النص المفهرس
صفحات 101-120
O ومن ذلك قولهم: ((ما رأينا مع فلان ألواحاً)) - أو ((كان يحفظ ما سمع ولا يكتب» - أو ((ما كتب سوداء فى بيضاء ولكنه يحفظ)). O ومن ذلك قول ابن المبارك فى هشيم بن بشير: «مَن غيَّر الدهرُ حفظَه فلم يُغيِّرِ حفظَ هشيم)) (٢٤٩/١) («تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك أن ابن المبارك قال له أبوه: لئن وجدت کتبك حرقتها، فقال: وما على؟ ((هو فى صدرى)) (٢٧٧/١) ((تذكرة الحفاظ))، ونحوه قول أحدهم: ((كان فلان لا يبالى أن تسرق منه كتبه))، أى لأنه يحفظها أو ((كان لا يالى أن يسرق منه حديث سفيان)) أى لأنه يحفظه فى صدره، ونحوه قول محمد بن المنهال - وقد سئل ألك كتاب؟- قال: ((كتابى صدرى)) (٤٤٧/٢) (تذكرة الحفاظ)). O وقول عبدوس بن عبد الله النيسابورى فى إسحاق بن أبى إسرائيل المروزى: ((حافظ جداً)) (٤٨٥/٢) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول أحدهم: ((كان فلان أحفظنا الجليل والطويل»: أى للأحاديث الطويلة التى يشق حفظها وإتقانها، وقول أبى الشيخ فى سيمويه الحافظ الطواف إسماعيل بن عبد الله العبدى: ((يذاكر بالحديث)) (٥٦٦/٢) («تذكرة الحفاظ)). ونحوه: ((كان يذاكر الحفاظ)) أو ((يعجز عن مذاكرته القطان مثلاً)) أو ((لا تطاق مذاكرته)) أو ((لا يفى بمذاكرته أحد)) أو ((كان يفى بمذاكرة مسانيد الصحابة ترجمة ترجمة)) أو ((كان ما ذاكره أحد إلا انتصف منه))، ونحوه قول أبى على التنوخى فى أبى بكر الجعابى: ((كان يحفظ مائتى ألف حديث ويجيب فى مثلها))، وقال الجعابى عن نفسه: ((أحفظ أربعمائة ألف حديث وأذاكر بستمائة ألف حديث)) (٩٢٦/٣) ((تذكرة الحفاظ)). ومعنى ((يجيب فى مثلها)) أى أنه يُلقَى عليه الإِسناد فيذكر المتن أو العكس، أو أنه يجيب فى علل الأحاديث والمسائل الحديثية، والحفظ هنا وهو السرد بخلاف المذاكرة، وليس كل من علا فى المذاكرة يكون حافظاً فقد يكون كذاباً، فقد ناظر أبو زرعة أحد الكذابين وغلبه الكذاب. - ١٠١ - O ومن ذلك قولهم: ((كان فلان ذكياً))، فقد قاله أحمد فى عبد الله بن واقد الحرانى (١٥١٠/٤) ((الكامل)). O ومن ذلك قول أحدهم: ((كنت أعد الحديث))، أى أحفظه. O ومن ذلك قول أحمد فى عيسى بن شاذان القطان: ((كيّس)) (٢١٣/٨) (تهذيب التهذيب))، وقد عدَّ هذا القولَ من أحمد أبو داود مدحا رفيعًا. O ومن ذلك قولهم: ((فلان ذو ضبط ما شئت)) أو من (الحفاظ المعدودين)) أو ((بقية الحفاظ)) أو ((حافظ الزمان)) أو (أحفظ الحفاظ)) أو ((لم أر من يستحق اسم الحافظ غيره)) أو ((معدود فى زمرة الحفاظ)) أو ((ما رأيت صاحب بلغم أحفظ منه) أو ((ما رأيت مثله فى اختلاف الحديث والإتقان)) أو ((أحفظ من رأيت من البشر)) أو ((من حفاظ الدنيا) أو كان ((لا مزيد عليه فى الحفظ : والإتقان))، قاله خميس الحوزى فى بحشل أبى الحسن أسلم بن سهل (ص ١١١) (سؤالات السلفی للحوزی))، أو ((کان یعد الحدیث حرفاً حرفاً)، قاله ليث بن أبى سليم فى طاوس بن كيسان اليمانى الأبناوى (٩/٥). O ومن ذلك قول الحاكم فى البرديجى أبى بكر أحمد بن هارون: ((لا نعرف إماماً من أئمة عصره إلا وله عليه انتخاب)) (٧٤٧/٢) («تذكرة الحفاظ))، وقد سبق أنه لا يتصدى للانتخاب إلا أهل الخبرة والفهم واليقظة. O ومن ذلك قول الذهبى فى ابن أبى حاتم: ((كتابه فى الجرح والتعديل يقضى له بالرتبة المنيفة فى الحفظ)) (٨٣٠/٣) ((تذكرة الحفاظ))، وللأئمة أساليب متعددة فى الكلام على الرواة - كما سيأتي إن شاء الله -، فمن ذلك مدجهم لكتبهم، كقولهم: ((كتابه الفلانى يدل على علمه وتبحره) أو ((لو أن رجلاً معه المصحف وكتاب فلان لم يحتج بعد ذلك إلى شىء من العلم البتة)، كما فى (١٠١٩/٣) ((تذكرة الحفاظ))، ترجمة الخطابى، وقول ابن ديزيل: ((إذا كان كتابى بيدى وأحمد بن حنبل عن يمينى ويحيى بن معين عن شمالى ما أبالى»- يعنى لضبط كتابه - (١٨٦/١٣) ((النبلاء). -- ١٠٢ - O ومن ذلك قول الحاكم فى أحمد بن أبى الليث المصرى: ((هو باقعة فى الحفظ)) (١٠١٥/٣) ((تذكرة الحفاظ))، والباقعة: الرجل الداهية، سمى باقعة لحلوله بقاع الأرض وكثرة تنقيبه بالبلاد ومعرفته بهاء فشبه الرجل البصير بالأمور الكثير البحث عنها المجرب لها به، والباقعة: الطائر الحذر إذا شرب الماء نظر يمنة ويسرة، وقال ابن الأنبارى فى قولهم: ((فلان باقعة)): ((معناه حذر محتال حاذق)) (١٩/٨) ((لسان العرب)). O ومن ذلك قول أبى على الحافظ النيسابورى فى الجعابى: ((حيّرنى حفظه)) (٩٢٦/٣) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول عبد الله بن محمد الحافظ حين سئل: أيهما أحفظ ابن عدى أو ابن قانع؟ فقال: ((زر قميص ابن عدى أحفظ من عبد الباقى بن قانع))، كما فى (تذكرة الحفاظ))، فالأفضلية فى الحفظ بمفردها لا تصرح بوجود العدالة، وقول الحاكم فى الماسرجسى: ((جمع حديث الزهرى جمعاً لم يسبقه أحد وكان يحفظه مثل الماء)) (٩٥٦/٣) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول الأديب المعيطى لأبى الحسن الدارقطنى لما قرأ كتاب (النسب)) على مسلم العلوى: ((أنت يا أبا الحسن ((أجرأ من خاصى الأسد))، تقرأ مثل هذا الكتاب مع ما فيه من الشعر والأدب فلا يؤخذ عليك فيه لحنة)) (٩٩٤/٣) ((تذكرة الحفاظ))، ولو لم يكن متقناً له لتلعثم وتردد ووقع فى اللحن، والله أعلم. O ومن ذلك قول أحدهم: ((فلان كأنه شعلة نار فى الحفظ)) أو (( كان لبيباً حافظاً عارفاً يرشح للحفظ))، انظر (١٢٠٤/٤) ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة ابن ماكولا - وقول أحدهم: ((كان فلان يملى على البديهة)) أو ((كان حافظا مُجيداً أو مُجوِّداً أو كان حفظة)). O ومن ذلك قولهم: ((كان فلان مفيد الطلبة)) أو ((يدل الطلبة على الشيوخ)) أو ((جلس الأئمة يكتبون بإفاداته أو بانتخابه)) أو ((كان لا يدل على - ١٠٣ - الشيوخ ببغداد مثلاً إلا هو)). وهذا يدل على أنه بصير بمراتب الرواة وبالصحيح والسقيم. O ومن ذلك قول ابن مهدى فى أبى حصين عثمان بن عاصم بن حصين: (لا ترى حافظاً يختلف عليه)) (٤١٣/٥) ((النبلاء)). واعلم أن الاختلاف على أحد الرواة لا يقدح فيه إلا بشروط، منها : أن يكون المختلفون عليه حفاظاً متقنين، فهذا يدل على أن العهدة عليه وأن الاضطراب فى المتن أو فى الإِسناد منه، وتخطئته أولى من تخطئتهم، وأما إذا اختلَف عليه أهل الغفلة وسوء الحفظ فلا يضره، لأن العهدة عليهم فى هذا، لاسيما إن جوَّده عنه أحد الثقات وروى الحديث عنه جيداً سالماً من العلة، فالراوى الذى لا يختلف عليه الحفاظ ثبت متقن، وهو أرجح من الذى يختلف عليه - وإن كان من الأئمة - ألا ترى أن يحيى بن سعيد القطان رجح يحيى بن سعيد الأنصارى على الزهرى قائلاً: ((الزهرى اختُلِف عليه ويحيى لم يُخْتَلَف عليه)) (٤٧٥/٥) ((النبلاء). O ومن ذلك قول أحدهم: ((كان فلان لا يخفى عليه أمر شيخه أو شيوخه أو أمر شيخ شيخه))، انطر (٩٤/١٤) ((النبلاء)). O ومن ذلك قول ابن المنادى فى أحمد بن محمد بن صدقة أبى بكر الحافظ: ((كان من الحذق والضبط على نهاية تُرضى بين أهل الحديث كأبى القاسم بن الجبلى ونظرائه)) (٤١/٥) ((تاريخ بغداد)). وقول ابن المدينى: ((ما رأيت يحيى استفهم حديثاً قط ولا رده)) (٨١/١١) ((النبلاء)). O وقول سعيد بن عمرو: «يا أبا زرعة أأنت أحفظ أم أحمد؟ قال: بل أحمد، قال: كيف علمت؟ قال: وجدت كتبه ليس فى أوائل الأجزاء أسماء الذين حدثوه، فكان يحفظ كل جزء ممن سمعه وأنا لا أقدر على هذا» (١٨٧/١١) ((النبلاء)). قلت: ((وهذا لأن من عادة المحدثين الذين يكتبون الحديث أن أحدهم يذكر فى أوائل كل جزء اسم الشيخ الذى سمع منه هذا الجزء أو عرضه عليه ويذكر نسبه وكنيته ...... إلخ ما يتم به تعريف الشيخ، ثم فى داخل الجزء يذكر - ١٠٤ - سند الشيخ إما لرسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وإما لكتاب مؤلّف، فكان أحمد لا يذكر اسم الشيخ ويكتفى بمعرفته أن هذا الجزء فلان بن فلان بل كان لا يذكر السند، فقد قال أبو زرعة: ((حزرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثنى عشر حملاً وعدلاً، ما کان علی ظھر کتاب منها «حدیث فلان) ولا فى بطنه (حدثنا فلان))، كل ذلك كان يحفظه)) (١٨٨/١١) ((النبلاء). O ومن ذلك قولهم: ((كان فلان يميز