النص المفهرس
صفحات 61-80
الذكر العظيم، كما فى ((اللسان)) وقولهم: ((ذكر)) هو الصلب المتين الشديد، كما فى ((اللسان))، قال بشر بن موسى: قال ابن معين: ويل للمحدث إذا استضعفه أصحاب الحديث، قال بشر: قلت: يعملون به ماذا؟ قال: إن كان كودناً - والكودن هو البغل أو الحصان الهجين ويشبه به الرجل البليد- قال ابن معين: سرقوا كتبه وأفسدوا حديثه وحبسوه وهو حاقن حتى يأخذه الحصر وقتلوه شر قتلة، وإن كان فحلاً استضعفهم وكانوا بين أمره ونهيه، قال بشر: وكيف يكون ذكراً؟ قال: يعرف ما يخرج من رأسه)) (٩٣/١١) ((النبلاء)) ونحوه ((ما بقى أحد يعرف ما يخرج من رأسه غير فلان أو يعرف ما يقول غير فلان)). O وقول أحدهم: ((فلان من ربانّى الحديث)) قال أبو عبيد: «ربانيو الحديث أربعة .. أحمد .... وعلى بن المدينى ...... وأبو بكر بن أبى شيبة ..... ويحيى بن معين)) (١٢٧/١١) ((النبلاء)) والرِّيَّى والربَّانى: الحبر ورب العلم وقال ابن الأنبارى: ((الربانى: العالم المعلّم الذى يغذو الناس بصغار العلم قبل كبارها، والربانى: العالم الراسخ فى العلم والدين أو الذى يطلب بعلمه وجه الله وقيل الربانى: العالى الدرجة فى العلم)) (٤٠٣/١ - ٤٠٤) ((لسان العرب)). O وقولهم: ((فلان ثبت كثير الفوائد والغرائب)) قال أبو الشيخ فى سهل بن عثمان الإمام الحافظ المجود: ((وكان كثير الفوائد والغرائب)) (٤٥٤/١١) ((النبلاء)). وكثرة الفوائد والغرائب من الثبت تدل على علو همته وقوة عزيمته فى الرحلة والاجتهاد فى التحصيل، ومن هذا وصفه فرتبته عالية، والله أعلم. O وقول أحدهم: ((فلان كان يحسن كل شىء» قاله ابن أشكاب فى عمرو بن على الفلاس (٤٧١/١١) ((النبلاء)). معنى ذلك أنه يحسن الحديث تحملاً وأداءً وفهماً ونقداً، ويحسن أيضاً العبادة والزهد والورع، والله أعلم. O وقول أحدهم: ((فلان صدوق من متيقظى الرواة)) قاله ابن عدى فى . خليفة بن خياط انظر الكامل (٩٣٥/٣)، (٤٧٣/١١) ((النبلاء)). - ٦١ - واليقظة فى الحديث تدل على سرعة الحفظ ونباهة الفهم وصحة النقد للروايات وهذا شأن الحفاظ، فإن اجتمع مع ذلك الصدق كما هاهنا فمحله هاهنا، هذا معنى قول ابن عدى، وأما حال خليفة فينظر فى محله. O وقول أحدهم إذا سئل عن رجل: أهو ثقة؟ فقال: ((إى والله) فهذا يدل على أنه عالى الرتبة، إذا لم تقم قرينة تدل على أن المسئول عنه قد تُكلِّم فيه، وأراد السؤال بقسمه تبرئته فقط، والله أعلم. O وقول أحدهم: ((وهذا إسناد كالشمس وضوحاً)) أى فى شهرة رجاله عدالة وضبطاً. ۵ وأما قول أحدهم: «فلان ثقة صدوق» فقد یکون هذا من باب تأكید الوصف، وقد قال موسى بن هارون فى ابن بنت منيع: ((ثقة صدوق لو جاز. الإنسان أن يقال له فوق الثقة لقيل له))، وقد يطلق بمعنى ((ثقة عابد) وسيأتى إن شاء الله أن عثمان بن أبى شيبة ويعقوب بن شيبة يطلقان ذلك فيمن هو ضعيف الحفظ، ويقصدان بذلك أنه عدل فى دينه أو من العباد الزهاد وإن كان ضعيفاً فى حفظه أو ضعيفاً جداً، والظاهر أن هذا اللفظ لا يكون فى هذه المنزلة إلا بقرينة تدل عليه وإلا فهو أنزل، والله أعلم. O وأما قولهم: ((صدوق ما رأينا فيه خلافاً) فقد يكون بمعنى أنهم أجمعوا على عدالته فى النقل، وقد سئل الدارقطنى عن إسحاق الدبرى أيدخل فى الصحيح؟ فقال: ((إى والله هو صدوق ما رأيت فيه خلافاً)) (٤١٧/١٣) ((النبلاء))، وقد سبق أنهم قد يطلقون كلمة ((صدوق)) على أعلى مراتب التعديل، وإن كان هذا خلاف الأصل، وقول الدار قطنى هنا له قرائن تحفه مثل القسم ومثل قوله: (يدخل فى الصحيح))، وقد سبق أنه يطلق هذا على التعديل الرفيع. لكن قد يقولون (صدوق ما رأينا فيه خلافاً)) أى لا شك فى صدقه وأمانته دون تعرض للضبط. والله أعلم. O وقول أحدهم: ((ما رأيت مثل فلان فى الثقة)) فقد جاء فى ترجمة ابن - ٦٢ - شاذان الشيخ الإمام أبى بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن البغدادى البزاز: قال أبو ذر الهروى: ((ما رأيت ببغداد فى الثقة مثل القواس وبعده ابن شاذان))، فقال وراق أبى ذر له: ولا الدار قطنى؟ قال: ((الدار قطنى إمام)) (٤٢٩/١٦) ((النبلاء)). وسيأتى أن قولهم: (إمام) لا يلزم منه أن يكون إماماً فى الحديث وإن كان إماماً فى الحديث فلا يلزم منه تمام الضبط، والله أعلم. O وقول أحدهم: ((فلان كان يسقط عنده حفظ الحفاظ ودونه يكون العلماء)) وهذا جامع بين الحفظ والعدالة لقوله ((ودونه يكون العلماء)) والله أعلم. O وقول أحدهم: ((فلان حافظ كما يجب)) قال الحافظ أبو العلاء الهمذانى لبعض تلامذته - وقد استأذنه أن يرحل - فقال: ((إن عرفت أستاذاً أعلم منى أو فى الفضل مثلى فحينئذ آذن لك أن تسافر إليه إلا أن تسافر إلى الحافظ ابن عساكر فإنه حافظ كما يجب)) (٥٦٣/٢٠) ((النبلاء»، أى أنه حافظ سلك سبيل الحفاظ الأثبات علماً وأخلاقاً وديناً والله أعلم. O وقول أحدهم: ((فلان كان المشار إليه فى علم صحيح الحديث وسقيمه)) قاله الحافظ شرف الدين يوسف بن بدر فى الضياء المقدسى (١٢٩/٢٣) ((النبلاء). O وقول أحدهم: ((لو سُوِّد أحد فى الحديث لسُوِّد فلان)) قاله شعبة فى محمد بن إسحاق بن يسار (٢٢٧/١) ((تاريخ بغداد))، وقال مرة: ((أمير المؤمنين فى الحديث))، وقال مرة: ((سيد المحدثين لحفظه)) (٢٢٨/١) ((تاريخ بغداد))، وقد سبق أن ذكرت أن حال الرواة يبحث فى مخله من كتب الجرح والتعديل، فابن إسحاق لا يصل حاله إلى إمارة المؤمنين فى الحديث، والله أعلم. O وقول أحدهم: ((فلان كان أمة من الأمم فى هذا الشأن» . O وقول أحدهم: ((فلان من أهل الفهم والأمانة)) قاله ابن خراش فى محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ (٣٩/٢) ((تاريخ بغداد)، وهذا معناه أنه ثقة - ٦٣ - يعرف صحيح الحديث من سقيمة، يدل على ذلك أن ابن خراش نفسه قال فى أبى حاتم الرازى: ((كان من أهل الأمانة والمعرفة)) (٢٥٢/١٣) ((النبلاء)). O وقول أحدهم: ((فلان يشار إليه فى الحديث)) أى عَلَم من الأعلام فى الحديث. O وقول أحدهم: ((فلان صدوق مستأصل فى علم الحديث)) هذا يدل على العدالة فى الدين مع ملازمة الاشتغال بهذا العلم، ومن لازم طلب الحديث برع فيه فى الغالب، وهذا اللفظ قاله الأزهرى فى: محمد بن على بن الحسن العنبرى (٨٨/٣ - ٨٩) ((تاريخ بغداد)). O وقول أحدهم: ((اكتب عن فلان فإنه من قرنه إلى قدمه فائدة)) قال صالح جزرة: ((لما خرجت من الرى، قلت لفضلك: عمن أكتب بنيسابور؟ قال: اكتب عن محمد بن يحيى، فإنه من قرنه إلى مقدمه فائدة)) أهـ بمعناه. انظر (٤١٧/٣) ((تاريخ بغداد)). O وقول أحدهم: ((فلان صاحب حديث بحقه)) أى أنه كثير الحديث وعدل فى دينه وبصير بالعلل وغير ذلك، وقد قال ابن عدى: ((كان الحسن بن على بن شبيب المعمرى كثير الحديث صاحب حديث بحقه كما قال عبدان: إنه لم ير مثله)) انظر ((الكامل)) (٧٥٠/٢) و (٣٧١/٧) وما بعدها من («تاريخ بغداد)»، وسيأتى أن قولهم: ((فلان صاحب حديث)) لا يلزم منه كل هذا، فقد يكون بصيراً بالعلل غیر عدل، وقد یکون ممن یروی عن کل احد، وقد یکون غیر بصير بالعلل، وقد يكون مبتدعاً، والله أعلم. واعلم أن علامة صاحب الحديث أن يكون عدلاً فى دينه ومع ذلك يروى عن الكبار والصغار ويروى عنه الكبار، كما قال الحافظ ابن عدى رحمه الله تعالى. O وقول أحدهم: ((فلان ثقة ممن يحسن الحديث)) أى أنه يحسن صنعة الحديث تحملاً وأداء وفهماً، وقد قال ابن أبى حاتم فى الحجاج بن يوسف بن حجاج الثقفى المعروف بابن الشاعر: ((كتبت عنه وهو ثقة من الحفاظ ممن يحسن - ٦٤ - الحديث)) (٢٤٠/٨) ((تاريخ بغداد)) .. O وقولهم: ((فلان حاز حديثه الشأن فيمن بقى» أى أنه فاق أقرانه مع أن أقرانه مشهورون، والل ـ قاله أبو خيئمة فى روح بن عبادة القيسى (٤٠٣/٨) ((تاريخ بغداد)). O وقول أحدهم: ((إذا أردت الحديث فالزم فلاناً)) وهذا صريح فى علو شأن فلان هذا فى الحديث بخلاف قول أحدهم: ((إذا أردت الله والدار الآخرة فالزم فلاناً) لأنه قد يكون ذلك فى الفقه أو العبادة، وأما قولهم: ((إذا أردت الحديث ..... )) فهو خاص، وقد قال حماد بن زيد لأبى الوليد هشام بن عبد الملك: ((إذا أردت الحديث فالزم شعبة)). O وقول أحدهم: ((فلان ثقة أقل المشايخ خطأً)) وقد قال الدارقطنى فى ابن بنت منيع: ((ثقة جبل إمام من الأئمة ثبت أقل المشائخ خطأ))، وقال مرة: ((كان ابن بنت منيع قلما يتكلم على الحديث، فإذا تكلم كان كلامه كالمسمار فى الساج)) (١١٦/١٠) «تاريخ بغداد)). O وقول أحدهم: ((فلان لقد كان من هذا الأمر بسبيل)) قاله أبو حاتم فى أبى زرعة بعد أن قال: ((لا أعلم من المشرق والمغرب من كان يفهم من هذا الشأن مثله)) (٣٣٣/١٠) ((تاريخ بغداد)). O وقول أحدهم: ((رحم الله فلاناً ما كان أضبطه وأشد تفقده» قاله أحمد فى يحيى بن سعيد القطان (١٤٠/١٤) («تاريخ بغداد))، ويحيى بن سعيد أشهر من نار على عَلَم، ولفظ أحمد صريح فى العدالة والضبط أما العدالة فلقوله: ((رحمه الله)، وأما الضبط والإتقان والتحرى فظاهر، والله أعلم. O وقول أحدهم: «فلان كان ممن يُفتخر برؤيته وروايته لدیانته ودرايته» قاله السلفى فى جعفر بن أحمد بن الحسين السراج (١٠٢/١) ((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب الحنبلى رحمه الله. - ٦٥ - ٠ ٥ قول أحدهم: ((ينشرح صدرى إذا أدخلت فلاناً بينى وبين رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -)) قاله ابن تيمية رحمه الله فى على بن أحمد بن عبد الواحد السعدى البخارى (٣٢٦/٢) ((الذيل على طبقات الحنابلة)). - ٦٦ _ (فصل) فى عبارات تابعة هذه المرتبة وهذه العبارات حكمها أنها من ألفاظ المرتبة الأولى، لكنها لما كانت غير مختصرة جمعتها فى محل واحد والله المستعان. O فمن ذلك: قول ابن المدينى - وقد ذكر عنده غفان بن مسلم الصفار -: ((كيف أذكر رجلاً يشك فى حرف فيضرب على خمسة أسطر؟)) وسئل أحمد: ((من تابع عفان على كذا؟)) فقال: ((وعفان يحتاج إلى متابع؟!)) (٨٢/٣) ((الميزان)). فقول ابن المدينى يدل على غاية الورع والإتقان من عفان رحمه الله، لأن الاستكثار من الرواية أمر محبب إلى النفس، وكون الراوى يضرب على بعض حديثه يدل على أنه قهر نفسه وذلَّلَها، فهذا يدل على قوة الدين، ويدل أيضاً على التمييز بين الصحيح والسقيم وعلى صحة ما بقى من حديثه، وقول أحمد يدل على أنه - أى عفان - حجة بمفرده ليس فى حاجة إلى غيره، والله أعلم. O وقول يحيى بن معين: ((إذا حدثَتُ فى بلد فيها أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغسانى فيحق للحيتى أن تحلق))، كما فى ((الثقات)) لابن حبان (٤٠٨/٨)، فهذا القول يدل على علو شأن أبى مسهر، ، لأن عادة الأئمة جرت على أن أحدهم لا يحدث فى مجلس من هو أعلى منه قدراً وأجل شأناً، وهذا من تكريم العلم والعلماء، فيحيى بن معين رحمه الله رفع قدر أبى مسهر بهذه المقالة. O وقول إبراهيم بن أورمة فى أحمد بن سنان بن أسد بن حبان القطان: ((أعدنا عليه ما سمعناه من بندار وأبى موسى)). قال الحافظ المزى: ((يعنى لإتقانه وحفظه)) (٣٤/١) ((تهذيب التهذيب)). وفى ((النبلاء)): ((ما كتبناه عن أبى موسى - ٦٧ - وبندار أعدناه عن أحمد بن سنان، وما كتبناه عن أحمد لم نعده عن غيره)) (٢٤٥/١٢). فهذا مدح لابن سنان، واعلم - علمنى الله وإياك - أن علو الإسناد أمر يفرح به عوام المحدثين، والواحد منهم لا يترك العلو ويرضى بالنزول - كما سبق - إلا لمعنى يكون أرجح عنده من مزية العلو، فمن ذلك أن أحدهم إذا سمع حديثاً من أحد المشايخ، ثم وجد تلميذاً لهذا الشيخ يتقن حديث شيخه ويميز صحيحه من سقيمه، عرض عليه ما سمعه من شيخه، لأن بعض الطلبة يكون أحذق بحديث الشيخ من الشيخ نفسه، ونحو هذا قول عفان: كنت أكون عند شعبة فأ کتب عنه فى ألواحی، ثم أُمُ علی یزید بن زريع وهو يحدث فأمحو حديث شعبة وأكتب حديث يزيد، وهو أثبت الناس)). (ص ٢٥٧) ((ثقات ابن شاهين)). وأيضاً قول ابن مهدى: ((لو كنت لقيت ابن أبى خالد لكتبت عن يحيى القطان عنه لأعرف صحيحها من سقيمها)) (٢١٨/١١) ((تهذيب التهذيب)). وقول ابن مهدى: («وددت أن كل شىء سمعته من حديث مغيرة كان من حديث أبى إسحاق الفزارى - يعنى عن مغيرة -)) (٢٨٢/١) ((الجرح والتعديل)). ونحوه قول يحيى بن سعيد: ((سفيان - أى الثورى - أعلم بحديث الأعمش من الأعمش)) (٢٣٩/٧) (النبلاء))، وقال مرة: ((ما كتبت عن سفيان عن الأعمش أحب إلى مما كتبته عن الأعمش)). (٢٤٧/٧). ونحوه قول الحميدى: ((جاء رجل إلى ابن عيينة فقال: حدثنى أبو إسحاق - أى الفزارى - عنك بكذا، فقال: ويحك إذا سمعت أبا إسحاق يحدث عنى فلا يضرك ألا تسمعه منى)) (٥٤٠/٨) ((النبلاء)). وقول زائدة: ((كنا نأتى الأعمش فنكتب عنه، ثم نأتى سفيان فتعرض عليه، فيقول لبعضها: ليس هذا من حديث الأعمش، فنقول: إنما حدثناه الآن، فيقول: اذهبوا. إليه، فنذهب إليه فنقول له، فيقول: صدق سفيان وبمحوه)). اهـ بتصرف يسير. (١٦٧/٩) ((تاريخ بغداد)). ومن هذا الباب قول معمر: ((كان قتادة يسأل شعبة عن حديثه - أى حديث قتادة -)) (٢٥٨/٩) ((تاريخ بغداد))، ونحوه قول القطان: ((ما سمع ابن - ٦٨ - مهدى عن سفيان عن الأعمش أحب إلى مما سمعت أنا من الأعمش)) (٢٤٤/١٠) «تاريخ بغداد)). O وقول أحدهم: ((لو عاش الثورى مثلاً لاحتاج إلى فلان)) فهذا مدح لفلان هذا، ويدل على سعة علمه وتمام ضبطه، إذ لو كان متهماً أو مخلطاً لما احتاج إليه الثورى، ومثل ذلك قول أحدهم: ((لو كان فى زمن الثورى لاحتاجوا إليه)). أما إذا ذُكِرَ أحد الرواة عند أحد الأئمة وكان الإِمام متكئاً فجلس: فلا يلزم من ذلك أن يكون الراوى من أهل هذه المرتبة، لأنه قد يكون السبب فى ذلك رسوخ قدم المذكور فى الزهد والعبادة أو فى التمسك بالسنة والصدع