النص المفهرس

صفحات 121-140

المرتبة الثانية من مراتب التعديل
عند ابن أبى حاتم وابن الصلاح رحمهم الله: ثقة - ومتقن ثبت - وثبت
- وحجة - وإذا قيل فى العدل: حافظ أو ضابط -.
وعند الحافظ ابن حجر: من أفرد بصفة كثقة أو متقن أو ثبت أو عدل.
وأنا أفصل بعض ما قاله هؤلاء الأئمة ثم أذكر ما وقفت عليه والله المستعان.
اعلم أن ابن أبى حاتم وابن الصلاح رحمهم الله جمعا بين ألفاظ الأولى
والثانية فى مرتبة واحدة وجعلا هذه الألفاظ الأولى من مراتب التعديل، لكن
الحافظ الذهبى والعراقى وابن حجر فرقوا بين كثير من هذه الألفاظ على ما قد
سبق بيانه فظهر لى صحته وتبعتهم على ذلك، والله أعلم.
0. فقولهم: ((متقن))، ذكر السخاوى رحمه الله أنه لا يدل على العدالة،
وإنما يدل على زيادة فى الضبط، والذى يظهر لى أن قولهم: ((فلان متقن أو يتقن
ما سمع أو كان يتقن حديثه)» أنه من أهل هذه المرتبة - كما فعل الحافظ ابن حجر
- ويكون حديثه صحيحاً، وقد يكون من أهل المرتبة الأولى وأقل أحواله هذه
المرتبة إلا أن تظهر قرينة تدل على خلاف ذلك فيعمل بها، لأن الإتقان إما أن
يكون سببه عدالة فى الدين فهذا ظاهر فى إثبات العدالة والإتقان، وإما أن يكون
سببه الاجتهاد فى الطلب وطول الممارسة والخبرة فى هذا الشأن، وقد سبق أن
حديث من هذا وصفه على الصحة حتى يثبت خلافه، وما ذكره السخاوى من
أن الضابط والمتقن بينهما وبين العدالة عموم وخصوص من وجه فصحيح،
واستدل بأن ابن أبى حاتم سأل أبا زرعة عن رجل فقال: حافظ، فسأله أهو
صدوق؟ اهـ لكن هذا قد سبق الجواب عليه ويمكن أن يُسأل أحدهم عن رجل
فيقول: ثقة فيسأل: أيحتج به؟ كما فى ترجمة نافع بن عمر الجمحى من (تهذيب
التهذيب)) (٤٠٩/١٠) ومعلوم أن الثقة يحتج به ولا يكون هذا السؤال مزحزحاً
- ١٢١ -

لكلمة ((ثقة)) عن رتبتها فى الاحتجاج إلا لقرينة، وكذا ما نحن فيه والعبرة بالغالب؛
والله أعلم.
O وأما قولهم: ((ثبت)) بسكون الباء الموحدة أو فلان أحد من ثَبَت حديثه
أو تثبّت فى الحديث أو مستثبت كما قاله أحمد فى مصعب بن عبد الله الزبيرى
(١٢١/٤) ((الميزان)) فإن هذا كله يدل على أن النفس تطمئن إلى روايته لعدالته
وضبطه، وأنه هو الثابت القلب واللسان والكتاب والحجة كما قاله السخاوى، لكن
لا يلزم من هذا أنه لا يخطىء أبداً فقد قال ابن أبى مريم عن ابن معين فى ترجمة
حبيب بن أبى ثابت قيس بن دينار: ثقة حجة، قيل له: ثبت؟ قال: نعم إنما روى
حديثين، قال: أظن يحيى يريد منكرين حديث ((المستحاضة)) وحديث
(القبلة للصائم))، (١٧٨/٢) ((تهذيب التهذيب)) وكما قاله ابن مهدى فى الحكم بن
عتيبة: ثقة ثبت ولكنه يختلف - يعنى فى حديثه (١٢٤/٣) ((الجرح والتعديل))
كما أن قولهم: ((ثبت)) لا يلزم منه أن يكون حافظاً للحديث بفؤاده كما قال على
ابن المدينى قال يحيى: حفص بن غياث النخعى ثبت، قال: فقلت إنه بهم، فقال :
كتابه صحيح (١٩٧/٨) ((تاريخ بغداد)). وأما قولهم: ((ثبَتِّ)) بفتح الباء الموحدة
فهو ما يثبت فيه الراوى مسموعاته من أحد مشايخه مع أسماء المشار کین له فيه،
وهو بمثابة الحجة عند الراوى لسماعه وسماع غيره، وجرت العادة فى ذلك بأن
یذ کر اسم الشيخ فى أول الجزء على ظهره ثم یکتب فى داخله إسناد شيخه إما
إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أو إلى أحد الكتب المصنَّفة،
ثم يذكر الأحاديث التى سمعها من ذلك الشيخ وفى النهاية يكتب أسماء الطلبة
الذين سمعوا معه هذا الجزء من ذلك الشيخ إما أن يكتبه بنفسه أو يكتبه له ثقة،
فإن كان الراوى أو الكاتب ثقة فلا يشترط أن يكتب الشيخ صحة هذا السماع
بل يستحب، ويكون هذا الثّت مع كل من حضر المجلس فإن ضاع جزء أحدهم
أو سماعه استنسخه من مسموع الآخر الذى فيه سماعه، ولا يجوز للراوى أن
يسقط اسم بعض من حضر المجلس لأغراض نفسية كأن يكون صغيراً فيأنف
أن يثبت سماع الصغير مع سماعه كما هو موضح فى موضعه والله أعلم.
- ١٢٢ -

