان يجيىء إلى سفيان ويحضر مجلسه للاستئناس، فنوم الإنسان عند سماع شىء قد سمعه مراراً ليس مما يقدح فيه واحد)) (٧٢/٨ - ٧٣)، وجاء فى ((التنكيل)) للمعلمى رحمه ترجمة إبراهيم بن سعيد الجوهرى: ((وهو من شيوخ مسلم فى (صحيحه) ومن كبار الحفاظ كتب فأكثر وهو القائل: كل حديث لم یکن عندى من مائة وجه فأنا فيه يتيم، وكان من عادة المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخ قد سمع منه الكثير يرجو أن يسمع منه ما لم يسمعه من قبل فيتفق أن يشرع الشيخ ويحدث بجزء قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك فلا يعتنى باستماعه ثانيا أو ثالثا لأنه يرى ذلك تحصيل حاصل ... )اهـ. O ونحو ذلك وصفهم للراوى: ((بأنه يكتب فى المجلس والشيخ يقرأ»: فإن ذلك لا يضر الثقات المشاهير أهل الفهم والحفظ والذكاء والله أعلم. O وصفهم للراوى: ((بأنه يحدث من كتاب غيره)»: اشترطوا فى الراوى أن يكون ضابطاً لحديثه، فإن حدث من حفظه اشترطوا أن يكون متقناً لما سمع، وإن حدث من كتابه اشترطوا أن يكون ضابطاً له محافظاً عليه، وكون الراوى يحدث من كتاب غيره فإن هذا يدل على تهاونه، لأنه يحدث بهذه الأحاديث وينسبها لنفسه مع أن هذه الأحاديث ليست فى كتابه، فقد يكون ما فى كتاب غيره مخالفاً لما فى حديثه، وقد يكون الغير هذا ضعيفاً - ٣٥١ - والمحدث ثقة، لكن قد تحدث بعض الحالات التى يضطر الراوى من أجلها أن ينظر فى كتاب غيره ساعة التحديث، كأن تضيع كتبه أو تحرق أو تغرق والأمر يحتاج إلى تفصيل: فإن كان الذى يحدث من كتاب غيره ليس من أهل الحفظ. والإتقان دل ذلك على ضعفه فى الرواية أو فى رواية هذه الأحاديث، أما إن كان من الحفاظ المشاهير فلا يضره لأنه يستطيع أن يميز بين حديثه وحديث غيره، وأيضاً إذا كان ثقة عدلاً وحدث من کتاب غيره وقال: هذا حديثی قیحمل على أنه تأكد من أن هذا الجزء قد سمعه مع صاحبه من شيخ واحد، ويكون هذا غالباً بين الذين اشتركوا فى الطلب أو قابلوا كتبهم ببعضهم، جاء فى ((النبلاء). ترجمة هدية بن خالد القيسى قال عباس بن عبد العظيم: ((هى كتب أمية بن خالد)). : - يعنى الذى(١) يحدث بها هدية - قال الذهبي رحمه الله: قلت: رافق أخاه فى الطلب وتشاركا فى ضبط الكتب فساغ له أن يروى من كتب أخيه)) (٩٨/١١-٩٩). O ووصفهم الراوى: ((بأنه يحدث من غير أصل أو يقرأ من كل كتاب)): هذا لا يضر إلا سىء الحفظ، فقد قال الخطيب فى ((تاريخه)): ((بندار وإن كان يقرأ من كل كتاب كان يحفظ حديثه))، (١٠٤/٢)، وفى ((النبلاء)) ترجمة الوراق الإمام المحدث أبى بكر محمد بن إسماعيل المستملى، قال عبد الله الأزهرى: ((حافظ لين فى الرواية يحدث من غير أصل))، قال الذهبى رحمه الله: ((قلت: التحديث من غير أصل قد عم وطم فنرجو أن يكون واسعاً بانضمامه إلى الإِجازة)). (٣٨٩/١٦). (١) كذا بالمطبوعة والله أعلم. - ٣٥٢ - O ((وصفهم للراوى بأنه يجمع فى الأسانيد أو يجمل)): (وجَمَل الشىء: جمعه))، كما فى ((لسان العرب)) (١٢٧/١١)، وهذا معناه أن الراوى يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان، فإذا كان الراوى ليس بضابط فانه يُشبَّه عليه، فإذا أراد أن يحدث لم يتأكد من اسم شيخه جمع عدة مشايخ احتياطاً، وهذا بلا شك يقدح فى رواية الراوى لأنه يحتمل أنه ما أخذ الحديث إلا عن أحد هؤلاء وهو ضعيف، أو أن ألفاظهم تختلف وجمعها كلها فى سياق واحد، ولذا تجد بعض الأئمة يطعن فى بعض الرواة بسبب ذلك، كما جاء فى «تهذيب التهذيب)) ترجمة عطاء بن السائب، قال شعبة: ((حدثنا عطاء بن السائب وكان نسيّاً))، وقال الحربى فى ((العلل)): ((بلغنى أن شعبة قال: إذا حدث عن رجل واحد فهو ثقة وإذا جمع فاتقه)) (٢٠٥/٧، ٢٠٧)، وينظر فى صحة السند إلى شعبة، وفى (ضعفاء العقيلى)) ترجمة محمد بن عمر بن واقد الواقدى قال أحمد: ((كان الواقدى بعث إلى المنبهى يستعير كتبه يدخلها فى كتبه وكنا نرى أن عنده كتباً من كتب الزهرى فكان يجمل - وربما قال يجمع - يقول فلان وفلان عن الزهرى حديث نبهان عن معمر، والحديث لم يروه معمر إنما هو حديث يونس رواه عبد الرزاق عن يونس، كان يجمل الحديث ليس هو من حديث معمر .... )) وقال مرة: ((ما أشك فى الواقدى أنه كان يقلبها)) (١٠٧/٤ - ١٠٨)، وفى ((تاريخ بغداد)) قال إبراهيم الحربى: ((ومما أنكره عليه أحمد جمعه الأسانيد ومجيئه بالمتن واحداً .... )) (١٥/٣). أما إذا جمع الأسانيد ثقة حافظ يقظ فلا يضر، جاء فى شرح ((علل الترمذى)) للحافظ ابن رجب الحنبلى رحمه الله فى الكلام على من ضُعِّف حديثه إذا جمع الشيوخ دون ما إذا أفردهم: قال أبو يعلى الخليلى فى كتاب ((الإِرشاد)): ((ذاكرت بعض الحفاظ قلت: لِمَّ لَمْ يدخل البخارى حماد بن سلمة فى ((الصحيح))؟ قال: لأنه يجمع بين جماعة من أصحاب أنس يقول حدثنا قتادة وثابت وعبد العزيز بن صهيب عن أنس وربما يخالف فى بعض ذلك، فقلت: أليس ابن وهب اتفقوا عليه وهو يجمع بين أسانيد فيقول أخبرنا مالك وعمرو بن الحارث ــ ٣٥٣ - والأوزاعى ويجمع بين جماعة غيرهم؟ فقال: ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ»، قال ابن رجب: ((ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن حديثه يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهرى يجمع بين شيوخ له فى حديث الإِفك زغيره، وكان الجمع بين الشيوخ ينكر على الواقدى وغيره ممن لا يضبط هذا، وكذلك أنكر يحيى بن معين على عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمرى أنه كان يحدث عن أبيه وعمه ويقول مثلاً بمثل وسواء بسواء واستدل بذلك على ضعفه وعدم ضبطه ..... ومن هؤلاء من كان يجمع بين المشايخ لاختلاطه وهو لا يشعر كما قيل عن عطاء بن السائب أنه كان يأتى بذلك على وجه التوهم وكذلك قيل فى أبى بكر بن أبى مريم)). اهـ (ص ٣٥٩ - ٣٦٠). قلت: وممن يجمع بين الأسانيد أو بين المشايخ ولم يضره ذلك الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله فى ((صحيحه))، فقد قال رحمه الله: حدثنا منجاب بن الحارث التميمى وسهل بن عثمان وعبد الله بن عامر بن زرارة الحضرمى وسويد بن سعيد والوليد بن شجاع، قال سهل ومنجاب ((أخبرنا)) وقال الآخرون ((حدثنا) على بن مسهر عن الأعمش ..... وساق الإسناد إلى عبد الله بن مسعود لما نزلت آية: ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا .... الآية (١٤/١٦) من ((صحيح مسلم مع النووى))، فتأمل كيف ميّزَ الإمام مسلم بين من قال: ((أخبرنا)) ومن قال ((حدثنا))، فلله دره، والحديث فى فضائل ابن مسعود وأمه رضى الله عنهما .. O قول أحدهم: ((ناظرت فلاناً بحديث فلان فلم يعرف منه حرفاً»: هذا يدل على أنه ليس بشىء فى حديث هذا الشيخ من جهة حفظه، أما إذا كان للراوى كتاب صحيح عن شيخه هذا فلا يضره، وكذا كل من وصف بأنه ضعیف الحفظ لا یضرہ إلا إن حدث من حفظه، أما إن کان صاحب کتاب - ٣٥٤ - فلا، جاء فى ((مقدمة فتح البارى)) ترجمة عبد الواحد بن زياد العبدى: ((أشار يحيى القطان إلى لينه))، فروى ابن المدينى عنه أنه قال: ((ما رأيته طلب حديثاً قط وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفاً»، قال الحافظ: ((قلت: وهذا غير قادح لأنه كان صاحب كتاب .... )) اهـ (ص ٤٢٢). O وقريب من ذلك قولهم: ((كان فلان لا يضبط عن فلان)): فهذا اللفظ يدل على أن حديث الراوى عن شيخه هذا فيه ضعف ولين، ولكن قد يكون هذا نفياً للكمال كما سبق عند الكلام على قولهم: ((فلان ليس من أصحاب الحديث))، وجاء فى ((مقدمة الفتح)) ترجمة عفان بن مسلم: ((ذكره ابن عدى فى ((الكامل)» لقول سليمان بن حرب: ما كان عفان يضبط عن شعبة، وقد قال أبو عمرو الحوضى: رأيت شعبة أقام عفان من مجلسنه مراراً من كثرة ما يكرر)» قال الحافظ ابن حجر: قلت: ((فهذا على تثبته فى تحمله وكأن قول سليمان أنه كان لا يضبط عن شعبة بالنسبة إلى أقرانه الذين يحفظون بسرعة .... )) (ص ٤٢٥). O قولهم: ((فلان شيطان)): الظاهر من هذا الجرحُ فإنهم يقولون ذلك على الكذابين وعلى الزنادقة والمبتدعة كما قال ابن المبارك فى جهم بن صفوان كما فى ((النبلاء»: إلى النار وانشق اسمه من جهنم عجبت لشيطان أتى الناس داعيا وفى (النبلاء)) أيضاً ترجمة منصور بن عمار الواعظ البليغ قال أبو حاتم: صاحب مواعظ ليس بالقوى)»، وقال أبو بكر بن أبى شيبة: ((كنا عند ابن عيينة فسأله منصور عن القرآن فزبره وأشار إليه بعكازه، فقيل: يا أبا محمد إنه عابد، فقال: ما أراه إلا شيطاناً ..... وقيل لمنصور: تتكلم بهذا الكلام ونرى منك أشياء؟ فقال: احسبونى درة على كناسة)) (٩٤/٩)، وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة محمد بن ميسر أبى سعد الجعفى الصاغانى قال أبو زكريا: ((قد رأيت أبا سعد الأعمى - ٣٥٥ - الصاغانى صاحب ابن أبى رواد ليس هو بشىء»، وقال فى موضع آخر: ((جهمى خبيث عدو الله قد كتبت عنه حديثاً كثيراً .... )) وقال مرة: ((كان مكفوفاً وكان جهيماً وليس هو بشىء كان شيطاناً من الشياطين» (٢٨٢/٣). وقد يقال هذا اللفظ على أهل الرأى كما فى الكامل لابن عدى (٢٤٧٥/٧). لكن هذا اللفظ قد يذكرونه على سبيل المدح الرفيع، كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة يحيى بن سعيد القطان قال ابن مهدى: ((لما قدم الثوری البصرة قال: یا عبد الرحمن جثنى بإنسان أذاكره، فأتيته بيحيى بن سعيد فذاكره، فلما خرج قال: قلت لك: جئتنى بإنسان جئتنى بشيطان)) - يعنى بهره حفظه - (١٧٧/٩). وقد سبق قول ابن معين فى الأثرم: ((كأن أحد أبويه جنى)) - لشدة حفظه -. O («وصفهم للراوى بأنه صاحب أحد المشايخ»: الظاهر من هذا أن المصحوب هو الشيخ، لكن جاء عن أبى حاتم عكس ذلك كما فى ترجمة عبد الله بن أبى سليمان أبى أيوب مولى عثمان بن عفان، قال ابن أبى حاتم: «سألت أبى عنه فقال: كان من أكابر أصحاب حماد بن سلمة، قلت: أيش حاله؟ فقال: شيخ))، فقال المعلمى: ((يعنى من مشايخ حماد بن سلمة كما فى ((تهذيب التهذيب))، والمؤلف يستعمل هذا كثيراً يقول: ((صاحبُ فلان)) أى شيخها (٧٦/٥) ((الجرح والتعديل)). وقد يقال: ((فلان من أصحاب فلان)) مثلاً بمعنى أنه انتحل مذهبه وأخذ بأقواله لا أنه أدركه وصحبه، كما فى ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق الضبى القاضى فى ((تاريخ بغداد)) (٢٦١/١٠)، ومعرفة ذلك مهم جداً من أجل الحكم باتصال السند أو انقطاعه والله أعلم. - ٣٥٦ - O قولهم: ((فلان من أهل الصدق»: هذا اللفظ الظاهر منه المدح الرفيع وأنه من المشهورين بالعدالة والصدق فى الرواية، لكن يأتى أيضاً فيمن هو سىء الحفظ ومن يقع فى حديثه المناكير من جهة قلة ضبطه لا من جهة أنه تعمد متناً أو إسناداً، فقد قال ابن عدى فى حسان بن إبراهيم الكرمانى: ((حدث بإفرادات كثيرة وهو من أهل الصدق إلا أنه يغلط))، وفى (تهذيب التهذيب)) قال عمرو بن على فى أبى جعفر الرازى: ((فيه ضعف وهو من أهل الصدق سىء الحفظ)) (٥٧/١٢)، وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة عبد الله بن عبد الله بن أويس قال عمرو بن على: ((فيه ضعف وهو عندهم من أهل الصدق)) (١٠ / ٧ - ٨) وقال فى عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ((ضعيف الحديث حدث عن مكحول أحاديث مناكير وهو عندهم من أهل الصدق» (٢١٢/١٠) ((تاريخ بغداد)». وقال زكريا بن يحيى الساجى فى على بن عاصم بن صهيل الصديقى: ((كان من أهل الصدق ليس بالقوى فى الحديث)) (٤٥٢/١١) ((تاريخ بغداد)). O قولهم فى أحد الرواة: ((لم يسمع من فلان)): الظاهر من هذا أن الراوى لم يسمع من شيخه وروايته عنه مرسلة غير متصلة، لكنهم أحياناً قد يقصدون بذلك نفى السماع فقط دون نفى العرض أو الإِجازة، وفى مثل ذلك فرواية الراوى عن شيخه متصلة لكن ليست من الدرجة العليا فى التحمل، كما جاء فى ((النبلاء)) ترجمة الماجشون عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة : ((روى أحمد بن سنان عن عبد الرحمن