ويضبط)) أو ((كان يحفظ حديثه وحديث غيره)) أو (يعرف حديثه وحديث غيره))، انظر (٥/٩) ((حلية الأولياء)). O ومن ذلك قول الشعبى: «ما كتبت سوداء فى بيضاء»- يعنى كلمة فى ورقة - ((ولا حدثى رجل بحديث إلا حفظته))، ((ولا حدثنى رجل بحديث فأحببت أن يعيده على)) (٦٧/٥) ((تهذيب التهذيب)). O ومن ذلك قول الواقدى - وهو متكلَّم فيه -: ((ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وحفظى أكثر من كتبى)) (٦/٣) ((تاريخ بغداد)). O ومن ذلك قول أبى بكر بن أبى شيبة: قدمنا بغداد ((فما كان أحد يقوم فى وجوهنا فى الأبواب - أو قال فى حفظ الحديث - ألا أبو هذا»،- يعنى أحمد بن حنبل- (٦٧/١٠) ((تاريخ بغداد)). O ومن ذلك قول عبد الملك بن محمد أبى تعيم وهو يثنى على ابن خراش: ((ما رأيت أحفظ منه لا يذكر له شىء من الشيوخ والأبواب إلا مر فيه)). (٢٨١/١٠) ((تاريخ بغداد)). O ونحو ذلك ما قيل فى البَطْرُوْجى أحمد بن عبد الرحمن الأندلسى: ((كان إذا سئل عن شىء فكأن الجواب على طرف لسانه)) لقوة حافظته (ص ٤٦٨) ((طبقات الحفاظ)) للسيوطى. O ومن ذلك ما قيل فى ابن الظاهرى أحمد بن محمد بن عبد الله الحلبى: ((كان ثقة حافظاً مليح الانتخاب خبيراً بالموافقات والمصافحات لا يلحق فى - ١٠٥ - جودة الانتقاء)) (ص ٥١٦) ((طبقات الحفاظ)) للسيوطى، وهذا اللفظ محله المرتبة . الأولى لقوله: ((ثقة حافظ)) ولكن أريد أن أنبهك هنا على فائدة فى العلو لتفهم منها معنى الموافقات والمصافحات، والأمر مفصّل فى كتب المصطلح، جاء فى حاشية (توضيح الأفكار)) ما ملخصه: ((أن العلو على خمسة أقسام ..... منها العلو إلى كتاب من الكتب الحديثية المعتمدة ((كالصحيحين))، ((والسنن)) وغير ذلك، وهذا القسم أربعة أقسام: الموافقة، والبدل، والمساواة، والمصافحة، أما الموافقة فصورتها أن يروى المحدث حديثاً موجوداً فى أحد الكتب بإسناده لنفسه، فيصل فى إسناده إلى شيخ مصنف الكتاب من غير طريق المصنف، ولو أنه رواه من طريق المصنف لزاد عدد رجال السند، والبدل مثل الموافقة إلا أنه يصل فى إسناده إلى شيخ شيخ المصنف، وأما المساواة فهى أن يتساوى عدد الإسناد من المحدث إلى آخر السند مع إسناد أحد المؤلفين، كما وقع للحافظ ابن حجر رحمه الله فى ((العشر العشارية) فتساوى هو والنسائى فى أن كل واحد منهما روى أحاديث وبينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عشرة رجال، وهذا شرف لا يخفى للحافظ ابن حجر، للفارق الزمانى الواسع بينه وبين النسائى، فالمساواة كما قال ابن الصلاح: هى أن يقل العدد فى إسنادك لا إلى شيخ مسلم وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك الصحابى أو من قاربه، وربما كان إلى رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، بحيث يقع بينك وبين الصحابى من العدد مثل ما وقع بين مسلم وذلك الصحابى، فتكون بذلك مساويا لمسلم فى قرب الإِسناد وعدد رجاله، وأما المصافحة فهى أن يروى المحدث حديثاً بإسناد لنفسه فیقع عدد رجال إِسناده زائداً عن عدد رجال مؤلف الكتاب، ويكون الزائد رجلاً واحداً، فيكون المحدث كأنه قد قابل صاحب الكتاب فروى عنه، وسمى هذا النوع بهذا الاسم لأن العادة جرت فى الغالب بالمصافحة بين من تلاقياً)). اهـ (٣٩٦/٢ - ٣٩٨) بتصرف وزيادة. إذا علمت هذا فاعلم أن من مدحوه بأنه. خبير بالموافقات والمصافحات، فمعنى هذا أنه يعرف العالى والنازل من الأحاديث، وهذه منزلة لا يشتغل بها إلا الفحول والذين طالت نشأتهم وممارستهم لهذا الفن والله أعلم. - ١٠٦ - O ومن ذلك قولهم: ((فلان صيرفى الحديث أو من صيارفة الحديث)) والصير فى والصيرف والصراف: النقاد ..... قال أبو الهيثم: الصيرف: المحتال المتقلب فى أموره المجرب لها، وقيل لمن يميز: صيرف وصيرفى (١٩١/٩) ((اللسان))، واللفظ الأول قاله الأعمش فى إبراهيم النخعى (٧٤/١) ((تذكرة الحفاظ))، ووجه المدح بذلك أن الراوى بصير بالأحاديث وطرقها والصحيح منها والسقيم والله أعلم. O ومن ذلك قولهم: ((فلان فيما حدث به أثبت من يده على زنده» أى أنه حافظ متقن لما يرويه، وهذا اللفظ ذُكر نحوه فى