O وأما قولهم: ((عدل)) فالمتبادر منه عدالة الدين، أما حديثه فأمر مسكوت
عنه، لكن كما سبق فى المرتبة الأولى أنهم قد يطلقون ذلك على أعلى مراتب التعديل،
فالظاهر من استعمالهم ومن صنيع الحافظ ابن حجر أنهم يعنون بذلك أن الراوى
عدل فى نقله وخبره وأن خبر العدل مقبول ويحتج به، فالعدالة هنا أخص من
العدالة فى الدين، وأما عدالة الدين فقط مع عدم الضبط فإنهم يعبرون عن ذلك
بألفاظ تدل على العبادة والزهد، كما سبق.
O وأما قولهم: ((ثقة)) فمعناه أنه عدل ضابط ولا يلزم من هذا أنه لا
يخطىء، فما من ثقة بل وما من إمام مشهور إلا وقد أخطأ، لكن الراوى إذا
كان صدوقاً فى دينه وكان خطؤه قليلاً نادراً ينغمر فى سعة ما روى أو لم يظهر
ذلك فى حديثه فهو ثقة يعمل بروايته إلا أن يتضح لنا أنه أخطأ فى حديث بعينه
فيترك خطؤه ويقبل صوابه، والرجل إذا كثرت حسناته على سيئاته، وصوابه على
خطئه نجا وسلم، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث كما قال الحافظ الذهبى
رحمه الله، وليس من شرط الثقة أن يتابع فى كل ما يقول بل من شرطه ألا ينفرد
بالمناكير عن المشاهير ويكثر منه ذلك كما قاله العلامة المعلمى رحمه الله فى ((التنكيل))
(ص ٧١٢ - ٧١٣) ومن جملة ألفاظ هذه المرتبة:
O (قولهم: ((فلان ثقة له أوهام أو له أفراد أو يغرب))) فهذا اللفظ
وإن كان دون قولهم: ((ثقة)) إلا أنه لا ينزل عن هذه المرتبة، وحديث من هذا
حاله محمول على الصحة حتى يثبت أن هذا الحديث من أوهامه أو أخطائه فيترك،
نعم إذا عارضه ثقة فحديث الثقة مقدم عليه وقد ذكر نحو هذا الشيخ المعلمى
فى ((تنكيله)) ترجمة مسلم بن أبى مسلم بل قد ذكر ذلك ابن حبان رحمه الله
فى كتابه (الثقات)) ترجمة أبى بكر بن عياش، فذكر أنه كان يخطىء ولم يغلب
خطؤه على صوابه ...... ((ثم قال: ((والصواب فى أمره مجانبة ما عُلم أنه أخطأ
فيه والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم لأنه داخل فى جملة أهل
العدالة، ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح إلا بعد زوال العدالة
عنه بأحد أسباب الجرح، وهكذا حُكْمُ كل محدث ثقة صحت عدالته وتبيّن
- ١٢٣ -

خطؤه)) اهـ (٦٦٩/٧ - ٦٧٠).
وقد ذكر نحو ذلك فى ترجمة داود بن أبى هند دينار (٢٧٩/٦) وترجمة
عبد الملك بن أبى سليمان العرزمى (٩٧/٧ - ٩٨) والله أعلم.
° وقولهم : «فلان صدوق صاحب حدیث» أی مکثر من الروايات هذا
دليل على اشتغاله بهذا الفن وقد جمع بين الصدق وطلب الحديث، وقد قال إبراهيم بن:
إسحاق الصواف فى محمد بن الحسن الوادعى: ((صدوق معروف بالطلب ثقة))
(٢٢٩/٢) ((تاريخ بغداد)) وهل هذا القول بمنزلة ((ثقة)) وفى درجتها وإن كان فى
نفس المرتبة؟ محل تأمل والله أعلم.
O قول أحد الأئمة: ((اكتبوا عن فلان أو اكتبْ عنه حتى تجف يدك)»
لاسيما إن كان القائل ممن ينتقى ولا يروى إلا عن ثقة، وقد قال أحمد فى
إبراهيم بن سعيد الجوهرى: ((هو كثير الكتاب اكتبوا عنه)) (٣٥/١ - ٣٦) («ميزان
الاعتدال)).
O : وقولهم: ((فلان مستقيم الحديث أو مستقيم الأمر بالحديث أو فى
الرواية)) فإنه يدل على أن الراوى ثقةً لأن استقامة الحديث معناها أن الراوى
وافق الثقات، ومن وافق الثقات فهو ثقة، فقد قال ابن حبان فى ترجمة سفيان بن
مسكين: ((تفقدت حديثه على أن أرى فيه شيئاً يغرب فلم أره إلا مستقيم الحديث))
(٢٨٩/٨) ((ثقات ابن حبان)). وقال أبو حاتم فى معاوية بن سلمة المصرى: ((كان
ثقة مستقيم الحديث)) (٣٨٥/٨) ((الجرح والتعديل))، وقال الخطيب فى عبد الله بن
خيران الكوفى: ((اعتبرت له أحاديث كثيرة فوجدتها مستقيمة تدل على ثقته»
(٤٤٢٤/١٠) ((النبلاء)، ودافع ابن عدی عن سعيد بن کثیر بن عفیر ورِّد قول
السعدى فيه حيث قال: فيه غير لون من البدع وكان مخلّطاً غير ثقة، فقال ابن عدى:
((وهذا الذى قاله السعدى لا معنى له لم أسمع أحداً ولا بلغنى عن أحد فى سعيد بن
کثیر بن عفير كلام وهو عند الناس صدوق ثقة ..... وروى له حدیثین من رواية
ابنه عبيد الله عنه ثم قال: ولعل البلاء من عبيد الله لأن سعيد بن عفير مستقيم
- ١٢٤ -

الحديث)) (٧٥/٤) (تهذيب التهذيب)). وسيأتى قولهم: ((مستوى الحديث))
(ص ١٣٠).
قولهم: «فلان ثقة وليس بمحل أن يقال له حجة أو ليس بالحجة)) وهذا
نفى لكونه فى منزلة من قيل فيه ((حجة)) لا نفى أنه ثقة يحتج به من غير متابع، وقد
قال عثمان بن أبى شيبة فى أحمد بن يونس: ((كان ثقة وليس بحجة))، فقال العلامة
المعلِّمى اليمانى رحمه الله: ((وعثمان على قلة كلامه فى الرجال يتعنت وكلمة ((ليس
بحجة)) لا تنافى)) الثقة اهـ من ((التنكيل) (ص ٤٤١)، ومما يدل على تعنت عثمان
رحمه الله أن أحمد بن يونس قد مدحه أحمد بن حنبل وناهيك به فقال الرجل:
((اخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام)) (٥٠/١) (تهذيب التهذيب)).
وقد يقولون: ((ثقة وليس بحجة)) على من هو بمنزلة ((صدوق)) كما ترجم
الذهبى لقول ابن معين فى محمد بن إسحاق ((ثقة وليس بحجة))، بقوله: ((صدوق))
فى رسالة ((الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد)» (ص ١٦٤) وقد يقولون: ((ثقة
ولا يحتج به أو ليس ممن يحتج به أو ثقة وليس كل أحد يحتج به)) فهذا معناه
أنه ثقة فى دينه ولكنه قليل الضبط فلا يحتج به بمفرده والعبرة بالسياق، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان إذا روى عن ثقة أو روى عنه ثقة فهو صحيح
الحديث أو مستقيم الحديث)) فهذا معناه أن الراوى فى نفسه ثقة صحيح الرواية
يحتج به، لكن إذا وجدت المناکیر فی حديثه، ◌ُلِم أن ذلك من مشائخه لأنه يروى
عن الضعفاء والمجهولين، أو يروى عنه الضعفاء والمجهولون ولكن إذا روى عنه
ثقة وروى هو عن ثقة أو بعبارة أخرى إذا كان فوقه ثقة ودونه ثقة فهو مستقيم
الحديث والله أعلم.
O قولهم: ((فلان ممن يُرضى به فى الحديث)) لاسيما إن قال ذلك أحد
المتشددين، وقد قاله المفضل بن غسان فى إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر
(٢٩/٣) (تهذيب تاريخ دمشق).
O قولهم: ((فلان صحيح الكتاب)) هذا معناه أنه يكثر فيه النقط والعجم،
- ١٢٥ -

