النص المفهرس
صفحات 321-340
فى سويد بن سعيد الحدثانى (١٢٦٥/٣) أو فيمن هو قليل الحديث وعامة ما يرويه لا يتابع عليه كما فى سهل مولى المغيرة ابن أبى الغيث بن عبد الرحمن (١٢٨٢/٣) ودهثم بن قران اليمانى العكلى (٩٧٥/٣) وترجمة بشار بن قران النيسابورى (٤٥٦/٢)، فالذى يظهر لى أن قوله: ((فلان هو إلى الصدق أقرب)) معناه أن الراوى يصلح فى الشواهد والمتابعات إلا إذا كان ينفى عنه الكذب وإن كان متروكاً فيحكم بما يظهر من السياق. وأما القول الثانى فالأصل فيه الضعف الشديد حتى تظهر قرينة تدل على أن الراوى يصلح فى الشواهد والمتابعات، والله أعلم. O قول الذهبى رحمه الله فى تصانيفه 0 ((فلان قفز القنطرة» ذكر الحافظ ابن حجر فى ((هدى السارى مقدمة فتح البارى)) ومن قبله ابن دقيق العيد أن أبا الحسن المقدسى رحمه الله كان يقول فيمن خُرِّج له فى الصحيح: ((هذا جاز القنطرة))، قال الحافظ: ((يعنى بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه)). اهـ (ص ٣٨٤) الفصل التاسع. واستعمل هذا اللفظ الذهبى فى كثير من الرواة فقد قال فى عبد الله بن محمد بن أبى شيبة أبى بكر الحافظ الكبير: ((ممن قفز القنطرة وإليه المنتهى فى الثقة)) (٤٩٠/٢) ((الميزان)). ١ وقال فى خالد بن مخلد القطوانى: ((وخالد ذو مناكير عدة لكنه قفز القنطرة)) (٦١٥/٢) ((الميزان)) كما فى ترجمة عبد السلام بن حفص، وقاله فى يحيى بن معين فقال: ((ويحيى فقد قفز القنطرة بل قد قفز من الجانب الشرقى إلى الجانب الغربى)) (٤١٠/٤) ((الميزان))، رداً على أحمد حين قال: ((أكره الكتابة عمن أجاب فى المحنة كيحيى وأبى نصر التمار))، وقد يعبر الذهبى عن ذلك بعبارات مرادفة، كقوله فى - ٣٢١ - محمد بن كثير العبدى: ((الرجل ممن طفر القنطرة وما علمنا به شيئاً منكراً يُلِيِّن به)) (٣٨٤/١٠) ((النبلاء»، وكقوله فى إسماعيل بن عبد الله بن أويس: ((الرجل وثب إلى ذلك البر واعتمده صاحبا ((الصحيحين)) ولا ريب أنه صاحب أفراد ومنا کیر تنغمر فی سعة ما روى فإنه من أوعية العلم) اهـ فالذى يظهر من هذا اللفظ أنه يقال فى الأئمة الأثبات ويقال فيمن فيه كلام لا يضره ما دام داخل الصحيح، أما إذا كان خارج الصحيح نالته سهامهم، والله أعلم. واستعمل هذا اللفظ أبو على الحافظ بمعنى المدح الرفيع ولا التفات إلى من تكلُّم فى الراوى وإن لم يُخَرّجْ للراوى فى «الصحيحين»، كقوله فى ابن جوصاء: ((هذا إمام من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة (٧٩٧/٣) («تذكرة الحفاظ) للذهبى. O قول الذهبى فى الراوى ° ((مجله الصدق أو صدوق إن شاء الله)) أجد الحافظ الذهبى يقول ذلك إذا روى عن الراوى أكثر من واحد ولم يوثق، كما فى ترجمة أبى إدريس السكونى (٤٨٧/٤) ((الميزان)) وقد تعقبه الحافظ ابن حجر فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة أبى إدريس السكونى روى عنه صفوان بن عمرو قال الحافظ: ((قلت: قرأت بخط الذهبى قال ابن القطان: حاله مجهول، قال الذهبى: قد روى عنه غير صفوان بن عمرو هو شيخ محله الصدق، قال الحافظ: كذا قال ولم يسم الراوى الآخر وقد جزم ابن القطان بأنه ما روى عنه غير صفوان، وقول الذهبى إن من روى عنه أكثر من واحد فهو شيخ محله الصدق لا يوافقه عليه من يبتغى على الإسلام مزيد العدالة بل هذه الصفة هى صفة المستورين الذين اختلف الأئمة فى قبول أحاديثهم والله تعالى أعلم)) (٦/١٢). - ٣٢٢ - ● «وَضْعُ الحافِظِ الذهبى رحمه الله كلمة (صح) ° أمام بعض تراجم ((الميزان)))) جاء فى بعض نسخ ((الميزان)) ترجمة أبان العطار أن الحافظ الذهبى رحمه الله. قال: إذا كتبت (صح) أول الاسم فهى إشارة إلى أن العمل على توثيق ذلك الرجل ..... وقد تعقبه الحافظ ابن حجر رحمه الله فى مقدمة «لسان الميزان)) وقال: ((قد وجدت له - أى للحافظ الذهبى - فى أثناء الكتاب - يعنى ((الميزان)) - ما يصلح أن يكون فى الخطبة كقوله فى ترجمة أبان العطار: إذا كتبت (صح) .... ، إلخ ما تقدم اهـ. (٩/١) قلت: والذى ينبغى أن يعلم أن هذا اجتهاد من الحافظ الذهبى رحمه الله وهذا حكم منه على الراوى وهو قريب من صنيع الحافظ ابن حجر فى ((تقريب التهذيب))، ولا يسلمان رحمهما الله من تعقب على أحكامهما ويزداد الأمر خطورة فى ((الميزان)» أن نسخه قد يدخلها أخطاء من النساخ أو الطباعة ؟ فقد وجدت كلمة (صح) أمام ترجمة عبد الملك بن الصباح مع قوله: (متهم بسرقة الحديث)) (٦٥٦/٢) ((الميزان))، وأيضاً وضع هذه العلامة أمام ترجمة محمد بن عبد الله بن عبيد الليثى والرجل ضعفه ابن معين وقال البخارى: ((منكر الحديث))، وقال النسائى: ((متروك الحديث)) وقال ابن عدى: ((مع ضعفه هو ممن يكتب حديثه» (٥٩٠/٣ - ٥٩١) ((الميزان))، ومثل هذا لا يكون العمل على توثيقه، نعم لو تسامح الناقد فى أمره لجعله ممن يكتب حديثه ولا يترك فقط. وأيضاً كتب كلمة (صح) أمام ترجمة أحمد بن شيبان الرملى صاحب ابن عيينة (١٠٣/١) ((الميزان)) وأدخله فى كتابه ((المغنى فى الضعفاء)) دون دفاع عنه (٤١/١) وكتب كلمة (صح) أمام ترجمة أمية بن الحكم بن حجل وقال: ((لا يعرف)» (٢٧٥/١) ((الميزان))، وذكره فى ((المغنى)) (٩/١) كما ذكره فى ((الميزان))، فكيف يكون المجهول العمل على توثيقه؟ ولعل الحافظ الذهبى قصد الترجمة التى تليها فتزحزحت إلى هذه الترجمة على سبيل الوهم من الناسخ أو الطباعة فيراجع فى ذلك عدة نسخ. - ٣٢٣ - والذى أظنه أنى لو تتبعت كل من كتب أمامة (صح) وراجعت ذلك مع حكمه على نفس الترجمة فى كتبه الأخرى لجمعت فى ذلك عدداً لا بأس به مما يؤخذ عليه، وسأشير إلى ذلك إن شاء الله فى القسم الثالث من هذا الكتاب عند الكلام على كتب الجرح والتعديل وشروط الأئمة فى كتبهم ومدى الوفاء بذلك والعلم عند الله تعالى. Q وقول أبى إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني O السعدى فى كتابه ((أحوال الرجال)) فى بعض الرواة: ((مائل أو زائغ)): من نظر فى كتاب ((أحوال الرجال)) للسعدى علم أنه يطلق قوله: ((فلان مائل أو مائل عن القصد أو مفترٍ أو مجاهر أو كوفى المذهب أو زائغ أو جائر)». على متشيعة الكوفة وعلى من اعتقد التشيع، وإن كان يقوى من حال بعضهم. فى الحديث، فليس كل من قال فيه أحد هذه الألفاظ كان ضعيفاً فى الحديث عنده، وقد نص بعض الحفاظ كابن عدى والذهبى وابن حجر رحمهم الله على أن السعدى يطلق ذلك فى المتشيعة والله أعلم. ● إذا سئل يحيى بن سعيد القطان عن رجل فحرك يده ° كثير من الأئمة - كما سيأتي إن شاء الله - يتكلمون فى الرواة بالإشارة وحركة اليد، لكن ذلك معناه الجرح الخفيف الذى يصلح معه المسئول عنه فى الشواهد والمتابعات، ويكون معنى تحريك اليد أن الراوى تعرف منه وتنكر، فله أحاديث يوافق فيها الثقات وأخرى يخالف فيها الثقات، ولكن يحيى بن سعيد - ٣٢٤ - القطان يحرك يده على سبيل الجرح الشديد، فقد صرح بذلك ابن المدينى وقال له: ((إذا حركتَ يدك فقد أهلكته)) - يعنى عمر بن الوليد الشنى - كما فى ((الجرح والتعديل)) (١٣٩/٦)، ويدل على ذلك أيضاً ما جاء فى ((الجرح والتعديل)) ترجمة عمرو بن مسلم الجندى، قال ابن المدينى: ((سمعت يحيى بن سعيد ذكر عمرو بن مسلم فحرك يده وقال: ما أرى هشام بن حجير إلا أمثل منه، قلت له: أضرب على حديث هشام ابن حجير؟ فقال: نعم)) (٢٦٠/٦). فتصريح ابن المدينى بأن هذه الإِشارة عند القطان جرح شديد يدل على أن ذلك هو الأصل عند القطان إلا أن يثبت خلاف ذلك فيعمل به فى محله، وسيأتى نحو هذا فى (ص ٥٣٢ - ٥٣٣)، والله أعلم. - ٣٢٥ - : (الباب الثالث) (ذكر ألفاظ لها منزلة معينة عند إطلاقها جرحاً أو تعديلاً ولا تنتقل عنها إلا لقرينة صارفة) سبق ذكر ألفاظ الجرح والتعديل ومنزلة كل لفظة عند أهل الشأن وكثير من تلك الألفاظ قد يستعمل فى غير محله ولكن إذا ظهرت قرينة لذلك، فمثلاً قولهم: ((ثقة)) اصطلحوا على أنه بمعنى عدل ضابط ولكن قد يقف الباحث على قولهم: ((فلان ثقة شىء الحفظ)) أو ((ثقة ضعيف)) وقد سبق قول يعقوب بن شيبة فى الربيع بن صبيح السعدى: ((رجل صالح صدوق ثقة ضعيف جداً)، كما فى (تهذيب التهذيب)) (٢٤٨/٣)، فكلمة ((ثقة)) هنا أى فى دينه وعبادته أما الضبط فهو ضعيف أو ضعيف جداً، وأنا أتناول فى هذا الباب بعض الألفاظ التى تطلق ويقصد بها غير ما اشتهرت به، ولا يتعجل أحد بالإنكار فالمسألة اصطلاحية وهم أهل الشأن والواجب علينا فهم كلامهم وتتبع أقوالهم كى لا نقوّلهم ما لم يقولوا والله أعلم. فمن ذلك قولهم: ° «فلان منكر الحديث»: : هذا اللفظ فى الغالب يدل على أن الراوى قليلَ الضبط خالف من هو أوثق . . منه فلم ينفرد وفقط بل خالف من هو أولى منه، ومع ذلك فالظاهر من كلام الأئمة أنه يصلح فى الشواهد والمتابعات إلا إذا نصوا على حديث بعينه أنه منكر فلا، وقد سبق أن هذا اللفظ يطلقه بعضهم على الجرح الشديد غير أنهم قد يقولون هذا فى الراوى لروايته المنكرات وإن كانت العهدة على غيره، كما فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة الزبير بن بكار العلامة الحافظ النسابة قال أحمد بن على السليمانى n - ٣٢٦ - الحافظ: (منكر الحديث))، قال الحافظ: ((وهذا