بها، أو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك، والله أعلم. O ومن ذلك قول أحدهم: ((فاتنى مالك مثلاً فعوَّضنى الله أو أخلف علَّ بفلان)) فهذا يدل على قرب منزلة فلان هذا من منزلة مالك أو تساويهما، ونحوه قول عبد الرحمن بن مهدى: ((من فاته شعبة سمع من همام)) (٢٩٩/٧) ((النبلاء)). O ومن ذلك قول ابن المدينى لما سئل عن حامد بن يحيى بن هانىء البلخى الحافظ: ((سبحان الله بقى حامد إلى زمان يحتاج أن يسأل عنه؟!)) (١٦٩/٢) (تهذيب التهذيب)). وقال عنه الحافظ فى ((التقريب)): ((ثقة حافظ)، وسيأتى إن شاء الله تعالى أن العدالة فى الرواية تثبت بأحد أمور، منها الشهرة، واستفاضة العدالة بين الناس، فمن هذا وصفه لا يُسأل عنه، وقد يسألون عنه من هو دونه فى المنزلة فيقول: ((مثلى لا يُسأل عن فلان ولكنْ فلان يُسأل عن الناس .. )) والله أعلم. O ومن ذلك قول أبى إبراهيم إسحاق السلمى فى حجاج بن محمد المصيصى: ((حجاج نائماً أوثق من عبد الرزاق يقظان)) (٢٠٥/٢) (تهذيب التهذيب)). ونحوه ما قيل للقطان: ((إن فلاناً يقول: إن عبد الرحمن بن مهدى كان - ٦٩ - سىء الأخذ، كان يسمع من الشيخ والكتاب فى كمه، فغضب يحيى ثم قال: عبد الرحمن يسمع نائماً أحب إلى من أن يملى على ذاك)) (٢٤٤/١٠) ((تاريخ بغداد)). ومن المعلوم أن الشيخ الذى ينام حال العرض والقراءة عليه، فإنه يتعرض لغمز بعض أئمة الجرح والتعديل، لأن الطالب قد يخطىء فى القراءة ولا يرده فيذهب الطالب ويروى عن شيخه الحديث على غير وجهه، وإن كان بعض الأئمة المشاهير قد فعل ذلك، ولكن لا خلاف فى أن اليقظة والتنبه من المشاهير حال الرواية أولى، بل استحب الإِمام أحمد بن حنبل وهو المقدم فى هذه الصناعة أن يمسك الشيخ بكتابه حال قراءة الطالب عليه مزيداً من الحيطة والتحفظ، إذا علمت هذا ثم وجدت أحدهم يقول: ((فلان نائماً خير من فلان يقظان)) فاعلم أنه قد فضله تفضيلاً رفيعاً، لكن شرط ذلك أن يكون المرجوح من الأئمة أو الثقات المعروفين، والله أعلم. O ومن ذلك قول الحاكم فى الإمام مالك بن أنس: ((هو الحكم فى شيوخ أهل المدينة الناقد لهم)) انظر ترجمة سهيل بن أبى صالح ذكوان السمان ((تهذيب التهذيب» (٢٦٤/٤). O ومن ذلك قول الحاكم فى عبد الله بن الزبير الحميدى: ((ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه لا يخرجه إلى غيره من الثقة به)) (٢١٦/٥) ((تهذيب التهذيب)). O ومن ذلك قول عبد الله بن أحمد: ((لما قدم أبو زرعة نزل عند أبى، وكان كثير المذاكرة له، فسمعت أبى يقول يوماً: ما صليت غير الفرض، استأثرت بمذاكرة أبى زرعة)). كما فى ((تهذيب التهذيب)) (٣١/٧)، ونجوه قول ابن القاسم لأسد بن الفرات الحرانى: ((أنا أقرأ فى اليوم والليلة ختمتين فأنزل لك عن ختمة - يعنى لاشتغاله به -)). (٢٢٧/١٠) ((النبلاء». ومعلوم أن هذا القول وأشباهه يستمد قوته فى التعديل بمنزلة قائله فى علم الحديث، فترك أحمد النافلة يدل على أن مع أبى زرعة علماً يحتاج إليه أحمد، وهو أحب إليه فى التقرب إلى الله من النوافل. ۔۔ - ٧٠ - وقد يستدل بعض طلبة العلم بفعل أحمد وبأدلة تفضيل العلم على العبادة، على تهاونه فى النوافل وتركه للأذكار المأثورة عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - أو النوافل المسنونة، بحجة الاجتهاد فى طلب العلم، وقد تعرض الحافظ الذهبى لذلك كما فى ((النبلاء)) ترجمة مسعر بن كدام قال أبو أسامة: ((سمعت مسعراً يقول: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون؟)) قال الحافظ الذهبى رحمه الله: قلت: ((هذه مسألة مختلف فيها، هل طلب العلم أفضل أو صلاة النافلة والتلاوة والذكر؟ فأما من كان مخلصاً لله فى طلب العلم وذهنه جيد فالعلم أولى، ولكن مع حظ من صلاة وتعبد، فإن رأيته مُجِدّاً فى طلب العلم لا حظ له من القربات، فهذا كسلان مهين وليس هو بصادق فى حسن نيته، وأما من كان طلبه الحديث والفقه غيّة ومحبة نفسانية فالعبادة فى حقه أفضل، بل ما بينهما أفعل تفضيل، وهذا تقسيم فى الجملة، فقلّ - والله - من رأيته مخلصاً فى طلب العلم، دعنا من هذا كله فليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف من حيز طلب العلم، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية وأخذ عن شيخ لا يعى وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم أو لرضيع بيكى أو لفقيه يتحدث. مع حدث، وآخر ينسخ، وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس، والقارىء إن كان