وأنه يضرب على ما شك فيه من كتابه، وهذا يدل على أنه ضابط لكتابه والظاهر.
من جواب المعلمى كما فى ترجمة سالم بن عاصم أن هذا بمنزلة ((ثقة)) انظر ((التنكيل)).
(٤٦٩) ونحو قولهم: ((فلان صدوق صاحب كتاب)) وهذان اللفظان المدح بهما
مقيد بما إذا كان الراوى يروى من كتابه لا من حفظه، وإن كان اللفظ الأول.
أصرح فى المدح من اللفظ الثانى والله أعلم.
O قولهم: ((فلان أكثر الناس عنه)» وغالباً ما يكون ذلك لثقته وصلاحه،
ونحوه ((أكثر عنه الأئمة)، وقد قال ابن المنادى فى يحيى بن عبد الباقى بن يحيى
الثغرى: ((كتب عنه الناس فأكثروا لثقته وضبطه)) (٢٢٨/١٤) ((تاريخ بغداد).
وهذا اللفظ وما فى معناه قد ينزل إلى المرتبة الثالثة وإن كان الظاهر محله والله أعلم.
° قولهم: (فلان أحاديثه يحتج بها، ((أو فلان يحتج به)» إن قال ذلك أحد
· المتعنتين، وقد يقال ذلك فى أهل المرتبة الثالثة الآتية فإنه يحتج بأهلها على الصحيح
ولكن هناك من لا يحتج بمن قيل فيه «صدوق)) فإنه قال فلان يحتج به فھو توثيق
منه، لكنه على كل حال قولهم: ((ثقة)) أصرح فى المدح وآكد، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان عمدة أو معتمد أو يعتمد عليه)» أى فى نقله وخبره.
وقد يُعبَّر عن الغاية فى العمدة بقولهم: ((جهبذ)) انظر (٩٠/١) من («فتح المغيث)) ..
O قولهم: ((فلان ثقة لم يذكر إلا بخير)).
O قولهم: ((فلان كان معتبراً)) أى كان معتمداً عليه إن كان ذلك فى
الحديث، كما جاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة مبارك بن فضالة قال عفان: (( كان
مبارك معتبراً كان من النساك وكان وكان))، قال أبو حاتم: ((كان عفان یطریه»
(٢٩/١٠) قال ابن سعد: ((كان عفان يرفعه ويوثقه)) (٣٠/١٠) ((تهذيب
التهذيب))، وهذا قول عفان فيه وأما حال مبارك فينظر فى محله والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان مقبول القول)) قال محمود بن غيلان: ((حدثنا محرز بن
الوضاح وكان مقبول القول ثقة))، وذكر ابن عدى فى ((الكامل)) ما يدل على صدق
سهيل بن أبى صالح ذكوان السمان وما يدل على تمييزو بين ما رواه عن أبيه
- ١٢٦ -

بواسطة وبغير واسطة، وأن الأئمة رووا عنه ثم قال: ((وسهيل عندى مقبول الأخبار
ثبت لا بأس به)) (١٢٨٧/٣) وقول السعدى فى صالح بن نبهان مولى التوأمة:
((حديث ابن أبى ذئب عنه مقبول لسنه ولسماعه القديم عنه، وأما الثورى فجالسه
بعد التغير» (١٣٧٤/٤) ((الكامل)). وكقول ابن عدى فى عبد الله بن سليمان
الأشعث أبى بكر الحافظ ابن أبى داود الإِمام: ((وهو مقبول عند أصحاب
الحديث ...... )) مع قوله: ((ولولا شرطنا أول الكتاب أن نذكر كل من تُكلِّم فيه
لما ذكرته)) أهـ بمعناه. (١٥٧٨/٤) ((الكامل))، وقول أحمد بن صالح المصرى فى
صدقة بن عبد الله السمين: ((رأيته عند أحمد صحيحاً مقبولاً)) (٤١٤/٦) ((تهذيب
تاريخ دمشق))، وقول أبى حاتم فى عمارة بن أكيمة الليثى: ((هو صحيح الحديث
حديثه مقبول)) (٣٦٢/٦) (الجرح والتعديل))، فهذه التراجم تدل على أن القبول
هنا هو الاحتجاج والعمل برواية الراوى، ولما كان أكثر ورودها بمعنى «ثقة)
أدخلت هذه العبارة فى هذه المرتبة، وإن كان أهل المرتبة الثالثة يحتج بهم أيضاً
على الصحيح، وقد يطلقون المقبول على من يقبل حديثه ولا يترك فيدخل فى ذلك
من يصلح فى الشواهد والمتابعات وإن لم يحتج به بمفرده والعبرة حينئذ بالقرينة،
والله أعلم.
C قولهم: ((فلان ثقة يخطىء كما يخطىء الناس)) فهذا يدل على أنه ثقة
وأن الأخطاء التى توجد فى حديثه أخطاء محتملة كأخطاء غيره من الثقات، ولما
لم تضر غيره أخطاؤهم فكذلك أخطاؤه لا تضر، وقد قال أبو داود فى سليمان
ابن بنت شرحبيل: ((ثقة يخطىء كما يخطىء الناس))، فقيل له: أحجة هو؟ قال:
(الحجة أحمد بن حنبل))، وقال ابن معين: ((ثقة إذا روى عن المعروفين))
(١٣٧/١١) ((النبلاء» ونَفْى أبى داود لمنزلة أحمد بن حنبل عن ابن بنت شرحبيل
لا ينافى أنه ثقة من جملة الحفاظ فنفى الأعلى لا يلزم منه عدم ثبوت الأدنى، والله
أعلم.
O قولهم: ((فلان القلب إلى أنه ثقة أُميل)) فهذا يدل على أن فيه اختلافاً
لكن القائل يرى أنه لا ينزل عن منزلة ثقة، وليس كل ثقة قد يُجتمع على توثيقه
- ١٢٧ -