جرح مردود فلعله استنكر إكثاره عن الضعفاء مثل محمد بن الحسن بن زبالة وعمر بن أبى بكر المؤملى وعامر بن صالح الزبيرى وغيرهم فإن فى كتاب ((النسب)) عن هؤلاء أشياء كثيرة منكرة)). اهـ (٣١٣/٣)، وأنت خبير أن مثل ذلك لا يقدح فى الزبير بل يدل على أنه لا ينتقى فى الرواية، وقد وُصِف بهذا خلْقٍ من المشاهير مثل قتادة والثورى وابن جريح، ولو حمله الحافظ الذهبى على هذا لما قال فى ((النبلاء» بعد أن ذكر قول السليمانى: ((كذا قال ولا يدرى ما ينطق به» (٣١٤/١٢). وقد ذكر العراقى كما ذكره السخاوى في ((فتح المغيث)) أنهم كثيراً ما يطلقون المنكر على الراوى لأنه روى حديثاً واحداً منكراً، وقال اللكنوى في ((الرفع والتكميل)): قال الذهبى في ترجمة عبد الله بن معاوية الزبيرى: قولهم ((منكر الحديث)) لا يعنون به أن كل ما رواه منكر؛ بل إذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناکیر فهو منکر الحدیث)». اهـ. وقال في ترجمة أحمد بن سعيد بن عتاب المروزى: ((قال أحمد بن سعيد بن معدان: شيخ صالح روى الفضائل والمناكير))، قال الذهبى رحمه الله: ((قلت: ما كل من روى المناكير يضعف)). اهـ (ص١٤٤) (الرفع والتكميل))، وزاد أبو غدة فى الحاشية أن لفظ ((منكر)) كثيراً ما يطلق على الموضوع، يشيرون بذلك إلى نكارة معناه مع ضعف إسناده وبطلان ثبوته، كما تراه منتشراً في كتب الموضوعات وكتب الرجال المجروحين، مثل ((الميزان) للذهبى ..... اهـ. وسبق أن بعضهم يقول: ((منكر الحديث)) على من يتفرد وإن كان ثقة، فعلى طالب العلم أن يتأمل هذه الحالات فإن الله ينفعه بها كثيراً عند الجمع بين أقوال الأئمة إذا لاح تعارض أقوالهم، والله تعالى أعلم. O قولهم: ((فلان عالى الإسناد)): هذا اللفظ من ألفاظ المدح للراوى، مع أنه لا يلزم من أنه يكون الراوى - ٣٢٧ - ثبتاً في الرواية، ومعناه أن الراوى بكّر في الطلب فلقى مشايخ لم يدركهم غيره أو أنه طال عمره فكان إِسناده عالياً، ويعبرون عن ذلك بقولهم: ((فلان الحق الأحفاد بالأجداد)) أو (ألحق الأسباط بالأجداد))، لكن هذا اللفظ استعملوه على سبيل الذم في موضع آخر، كما جاء في ((جامع التحصيل)) للعلائى رحمه الله: أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان، متكلم فيه، قال ابن المبارك: قلت لشريك بن . عبد الله النخعى: تعرف أبا سعيد البقال؟ قال: إنى والله أُعرفه عالى الإِسناد أنا حدثته، عن عبد الكريم الجزرى، عن زياد بن أبى مريم، عن عبد الله بن معقل، عن ابن مسعود حديث ((الندم توبة)) فتركنى وترك عبد الكريم وزياداً وروى عن عبد الله بن معقل .... الحديث)). اهـ (ص١٢٩). والظاهر أن هذا ليس بکذب، بل عده غیر واحد تدليساً کما ذكره العلائى، وقال أبو زرعة: ((لين الحديث هو مدلس، قيل له: هو صدوق؟ قال: نعم هو لا یکذب». وقد يعبرون بقولهم: ((فلان أخرج أحاديث مما قرب سنده)) على العلو، ويحتمل أن سبب العلو هنا هو الاجتهاد في الطلب أو التبكير فيه أو التدليس أَو الغفلة، كما جاء فى ((الذيل على طبقات الحنابلة) لابن رجب ترجمة عبد الوهاب ابن برغش بن عبد الله العيبى قال ابن نقطة: ((هو ثقة لكنه أخرج أحاديث مما قرب سنده، ولا يعرف الرجال فربما أُسقط من الإِستاد رجلان أو أكثر، وهو لا یدری)» (٨٨/٢). إذا علمت هذا فاعلم أن ابن حبان رحمه الله ذكر في كتابه ((المجروحین)) أبا سعيد البقال وذكر أن ابن المبارك سئل عنه فقال: ((كان قريب الإِسناد))، فقال ابن حبان: يريد بقوله «كان قريب الإسناد» أى أنا کتبنا عنه لقرب إسناده، ولولا ذلك لم نكتب عنه شيئاً) (٣١٨/١) والظاهر من قول ابن المبارك هو الذم، كما سبق من قول شريك له والله أعلم. - ٣٢٨ - سـ O قول أحدهم: «فلان لا أعرفه)): الأصل في هذا اللفظ أن المسئول عنه مجهول عند القائل، ولكن سبق أن ابن معين قال ذلك فيمن لا يعرفه معرفة المشاهير أو لا يعرف حاله، وغير ابن معين يفعل هذا أيضاً فقد يُسأل أحدهم عن الراوى فيقول: ((ما أعرفه))، وهو يعنى أنه لا يعرف له صحبة، كما جاء في ((الجرح والتعديل)) ترجمة دغفل بن حنظلة السدوسى النساب قال حرب بن إسماعيل الكرمانى لأحمد: ((دغفل له صحبة؟ قال: ما أعرفه، قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم: يعنى لا يعرف له صحبة أُم لا)) (٤٤١/٣)، لكن الذى في ((ميزان الاعتدال)) يدل على أنه مجهول، لأنه ذهلى شيبانى فكيف لا يعرفه أحمد؟ وكذا في (تهذيب التهذيب)) سئل أُحمد: أَله صحبة؟ فقال: ((من أين له صحبه؟)) فالظاهر والله أعلم خلاف ما قاله ابن أبى حاتم. O قولهم: ((فلان ليس بالمعروف): هذا اللفظ غالباً ما يكون فى جهالة العين كما قال ابن عدى فى بشير بن زياد الخراسانى: «هو غير مشهور ليس بالمعروف لم أر أحداً روى عنه غير إسماعيل بن عبد الله بن زرارة)) (٤٥٥/٢) وكما فى ترجمة عبد الرحمن بن عبد العزيز قال ابن معين: ((شيخ مجهول))، وساق له ابن عدى حديثاً من رواية خالد بن مخلد عنه ثم قال: ((رأيت خالداً» يروى عنه هذا الحديث وغيره وليس هو بذلك المعروف كما قال ابن معين)) (١٥٩٧/٤) (الكامل)). وقال ابن عدى فی الوليد بن عباد: «ليس بمستقيم)، وقال: «ليس بالمعروف وقد أتى بأحاديث فيها نكارة ولم يرو عنه إلا إسماعيل بن عياش وروى هو عن شيخين لا يعرفان)) انظر (٢٥٤٥/٧ - ٢٥٤٦) ((الكامل)). لكن قد يقال هذا اللفظ على سبيل النفى للكمال وأن الراوى ليس بمعروف كمعرفة غيره من المشاهير، وقد يقال أيضاً على من محله الصدق كما فى ((الجرح والتعديل» ترجمة خلاد بن يحيى بن صفوان السلمى قال عبد الرحمن: ((سألت - ٣٢٩ - أبى عنه؟ قال: محله الصدق قلت: خلاد بن يحيى أحب إليك أم القاسم بن الحكم العربى؟ قال: جميعاً: ليس بذاك المعروفين)) (٣٦٨/٣). O قوله فى الراوى: ((تركه فلان)): معلوم أن الترك الاصطلاحى يطلق على من ترك حديثه فلا يكتب، سواء كان سبب ذلك كبرة الخطأ أو الفسق أو البدعة أو الكذب فى الرواية، كما أنه لا يلزم من ترك أحدهم الراوى أن يكون متروكاً فقد يوثقه من هو أعلم به ممن تركه، وكثيراً ما يقف الباحث على قولهم: ((فلان تركه يحيى بن سعيد وابن مهدى أو أحدهما أو لم أر يحيى يروى له))، فهذا يدل على أن الراوى لا يكتب حديثه عند یحیی أو ابن مهدی، لكنهم قد يقولون فى الراوى: ((تركه فلان)) بمعنى آخر، كما جاء فى ((ميزان الاعتدال)» ترجمة عطاء بن أبى رباح قال على بن المدینی: ((كان عطاء بأخرة تركه ابن جريج وقيس بن سعد))، قال الذهبي: «قلت: لم يعن الترك الاصطلاحى بل عنى أنهما بطّلا الكتابة عنه وإلا فعطاء ثبت رضى) (٧٠/٣) وفى (النبلاء)) قال الذهبى: ((قلت: لم يعن علَّى بقوله ((تركَه هذان)) الترك العرفى، ولكنه كبر وضعفت حواسه وكانا قد تكفّيا عنه وتفقها وأكثرا عنه فبطّلاً فهذا مراده بقوله: ((تركاه)) (٨٧/٥)، وقال فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة ابن جوصاء الإمام أبى الحسن أحمد بن عمير بن يوسف: ((قال حمزة الكنانى: عندى عن ابن جوصاء مائنا جزء ليتها كانت بياضاً، وترك حمزة الرواية عنه أصلاً))، قال الذهبى: ((قلت: هذا تعنت من حمزة والظاهر أنه تبرم بالمائتى جزء لنزولها عند حمزة ولا تنفق عنه فإن ابن جوصاء من صغار شيوخه» (٧٩٧/٣)، وفى ((النبلاء)) ترجمة خليفة بن خياط بن خليفة قال الساجى: «كان صدوقاً تركوه لموضع الوقف»، قال الذهبى: ((معنى قوله: ((تركوه)) أى أعرضوا عن الأخذ عنه لا أن حديثه فى حيز المتروك المطرح)؟ (٤٧٧/١١)، ونحوه قول الفلاس فى شهر بن حوشب: ((كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه وكان عبد الرحمن يحدث عنه))، قال الذهبي: «قلت: - ٣٣٠ - يعنى الاحتجاج وعدمه)) (٣٧٥/٤) ((النبلاء»، فتأمل. وقد یکون عدم رواية أو کتابة ابن مهدی عن الراوى مثلاً لوجود من هو أشهر منه أو لوجود من هو أعلى منه إسناداً أو لعدم إدراكه له، ونحو ذلك ما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة إسماعيل بن زكريا الخلقانى قال أبو بكر الأثرم: («سمعت أحمد بن حنبل - وذكر إسماعيل - فقال: هو أبو زياد ثم قال: لم نكتب نحن عن هذا شيئاً - كأنه يقول لم يدركه)) (٢١٦/٦) وكما فى ((النبلاء)) ترجمة على بن صالح بن حى قال الذهبى: ((وأما قول محمد بن المثنى الزمن: ما رأيت عبد الرحمن بن مهدى يحدث عن على بن صالح بشىء فهذا لا يدل على ضعفه بل لم يدرك عبد الرحمن علياً فيما أظن» (٣٧٢/٧). وقال العلامة المعلمى رحمه الله تعالى فى كتابه (والتنكيل)): «ترك بعض الأئمة أو الرواة الرواية عن بعض المشايخ ليس منحصراً فى اعتقادهم ضعفَهم بل قد يكون لغير ذلك، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضل بن فضالة القِثْبانى لأنه قضی عليه بقضية وامتنع مسلم من الرواية عن محمد بن یحیی الذهلی لما جرى له معه فى شأن اختلافه مع البخارى ..... )) (ص ٩٢٥) وسيأتى إن شاء الله تعالى الفرق بين قولهم فى الراوى: «تركه فلان)) وبين قولهم: ((لم يرو عنه فلان). O قولهم: ((فلان لا يتابع على حديثه): هذا معناه أن الراوى يأتى بغرائب وأفراد لا يأتى بها غيره، ومثل هذا يدل على أنه قليل الضبط، وهذه الألفاظ لا تنافى الثقة