النص المفهرس

صفحات 21-40

ذكره حسب ترتيبه فى الرابعة ولكن العبرة بمعنى اللفظ، والله أعلم.
O الخامس عشر:
عن إطلاقى: ((قال الحافظ)) فأنا أقصد بذلك حافظ عصره وقريع دهره خاتمة
الخفاظ وياقوتة المحدثين شهاب الدين أبا الفضل أحمد بن على بن حجر
العسقلانى- رحمه الله تعالى-، أما غيره فأنا أقيّد وأقول: قال الحافظ فلان
....... والله أعلم.
O السادس عشر:
لما كانت الألفاظ والفوائد كثيرة العدد جداً، ولو فعلت لها فهرساً مفصلاً
لجاء فى نحو خمس أو رُبع الكتاب، ولظروفٍ مّا رأيت أن أجمل فى الفهرس وأجعل
الألفاظ بالخط الأسود السميك أو بالأحمر إن تيسر ذلك، إما فى هذه الطبعة أو
فى غيرها إن شاء الله تعالى ليسهل على الطالب معرفة أى لفظ ومكانه، والله أعلم.
0 السابع عشر:
كنت أود أن يصدر الكتاب بأقسامه الثلاثة مرة واحدة، ولكن أشار علّ
بعض طلبة العلم - جزاهم الله عنى خيراً - بطبع القسم الأول ويلحقه ما بعده
إن شاء الله، فقد يقف القارىء على أشياء تشكل عليه - مع ظنى أننى قد بينت
كل ما يحتاج إلى بيان فيما أعلم - فلعله يقف على ما يشفى علته فى الجزأين
الآخريْن والله أعلم. (١)
كلمة شكر
أولاً أحمد ربى وأشكره أن حبّب إلى طلب العلم وخاصة علوم الحديث،
وأسأله سبحانه مزيداً من التوفيق والسداد، وفى نهاية هذه المقدمة أتقدم بكل
شكرى لشيخى المبارك أبى عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعى حفظه الله تعالى،
(١) الثامن عشر: قد أذكر عدة ألفاظ متتابعة فى الجرح أو التعديل، وأتبع ذلك بقوله:
قاله فلان، وأنا أقصد بذلك غالبا القول الأخير من هذه الألفاظ.
- ٢١ -

على تشجيعه لى فى هذا الكتاب ونصائحه المباركة النافعة لى بين الحين والآخر،
وبذله بعض وقته لمراجعة بعض أبواب هذا الكتاب، فجزاه الله عنى خيراً وجعله
مباركاً أينما كان وكفاه شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، كما أتقدم بالشكر أيضاً
لجميع إخوانى الذين ساعدونى فى مراجعة ومقابلة الكتاب، فجزاهم الله عنى خيراً
كثيراً.
وأخيراً أسأل الله عز وجل أن يجعل هذا العمل صالحاً ولوجهه خالصاً،
وأن يخفف به عنا وأن يفرج به كربتنا فى الدارين، وأن ينفع به كاتبه ووالديه
وأهله وذريته وقارئه ومن نظر فيه ...... آمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتببه الفقير إلى عفو ربه:
أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل
نزيل مأرب - وادى عبيدة
مصر - المنصورة - السنيطة
الجمعة ٢٦ / صفر / ١٤٠٩ هـ.
- ٢٢ -

.-
الباب الأول
(ذكر مراتب الجرح والتعديل مُرَتَّةٌ من أعلى مراتب التعديل إلى
أردأ مراتب التجريح)
اعلم أن بعض الأئمة رتَّب مراتب الجرح والتعديل ترتيباً خلاف ما
اخترتُ، فذكر أعلى مراتب التعديل وانتهى بأقلها ثم بدأ بأرداً مراتب التجريح
وانتهى بأخفها، ولكنى اخترت صنيع ابن أبى حاتم وابن الصلاح وابن حجر
رحمهم الله تعالى، فى ذكر مراتب التعديل من أعلاها إلى أقلها، ثم بدأت بذكر
مراتب الجرح الخفيف وانتهيت بأرداً مراتب التجريح، لينخرط الجميع فى نسق
واحد فتكون أُولى المراتب هى أعلى مراتب التعديل، ويبدأ التعديل يخفف شيئاً
فشيئاً حتى نصل إلى بداية الجرح فيزداد شيئاً فشيئاً حتى تصلى إلى أردأ التجريح،
والأمر سهل، والله أعلم.
■ أولاً: ذكر مراتب التعديل
O المرتبة الأولى:
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى فى كتاب ((تقريب التهذيب)) أن
أولى المراتب هم الصحابة رضى الله تعالى عنهم، وقد اعترض على ذلك العلامة
محمد بن إسماعيل الأمير الصنعانى رحمه الله فى كتابه ((توضيح الأفكار)) فقال:
((واعلم أنه جعل الحافظ ابن حجر أُولى المراتب كونه صحابياً ...... وظاهر هذا
أن كونه صحابياً قد تضمن أنه ثقة حافظ، فصفة الصحبة قد تكفلت بالعدالة
والضبط، وهذا لا إشكال فيه بالنظر إلى العدالة على أصل أئمة الحديث، ولكن
-
- ٢٣ -