فالمسألة اجتهادية، واللفظ قاله ابن حبان فى أسير بن جابر ((الثقات)) (٦١/٤) هذا
معنى اللفظ بمفرده دون التفات إلى تساهل أو تشدد القائل وكما سبق التنبيه عليه.
O قولهم: ((فلان مضبوط الحديث)) قاله الدار قطنى فى مسلم بن كيسان
الضبى (١٣٦/١٠) ((تهذيب التهذيب)) وهذا اللفظ معناه أنه مستقيم الحديث غير.
مضطربه، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان صدوق له حفظ أو يصدق ويحفظ)) ذكر ابن الصلاح
والسخاوى وغيرهما أن قولهم: ((صدوق) ليس فيه شريطة الضبط، ومن هنا قال
بعضهم بأن من قيل فيه ((صدوق)) لا يحتج به، فقولهم هنا ((له حفظ أو يحفظ))
يدل على إتقانه، والرجل إذا كان عدلاً فى دينه ضابطاً لحديثه فهو الثقة، وإن
كان قولهم: ((صدوق يحفظ أو له حفظ)) ليس كقولهم: ((ثقة)) فالمرتبة الواحدة -
كما سبق التنبيه عليه فى المقدمة - تجمع ألفاظاً متشابهة ومتقاربة ولا يشترط أن
تستوى من جميع الوجوه، نعم الحاجة لذلك عند الترجيح. فإن قال قائل: هذا
اللفظ بمنزلة قولهم: ((صدوق)) له حفظ فى الجملة. فالجواب أن من قيل فيه
(صدوق)) وإن كان له حفظ فى الجملة لكنهم لا يقولون: ((صدوق يحفظ)) ولو
كان فيه شريطة الضبط لما توقف فيه وفى الاحتجاج بخبره من ذكرتُ، فقولهم : :
(صدوق)) بمعنى ((عدل)) وقولهم: (يحفظ)) قريب من قولهم: ((ضابط)) وهذا رسم
الثقات والله أعلم. واللفظ قاله الحافظ ابن حجر فى ((تقريبه)) فى أحمد بن بكار.
قلت هذا اجتهاداً منى ثم وقفت على قول البخارى فى سيف بن سليمان المكى:
(كان عندنا ثقة ممن يصدق ويحفظ)) (٣٧١/٤) ((التاريخ الكبير)).
۵ ونحوه قول أحدهم:«فلان صدوق نقی الحدیث» أى أنه عدل فی دینه
وحديثه سالم من الشذوذ والنكارة وهذا وصف أهل الضبط.
O وقولهم: ((ثقة لو قيل له اكذب لم يحسن أو لم يعرف أن يكذب))
وهذا بمعنى أنه ثقة عابد شريف.
O وقولهم: ((فلان كان معدَّلاً عند أهل بلده)) أى موثقاً فى روايته، قال
- ١٢٨-

ابن حبان فى معبد بن أحمد بن فرقد البلخى: ((روى عنه أهل بلده وكان معدَّلاً
عندهم)) (٢٠٨/٩) ((ثقات ابن حبان)). فهذا القول بمفرده معناه التوثيق، فإن قال
قائل: قوله: ((كان معدلاً عندهم)) يدل على أنه ليس معدلاً عند غيرهم، فالجواب
وإن صح ما قلتَ فبلدتُّ الرجل أعرف به إذا كان أهلاً للكلام فى الرواة؛ لأن
الراوى قد يتزين للغريب بأحاديث مستقيمة فيعدله أو يرى الغريب له أحاديث
منكرة فيجرحه والأمر على خلاف ذلك فى الحالتين.
O ومن ذلك قول أبى حاتم فى أبى الزناد: ((هو ممن تقوم به الحجة؛ إذا روى
عنه الثقات)) (٤٤٦/٥) ((النبلاء)). وأبو حاتم معروف بالتشدد فمثله إن قال هذا
فعلى أقل أحواله أن يكون بمنزلة ((ثقة)) لأنه لا يحتج فى الغالب لمن قيل فيه صدوق
أو لا بأس به على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
O وقول يعقوب بن شيبة فى معلى بن منصور الرازى: «ثقة فيما تفرد
به وشورك فيه» (٣٦٨/١٠) ((النبلاء)).
O وقول أبى الحسن بن الفرات فى محمد بن الحسن اليقطينى: ((كان جميل
الأمر فى الحديث ثقة)) (٢١١/٢) ((تاريخ بغداد)).
O وقول أبى داود فى إبراهيم بن سليمان بن رزين: «ثقة ورأيت أحمد
يكتب حديثه أو أحاديثه بنزول)) (٨٨/٦) ((تاريخ بغداد)). وقد سبق بيان أن
المحدثين يفرحون بالعلو، فإذا كتب أحدهم الإسناد النازل فهذا له وجهان، فقد
یکون ذماً كما سيأتى، وقد يكون مدحاً بمعنى تتبع حديث الراوى وجمعه عالياً
ونازلاً لثقته، وحسبك توثيقاً لإبراهيم أن أحمد رحمه الله الذى يترك حديث
الضعفاء - فى الغالب - وإن كان عالياً يكتبه حديثه بنزول، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان صحيح الحديث وقوى الحديث)) الظاهر أن هذه
الألفاظ هنا وقد أشار إلى ذلك السخاوى رحمه الله بتعقبه على الذهبى
انظر («فتح المغيث)) (٣٦٤/١) لكن اعلم أن قوله: ((صحيح الحديث)) إن كان
بمعنى أن إسناده متصل إلى شيخه ولم يتهم فى سماعه فلا يلزم منه الضبط، أما
- ١٢٩ -

· إن كان بمعنى أنه نقى من الشواذ والمناكير فمحله هنا. وقولهم: «قوى الحديث»
وإن كان أنزل من قولهم: ((صحيح الحديث)) إلا أن الظاهر إدخاله فى هذه المرتبة.
والله أعلم.
O قولهم: ((فلان مستوى الحديث)) أى أن حديثه مستقيم وموافق الحديث
الثقات وليس مخالفاً لهم، ألا ترى قول أبى حاتم فى عبد العزيز بن المختار: ((مستوى
الحديث ثقة)) (٣٩٤/٥) ((تهذيب التهذيب))، وقد يقولون على حديث ما: ((إسناده
ليس بالمستوى)) بمعنى الانقطاع، كما قال ابن عدى فى حديث وإسناده فيه ((الزهرى
عن أبى إسحاق)) قال: ((وهذا الإسناد ليس بالمستوى لأن الزهرى لا يحدث عن
أبى إسحاق .... )) (١٥٧٥/٤) ((الكامل لابن عدى)).
O وقولهم: ((كان فلان مكیناً عند فلان)» قال أحمد فى آدم بن أبى إياس:
((كان مكيناً عند شعبة)) (١٩٦/١) ((تهذيب التهذيب)) وقال مرة: ((وكان من الستة
أو السبعة الذين يضبطون عند شعبة ..... )) وقال ابن سعد: ((سمع من شعبة سماعاً
كثيراً)) وقال أبو حاتم عن آدم: ((كنت أكتب عند شعبة وكنت سريع الخط وكان
الناس يأخذون من عندى)) (١٩٦/١) ((تهذيب التهذيب)) فهذا يدل على علو منزلته
عند شعبة خاصة دون إطلاق.
O وقولهم: ((فلان ثقة لا شك فيه)) قاله أحمد فى محمد بن قيس الوالبى
(٤١٣/٩) ((تهذيب التهذيب)) وسئل ابن معين عن يزيد بن إبراهيم التسترى
والسرى بن يحيى أيهما أثبت؟ فقال: ((يزيد لا شك فيه والسرى ثقة))
(٣١١/١١ - ٣١٢) «تهذيب التهذيب» وفی (ثقات ابن شاهين)): «لکن یزید ا کبر
منه)) (ص ١٠٤) ومعنى هذا أن الراوى لا شك فيه عدالة وضبطاً، لكنهم أحياناً
يطلقون ذلك لنفى ما قيل فى الراوى من جهة العدالة وإن لم يكن الراوى ضابطاً
كما فى ((ثقات ابن شاهين)) ترجمة عمر بن قيس: «ثقة ليس فيه شك وإنما طعن
فيه من قبل الغلط وهو لا بأس به)) (ص ١٣٧) فهذا له حكم آخر والله أعلم.
- ١٣٠ -