لأن الثقة الضابط لحديثه لا يلزمه أن يتابع على كل حديثه، وقد ذكر العقيلى ثلاثة أحاديث غريبة لثابت بن عجلان الأنصارى السلمى وقال: ((لا يتابع فى حديثه ..... )) فتعقبه ابن القطان وقال: ((إن هذا لا يضر إلا مَن لا يعرف بالثقة وأما من وُثّق فانفراده لا يضره))، قال الحافظ ابن حجر: ((وصدق فإن مثل هذا لا يضره إلا مخالفة الثقات : لا غير فيكون حديثه حينئذ شاذاً والله أعلم)) (١٠/٢) ((تهذيب التهذيب)). - ٣٣١ - وفى ((الميزان)) ترجمة ثابت بن عجلان أيضاً قال عبد الحق: ((ثابت لا يحتج به))، فناقشه على قوله أبو الحسن بن القطان وقال: ((قول العقیلی فیه تحامل عليه)) وقال: ((إنما يمس بهذا من لا يعرف بالثقة مطلقاً أما من عرف بها فانفراده لا يضره إلا أن يكثر ذلك منه))، قال الذهبى: ((قلت: أما من عُرف بالثقة فنعم وأما من وثّق ومثل أحمد الإمام يتوقف فيه ومثل أبى حاتم يقول: صالح الحديث: فلا نُرقِیه إلى رتبة الثقة فتفرد هذا يُعد منكراً، فرجح قول العقيلى وعبد الحق وهذا شيخ حمصی لیس بالمكثر)). اهـ (٣٦٤/١ - ٣٦٥). وفى (مقدمة الفتح)) ترجمة مقدم بن محمد بن يحيى بن عطاء المقدمى: ذكره ابن حبان فى ((الثقات)) وقال: ((يغرب ويخالف))، قال الحافظ: ((فهذا إن كان كثر منه: حكم على حديثه بالشذوذ (ص ٤٤٥)، وفى ترجمة أسماء بن الحكم الفزارى وقيل السلمی قال البخارى: ((لم یرو عنه إلا هذا الحدیث - یعنی حدیث على: «كنت إذا سمعت حديثاً من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - نفعنى الله بما شاء .... الحديث)) - وحديث آخر لم يتابع عليه))، قال المزى: ((هذا لا يقدح فى صحة الحديث لأن وجود المتابعة ليس شرطاً فى صحة كل حديث صحيح، على أن له متابعاً ... )) ثم ذكر متابعات وتعقبه الحافظ ابن حجر فى المتابعات التى ذكرها، انظر (٢٦٧/١ - ٢٦٨) (تهذيب التهذيب)). وقد ذكر العلامة النقادة فخر اليمن الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي رحمه الله تعالى أن كثرة الغرائب إنما تضر الراوی فی أحد حالین: الأول: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة، الثانى: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب، ففى الحالة الأولى: تكون تبعة النكارة على الراوى نفسه لظهور براءة من فوقه عنها، وفى الحالة الثانية يقال: من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة الطلب؟. فيتهم بسرقة الحديث، كما قال ابن نمير فى أبى هشام الرفاعى: ((كان أضعفنا طلباً وأكثرنا غرائب .... )) (ص ٢٩٣) ((التنكيل)). فهذا الذى ذكرته عن أهل العلم يدل على أن الثقة إذا روى حديثاً لا يقال: أتى بما لم يتابع عليه، على تفاصيل فى ذلك لكن هناك حالة يقال فيها على - ٣٣٢ - الثقة: ((لم يتابع على كذا))، وذلك إذا خالف من هو مثله أو فوقه فيقال: يحتاج إلى متابع ليرجح روايته، وأمثلة هذا كثيرة فى كتب ((العلل» يذكرون الثقة ويقولون تفرد بكذا أو لم يتابع على كذا، وقد قال الدورى ليحيى: ((حديث الأعمش إذا اختلف وكيع وأبو معاوية؟ قال: يوقّف حتى يجىء من يتابع أحدهما ..... )) (١٥٣/٩) ((النبلاء)). O قول أحدهم: ((فلان حاطب ليل»: سبق أن هذا اللفظ من ألفاظ المرتبة الرابعة من مراتب التجريح، وأنه يدل على أن الراوى ليس عنده تمييز بين الصحيح والسقيم وبين حديثه وحديث غيره وأن الغفلة قد استحكمت به، لكن كما سبق أنهم قد يطلقون ذلك فى الأئمة المشاهير المعروفين بالعدالة والإتقان كقتادة وابن جريج وغيرهما، وهذا اللفظ فى حق هؤلاء معناه أنهم لا ينتقون فى الرواية ويروون عن كل أحد، فإذا انفرد أحدهم بالرواية عن رجل ولم يعرف الرجل من جهة أخرى يكون مجهول عين، وستأتى إن شاء الله الألفاظ المرادفة لهذا اللفظ. O قولهم: ((فلان ثقة مأمون)): هذا اللفظ من ألفاظ المدح الرفيع إما فى الإتقان وإما فى الدين ويكون معناه إما (ثقة متقن)) وإما ((ثقة عابد ورع صادق))، لكنهم قد يقولون هذا على المبتدع فيكون المعنى أنه متقن، وقد يقولون ذلك على من يخطىء فيكون المعنى أنه عدل فى دينه وما وقع فى حديثه من المناكير على سبيل الوهم لا على العمد، وقد يقولون ذلك فيمن يحافظ على أصوله، جاء فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة إسحاق بن أبى إسرائيل المروزى محدث بغداد الذى اتهم بالوقف، قال أبو القاسم - ٣٣٣ - البغوى: ((كان ثقة مأموناً لكنه قليل العقل)) (٤٨٥/٢) فالظاهر أن قلة عقله عند البغوى من أجل البدعة، والله أعلم، وفى ((التذكرة)) أيضاً ترجمة ابن المقرى محدث أصبهان محمد