له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما فى الجزء سواء تصحف عليه الاسم أو اختبط المتن أو كان من الموضوعات، فالعلم عن هؤلاء بمعزل، والعمل لا أكاد أراه بل أرى أموراً سيئة نسأل الله العفو). اهـ (١٦٧/٧) ((النبلاء). فهذا كلام الذهبى رحمه الله فى أهل عصره، وإن كان يناقش فى بعض ألفاظه، ولكن الذى قاله أمر تشهد له النفوس والقلوب، واستفت قلبك. والله أعلم. O ومن ذلك قول حفص بن محبوب المحبوبى: «كنا عند ابن عيينة فقام ابن المدينى فقام سفيان وقال: إذا قامت الخيل لم نجلس مع الرجالة» (٣٥١/٧) (تهذيب التهذيب)). - ٧١ - O ومن ذلك قول عبد الله بن أحمد بن محمد بن سيار: ((قال لى: العباس العنبرى: ما قدم علينا مثل عمرو بن منصور وأبى بكر الوراق فقلت: من أبو بكر؟ قال: الأثرم، فقلت له: لا نرضى أن نقرن صاحبنا بالأثرم)) - أى أن هذا فوق الأثرم - (١٠٧/٨) (تهذيب التهذيب)). ونحو ذلك ما جاء فى ترجمة زهير بن معاوية أبى خيثمة: قال يحبى بن أيوب سمعت شعيب بن حرب وذكر حديثاً عن زهير وشعبة فقيل له: وشعبة؟ فقال: ((زهير أحفظ من عشرين مثل شعبة)) (٥٨٨/٣) ((الجرح والتعديل)). قال المعلمى رحمه الله فى الحاشية: ((كأنهم أنكروا تأخير شعبة فى الذكر، يرون أنه كان ينبغى تقديمه بأن يقال: شعبة وزهير)). اهـ O ومن ذلك قول أحمد: ((إذا أردت أبا نعيم فعليك باين سابق)) - يعنى محمد بن سابق التميمى - (١٧٥/٩) ((تهذيب التهذيب))، فهذا يدل على أن ابن سابق أوثق من روى عن أبى نعيم، فكون ابن سابق فى هذه المرتبة يشترط أن يكون فى أبى نعيم فقط،(١) والله أعلم. O ومن ذلك قول الشافعى: ((ما فاتنى أحد فأسفت عليه ما أسفت على الليث وابن أبى ذئب)) (٣٠٥/٩) ((تهذيب التهذيب))، مع أن هذا اللفظ يحتمل أن يكون فى الفقه، والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن عيينة فى محمد بن المنكدر: ((ما رأيت أحداً أجدر أن يقول: ((قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولا يسئل عمن هو من ابن المنكدر)) - يعنى لتحريه - (٤٧٥/٩) ((تهذيب التهذيب)). ومعلوم أن طلب الإِسناد من الدين ولولا الإِسناد لقال من شاء ما شاء، ولكن هناك بعض الأئمة فى أعلى درجات التحرى والتحفظ ويكفى غيره مؤنة البحث فيمن فوقه، وقول ابن عيينة مدح رفيع لابن المنكدر على سبيل المبالغة، ونحوه ما جاء فى ترجمة حسان بن عطية المحاربى: أن الأوزاعی کان یثنی علیه جداً، قال خالد بن نزار: («قلت للأوزاعى: حسان بن عطية عمن؟ قال: فقال لى: مثل حسان كنا نقول له عمن؟!))، فمعنى ذلك أنه مهاب فلا يسأله أحد جلالته وعلو قدره وقد يكون بمعنى أنه ينتقى فى الرواية ويتحفظ فى روايته عن الضعفاء والمجهولين ولا يروى (١). هذا ما يستفاد من قول أحمد. - ٧٢ - إلا عن ثقة فلا يحتاج إلى سؤال، وقد فهم مهذّب ((تاريخ دمشق)) كما فى (١٤٥/٤) أن قول الأوزاعى تقرير وليس بإنكار، ومن هنا فهمه بمعنى الجرح، والظاهر ما قدمته لأن الأوزاعى يثنى عليه جداً، والله أعلم. O ومن ذلك قول على بن المدينى لمحمد بن يحيى الذهلى: ((أنت وارث الزهرى))، وقول إبراهيم بن موسى الرازى: ((من أراد الزهرى لم يستغن عن محمد بن يحيى))، وقول الدارقطنى: ((من أحب أن يعرف قصور علمه من علم السلف فلينظر فى علل الحديث لمحمد بن يحيى))، وكان سعيد بن منصور يقول: «حدثنى محمد بن يحيى الزهرى)) - يعنى لشهرته بحديث الزهرى - (٥١٥/٩ - ٥١٦) ((تهذيب التهذيب)). ومحمد بن يحيى إمام مشهور، لكن هذه الألفاظ تدل على ارتفاعه فى حديث الزهرى لا بإطلاق، والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن عيينة: ((إنما كنا نتبع آثار مالك وننظر إلى الشيخ إن كتب عنه. وإلا تركناه، وما مثلى ومثل مالك إلا كما قال الشاعر: وابن اللَّبون إذا ما لُزَّ فى قَرَن لم يستطيع صوِلهَ البُزْلِ القَناعِيس (٩/١٠) ((تهذيب التهذيب)). وفى ((النبلاء): ((لما حدث سفيان بحديث، قيل له: يخالفك فيه مالك؟ فقال: أَتقرننى بمالك؟ ما أنا وهو إلا كما قال جرير: وابن اللبون .... )) إلى آخر البيت وفى الحاشية: ابن اللبون ما أوفى على ثلاث سنين، لُّ: ربط، القرن: الحبل الذى يشد به البعيران ونحوهما فيقرنان معاً، والبُزْل: البعير الذى دخل فى السنة التاسعة، والقناعيس: جمع قناعس: الجمل العظيم الجسم الشديد القوة. قال البغدادى: ضربه مثلاً لمن يعارضه ويهاجيه، يقول: من رام إدراكى كان بمنزلة ابن اللبون إذا قرن فى قرن مع البازل القناعس، إن صال عليه لم يقدر على دفع صولته ومقاومته، وإن رام النهوض معه قصر عن عدوته» (٧٣/٨ - ٧٤). O ومن ذلك لما مات يحيى بن معين حمل على نعش رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، ومناد ينادى بين يدى جنازته: ((معشر المسلمين - ٧٣ - هذا يذب الكذب عن رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - كذا وكذا عاماً ...... )) (٢٦٣/٩) ((ثقات ابن حبان)). O ومن ذلك قول يحيى بن معين عن يحيى بن سعيد القطان: «لو أتيت مسدداً فحدثته فى بيته لكان يستأهل)) (١٠٨/١٠) ((تهذيب التهذيب)). وذلك لمسألتين: الأولى: أنه من أهل العلم والجلالة وعلو القدر والشأن. والثانية: أن العلماء أمروا أن يضعوا العلم عند أهله وعند من يعرف قدر العلم وأهله وعند من يحسن فهم العلم لا من يفتنه العلم، فكم من إنسان إذا حدثته بحديث لا يسعه عقله فيفهمه على خلاف مراد الشارع والعياذ بالله، فمسدد رحمه الله بخلاف هذا، والله أعلم. O ومن ذلك قول عبد الرزاق لما حدث سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله: ((هذا الشرف على الكرسى)) (٣١٤/١٠) ((تهذيب التہذیب)). O ومن ذلك ما قد سبق من قول يحيى القطان: ((جهد الثورى أن يدلس على رجلاً ضعيفاً فما أمكنه، قال مرة: ثنا أبو سهل عن الشعبى، فقلت له : : أبو سهل محمد بن سالم، فقال: يا يحيى ما رأيت مثلك لا يذهب عليك شىء)) (٢١٨/١١ - ٢١٩) ((تهذيب التهذيب))، وهذا يدل على أن التبحر فى معرفة الرواة، وأسمائهم، وكناهم، وألقابهم، وبلدانهم، وقبائلهم، وحرفهم، وطبقاتهم، والمتفق من ذلك والمفترق، والمؤتلف والمختلف، ومعرفة منازلهم مدحاً وقدحاً، ومع هذا كله ففى بعض الأحيان لا يلزم من ذلك العدالة فى الدين كما سيأتى فى محله إن شاء الله تعالى. O ومن ذلك أبى على الحافظ: ما رأيت أحداً أحفظ لحديث الكوفيين من أبى العباس بن عقدة، فقيل له ما يقوله بعض الناس فيه، فقال: ((لا يشتغل: بمثل هذا، أبو العباس إمام حافظ محله محل من يسأل عن التابعين وأتباعهم فلا يسأل عنه أحد من الناس)) (٢٦٥/١) ((لسان الميزان)). وقد سبق فى المقدمة أننى - ٧٤ - أذكر ألفاظ الجرح والتعديل، وأرتبها فى مراتبها حسب دلالتها مجردة عن القرائن، فكم من كلمة ليست برفيعة فى المدح تقال فى أحد المشاهير فى الدين والعلم، وكم من كلمة رفيعة جداً تقال فى رجل ليس أهلاً لها بإطلاق، بل فى بعض المشايخ دون بعض، أو ليس كذلك مطلقاً، وأيضاً ذكرت أنه لا يلزم مما أذكره هنا عن أحد الرواة أن يكون حكمه النهائي ما ذكرته جرحاً أو تعديلاً، ولكن يرجع فى مثل ذلك إلى مظانه من كتب الرجال والتراجم والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن عقدة فى عبد الغفار بن القاسم أبى مريم: ((لو ظهر علم أبى مريم ما اجتمع الناس إلى شعبة)) (٤٣/٤) ((لسان الميزان)). واللفظ ظاهره المدح الرفيع، ولكن مَنِ ابن عقدة حتى يرجح أبا مريم على شعبة؟. O ومن ذلك قول العباس العنبرى: ((ما تعلمت الحديث إلا من عمرو ابن على)) (٢٤٩/٦) ((الجرح والتعديل)). يعنى بهذا أنه تعلم علل الحديث وصحيحه وسقيمه منه لا مجرد أنه أخذ الرواية عنه، والله أعلم. O ومن ذلك قول شعبة: ((ما شفانى أحد من الحديث ما شفانى الأعمش» (١٠/٩) ((تاريخ بغداد))، وهذا القول يزداد قوة بمنزلة قائله. O ومن ذلك قول ابن معين فى معاوية بن سلام: ((أعده محدث أهل الشام، ومن لم يكتب حديثه مسنده ومنقطعه حتى يعرفه فليس هو صاحب حديث» (٣٨٣/٨) ((الجرح والتعديل)). O ومن ذلك قول عبد الله بن إدريس: ((لو استقبلت من أمری ما استدبرت ما لزمت غير شعبة)) (٨٤/١) ((كامل ابن عدى)) وهو القائل: ((كان شعبة قبّان المحدثين)). ونحوه قول شريك فى السدى: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما تركت له حرفا إلا كتبته)) (٢٣٨/٨) ((ثقات ابن حبان)). فهذه منزلته عند شريك وأما حاله فيبحث فى مظانه كما سبق التنبيه عليه، والله أعلم. O ومن ذلك قول يحيى بن يمان: ((كان الثورى أمير المؤمنين فى الحديث، وكان ابن عيينة صاحب شرطته)) (٩٣/١) (الكامل)). أى أنه يرفع الثورى على - ٧٥ - ابن عيينة كارتفاع الأمير على صاحب الشرطة، وأن ابن عيينة يسمع ويطيع له والله أعلم. O ومن ذلك قول يحيى بن سعيد: «كنت إذا حدثت سفيان الثورى بشىء ليس عنده اغتم)) (٩٦/١) ((الكامل)). وقوله: ((اغتم)) إن كان بمعنى ((أغتم أنا)) فمعناه: أن حديثاً ليس عند الثورى ليس بحديث وإن كان عالياً وذلك لسعة علمه وطول باعه وإتقانه، ونحوه قول يحيى بن آدم: «كنت إذا طلبت الدقيق من المسائل فلم أجده فى كتب ابن المبارك أيست منه)) (٢٧٦/١) ((تذكرة