O قولهم: ((فلان استقامته فى الحديث استقامة الأثبات)» قاله ابن حبان
فى طليق بن محمد بن السكن (٣٢٨/٨) ((الثقات).
O وقولهم: ((فلان أحد من ثبت حديثه أو من ثقات المسلمين أو ثقة
بلا ثنيا أو ثقة بلا تردد)) قاله - أعنى اللفظ الأخير - الذهبى فى أحمد بن الأزهر
النيسابورى (٣٦٤/١٢) ((النبلاء)).
O قولهم: ((فلان يجزىء» أى أنه يكفى بمفرده وتقوم به الحجة لاسيما
إن قاله أحد المتعنتين، وإن كان يحتمل أعلى من ذلك فقد قال شعبة: ((فلان عن
فلان مثله لا يجزىء وسفيان الثورى يجزىء)» (٢١٧/٧) ((النبلاء)) وهذا اللفظ
بمفرده أقل أحواله المرتبة الثالثة ويكون بمعنى ((لا بأس به)) ولكن عند الإطلاق
فمحله هنا، والله أعلم.
- ١٣١ -

المرتبة الثالثة
من مراتب التعديل
عند ابن أبى حاتم وابن الصلاح رحمهم الله عبارات وهى: ((صدوق -
ومحله الصدق ولا بأس به)) وعند ابن مهدى ((صدوق ومأمون وخيار)) وعند
الحافظ ابن حجر ((من قصر عن أهل المرتبة الثانية قليلاً وإليهم الإِشارة بـ ((صدوق
أو لا بأس به أو ليس به بأس)).
وأنا أفصّل بعض ما قاله هؤلاء الأئمة ثم أذكر ما وقفت عليه وبالله التوفيق:
فَرقِ الصنعانى فى ((توضيح الأفكار)) بين قولهم: ((لا بأس به)) وبين قولهم:
(ليس به بأس)» فجعل الأول أعلى فى التعديل لعراقة ((لا)) فى النفى وإن كان قد
ذكر وجهاً يقوى قوهم: «ليس به بأس)).
وجعل ابن أبى حاتم من قيل فيه ((صدوق ومحله الصدق ولا بأس به)) من
جملة المراتب التى يكتب حديث أهلها وينظر فيه للاعتبار، بمعنى أنه لا يحتج
بحديثهم إلا إذا توبعوا، وقوّى ابن الصلاح هذا فقال: ((قلت هذا كما قال لأن
هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط فينظر فى حديثه ويختبر حتى يعرف
ضبطه ..... )). أهـ وأقره السخاوى كما فى ((فتح المغيث)). والظاهر لى أن قولهم.
(صدوق)) أو ((لا بأس به)) من جملة مراتب الاحتجاج كما صرح بذلك كثير من
أهل العلم، وهو الظاهر من استعمال الكثير منهم، ولو كان هذا اللفظ فيه شريطة
الضبط لارتفع إلى المرتبة الثانية، ولو كانت أخطاء الراوى كثيرة لقالوا فيه ((صندوق
سىء الحفظ)) أو غير ذلك من العبارات التى تدل على تليينه، فلعدم تمام الضبط
وعدم التصريح بالغلط كان أهل هذه المرتبة فى الوسط وهى مرتبة الحسن لذاته،
وأما قول خلاف الأكثر فيلزم منه أن الحديث إما أن يكون صحيحاً لذاته
- ١٣٢ -

أو ضعيفاً فقط فأين منزلة الحسن لذاته؟ والمسألة اصطلاحية والله أعلم. أما تسوية
ابن أبى حاتم بين قولهم: ((صدوق)) ((ومحله الصدق)) فى مرتبة واحدة ففيه تأمل،
لأن قولهم: ((صدوق)) مبالغة فى الصدق وتحرى الصواب ومن هذا حاله فهو عدل
فى دينه ومعه قسط من الضبط بخلاف قولهم: ((محله الصدق)) أى أنه يظن به
الصدق واليقين غير الظن والله أعلم. بل سيأتى أن أبا حاتم رحمه الله يحتج ببعض
التراجم التى يُسأل عنها فيقول: ((صدوق)) أو ((لا بأس به)) والله أعلم.
وذكر السخاوى أن قولهم: ((صدوق)) وقولهم: (صالح الحديث)) عند ابن
مهدى بمعنى، لكن اعترض عليه الصنعانى بأن ابن مهدى جعل القول الثانى منحظاً
عن رتبة ((ليس به بأس)) قال ابن الصلاح: وقد جاء عن أبى جعفر أحمد بن سنان
أنه قال: ((كان عبد الرحمن بن مهدى ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف
وهو رجل صدوق فيقول: رجل صالح الحديث) اهـ.
وأما قولهم: ((لا بأس به)) فهو دون قولهم: ((فلان ثقة)) عند كثير من العلماء
إلا ما جاء عن ابن معين ودحيم ففيه تفصيل ولكن ذكر التهانوى أن قول ابن
معين ((لا بأس به)) فهو بمنزلة ((ثقة)) على الإطلاق وفى هذا تفصيل سيأتى فى فصل
المصطلحات الخاصة ببعض الأئمة، ولكن أبا غدة زاد فقال: ثم إنه لا خصوصية
لابن معين بهذا الاستعمال، بل هو تعبير منتشر فى كلام المتقدمين كابن المدينى
وأحمد ودحيم وأبى حاتم الرازى وطبقتهم ...... واستدل على ذلك بقول ابن المدينى
فى أبى حنيفة: (ثقة لا بأس به))، وبما جاء فى حق دحيم بأن قوله: ((ليس به بأس))
بمعنى قوله: ((ثقة ...... )) وبقول الحافظ فى ((تعجيل المنفعة)) فى ترجمة إبراهيم بن
أبى حرة النصيبى (ص ١٤): (وقد وثقه أبو حاتم فقال: لا بأس به))، وجاء فى
ترجمة قبيصة بن عقبة السوائى فى ((هدى السارى)) وفى ((تهذيب التهذيب)) قال
أحمد: (( كان قبيصة رجلاً صالحاً ثقة لا بأس به)) اهـ ما قاله أبو غدة (ص ٢٥٠
- ٢٥١) من ((قواعد فى علوم الحديث)) وأنا أكشف لك النقاب بعون الله عما
فى كلام أبى غدة من نظر ..
فاعلم أن أقوال أئمة الجرح والتعديل فى الرواة تختلف حسب درجات
- ١٣٣ -