قصة طويلة فى ((تاريخ بغداد)» (٣٦٩/٦) فراجعها هناك، ((والزندان: طرفا عظمى الساعدين، مذكران، والزندان: عظما الساعد أحدهما أدق من الآخر، فطرف الزنذ الذى يلى الإبهام هو الكوع، وطرف الزند الذى يلى الخنصر كرسوع، والرسغ مجتمع الزندين ....... والزند: موصل الذراع فى الكف، وهما زندان الكوع والكرسوع)) أهـ. (١٩٦/٣) ((اللسان)). - ١٠٧ - فصل «فى ألفاظ تدل على الاجتهاد فى الطلب وسعة العلم» ٩٠ ٠ وحكم هذه الألفاظ أن من قيلت فيه يكون حديثه صحيحاً محتجاً به إلا أن يثبت أنه لين أو غير عدل، فقد نص كثير من العلماء على أن المشهور بالطلب يصحح حديثه إلا أن يظهر فيه خلاف هذا، وقد تكلم السخاوى فى ((فتح المغيث)) حول هذه المسألة فراجعه (٢٩٥/١ - ٣٠١)، ومن ناحية أخرى فكلام الأئمة فى الرواة يدل على هذا، لأن كلامهم إما أن يكون من معاصر للمتكلّم فيه وإما: أن يكون بسبر - أى اختبار - حديثه ومقارنته بحديث غيره من الثقات ويحكم عليه. بما يستحق فمثلاً لو أن ابن معين وثق رجلاً من التابعين أو ضعفه فى حديثه فمعلوم من هذا أنه يقصد حديثه أما دينه فلم يطلع عليه، واستدل على صحة دينه باستقامة حديثه كما أنهم يستدلون على أن الراوى كذاب بتخليطه فى حديثه وبعلامات تظهر لهم تدل على كذبه وإن لم يعرفوا الرجل، فمسألة توثيق المشهور بالطلب الذى لم يظهر فيه قدح ولم يتكلم فيه أحد بقدح فى عدالته أو فى حديثه عليه أکثر العلماء، وقد نص على هذا الذهبى فى ((ميزانه)) خلافاً لابن القطان وابن الصلاح، ومن قال بقولهما والله أعلم. وعندى أن هذه مسألة افتراضية ونظرية أكثر منها واقعية فهل هناك مشهور. بالطلب لم يعرف أصدوق هو أو كذاب؟ O فمن تلك الألفاظ: قول ابن شاهين: ((حسبت ما اشتريت به الخبر: إلى هذا الوقت فكان سبعمائة درهم» (٩٨٨/٣) ((تذكرة الحفاظ)) وذلك لكثرة. ما كتب، والرجل قال فيه الذهبى: ((ما كان الرجل بالبارع فى غوامض الصنعة ولكنه راوية الإسلام رحمه الله)) (٤٣٤/١٦) («النبلاء)). - ١٠٨ - O ومن ذلك قول محمد بن طاهر المقدسى الجوال: ((بلت الدم فى طلب الحديث مرتين مرة ببغداد ومرة بمكة، كنت أمشى حافياً فى الحر فلحقنى ذلك، وما ركبت دابة قط فى طلب الحديث وكنت أحمل كتبى على ظهرى)) (١٢٤٣/٤) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول إسماعيل بن محمد بن الفضل لابن الحافظ السمعانى أبى بكر محمد بن أبى المظفر: ((لو صرف والدك همته إلى هدم هذا الجدار لسقط)) (١٢٦٧/٤) ((تذكرة الحفاظ)) وذلك لاجتهاده وقوة عزيمته وصبره على مشاق طلب العلم، والله أعلم. O وقولهم: ((كان فلان صاحب شيوخ))، أى حدث عن شيوخ کثیرین وتفرد عن شيوخ لم يرو عنهم غيره من أقرانه وهذا يدل على الاجتهاد والاعتناء بطلب العلم. O ومن ذلك قول أحدهم: ((كان فلان عبرة من العبر فى غزارة الحفظ أو كان مسند الدنيا ورحلة الآفاق أو كان ذا عناية تامة بالحديث أو من أعلم الناس بالحديث أو كان عَبْدَ العلم)» كما قاله مطر الوراق فى قتادة (٢٧٦/٥) ((النبلاء). O ومن ذلك لما سئل الطبرانى عن كثرة حديثه فقال: ((كنت أنام على البوارى ثلاثين سنة)) (٩١٥/٣) ((تذكرة الحفاظ)) والبورى: فارسى معرب قيل هو الطريق وقيل: الحصير المنسوج من القصب)) (٨٧/٤) ((لسان العرب)). O ومن ذلك قولهم: فلان من بنادرة الحديث، قال ابن الشرقى: ((قيل لى : لم لا ترحل إلى العراق؟ قال: قلت: ما أصنع بها وعندنا من بنادرة الحديث الذهلى وأبو الأزهر وأحمد بن يوسف)» (٥٤٦/٢) («تذكرة الحفاظ)) وبنادرة الحديث أى تجاره المكثرون منه وقال المزى: نقاده كما فى حاشية ((تهذيبه)) وقال الذهبى: والبندار: الحافظ، انظر ((النبلاء)) ترجمة بندار (١٤٤/١٢)، وانظر ترجمة أحمد بن الأزهر فى ((النبلاء)) (٣٦٥/١٢) وترجمة الزعفرانى (٥١٨/١٦) ((النبلاء)) - ١٠٩ - أما قول المزى فمعناه الفهم والنباهة فى تمييز الصحيح من السقيم وقد مضى فى الفصل السابق نحوه، والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن عقدة - وهو فيه نظر -: ((دق ابن وارة على أبى كريب فقال: من؟ قال: ابن وارة أبو الحديث وأمه)) (٥٧٦/٢) ((تذكرة الحفاظ)). وابن عقدة فى نقله نظر وهذا لا يضر لشهرة ابن وارة فى هذا الشأن، والله أعلم. O ومن ذلك قول الحاكم فى الماسرجسى: ((هو سفينة عصره فى كثرة الكتابة)) (٩٥٦/٣) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول وكيع: ((حدثنا شعبة وكان معنياً بالحديث)) (١٦١/١). ((الجرح والتعديل)). ٥٠ ومن ذلك ما قيل فى الفضل بن سهل البغدادى الأعرج: ((كان لا يفوته حديث جيد أو فرد)) (٥٥٣/٢) ((تذكرة الحفاظ)). وهذا اللفظ بمفرده لا يدل على المدح، فقد يقال فى السارق - كما سيأتي إن شاء الله - لكن إن كان على جهة المدح فمعناه كثرة الحديث والاجتهاد فى الرحلة، والله أعلم. O ومن ذلك ما سبق ذكره فى ابن ديزيل الذى كان يلقب بـ ((دابة عفان» وبـ ((سَيْفَنَّة)) وسيفنة طائر لا يحط على شجرة إلا أكل ورقها، وكذا كان إبراهيم لا يأتى شيخاً إلا وينزقه (٦٠٨/٢) («تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول ابن خراش عن نفسه: ((شربت بولى فى هذا الشأن خمس مرات)) (٦٨٤/٢) ((تذكرة الحفاظ)). فهذا يدل على الرحلة، والإنسان فى أثناء السفر قد يتعرض إلى المهالك فيضطر إلى أكل الميتة أو شرب البول النجس، والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن شيرويه الحافظ لما أكثر عن بندار: ((قال لى بندار: يا ابن شيرويه أفلستنى وأفلسك الوراقون)» (٧٠٦/٢) («تذكرة الحفاظ)». أى الذين يكتبون له بأجرة، والله أعلم. - ١١٠ - O ومن ذلك قول عبد الله بن عبد الرحمن فى محمد بن إسماعيل البخارى: (( لم يكن يشبه طلبُ محمد للحديث طلبنا كان إذا نظر فى حديث رجل أنزفه)) (٤٢٧/١٢) ((النبلاء)) وهذا يحتمل أمرين: الأول أنه إذا نظر فى حديث رجل حفظه، والثانى - وهو الأظهر - أنه يكتب كل حديث الراوى صحيحه وسقيمه عاليه ونازله مسنده ومرسله، وهذا يدل على اجتهاده فى الطلب لأن الذى ينتخب على المشايخ فى بداية أمره فقد يترك الصحيح ويأخذ السقيم، ولابد أنه يندم فى نهاية أمره ويضطر للنزول فى بعض الأحاديث التى تركها فى حياة الشيخ، والله أعلم. O ومن ذلك قول عمرو بن ميمون بن مهران: «لو علمتُ أنه بقى علّی حرف من السُّنَّة باليمن لأتيتها)). قال الذهبى: ((قلت: هذه الدعوى تدل على سعة علمه)) (٣٤٦/٦) ((النبلاء)). O ومن ذلك قول عبد الله بن فائد: ((كنا إذا جلسنا إلى ابن إسحاق فأخذ فى فن من العلم قضى مجلسه فيه)) (٤٧/٧). ((النبلاء». وهذا لسعة علمه وغزارة مادته، والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن المبارك: «كنت أقعد إلى سفيان الثورى فيحدث فأقول ما بقى من علمه شىء إلا وقد سمعته، ثم أقعد عنده مجلساً آخر فيحدث فأقول: ما سمعت من علمه شيئاً)) (٢٤٨/٧) ((النبلاء). O ومن ذلك قول بعضهم: جهدت على أن أجىء بحديث لا يعرفه فلان فما أمكننى، أو لم أستطع أن أُغْرِب على فلان، أو لا يفيده أحد شيئاً، بمعنى أنه لا يأتى له بغرائب ليست عنده، وقد كان أبو حاتم يطلب من المحدثين ويقول لهم: من أغرب علّ حديثاً فله درهم أو كذا وكذا، وهو يقصد بذلك أن يعرف الأحاديث التى ليست عنده فيذهب إلى الشيوخ فيسمعها منهم فلا يستطيع أحد أن یغرب علیه. O ومن ذلك قول أبى إسحاق السبيعى فى إسرائيل بن يونس: ((ما ترك - ١١١ - لنا إسرائيل كوة ولا سفطاً إلا دحسها - أى ملأها - كتباً) (٢٢/٧) «تاريخ بغداد». O ومن ذلك قول أبى اليمان: كان أصحابنا لهم رغبة فى العلم وكانوا يقولون: ((نجهد ونتعب ونسافر فإذا جئنا وجدنا ما كتبنا عند إسماعيل بن عياش)) (٣٢٣/١) (تهذيب التهذيب)). وهذا يدل على سعة العلم، والله أعلم. O ومن ذلك قول أحمد: ((ابنى عبد الله محظوظ من علم الحديث لا يذاكرنى إلا بما لا أحفظ)) (٦٦٦/٢) ((تذكرة الحفاظ)). O ونحوه قوله فى شعبة: ((قُسم له من هذا - أى الحديث - بحظ)). O ومن ذلك قول إسماعيل بن إبراهيم: «ما عِلْم شعبة عند علم سفيان إلا كتفلة فى بحر)) (١٦٥/٩) ((تاريخ بغداد)). وهذا تفضيل لسفيان كما هو ظاهر. O ومن ذلك قولهم: ((فلان راوية للعلم أو بحر لا تكدره الدلاء أو من أوعية العلم أو بحر لا ينزف أو سيل أو من بحور الرواية أو جمع