الحفاظ)). فكلام يحيى بن سعيد بهذا المعنى محله هنا لأنه يشير إلى الكثرة والإتقان والعدالة، أما إن كان بمعنى ((اغتم هو)) فهذا يدل على الحرص البالغ على الطلب، لأن من عادة الأئمة المشهورين بالطلب أنهم لا يسمعون بحديث إلا بحثوا عن أصله حتى يعرفوا حقيقته، فقد فضلوا سفيان على مسعر لأن مسعراً كان لا يبالى، إذا لم يكن الحديث عنده بخلاف سفيان، والحرص على الطلب بمفرده لا يلزم منه. الإتقان، بل ولا العدالة أحياناً، أما هذا فى الثوری فمدح رفيع، وسيأتى إن شاء الله تعالى أن قولهم: ((فلان لا يفوته حديث جيد)) فقد يكون مدحاً بمعنى أنه حافظ وقد يكون قدجاً بمعنى أنه سارق، والله أعلم. O ومن ذلك قول أبى صالح محمد بن إسماعيل الضرارى لابن معين: «يا أبا زكرياء ما نزل بنا من شىء بلغنا عنكم فى عبد الرزاق - أى الصنعانى -، قال: ما هو؟ قال: قلت: بلغنا أنكم تركتم حديثه ورغبتم عنه، قال ابن معين: يا أبا صالح لو ارتد عبد الرزاق ما تركنا حديثه)) (١١٠/٣) ((ضعفاء العقيلى)). O ومن ذلك قول الشافعى: ((إذا جاء الأثر فمالك النجم)). O ومن ذلك قول أبى عوانة فى محمد بن يحيى بن موسى الحافظ المتقن: ((محمد بن يحيانا ومحمد بن يحياكم ينظّره بالذهلى)) (٥٥٤/٢) ((تذكرة الحفاظ)). ونحوه قول ابن زرقويه فى أحمد بن سليمان النجاد: ((النجاد بن صاعدنا))، قال الخطيب: ((عنى بذلك أن النجاد فى كثرة حديثه واتساع طرقه وأصناف فوائده - ٧٦ - لمن سمع منه كابن صاعد لأصحابه، إذ كل واحد من الرجلين كان واحد وقته)) (١٩٠/٤) ((تاريخ بغداد))، ونحوه قول ابن المظفر لأبى حفص بن شاهين لما حضر ابن المظفر مجلس المحاملى: ((يا أبا حفص ما عدمنا من أبى محمد بن صاعد إلا غيبته)) - يريد أن المحاملى نظير ابن صاعد فى العلو والثقة - (٨٢٥/٣) («تذكرة الحفاظ)). وفى تاريخ بغداد جاء قول ابن المظفر بلفظ (( .... عينيه)) بعين مهملة ومثناة تحتية ونون ومثناة أخرى. قال الخطيب: ((أراد بذلك أن شيوخ المحاملى هم شيوخ ابن صاعد)) (٢٠/٨) («تاريخ بغداد)). O ومن ذلك قول يحيى بن سعيد: «ما أبالى إذا تابعنى معاذ بن معاذ من خالفنى))، بعد أن قال: ((ما بالكوفة ولا بالبصرة ولا الحجاز أثبت من معاذ بن معاذ .... وقد كان شعبة يحلف لا يحدث فيستثنى معاذاً وخالدً) - يعنى ابن الحارث الهجيمى - انظر ((النبلاء)) (٥٥/٩). O ومن ذلك قول محمد بن إسحاق الصاغانى: ((لِينَ لأبى داود السجستانى الحديث كما لِينَ لداود الحديد)) (٥٩٢/٢) ((تذكرة الحفاظ)). O ومن ذلك قول الحافظ أبى القاسم على بن الحسن - وقد رحل أحد أصحابه -: ((إن رجع ولم يلق أبا العلاء - أى الهمذانى - ضاعت رحلته)) (١٣٢٧/٤) ((تذكرة الحفاظ))، ما لم تقم قرينة تدل على أن المراد غلو الإِسناد. O ومن ذلك قول الحافظ ابن حجر فى سبط ابن العجمى: ((كان أحق الناس بالرحلة إليه؛ لعلو سنده حساً ومعنى ومعرفته بالعلو فناً فناً)) انظر حاشية (ص ٣١٣) من (لحظ الألحاظ)). وإن كان هذا اللفظ بمفرده محتملاً، والله أعلم. O ومن ذلك قول غندر: ((نشأت فى الحديث يوم نشأت وليس أحد يقدم فى الحديث على إسماعيل بن علية)) (ص ٢٩) ((ثقات ابن شاهين)) .. O ومن ذلك قول هشيم: ((إذا ذكر قتادة فى حديث فاتركوا حديث الناس)) (ص ١٨٩) ((ثقات ابن شاهين)). - ٧٧ - O ومن ذلك قول أرطأة بن المنذر فى عبد الرحمن بن عائذ الأزدى الحمصى: ((اقتسم رجال من الجند كتب ابن عائذ بينهم بالميزان لقناعته فيهم .... ). وقال ثور: ((كان أهل حمص يأخذون كتب ابن عائذ فما وجدوا فيها من الأحكام عمدوا بها على باب المسجد قناعة بها ورضا بحديثه)) (٤٨٨/٤) ((النبلاء)). وهذه. العبارة يشترط لجعلها فى هذه المرتبة أن يكون أهل حمص أو أهل الجند من الأئمه لا من العوام، وأن يكون ذلك فى الحديث لا الفقه، والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن عيينة فى عبد الكريم بن مالك الجزرى الحرانى الإمام الحافظ: ((لزمت عبد الكريم سنة)). قال الذهبى: ((وهذا يدل على سعة علمه)) (٨٣/٦) (النبلاء)). قلت: ((وأيضاً يدل على ضبطه وعدالته ولو لم يكن مع سعة علمه متقناً لما لزمه ابن عيينة سنة كاملة لأنه لو كان مخلطاً لم انتفع بحديثه. وقول الذهبى هنا يدل على أن ابن عيينة لزمه بعد تضلعه من العلم لا فى بداية طلبه، وعبد الكريم هذا قال فيه ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وقال الحمیدی عن سفيان: حدثنا عبدالكريم بن مالك وكان حافظاً وكان من الثقات لا يقول إلا («سمعت،. وحدثنا، ورأيت))، ووثقه