بن إبراهيم بن على: قال ابن مردويه: ((هو ثقة مأمون صاحب أصول)» (٩٧٤/٣) وفيها أيضاً قال الدارقطنى فى تمتام أبى جعفر محمد بن غالب: ((ثقة مجوّد))، وقال مرة: ((ثقة مأمون إلا أنه يخطىء)) (٦١٥/٢) وجاء فى ((الطبقات الكبرى)» لابن سعد: ((شريك بن عبد الله بن أبى شريك النخعى، قال محمد بن سليم العبدى: كان شريك ثقة مأموناً كثير الحديث وكان يغلط كثيراً» (٣٧٩/٦). O قولهم: ((فلان حافظ)): يطلق هذا اللفظ ويراد به ضبط الفؤاد وإتقان الرواية، كما هو موجود بكثرة فى تراجم الحفاظ المشاهير كالثورى وشعبة وابن مهدى والقطان وأحمد وابن المدينى ومن جرى مجراهم؛ لكن هذا اللفظ قد يطلق فيمن هو كثير العلم واسع الرواية ويعبرون عن ذلك بقولهم: ((فلان من أوعية العلم أو من بحور الرواية)) وإن لم يكن متقنًا لحديثه، فكم من رجل يصفه الحافظ الذهبى فى ((تذكرة الحفاظ)» وغيرها من كتبه بأنه من الحفاظ ومع ذلك يصفه بلين فى حديثه وبأوهام فى روايته، بل قد قال فى يحيى بن عبد الجميد الحمّانى - وهو الذى كذبه بعض الأئمة -: ((كان من أعيان الحفاظ وليس بمتقن)) (٤٢٣/٢) ((تذكرة الحفاظ))، وفى ((النبلاء)) ترجمة سعيد بن بشير الأزدى قال أبو مسهر: (( لم يكن فى بلدنا أحد أحفظ منه، وهو منكر الحديث)) (٣٠٥/٧)، والظاهر أن النكارة هنا بسبب الضعف فى الإتقان كما يشير إليه بقية كلام الأئمة رحمهم الله، وهناك حالة ثالثة لهذا اللفظ وهى ضبط الكتاب، كما فى ((النبلاء)) ترجمة عبد الله بن عمرو بن أبى الحجاج المقعد الإمام الحافظ المجوِّد، قال أبو زرعة: (ثقة حافظ))، قال الذهبى: ((يعنى أنه كان متقناً محرراً لكتبه)) (٦٢٤/١٠)، فهذا اللفظ إن أُطلق فالمراد به ضبط الفؤاد إلا إذا ظهرت قرينة تدل على غيره فيعمل بها، والله تعالى أعلم .. - ٣٣٤ - ° قولهم: ((فلان محدث)): اعلم أن وصفهم للراوى بأنه ((محدث)) لا يلزم منه أنه عدل فى دينه بل ولا يلزم منه أنه ضابط لروايته، وقولهم: ((حافظ)) أعلى من قولهم: ((محدث)) ومع ذلك لا يلزم من قولهم: ((حافظ)) الضبط فقد يطلقونه ويقصدون به الكثرة أى كثرة الرواية، وأيضاً لا يلزم العدالة من ذلك كما هو ظاهر على تفاصيل فى ذلك، وغاية قولهم: ((محدث)) أن الراوى مشتغل بالحديث وجمعه، ولا يدل ذلك على أنه مشتغل به غاية الاشتغال، فكم من رجل وصف بأنه من أوعية العلم أو من بحور الرواية ولم يكن عدلاً أو لم يكن ضابطاً، وقد سبق حكم من وصف بذلك، لكنهم قد يطلقون قولهم: ((محدث)) على سبيل التعديل الرفيع عدالة وضبطا كما قال الإمام أحمد: ((رحم الله يحبى القطان ما كان أضبطه وأشد تفقده كان محدثاً) وأثنى عليه فأحسن الثناء، وقال فيه ابن عمار: ((كان يحيى يشبه النجار إذا نظرت إليه حتى يأخذ فى الحديث فإذا أخذ فى الحديث علمت أنه صاحب حديث)) (١٤٠/١٤) ((تاريخ بغداد))، وفى ((النبلاء)» أن ابن معين قال فى معاوية بن سلام بن أبى سلام ممطور: ((أَعُدُّه محدث أهل الشام فى زمانه)) (٣٩٧/٧)، وقال الحافظ تقى الدين بن رافع - وهو بمكة وقد مر به العراقى المصرى الحافظ زين الدين -: ((ما فى القاهرة محدث إلا هذا)) (ص ٢٢٧) من ((لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ)) والله أعلم. O قولهم: ((فلان طويل اللحية»: سبق أن هذا من ألفاظ المرتبة الرابعة من مراتب التجريح وأن معناه وصف الراوى بالغفلة ورفع الموقوفات وإسناد المراسيل مع كثرة هذا فى حديثه، وذكرت هناك أنه يذكر على سبيل الوصف الخِلْقَىَ بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام - وفى هذه الحالة لا يؤخذ منه جرح بل يدل على حسن هيئة الرجل وجمال سمته والله أعلم. - ٣٣٥ - ° قولهم: ((فلان مفلس فى الحدیث»: معنى ذلك أن الراوى مقل فى الرواية، والمفلس هو الذى لا شىء معه، وهذا يدل على أن الراوى لم يشتغل بعلم الحديث وإن كان معه روايات فهى مقطوعة أو مرسلة أو حكايات وقصص والمسانيد قليلة فى رواياته، لكن هذا اللفظ قد يطلق ويراد به أن الراوى مفلس ليس كغيره من المشاهير المکثرین، وقد جاء فى «النبلاء)) ترجمة عثمان بن سعيد الدارمى قال: ((من لم يجمع حديث شعبة وسفيان: ومالك وحماد بن يزيد وسفيان بن عيينة فهو مفلس فى الحديث))، قال الذهبى رحمه الله: ((يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ وبلا ريب أن من جمع علم هؤلاء الخمسة. وأحاط بسائر حديثهم وكتبه عالياً ونازلاً وفهم علله فقد أحاط بشطر السنة النبوية. بل أكثر من ذلك)) (٣٢٣/١٣)، فليتامل الطالب فقد يرد هذا اللفظ نفيا للكمال فقط، والله أعلم. O قولهم: ((فلان ليس من أصحاب الحديث»: هذا اللفظ معناه أن الراوى لم يشتغل بهذا العلم ولم يعتن بجمع الحديث ولكنه مشتغل بغيره إما بغزو أو شعر أو عبادة أو فجور ومجون والعياذ بالله أو مشتغل بعلم الكلام، وهذا كله يدل على أن الراوى ليس بشىء فى الحديث، وقد سئل أحمد عن سبب تركهم الكتابة عن سعيد بن زكريا القرشى فقال: ((لم يكن به بأس ولكنه لم يكن بصاحب حديث)) (٣٠/٤) ((تهذيب التهذيب))، فمعنى قوله ((لم يكن به بأس)) أى فى دينه، وقد سئل أحمد عن محاضر بن المورع فقال: ((سمعت منه أحاديث ولم يكن من أصحاب الحديث كان مغفلاً جدا). (٤٣٧/٨) (الجرح والتعديل)) وانظر ترجمة محمد بن مناذر الشاعر الماجن كما فى ((الكامل) (٢٢٧٢/٦)، ولكن هذا اللفظ يرد على خلاف ذلك فى عدة حالات: الأولى: قد يقولون فى الراوى: ((لم يكن من أهل الحديث)) نفياً للكمال أو نفياً لمعرفته علل الحديث وطرقه أما ضبطه للحديث وصدقه فى الرواية فليس بمدفوع عنه، كما قال ابن معين فى محمد بن أبى عتاب الأعين: ((لم يكن من أهل - ٣٣٦ - الحديث))، فقال الخطيب: ((يعنى لم يكن بالحافظ للطرق والعلل وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعاً عنه)). اهـ ومثل هذا كثير جداً يقولون فى الراوى: ((ليس من أصحاب الحديث)) أى ليس من المبرزين المشهورين بالفهم والنباهة فى حديثهم وحديث غيرهم، ولا يخفى عليك أن هذا لا يضر حديث الراوى لأنه ليس شرطاً فى الصحيح أن يكون الراوى من الحذاق أهل الفهم والخبرة وإلا لما صح لنا إلا القليل جداً من الحديث، وقد سئل الدارقطنى كما فى رواية الحاكم عنه عن إسحاق بن إبراهيم الدبرى صاحب عبد الرزاق فقال: ((صدوق ما رأيت فيه خلافاً إنما قيل لم يكن من رجال هذا الشأن))، قال الحاكم: قلت: ويدخل فى الصحيح؟ قال:" إى والله)) (١٨١/١) ((الميزان)). ونحو ذلك ما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة محمد بن بكر البرسانى قال ابن عمار: ((لم يكن صاحب حديث تركناه لم نسمع منه))، قال الخطيب: ((يعنى أنه لم يكن كغيره من الحفاظ فى وقته وهم يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن .مهدى وأشباههما)) (٩٣/٢) والترك هنا ليس هو الترك الاصطلاحى كما سبق، ونحوه ما جاء فى «تاريخ بغداد)) ترجمة خلف بن هشام أبى محمد البزار قال محمد بن حاتم الكندى: ((سألت يحيى بن معين عنه فقال: لم يكن يدرى أيش الحديث إنما كان يبيع البزر))، قال الخطيب رحمه الله: ((قلت: أحسب أن الكندى سأله عن حفاظ الحديث ونقاده فأجابه يحيى بهذا القول والمحفوظ ما ذكرناه من توثيق يحيى له)) (٣٢٦/٨)، وليس بعجب أن يطلق أحدهم نفى العموم وهو يريد الخصوص فمثل هذا موجود فى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وقد جاءت الأحاديث على سبيل النفى للكمال كقول النبى - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((ليس منا من فعل كذا)) أو ((والله لا يؤمن من فعل كذا)) أو ((لا يدخل الجنة من فعل كذا)) ويذكر أموراً من المعاصى والكبائر والتى هى دون الكفر فمعنى تلك الأحاديث نفى كمال الإيمان أو كمال الإِسلام مع بقاء أصل الإِسلام إلا إذا استحل ذلك المرء فله حكم آخر، والله أعلم. - ٣٣٧ - الحالة الثانية: وقد يطلقون هذا اللفظ على أهل البدع وإن كانوا ثقات فى الرواية بمعنى أنهم ليسوا من أصحاب الحديث فى هذا الباب، ورواية المبتدعة فيها تفصيل انظره فى محله. الثالثة: ويقولون هذا أيضاً فى الراوى الذى لا ينتقى فى الرواية ويروى عمن دب ودرج وإن كان الراوى من المشاهير، فقد قال ابن معين فى يزيد بن هارون أبى خالد الواسطى أحد الأعلام الحفاظ المشاهير: («يزيد ليس من أصحاب الحديث لأنه لا يميز ولا يبالى عمن روى)) (٣٦٨/١١) ((تهذيب التهذيب))، وانظر ذلك فى تاريخ بغداد (٣٣٨/١٤). الرابعة: ويقول ذلك فيمن يسوى نسخاً للمشايخ ويحملهم على روايتها ثم يحدث بها عنهم وهو يعلم أنها ليست من حديثهم، كما كان يفعل ابن عقدة حتى قالوا فيه: ((خرج عن معانى أصحاب الحديث وكان لا يتدين بالحديث))، كما أنهم يقولون ذلك فى الكذابين الدجالين، والله المستعان. # O قولهم: ((فلان ثقة)): سبق أنهم يقولون ذلك فيمن هو عدل ضابط، ولكنهم قد يقولون ذلك فيمن هو أحد العباد وإن كان ضعيفاً فى الحديث كما سبق عن يعقوب بن شيبة وغيره، وأيضاً يقولون هذا اللفظ على من هو صحيح السماع من مشايخه وإن لم يكن يدرى ما الحديث، فقد جاء فى ((النبلاء)) ترجمة ابن خلاد الشيخ الصدوق المحدث أحمد بن يوسف بن خلاد النصيبى: ((قال الخطيب: كان لا