فأوعى أو كثير الفوائد والغرائب أو رحال أو جوال أو رحالة أو طلابة أو غواص)» كما قال ابن جريج لابن عيينة (١٧٧/٩) ((تاريخ بغداد))، والغوص تحت الماء وقيل الدخول فى الماء والغواص الذى يغوص فى البحر على اللؤلؤ قال الأزهرى: ((يقال للذى يغوص على الأصداف فى البجر فيستخرجها: غائص وغواص)) (٦٢/٧) («اللسان». O ومن ذلك قول البخارى فى محمد بن إسحاق: ((ينبغى أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد)). وهذا اللفظ بمفرده يحتمل الجرح ويحتمل التعديل، فوجه الجرح أن المنفرد بهذا العدد لابد وأن يكون ضعيفاً، ووجه التعديل أن المنفرد بهذا العدد مع الثقة والأمانة لابد وأن يكون مجتهداً فى الطلب واسعاً فى الرواية، ومن كان مكثراً جداً فلا يُنكر عليه أن يتفرد بهذا العدد من الأحاديث، إنما يُنكر على من لم يكن معروفاً بالطلب أو لم يكن متقناً، ولكن قامت هنا عدة قرائن تدل على أن البخارى رحمه الله قصد بذلك تعديل ابن إسحاق وأن ما انفرد به يُحتمل منه ومن مثله، والذى ينظر فى ترجمة ابن إسحاق - ١١٢ - فى ((تهذيب التهذيب)) وينظر إلى دفاع البخارى رحمه الله عن ابن إسحاق ورده وتأويله لكل ما اتّهم به ونقله عن شيخه على بن المدينى الذى لم يستنكر له إلا حديثين صرح فيهما بالسماع واحتمل صحتهما أيضاً علم أن البخارى قصد بذلك مدحه، نعم فى حديثه مناكير كثيرة لكنها غالباً عند عدم التصريح بالسماع، وأيضاً ذكر الحافظ ابن حجر قول البخارى هذا فى سياق المدح لابن إسحاق فبعد أن ذكر دفاع البخارى عنه قال: وقال البخارى أيضاً: ((محمد بن إسحاق ينبغى أن يكون له ألف حديث ينفرد بها))، انظر ((تهذيب التهذيب)) (٤١/٩ - ٤٢) فإن قيل: لو كان قول البخارى تعديلاً لابن إسحاق فلماذا لم يخرِّج له احتجاجاً وخرج له فى التعاليق فقط؟ فالجواب : أنه لا يلزم من ذلك أن البخارى يرى ضعفه فسيأتى أن البخارى يفعل هذا مع من تكلّم فيهم وإن كان يرى توثيقهم أو ربما لنزول الإسناد، ولو كان تفرده هذا من أخطائه لضُعِّف وقد يصل إلى طرح حديثه، والعبرة فى هذا بكَمٍّ وكَيْفِ الخطأ والله أعلم. O ومن ذلك إذا ذكر أحدهم أحاديث ليست عند غيره فقال من سمعها: (ذا هول من الأهوال))، وانظر (٢٧٣/٩) ((تهذيب التهذيب)). O ومن ذلك قول أحدهم: ((فلان مكنسة)). فان هذا يدل على سعة العلم وقد قيل هذا فى بقى بن مخلد كما فى ((تذكرة الحفاظ)) (٦٣٠/٢). O ومن ذلك قول ابن أبى يوسف فى الحسن بن أبى مالك: ((إمام جمل يحمل أكثر مما يطيق)) (ص ٦٠) من ((الفوائد البهية فى تراجم الحنفية)) للكنوى، فهذا يحتمل أن يكون فى الحديث أو الفقه، فإن كان فى الحديث فهو يدل على كثرة الرواية وغزارة المادة، وقد ذكر اللكنوى أن الرجل ثقة فى روايته غزير العلم كثير الرواية اهـ (ص ٦٠) ... O ومن ذلك قولهم: ((فلان جوهرى البلد» قاله الليث فى يزيد بن أبى حبيب (٣١٩/١١) ((تهذيب التهذيب))، والجوهر: كل حجر يستخرج منه شىء ينتفع به، كما فى (واللسان)) (١٥٢/٤). - ١١٣ - والجوهرى هو الذى يجمع هذه الأحجار الكريمة، ومعنى ذلك فى الحديث أن الراوى قد أكثر من الأصول والأسانيد العالية والمتون الحسنة والمشايخ المشاهير، وهذا يدل على كثرة اجتهاده فى الطلب وسعة علمه، والله أعلم. - ١١٤ -- فصل فى ألفاظ تدل على الفقه وكمال العقل والاشتغال بالأدب O وهذه الألفاظ لا يلزم منها التعديل فى الرواية وفى الحديث، ولابد من الوقوف على حال من قيلت فيه فى الرواية ويحكم عليه بما يستحق. O فمن ذلك قول أحدهم: كان فلان من أئمة الفروع، واللفظ قاله الذهبى فى ابن شبرمة فقيه العراق ثم قال: ((وأما الحديث فما هو بالمكثر منه) (٣٤٨/٦) ((النبلاء)). O ومن ذلك قول أحدهم: فلان فقيه مشهور أو أحد الفقهاء أو فقيه الأمة، وإن كان اللفظ الأخير قد يقال فى أئمة الحديث الذين جمعوا بين الفقه والحديث كما قيل فى البخارى: ((فقيه الأمة)). O ومن ذلك قولهم: ((فلان لبيب أو لبيب لبيب))، قاله حماد بن زيد فى أبى الشعثاء جابر بن زيد (٧٢/١) ((تذكرة الحفاظ)). وكذا قولهم: ((فلان يصلح للوزارة)»، قاله أبو الوليد الطيالسى فى عبد العزيز