أحمد، ويحيى، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وقال البخارى: قال لى على عن ابن عيينة: لم أر مثله، وقال ابن عيينة: هو ثقة رضىّ، وقال على بن المدينى: ثبت ثبت ثقة)). انظر ((النبلاء)) (٨١/٦ - ٨٣). O ومن ذلك قول الأعمش لأبى معاوية: ((أما أنت فقد ربطت رأس كبشك)) (٢٣٣/٦) ((النبلاء)). وجاء فى بعض المواضع ((كيسك)) بالمثناة والمهملة، قال الذهبى: ((قلت: يعنى وعى عنه علماً جماً). اهـ وهذا يدل على علو قدر أبى معاوية فى حديث الأعمش خاصة لا مطلقاً، والله علم. Q ومن ذلك قول الذهبى فى ترجمة شعبة بن الحجاج: ((من جلالته - يعنى شعبة - قد روى مالك الإمام عن رجل عنه، وهذا قلَّ أن عمله مالك» (٢٠٥/٧) ((النبلاء))، وسيأتى إن شاء الله أن مثل هذا يأتى مدحاً وقدحاً وسأذكر لكل حالة أمثلة والله أعلم. - ٧٨ - O ومن ذلك قول سفيان لما مات شعبة: ((مات الحديث)) (٢٢٦/٧) (النبلاء). O ومن ذلك قول يحيى القطان: ((أبو عوانة من كتابه أحب إلى من شعبة من حفظه)) (٢٢١/٨) (النبلاء)). وهذا مقيد برواية أبى عوانة من كتابه، وكتاب أبى عوانة قال فيه عفان بن مسلم - وعفان هو عفان فى التشدد -: ((كان صحيح الكتاب ثبتاً كثير العجم والنقط)). O ومن ذلك قول يحيى بن عيسى الطباع: ((ما علمت أحداً قدم بغداد إلا وقد تعلق عليه فى شىء من الحديث إلا معاذاً العنبرى، ما قدروا أن يتعلقوا عليه بحديث مع شغله بالقضاء» (٥٥/٩ - ٥٦) ((النبلاء). O ومن ذلك قول ابن مهدى: «كنا نستفيد من كتب غندر فى حياة شعبة، وقال ابن المبارك: إذا اختلف الناس فى حديث شعبة فكتاب غندر حكم "بينهم)) (١٠٠/٩) ((النبلاء)). فقول ابن مهدى يدل على مدح رفيع لغندر، لأنه كما سبق بيانه أن المحدثين يفرحون بالعلو، فإذا استفاد أحدهم من الطالب عن شيخه فى حياة شيخه دل ذلك على رفعة قدر الطالب فى حديث هذا الشيخ وإلا لما رضوا بالنزول مع إمكان العلو، ونحوه قول الحسن بن الربيع فى محمد بن كثير المصيصى: ((كان يكتب عنه فى حياة أبى إسحاق الفزاري)) انظر ((الجرح والتعديل)) (٦٩/٨)، (٣٨٢/١٠) ((النبلاء). O ومن ذلك قول الهيثم بن خالد: ((اجتمع حفاظ البصرة فقال أهل الكوفة لهم: نحّوا عنا إسماعيل - أى ابن علية - وهاتوا من شئتم)) (١١٤/٩ - ١١٥) ((النبلاء)). والمذاكرة جرت العادة فيها أن يذكر أحدهم إسناداً فيذكر الآخر ما على هذا الإِسناد من متون أو العكس، أو يذكر أحدهم باباً أو ترجمة ويذكر الآخر ما تحت ذلك من متون، فإذا قال أحدهم: (نحّوا عنا فلاناً)) دل ذلك على سعة علمه وحفظه وإتقانه، وأنه لا تطاق مذاكرته وأن من ذاكره قهره وما ذاكره أحد إلا علاه، وشرط وضع هذه العبارة هنا وجود العدالة أيضاً، أما - ٧٩ - إذا قالوا: ((نحّوا عنا حديث فلان)) فهذا يدل على اضطراب الحديث وسعة طرقه غير المتماسكة، كما قيل فى ابن عقدة، والله أعلم. O من ذلك قول مسلم بن إبراهيم الأزدى الفراهيدى: ((قعدت أذكر شعبة عن خالد بن قيس فقال: كدت تلقى أبا هريرة)) - يريد على سبيل المبالغة - (٣١٦/١٠) ((النبلاء)). قلت: ((هذا القول وأشباهه يحتمل معنيين: إما أن يقصدوا بذلك علو الإسناد والاجتهاد فى الرحلة والطلب، وإما أن يقصدوا بذلك الجلالة وعلو القدر فقد يقولون: ((فلان محله محل التابعين)» أى فى استقامة السيرة وسعة العلم، وإن كان المقصود هو المعنى الثانى فمحله هنا وإلا فسيأتى فصل للألفاظ التى تدل على كثرة العلم والاجتهاد فى الطلب والظاهر من قول الفراهيدى المعنى الأول والله أعلم. O ومن ذلك قول ابن معين لأحمد: ((إن سرك أن تكتب عن رجل ليس فى قلبك منه شىء فاكتب عن أبى غسان)» - أى مالك بن إسماعيل بن درهم - (٤٣٠/١٠) (النبلاء)». وفى (تهذيب التهذيب)): ((إذا سرك أن تكتب عن رجل ليس فى قلبى منه شىء ..... )) وقال أبو حاتم: ((ظن ابن معين أن ليس بالكوفة أتقن من أبى غسان)) (٣/١٠ - ٤). O ومن ذلك أن أحمد بن حنبل سئل عن يحيى بن يحيى فقال: بخ بخ، فسئل عن قتيبة فأثنى عليه ثم قال: ((إلا أن يحيى بن يحيى - أى عالم خراسان. النيسابورى - شىء آخر)) (٥١٤/١٠) ((النبلاء)). وهذا ظاهره المدح فى الحديث، وأما اللفظ بمفرده فمحتمل أن يكون فى الحديث وفى غيره، ولذلك فصل خاص سيأتي إن شاء الله تعالى. O ومن ذلك قول ابن معين: ((رأيت بمصر ثلاث عجائب: النيل والأهرام وسعيد بن عفير)). قال الذهبى: ((حسبك أن يحيى إمام المحدثين انبهر لابن عفير» (٥٨٤/١٠) ((النبلاء)). وهذا ظاهره أنه فى الحفظ، والله أعلم. O ومن ذلك قول عبد الوهاب بن عطاء حين أتاه كتاب من أهله فقرأه - ٨٠ -