يعرف شيئاً من العلم غير أن سماعه صحيح، وقال أبو نعيم: كان ثقة وكذا وثقه أبو الفتح بن أبى الفوارس وقال: لم يكن يعرف من الحديث شيئاً)، قال الحافظ الذهبىّ رحمه الله: ((قلت: فَمِنْ هذا الوقت بل وقبله صار الحفاظ يطلقون هذه اللفظة على الشيخ الذى سماعه صحيح بقراءة متقن وإثبات عدل وترخصوا فى تسميته : بالثقة، وإنما الثقة فى عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل فى نفسه المتقن لما ٠٠ - ٣٣٨ - حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن فتوسع المتأخرون ..... ومات ابن خلاد فى صفر سنة (٣٥٩ هـ)) اهـ (٧٠/١٦). قلت: والظاهر أنهم يطلقون هذا اللفظ أيضاً فى العصور المتقدمة أحياناً ويقصدون به العدالة فى الدين كما سبق عن يعقوب بن شيبة وعثمان بن أبى شيبة، ولكن يُحمل كلام الذهبى على أن هذا لم يكن منتشراً فى المتقدمين بخلاف المتأخرين، والحد الفارق بين المتقدمين والمتأخرين هو سنة (٣٠٠ هـ)، ومن التراجم التى تدل على ما قاله الذهبى قول أحمد بن على البادى فى الباقرحتى مخلد بن جعفر بن مخلد بن سهل الفارسى: ((كان ثقة صحيح السماع غير أنه لم يكن يعرف شيئاً من الحديث)) (٢٥٤/١٦) ((النبلاء)). ونحو ذلك قول ابن نقطة فى عبد الوهاب بن بزغش العيبى: ((هو ثقة لكن أخرج أحاديث مما قرب سنده ولا يعرف الرجال وربما أُسقط من الإسناد رجلان أو أكثر وهو لا يدرى)) (٨٨/٢) ((ذيل طبقات الحنابلة))، فتأمل والله يتولانا وإياك. O قول أحدهم: ((كل آل أبى فلان ثقات إلا فلاناً - أو لم يكن فلان يوثّق فلاناً أو يُسأل أحدهم أفلان ثقة؟ فيقول: لا، أو يُسأل أحدهم عن راو فيوثق آخر أو يَذكر أحدهم اسم راو ثم يقول ليس هو فلاناً فلان ثقة ..... إلخ)): معلوم أن ألفاظ الجرح والتعديل متفاوتة وأن بين قولهم: ((فلان ثقة)) وفلان (ليس بثقة)) مراتب كثيرة ولا يلزم من نفى الثقة عن أحد الرواة أن يكون غير ثقة بالمعنى الاصطلاحى، بل قد يكون ليس فى منزلة من يقال له: ((ثقة)) وإن كان يحتج به أو يصلح فى الشواهد والمتابعات، لكن هذه الألفاظ تقال كثيراً فى الجرح الشديد الذى لا تقوم للراوى معه قائمة، فقد جاء فى «سؤالات البرقانى للدار قطنى)) قال البرقانى: ((قلت للدارقطنى: خليد بن دعلج ثقة؟ فقال: لا)) (ص - ٣٣٩ - ٢٧)، وفى (الميزان) قال الذهبى: ((وقد عده الدارقطنى من المتروكين)) (٦٦٤/١)، وجاء فى ((ضعفاء العقيلى)) ترجمة حبيب بن زريق قال أحمد: ((كان حبيب يحيل الحديث ويكذب))، وقال عبد الله بن أحمد: ((ولم يكن أبى يوثقه وأثنى عليه شراً) (٢٦٥/١)، وأيضاً قال الدورى عن ابن معين: (إسحاق بن أبى فروة وعبد الحكيم بن عبد الله بن أبى فروة وعبد الأعلى بن عبد الأعلى بن أبى فروة كلهم ثقات إلا إسحاق، وقال معاوية بن صالح عن ابن معين فى إسحاق: ((لا يكتب حديثه وليس بشىء»، وقال فى موضع آخر: ((حديثه ليس بذاك)) (١٠٢/١) ((ضعفاء العقيلى)، وفى ((تهذيب التهذيب)): ((وفى رواية أبى داود الغلابى عن ابن معين: ليس بثقة، وفى رواية على بن الحسن الهسنجانى عنه: كذاب ..... ))، (٢٤١/١)، وجاء فى (الجرح والتعديل)) ترجمة زيد بن أسلم أبى أسامة مولى عمر بن الخطاب، سئل أبو زرعة عن عبد الرحمن بن أسلم؟ فقال: ((أبوه زيد بن أسلم ثقة). قال الشيخ المعلمى رحمه الله فى: (كـ)- أى نسخة - فقال: ((ثقة وأبوه زيد بن أسلم ثقة))، قال المعلمى: ((وهذا خطأ قطعاً فسيأتى فى ترجمة عبد الرحمن بن زيد أن أبا زرعة قال فيه: ضعيف الحديث، ولم ينقل أحد عن أبى زرعة خلاف ذلك، وإنما هذا من زيادة الناسخ أو غيره، لم يَفهم مقصود أبى زرعة هنا فتوهم أنه سقط شيء فزاد ما زاد بتوهمه، وإنما مقصود أبى زرعة الإعراض عن عبد الرحمن وإفهام السامع أنه ضعيف، وهم مما يصنعون ذلك، يُسأل المحدث عن الرجل الذى لا يرضاه فيُعرض عنه ويثنى على غيره، وسيأتى فى ترجمة عبد الله بن نمير، سئل سفيان عن أبى خالد الأحمر فقال: نِعْمَ الرجل عبد الله بن نمير)) (٥٥٥/٣) ((الجرح والتعديل))، ونحو ذلك ما جاء فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة سليمان بن عمرو بن عبد الله أبى داود النخعى أحد الكذابين سئل عنه ابن معين فقال: ((قد كان له أب ثقة))، وقال مرة: ((كان ببغداد قوم يضعون الحديث منهم أبو داود النخعى وكان له أُب ثقة))، وقال مرة: ((كان رجل سوء كذاباً خبيثاً قدرياً ولم یکن ببغداد رجل إلا وهو خير من أبى داود النخعى كان يضع الحديث)) (١٨/٩)، وجاء فى ترجمة سفيان بن وكيع بن الجراح قال ابن أبى حاتم: ((سألت أبا زرعة عنه. - ٣٤٠ -