قال: قال بشر بن السرعه لم يسمع ابن أبى ذئب ولا الماجشون من الزهرى قال ابن سنان: ((معناه عندى أنه عرض)) (٣١١/٧)، وفى ((جامع التحصيل) للعلائى ترجمة بشير بن نهيك: حكى الترمذى فى ((العلل)) عن البخارى أنه قال: ((بشير بن نهيك لا أرى له سماعاً من أبى هريرة، وقد احتج هو ومسلم فى كتابيهما بروايته عن أبى هريرة، - ٣٥٧ - والجمع بين ذلك أن وكيعاً روى عن عمران بن حدير عن أبى مجلز عن بشير بن . نهيك قال: أتيت أبا هريرة بكتاب، فقلت له هذا حديث أرويه عنك؟ قال: نعم؟ والإِجازة أحد أنواع التحمل فاحتج به الشيخان لذلك، وما ذكره الترمذى ليس فيه إلا نفى السماع فلا تناقض)). اهـ (ص ١١٨) وفى مطبوعة عالم الكتب ( ص ١٥٠ ) . O أما قولهم: ((فلان سماعه من فلان ليس بذاك)). فإما لأنه استصغر فيه وكان صغيراً عند سماعه منه، كما قاله صالح جزرة فى سماع إبراهيم بن سعد من الزهرى (٣٠٦/٨) (النبلاء))، وإما لتساهل الطالب وتهاونه فى السماع كنومه وقت السماع أو انشغاله، وإما لأنه وجادة أو نحوها، أو لأنه سمع من الشيخ فى زمن تغيره والله أعلم. °° وأما إذا قالوا: ((فلان روايته عن فلان ليست بذاك)) فالظاهر لى أنهم يعنون أن رواية الطالب عن شيخه وجادة أو غير ذلك مما تكلم فيه من طرق التحمل ولا أرى لها وجهاً غير ذلك والله أعلم. O قول أحدهم: ((فلان لم يحدث)): الأصل فى هذا نفى اشتغال الراوى بالتحديث فإما أنه لم يشتغل بالحديث بالمرة لا طلباً ولا رواية وإما أنه طلب الحديث لكنه امتنع عن التحديث، غير أن هذا اللفظ قد يقال فيمن يحدث الطلبة لكنه ليس مكثراً كغيره من الرواة، كما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة مقاتل بن صالح المطرز، قال ابن المنادى: ((كان من المبرزين فى الصلاح ولم يحدث))، قال الخطيب: ((قلت: معنى قول ابن المنادى ((إنه لم يحدث)) أى لم يتسع فى رواية الحديث)) (١٧٠/١٣). - ٣٥٨ - O قول أحدهم: ((لو كان لى سلطان لضربت فلاناً)): هذا اللفظ يستعمله الأئمة فى الكذابين والمبتدعة والمغفلين الذين لم يصونوا أنفسهم من التحديث فوقعت المناكير والبواطيل فى حديثهم، لكن جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة هارون بن موسى القارىء النحوى الأعور وهو ممن رمى بالقدر قال أبو داود: ((ثقة ولو كان لى عليه سلطان لضربته)) - وفى الحاشية: ((ولعله يريد لأنه ترك التحديث واشتغل بعلم النحو أو لأنه قدرى)) (٥/١٤)، فإن كان ذلك لترك التحديث فهى حالة أخرى وإلا فاللفظ على بابه، والله أعلم. O إذا سئل أحدهم عن راو هل يروى عنه؟ فقال المسئول: لا»: كثيراً ما يَرِدُ هذا اللفظ على سبيل الجرح بمعنى أن الراوى ليس أهلاً للرواية عنه كما سبق فى المرتبة الرابعة من مراتب التجريح، لكن قد يرد هذا اللفظ فى حالة أخرى ويقصد به أن المسئول عنه ليست له رواية، كما جاء فى (تهذيب التهذيب)) ترجمة مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعى الأشتر قال مهنا: ((سألت أحمد عن الأشتر يروى عنه الحديث؟ قال: لا))، قال الحافظ ابن حجر: ((ولم يرد أحمد بذلك تضعيفه إنما نفى أن تكون له رواية)) (١٢/١٠) بل إن أبا حاتم يقول فى بعض من يسأل عنهم: ((لا يروى عنه)) مع وصفه لهم بالصحبة، انظر ترجمة رافع بن عنجرة، ورافع بن المعلى الأنصارى، ورافع بن مالك الزرقى (٤٨٠/٣) (الجرح والتعديل)). O قول أحدهم فى الراوى: ((لا أعلم إلا خيراً أو ما رأيت إلا خيراً»: هذا اللفظ كان المتبادر لى أولاً منه أنه من عبارات الشواهد والمتابعات وأن قائله لم يجزم بتعديل المقول فيه، لكن لما تتبعت هذا اللفظ وتتبعت كثيراً من استعمال الأئمة له فوجدتهم يستعملونه بمعنى ((ثقة)) وأيضاً بمعنى («لا بأس - ٣٥٩ - به)) وأحياناً فى الشواهد والمتابعات بمعنى أن الراوى صاحب سنة أو صاحب صلاة ولو ذكرت ما بين يدى الآن من تزاجم لطال الكلام ولكن أكتفى بذكر بعض التراجم التى تدل على التوثيق سواء كان بمعنى ((ثقة)) أو بمعنى ((لا بأس به)): جاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة عثمان بن محمد بن أبى شيبة قال الأثرم: «قلت لأبى عبد الله: ابن أبى شيبة أعنى أبا بكر أخا هذا ماتقول فيه؟ فقال: ما علمت إلا خيراً، وكأنه أنكر المسألة عنه، قلت لأبى عبد الله فأخوه عثمان؟ قال: وأخوه عثمان ما علمت إلا خيراً وأثنى عليه)) (١٥٠/٧)، وقد سأل أبو زرعة الدمشقى دحيماً ما تقول فى على بن حوشب الفزارى؟ فقال: ((لا بأس به، قال أبو زرعة: ولم لا تقول ثقة ولا نعلم إلا خيراً قال: قد قلت لك إنه ثقة)) (٣١٥/٧) (تهذيب التهذيب))، فتأمل قول أبى زرعة وأنه أعلى من قول دحيم ((ليس به بأس)) ولذا سأله. وجاء فى ((الجرح والتعديل)) ترجمة إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصارى، قال عبد الله بن أحمد: ((سألت أبى عن إسماعيل بن جعفر فقال: لا أعلم إلا خيراً، قلت: ثقة؟ قال: نعم)) (١٦٣/٢)، وفى ترجمة ربيع بن نافع أبى توبة، ذكره أحمد وأثنى عليه وقال: ((لا أعلم إلا خيراً) وقال أبو حاتم: ((ثقة صدوق حجة)) (٤٧٠/٣ - ٤٧١)، وقال أبو حاتم فى سليمان بن عبيد الله بن أبى سليمان: ((ما رأينا إلا خيراً صدوق)) (١٢٧/٤)، وقال أحمد فى عبد الرحمن بن السراج: ((ثقة لا أعلم إلا خيراً) (٣٠٦/٥) وقال أحمد فى علباء بن أحمر اليشكرى. (لا بأس به ما أعلم إلا خيراً، ووثقه ابن معين وأبو زرعة)) (٢٨/٧) وقال أحمد فى محمد بن شعيب بن شابور: ((ما أرى به بأساً ما علمت إلا خيراً)) (٢٨٦/٧)، وجاء فى ((النبلاء)) أن أحمد قال فى الشافعى: ((والله ما رأينا إلا خيراً)) (٥٨/١٠)، وقال الدارقطنى فى محمد بن الحسن بن هارون: ((لا بأس به ما علمت إلا خيراً) (ص ١١٤) من ((سؤالات السهمى))، وسئل أحمد عن الوليد بن القاسم الهمدانى؟. فقال: ((ثقة كتبنا عنه وكان جاراً ليعلى بن عبيد فسألت يعلى عنه فقال: نعم الرجل من خمسين سنة ما رأينا إلا خيراً) (٤٣٩/٩) ((النبلاء))، وفى ((تاريخ بغداد)) ترجمة ٣٦٠ _