الرواة وقوتهم وحسب ما يظهر للمجرِّح أو المعدّل ..... إلى تفاصيل كثيرة فى هذا،
لكن كيف نعرف وزن كلامهم ودرجته جرحاً وتعديلاً؟ السبيل إلى ذلك بأحد:
أمور: إما الاصطلاح وإما اللغة وإما عرفهم فى هذا، فمن ناحية الاصطلاح فنحن
لا نعرف الكلمة من كلامهم أنها تعديل مرتفع أو متوسط أو جرح شديد
أو خفيف إلا إذا قالها أحدهم ثم شرحها كقول الدارقطنى: ((من قلت فيه ((لين))
فليس بالساقط ولا يالقوى)). وإما أن يطلق أحدهم اللفظ فى موضع ثم يقيده
فى آخر فيحكم على أساس هذا، وقد يكون هذا القيد عاماً لجميع الأئمة وقد يكون
خاصاً بأحدهم، وإما أن يقول أحدهم اللفظ ثم يسكت فيسأل عن معناه فيبينه كما.
قال دحيم كلمة ((لا بأس به)) ثم سكت فقيل له: لم لا تقول ثقة ولا نعلم إلا خيراً؟
فقال: قد قلت، وأيضاً نعرف درجة الألفاظ بالاستقراء وبتتبع المواضع التى وردت
فيها وبالسياق الذى ذكرت فيه وبفهم الأئمة والمحققين لهذا الشأن وإلا رجعنا.
... إلخ. وإلا:
إلى عرفهم كقولهم: (فلان على يدى عدل)) أو ((كخبز الشعير)) ..
رجعنا إلى الوضع العربى لهذه الكلمة كقولهم: ((فلان من أهل القباب أو جمازات.
المحامل أو حية الوادى)) إلخ ....... إذا عرفت هذا علمت أن اللفظ لا نستطيع أن
نقدر درجته ومنزلته جرحاً أو تعديلاً بمجرد أنه قاله أحد الأئمة فى ثقة مشهور
أو فى كذاب معروف، ولا نعرفه أيضاً بمجرد أنه قرن بألفاظ قد ثبت لدينا رتبتها:
من غير هذا الموضع، وهذا ما فعله أبو غدة، فأما استدلاله بقول ابن المدينى فى
أبى حنيفة: ((ثقة لا بأس به)) (ص ٣٢٣) من ((قواعد التهانوى)) وأنه صريح فى:
أن قول ابن المدينى (لا بأس به)) بمعنى ثقة تماماً للترادف ففيه نظرٍ لأنه يلزم من
ذلك أنه إذا قال أحدهم فى راوٍ: (ثقة صدوق)) أن يكون قوله ((صدوق)) بمعنى
قوله (ثقة)) وما أكثر أن يأتى هذا عن يعقوب بن شيبة مع قدح فى ضبط الراوى،
وأيضاً لو قيل فى الرجل ((ثقة صالح) فيلزمه أن يقول قولهم ((صالح)) بمعنى قولهم:
«ثقة) وهذا ما لا يقوله أبو غدة، بل قد قال ابن المدينى فى عيسى بن أبى عيسى
ماهان أبى جعفر الرازى: ((ثقة وكان يخلط)) وقال مرة: ((يكتب حديثه إلا أنه يخلط))
كما فى ((المغنى)) (٥٠٠/٢) فهل يقول قائل: إن قول ابن المدينى ((يكتب حديثه»
- ١٣٤ -

بمعنى قوله: ((ثقة)) ويكون هذا اصطلاحاً له؟ هذا ما لا يقوله أبو غدة، فالكلمة
إذا تجردت عن القرائن عرف معناها أما إذا جمعت بأخرى أو قيلت فى مشهور
فيكون لها معنى فى هذا الموضع دون المواضع التى تتجرد عن ذلك فيها، وكم
نجدهم يقولون: ((فلان ثقة فيه ضعف)) أو ((ثقة صالح ليس بحجة) أو (ثقة صدوق
ضعيف فى الحديث)) فمعنى قولهم: ((ثقة)) هنا أى فى دينه لا فى ضبطه بخلاف
قولهم: (ثقة) فقط، والله أعلم.
وأما استدلاله بقول الحافظ فى ((تعجيل المنفعة)» فى ترجمة قبيصة. « ..... وثقه
أبو حاتم)) - مع أنه لم يقل ((ثقة)) بل قال: ((لا بأس به)) - فالجواب أنه لا شك
أن قولهم: ((لا بأس به)» توثيق لكن هل هو من الدرجة العالية أم من الدرجة
الوسطى؟ هذا ما لم يصرح به الحافظ ابن حجر رحمه الله، وأما عن أبى حاتم
خاصة فهو مشهور بالتشدد والكثير ممن يقول فيهم ((صدوق)) أو ((لا بأس به))
يكون بمنزلة ((ثقة)) عند غيره، وقد أشار إلى ذلك الشيخ المعلمى فى ((تنكيله)) فإذا
كان قول أبى حاتم ((لا بأس به)) توثيقاً عالياً عند الحافظ ابن حجر فلعل هذا
عذره، وإلا فالظاهر أن أبا حاتم فى كثير من التراجم يقول: ((لا بأس به)) ويسأل
أيحتج به؟ فيقول: ((يكتب حديثه ولا يحتج به))، وقد قال أبو حاتم فى محمد بن
محرز الكوفى الضبى: ((كان آخر من بقى من ثقات أصحاب إبراهيم ما بحديثه
بأس ولا يحتج بحديثه كان شيخاً مستوراً)) (٤١٤/٨) ((الجرح والتعديل))، فمن
هذا يُعلم أن الكلمة بمفردها لها معنى وهو المعتمد عليه فى تقسيم المراتب وإذا
قرنت بغيرها فلها معنى آخر، وقد قال يعقوب بن شيبة فى الربيع بن صبيح
السعدی: (رجل صالح صدوق ثقة ضعيف جداً) (٢٤٨/٣) «تهذيب التهذيب».
وقد قال أبو حاتم فى محمد بن الحسن بن زبالة: ((واهى الحديث ذاهب الحديث
ضعيف الحديث عنده مناكير منكر الحديث وليس بمتروك الحديث)) (١١٦/٩)
(تهذيب التهذيب)) وانظر ((الجرح والتعديل)) (٢٢٨/٧)، فلا شك أن كل لفظة
من هذه الألفاظ لها معنى يبينه السياق، والعلم عند الله تعالى.
- ١٣٥ -