بن عبد الله الماجشون (٢٢٣/١) ((تذكرة الحفاظ))، وكذا فى ترجمة القاضى أبى العباس أحمد بن القاضى عبد الرحيم البيسانى (٢٤٥/٣) ((العبر)). O ومن ذلك قول أحمد فى الشافعى: ((ما مس أحد محبرة ولا قلماً إلا والشافعى فى عنقه منة)) (٣٦٢/١) ((تذكرة الحفاظ)) والظاهر أن هذا اللفظ بمفرده فى الفقه، أما الشافعى رحمه الله فانه أشهر من أن يُعرِّف فى الحديث وغيره. O ومن ذلك قولهم: ((فلان ظريف)) أى مشتغل بالأدب، كما قال ابن الحاجب فى محمد بن محمد بن أبى حرب النرسى (ص ١٣١) من ((مختصر تاريخ ابن الدبيثى)) وهذا اللفظ يكثر استعماله فى التراجم فتأمله. - ١١٥ - فصل فى ألفاظ تدل على العبادة والزهد والصبر على الشدائد O فمن ذلك قولهم: (فلان يستسقى به أو يستمطر به أو ينزل به القطر من السماء أو ينزل بذكره المطر أو مجاب الدعوة). O ومن ذلك قولهم: ((فلان أما الفضل فيالك»، وهذا اللفظ يدل على غمز فى حديثه لقولهم: ((وأما .... )) انظر (٣٢/٢) ((الميزان)). O ومن ذلك قولهم: (فلان صاحب عمود)) - أی صاحب صلاة -. O ومن ذلك قول إبراهيم النخعى فى أبى وائل شقيق بن سلمة: ((إنى لأحسب أبا وائل ممن يدفع عنا به)) (٦٠/١) ((تذكرة الحفاظ))، فاللفظ بمفرده لا يلزم منه الضبط وأما شقيق فمعروف، والله أعلم. O ومن ذلك قول رجاء بن حيوة فى عبد الله بن محيريز: ((والله إن كنت أعد بقاءه أماناً لأهل الأرض)) (٦٩/١) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول شعبة فى سليمان التيمى: ((ما رأيت أحداً أصدق منه كان إذا حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - تغير لونه .... وقال القطان: ((ما رأيت أخوف الله منه)) (١٥١/١) ((تذكرة الحفاظ)). ٥ ومن ذلك قول الذهبى فى ابن عون: ((كان رأساً فى التألّه حافظاً لأنفاسه)) (١٥٧/١) ((تذكرة الحفاظ)). وقد سبق أن ذكرت أنى أذكر الألفاظ بالنظر إلى دلالتها بمفردها لا باعتبار من قيلت فيه. - ١١٦ - O ومن ذلك قول إبراهيم الحربى فى هارون الجمال: «لو كان الكذب حلالاً لتركه هارون تنزهاً)) (٤٧٨/٢) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول نعيم بن حماد: «كان ابن المبارك إذا قرأ الرقاق يصير كأنه ثور منحور أو بقرة منحورة من البكاء لا يجترىء أحد منا أن يدنو منه أو يسأله عن شىء إلا دفعه)) (١٦٧/١٠) ((تاريخ بغداد)). O وقولهم: ((فلان فقيه البدن))، انظر ترجمة الشافعى فى ((تهذيب التهذيب)) (٣٠/٩) وترجمة غندر محمد بن جعفر (٩٨/٩) ((تهذيب التهذيب)) وترجمة ابن أبى ذئب (٣٠٥/٩) (تهذيب التهذيب)) وترجمة وكيع بن الجراح (٣٨/٩) ((الجرح والتعديل)). O وقولهم: ((فلان شيخ له قدر وحال)). O وقولهم على إسناد: ((لو رقى به مريض لشفى))، فهذا يدل على أن رواته أهل عبادة وفضل ومكارم وشرف. O ومن ذلك قول أبى حاتم فى عطاف بن خالد: ((صالح ليس بذاك محمد بن إسحاق وعطاف هما باب رحمة)) (٢٢٢/٧) ((تهذيب التهذيب)). O ومن ذلك قول الخطيب فى أبى بكر الدّيْتَوَرِى: ((كان يشبه أهل العلم بالله» (٨٣/٣) ((تاريخ بغداد)). O ومن ذلك قولهم: ((فلان من رفعاء الناس أو جليل أو فاضل أو نبيل ..... )) الخ وهذا يطلق كثيراً على الشرف والمروءة والفضل. O وقولهم: ((لو كان الصدق إنساناً لكان هو أو نعم الرجل))، انظر ترجمة زيد بن الحباب (١٠٦٥/٣) ((الكامل)) وعبد الحميد بن بهرام الفزارى (٤٣/٣) (ضعفاء العقيلى)). ونحوه: ((فلان كان كخير الرجال)). O ومن ذلك قول على بن الحسين المصرى فى ابن أبى حاتم: ((قلنسوة عبد الرحمن من السماء)) (ص ح) من ((مقدمة الجرح والتعديل)). - ١١٧ - O ومن ذلك قولهم: ((كان فلان من الأبدال)). والأبدال هم الصالحون أهل العبادة والورع، وذكر صاحب ((اللسان)) جملة من ذلك وقال: ((قال ابن السكيت: سمى المبرزون فى الصلاح أبدالاً لأنهم أبدلوا من السلف الصالح)) (٤٩/١١) ((لسان العرب))، لكن جاء فى ((الميزان)) ترجمة حماد بن سلمة: وقال آخر: ((كان يعد من الأبدال، وعلامة الأبدال ألا يولد لهم تزوج سبعين امرأة فلم يولد له)) (٥٩١/١) وذكر ذلك الحافظ فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة حماد بن سلمة ولم يعترض عليه (١٣/٣) (تهذيب التهذيب)) وجاء فى ((لسان الميزان)) ترجمة زيد بن حماد بن سلمة بن دينار: قال ابن الجوزى فى خطبة («الموضوعات) له: (إنه كان يدس فى كتب أبيه فيما قيل)) انتهى. قال الحافظ: ((وهذا شىء لا أصل له ولا وجود لهذا الرجل، وما أدرى هذه الحكاية لابن الجوزى من أين، فقد قال الإِمام أحمد: من علامة الأبدال أنه لا يولد لهم وكان حماد بن سلمة من الأبدال)) (٥٠٦/٢). قلت: ((الذى فى كتب اللغة اعتبار الصلاح والتقوى وكون المرء لا يولد له لا يدل على فضيلة من كسبه، وهذا منقوض بما جاء فى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة أحمد بن منيع بن عبد الرحمن البغوى أبى جعفر الأصم الحافظ وهو من رجال الجماعة روى عنه أبو القاسم البغوى ابن ابنته وقال أبو القاسم البغوى: أخبرت عن جدى أنه قال: أنا أختم منذ أربعين سنة فى كل ثلاث ..... وقال البغوى: كان جدى من الأبدال وما خلف تبنة فى لبنة، ولقد بعنا جميع ما يملك سوى كتبه بأربعة وعشرين درهماً (٨٤/١ - ٨٥) فأنت ترى أن أبا القاسم ابن ابنته ويقول: كان جدى ...... فالظاهر أن ما قاله أحمد مصطلح له لا عند الجميع وقد جاء فى ((التاريخ الكبير)» للبخارى ترجمة فروة بن مجالد مولی اللخم :...... وكانوا لا يشكون أنه من الأبدال مستجاب الدعوة (١٢٧/٧) والله أعلم)). : O ومن ذلك قول أحمد: ((كان فلان صالحاً قانتاً لله أو كان إذا رُبِىّ ذكِر الله أو كان قد آلى على نفسه ألا يضحك حتى يعلم أفى الجنة هو أو فى النار أو كان إذا رأيته قلت : هذا قد وقف للحساب أو كان يعد ذنوبه أو لو - ١١٨ - قيل له إن القيامة غداً ما كان فيه مزيد من الاجتهاد أو كان شديد الخوف من الله أو كان إذا قص كأنه ثكلى أو لو طالبنا اللَّهُ بحقيقة ما عليه فلان لهلكنا .... أو لو كان فى بنى إسرائيل لنقلت إلينا شمائله ..... )) إلى آخر ما فى كتاب ((العبر فى خبر من غير)» للذهبى رحمه الله. فائدة: هذه الألفاظ التى تدل على العبادة والزهد لا يلزم منها توثيق من قيلت فيه فى الرواية، بل من قيل فيه أحد هذه الألفاظ فإن ثبت توثيقه فى الحديث وإلا فلا يحتج به بمفرده، لأن الغالب على الصالحين غير الأثبات الوهم فى الرواية، وقد قال يحيى بن سعيد القطان: ((ما رأيت الصالحين فى شىء أكذب منهم فى الحديث))، أى لكثرة وهمهم وفحش أخطائهم، وقد قال بعضهم: ((إذا رأيت أحد الصالحين فى إسناد فاغسل منه يدك))، وذلك لاشتغالهم بالعبادة وعدم تعاهدهم للحديث مما يؤدى إلى كثرة اضطرابهم فى الرواية، (١) فإن قال قائل: فلماذا جعلت الأصل فيمن ذكروه بالحفظ والفهم وكثرة العلم والاجتهاد فى الطلب صحة حديثهم حتى يثبت القدح إما فى الضبط أو فى العدالة ولم تجعل ذلك فيمن ذُكر بالعبادة والفضل بل جعلت الأصل فيهم اللين فى الرواية؟ فالجواب أن أكثر من ذُكر بالعبادة ولم يكن من العلماء الأثبات فهو إما ضعيف أو متروك بخلاف من ذكر بالحفظ فأكثرهم أئمة مشاهير ومن طعن فى عدالته من الحفاظ فهو قليل كما أن الأثبات فى العُبَّاد قليلون، والنادر يأخذ حكم الأغلب، ومن ناحية أخرى فقد نص العلماء على كثرة أوهام العُبَّاد كما سبق عن يحيى القطان وغيره، ومن ناحية أخرى أنهم قد نصوا على أن من عرف بالطلب فحديثه على الصحة حتى يثبت فيه خلافه كما سبق فى الفصل السابق وعليه علمهم فى أقوال أهل الجرح والتعديل كما سبق شرحه، وأما العُبَّاد فلم يذكروا فيهم ذلك بل نصوا على أنهم أهل أوهام كما ذكره ابن رجب الحنبلى فى شرحه ((لعلل الترمذى))،. فإن قال قائل: ((من ذُكر بالعبادة ولم يتكلم فى ضبطه فيعتبر صحيح الحديث إذ لو كان مضطرباً لذكروه بذلك فالجواب أنه لا يلزم ذلك فربما سكتوا عنه لقلة رواياته (١) وسيأتى إن شاء الله تعالى قول ابن عدى: ((فلان حديثه حديث الصاليحن: أى فيه غرائب وما لا يتابعه عليه الثقات. - ١١٩ - المستدات بل إنه يقص ويعظ فقط ويروى المقطوعات والموقوفات والحكايات، فمن أجل هذا قد يسكتون عنه ثم بعد ذلك يحتاج هو إلى التحديث فيخلط، والعمدة فى الجواب هو ما قد سبق من نصهم والله أعلم. - ١٢٠ -