ومن ألفاظ هذه المرتبة قولهم:
O ((فلان صادق)).
O وقول ابن معين فى عبيدة بن حميد الضبى الحذاء: «ما به بأس المسكين.
لیس له بخت)) وذلك لما ترك كثير من الناس روايته ومنهم ابن المدينى انظر
(٢٥/٣) ((الميزان)) ونجوه قول ابن معين فى الحارث بن سريح أبى عمر النقال: ((ما
هو من أهل الكذب ولكن ليس له بخت)) (٢١٠/٨) ((تاريخ بغداد)). واعلم أن
أهل الجرح والتعديل قد يتكلم أحدهم فى الراوى باجتهاد فيخطىء فيترك الناس
الراوى لما قيل فيه، فهذا معنى قول ابن معين أى أن الراوى ليس به بأس ولكنّ
ليس له حظ وأعرضوا عنه وهو ليس أهلاً للإعراض عنه. وقوله: ((ما هو من
أهل الكذب)) وإن كان نفياً للنقص إلا أنه إثبات للكمال وهو الصدق لقوله:
(ولكن ليس له بخت)).
O وقولهم: ((فلان ممن يصدق فى الروايات)).
معنى ذلك أن الراوى عدل فى دينه ولم يُتكلم فيه فى باب الرواية، وأنه
يروى عن شيخه عالياً ونازلاً، وقد يقولون: ((فلان صدوق فى الرواية أو فى
الحديث)) ومعناه أن الراوى لم يُطعَن فيه من قبل العدالة فى باب الرواية وقد يكون
مبتدعاً وأيضاً قد يكون ممن يهم ويخطىء لكنه لم يتعمد إسناداً ولا متناً، وقد
ذكر ابن حبان فى ترجمة عبد الملك بن قدامة القرشى (١٣٥/٢) من كتابه
(المجروحين)) وكذا ترجمة عبد الوهاب بن بُخت الجزرى (١٤٧/٢) نحو هذا،
فالظاهر أن هذه الألفاظ تدل على الاحتجاج بخبر من قيلت فيه إلا أن يظهر خلاف
ذلك فيعمل به، والله أعلم.
O وقولهم: (فلان ثقة إن شاء الله)). وهو دون قولهم: ((ثقة) على سبيل
الجزم وقد فرق العراقى بين قولهم: ((صدوق)) وبين قولهم ((صدوق إن شاء الله))
:
وجعل الأول أعلى من الثانى فكذا ما نحن فيه والله أعلم.
- ١٣٦ -

O وقولهم: ((لم أر فى حديث فلان ما فى القلب منه)) أى أنه لا بأس
به ولم أر فى حديثه مكروهاً.
O وقولهم: (لم أر فى حديث فلان مكروهاً)) قاله أبو حاتم فى الهيثم بن
جهم والد عثمان بن الهيثم (٨٣/٩) ((الجرح والتعديل)) وهذا بمعنى أنه لا بأس به.
. O وقول الجوزجانى فى إسماعيل بن أبان الوراق: كان مائلاً عن الحق
ولکنه «لم یکن یکذب فی الحدیث».
فقال ابن عدى: ((يعنى ما عليه الكوفيون من التشيع وأما الصدق فهو
صدوق فى الرواية)).
O وقولهم: ((فلان ما أُصلح حديثه)) قاله أحمد فى سالم بن عجلان
الأفطس (١٥١/٢) ((ضعفاء العقيلى)) وهذا أعلى من قولهم: ((صالح الحديث)) لأداة
التعجب. ويظهر لى أنه من ألفاظ هذه المرتبة، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ثقة ولكن ليس ممن يوصف بالضبط) هذا اللفظ محتمل
فإن كان بمعنى أنه ثقة فى دينه ضعيف فى ضبطه فهو أنزل من هذه المرتبة، وإن
كان بمعنى أنه لا يوصف بالضبط كغيره من أهل الضبط فأهل هذه المرتبة من
هذا الصنف فهم خفيفو الضبط وإن لم يكثر الخطأ فى أحاديثهم والله أعلم.
O وأما قولهم : ((فلان عدل فى الشهادة أو مقبول الشهادة عند الحكام))
فهو يحتمل أن يكون بمنزلة ((ثقة)) ويحتمل أن يكون بمنزلة ((صدوق)) ويحتمل أن يكون
ضعيفاً فى الرواية فقد قال الخطيب فى أحمد بن عبد الله الهاشمى: كان صدوقاً ديَّناً
مقبول الشهادة عند الحكام (٤٩/٥) («تاريخ بغداد) وقال فى أحمد بن محمد أبى على
البزاز النيسابورى: ((كان ثقة مقبول الشهادة عند الحكام))، ونحوه قولهم: ((كان
فلان أحد الشيوخ المعدَّلين عند الحكام أو أحد الشهود المعدلين)) فقد قال الخطيب
فى أحمد بن محمد الصيرفى: ((أحاديثه تدل على صدقه وثقته وكان أحد الشهود
المعدلين (٤٠٢/٤) ((تاريخ بغداد)) وقد يكون مع ذلك ضعيفاً فى الرواية كما قال
أبو عبد الله الصيمرى فى محمد بن عثمان بن الحسن القاضى النصيبى: ((كان ضعيفاً
- ١٣٧ -

فى الرواية عدلاً فى الشهادة)) (٥٢/٣) «تاريخ بغداد)» وكقول الخطيب في أبى بكر
أحمد بن يوسف بن أحمد بن خلاد العطار: ((كان أحد الشيوخ المعدلين عند الحكام
وكان لا يعرف من العلم شيئاً غير أن سماعه كان صحيحاً)) (٢٢٠/٥ - ٢٢١)
((تاريخ بغداد)). لكن الأصل فى هذه الألفاظ هذه المرتبة حتى يظهر خلاف ذلك.
O وقولهم: ((فلان ما أقرب حديثه)) وهذا أعلى من قولهم: ((فلان مقارب
الحديث)) لأداة التعجب، واللفظ قاله أحمد فى شيبان بن عبد الرحمن التميمى مع
وصفه له بصحة الكتاب (٢٧٢/٩) «تاريخ بغداد)) وقد جاء فى «العلل ومعرفة.
الرجال)) لأحمد، قال أحمد: ((ثنا أبو أحمد الزبيرى ثنا رزام بن سعيد))، قال أحمد:
((وهو ثقة ما أقرب حديثه)) (٢٧٧/١)، والسخاوى رحمه الله عد هذا اللفظ من
ألفاظ المراتب التى يستشهد بها فالله أعلم.
O قولهم: ((فلان صدوق مسلم)) وقد يأتى هذا اللفظ أرفع من هذا كما
قال ابن معين فى يونس بن بكير الشيبانى: ((صدوق مسلم))، وقال مرة: ((ثقة))،
ووثقه محمد بن عبد الله بن نمير وأطنب فى توثيقه، انظر (٢٦٣٣/٧). (الكامل)).
وقد يأتى هذا اللفظ فى أقل من ذلك كما قال ابن معين فى إبراهيم بن عيينة: ((كان
مسلماً صدوقاً لم يكن من أصحاب الحديث))، وقال النسائى: ((ليس بالقوى))
(٤٧٥/٨) ((النبلاء)) أما اللفظ إذا تجرد عن القرائن فمحله هنا، والله أعلم.
- ١٣٨ -

المرتبة الرابعة من مراتب التعديل
عند ابن أبى حاتم وابن الصلاح رحمهم الله ((فلان شيخ)).
وعند الذهبى: ((محله الصدق)).
وعند العراقى: ((إلى الصدق ما هو - وفلان جید الحدیث وفلان حسن
الحديث وفلان صويلح وصدوق إن شاء الله وأرجو أنه لا بأس به وشيخ وسط»
انظر ((التقييد والإيضاح)) (ص ١٦١ - ١٦٢).
وعند الحافظ ابن حجر، من قصر عن الثالثة قليلاً وإليه الإشارة بـ ((صدوق
سوء الحفظ أو صدوق يهم أو صدوق له أوهام أو يخطىء أو تغير بأخرة)).
وعند السيوطى كما فى ((التدريب)): ((فلان روى عنه الناس ووسط
ومقارب)).
وعند السخاوى: ((رووا عنه - وروى الناس عنه ویروى عنه-)) أهـ.
واعلم أن هذه المرتبة والتى تليها يجد الباحث أكثر ألفاظهما تتداخل، ولذا
تجد بعض هذه الألفاظ ذكرها بعض الأئمة هنا وذكرها بعضهم فى المرتبة الخامسة
وهما متقاربتان والأمر سهل فإنهما من مراتب الشواهد، وأنا أفصِّل بعض ما قاله
هؤلاء الأئمة رحمهم الله ثم أذكر ما وقفت عليه من ألفاظ هذه المرتبة: فقولهم:
((فلان شيخ) ذكر ابن رجب رحمه الله فى شرحه ((لعلل الترمذى)) أن الشيوخ
فى اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ وقد يكون فيهم الثقة
وغيره ...... انظر (ص ٢٥٦) وجاء فى ((الميزان)) ترجمة العباس بن الفضل العدنى
نزيل البصرة: ((سمع منه أبو حاتم وقال: شيخ))، قال الحافظ الذهبى رحمه الله:
(فقوله: (هو شيخ) ليس هو عبارة جرح ولهذا لم أُذكر فى كتابنا أحداً ممن قال
فيه ذلك)) ولكنها أيضاً ما هى عبارة توثيق وبالاستقراء يلوح لك أنه ليس بحجة
قال: ((ومن ذلك قوله: ((يكتب حديثه)) أى هو ليس بحجة)) (٣٨٥/٢) («الميزان)).
- ١٣٩ -

وذكر ابن أبى حاتم أن هذا اللفظ فيمن يكتب حديثه وينظر فيه للاعتبار،
إلا أننى وقفت على ترجمة بخلاف هذا عن أبى حاتم رحمه الله، فقد قال ابن
أبى حاتم: ((سألت أبى فقلت له: يحيى البكاء - أى ابن مسلم - أحب إليك أو
أبو جناب؟ قال: لا هذا ولا هذا، قلت: إذا لم يكن فى الباب غيرهما أيهما أكتب؟ ..
قال: لا تكتب منه شيئاً، قلت: ما قولك فيه؟ قال: شيخ)) (١٨٦/٩ - ١٨٧)
(الجرح والتعديل)). فهذا ظاهر الترك إلا أن تكون الكتابة هنا بمعنى الاحتجاج
فذاك أمر آخر، وأيضاً قد يقولون: ((شيخ)) ويقرنونه بعبارات تعديل أو تجريح
كقولهم: ((فلان شيخ ثقة)) أو ((شيخ ضعيف)) أو ((شيخ كذاب)) فهذا ليس من
الباب الذى نحن فيه.
وقد يقولون: ((شيخ)) أو ((شيوخ)) على الحفاظ كما حكى على بن خشرم
فقال: ((قال لنا وكيع: أى الإسنادين أحب إليكم: الأعمش عن أبى وائل عن
عبد الله، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ قال: فقلنا.
الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله - أى للعلو والله أعلم - قال يا سبحان الله
الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ وسفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وحديث
تتداوله الفقهاء خير من أن تتداوله الشيوخ)). انظر ((معرفة علوم الحديث للحاكم)
(والتدريب)) وذلك لأن الفقيه - إذا كان متقناً - إذا سمع حديثاً يمتنع حمله على
ظاهره فإنه يبحث عنه حتى يعرف السبب فى ذلك وما يمكن به تأويله.
وقد ورد لفظ ((الشيوخ)) فيمن هو لين فى حفظه كما قال الذهبى فى أبى عمر
الزاهد العلامة اللغوى محمد بن عبد الواحد: ((وهو فى عداد الشيوخ فى الحديث.
لا الحفاظ، وإنما ذكرته لسعة حفظه للسان العرب، وصدقه، وعلو إستاده»
(٥٠٨/١٥ - ٥٠٩) ((النبلاء)). وقول أبى حاتم فى شبيب بن بشر البجلى: ((هو
لين الحديث حديثه حديث الشيوخ والله أعلم. ونحوه قول ابن معين لجعفر بن
محمد الطيالسى - وكان ثقة ثبتاً صعب الأخذ حسن الحفظ -: ((لو أدركت
أنت زيد بن الحباب وأبا أحمد الزبيرى لم تكتب عنهما يعنى فى شدة أخذه عن
الشيوخ فقيل لجعفر: لم؟ قال إنما كانوا شيوخاً» (١٨٩/٧) ((تاريخ بغداد)).
- ١٤٠ -