بالنظر إلى الضبط والحفظ لا يخلو عن الإشكال، إذ الحفظ وعدمه من لوازم
البشرية لا ينافى الصحبة؛ بل لا ينافى النبوة، فقد صح عنه صلى الله عليه وعلى
آله وسلم أنه نسى فى صلاته وغيرها، فكيف يجعل كون الراوى صحابياً أبلغ
من الموصوف بأوثق الناس ونحوه، والصحبة لا تنافى النسيان وعدم الحفظ بل
قد ثبت فى ((صحيح البخارى)) نسيان عمر لقصة التيمم وتذكير عمار له بها:
ولم يذكر، بل قد ثبت أنه قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((رحم الله فلانا
لقد ذكرنى البارحة آية كنت أنسيتها ..
...... )) أهـ (٢٦٣/٢ - ٢٦٤).
قلت: كذا قال العلامة الصنعانى رحمه الله وتبعه على ذلك كثير من طلبةٍ
العلم، وعندى أن ما صنعه الحافظ ابن حجر رحمه الله يمكن أن يكون له وجه
وإن لم أتبعه فى صنيعه - والدفاع عمّا صنعه الحافظ ابن حجر رحمه الله يكون
من وجوه:
الأول: أن قول الصنعانى رحمه الله: بأن الصحبة بل والنبوة لا تنافى
النسيان، صحيح ولكن يمكن أن يقال: والنسيان أيضاً لا ينافى الضبط، فقد ذكر
العلامة النقادة المحقق الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعملى اليمانى رحمه الله تعالى فى
كتابه ((التنكيل بما فى تأنيب الكوثرى من الأباطيل)» أن النسيان لا يلزم منه اختلال
الضبط، قال: ((فإن الناسى إن نسى الحديث أصلاً لم يحدث به البتة، وكيف يحدث.
به وهو ناس له؟ قال: وإن عرض له تردد فى قصة أو فى بعضها فإنه إذا كان
ضابطاً لم يحدث بها أو يحدث بها ويبين التردد والشك، فالضابط هو الذى لا.
يحدث إلا بما يتقنه فما لم يتقنه لم يحدث به أو يبِيِّن شكه ...... )) ..
وقال فى موضع آخر: «النسيان لا يلزم منه خلل الضبط، لأن غايته أنه
كان أولاً يحفظ أحاديث فحدث بها ثم نسيها فلم يحدث بها، وأما الوهم فإن كان
يسيراً يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يسمى خللاً فى
الضبط .... ). انظر (ص ٦٠)، وما بعدها من (التنكيل))، وكذا (ص ٧٤٠).
الوجه الثانى: أن السخاوى رحمه الله: ذكر أن الخلاف فى مسألة قبول
- ٢٤ -

زيادة الثقة وردها فيمن دون الصحابى بالاتفاق، فقد قال السخاوى رحمه الله
فى ((فتح المغيث)): ((إذا صح السند إلى الصحابى فهى مقبولة بالاتفاق)) اهـ.
(٢١٨/١) ومعلوم أنهم يردون زيادة الثقة إذا كانت مخالفة لرواية من هو أرجح
منه على تفاصيل تأتى فى محلها إن شاء الله، أما الصحابى إذا تفرد بزيادة لم يروها
غيره من الصحابة سواء كان عددهم أكثر أو كانوا أحفظ منه فلا تُرد، يوضح
ذلك:
الوجه الثالث: أن الذى ينظر فى كتب العلل والكتب التى فيها تخريج
الأحاديث يجد أن صنيع الحافظ أو الحفاظ فى حكمهم على لفظة ما أو جملة
أو حديث كامل بالشذوذ أو النكارة كل ذلك راجع إلى من هو دون الصحابى،
ولم أقف على حديث يخطئون فيه الصحابى بحجة أن من بعده من حفاظ التابعين
اختلفوا عليه فيه وإن وُجد ذلك فهو نادر جداً بالنسبة لغيره، واختلاف الحفاظ
على راوٍ يدل على أن الوهم منه لا منهم، نعم قد يوهمون الصحابى إذا خالف
من هو أرجح منه، كأن يقدموا رواية نساء النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
فى صفة الاغتسال وما كان يفعله فى البيت صلى الله عليه وعلى آله وسلم على
قول غيرهن من الصحابة لأنهن رضى الله عنهن أعلم بذلك من غيرهن وهكذا،
هذا مع أن من وصف ممن دون الصحابة بأنه من أوثق الناس لم يسلم مع ذلك
من اعتراض على بعض رواياته إما فى المتن وإما فى الإسناد أو فيهما، فما سلم
من ذلك مالك، وهو النجم إذا ذكر الأثر، وما سلم من ذلك شعبة وهو شعبة،
وغيرهما.
الوجه الرابع: أن الحافظ ذكر الصحابة لشرفهم كما صرح بذلك فى
((تقريبه)) وربما أنه لم يقصد بذلك التعديل المتعارف عليه من الأئمة.
وقد حررت هذا الجواب دفاعاً عن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، فمثله
يُلتمس لقوله المخارج قبل الحكم بتخطئته، وإن كنت أرى أن أبدأ ألفاظ هذه
المرتبة بما ذكره الحافظ ابن حجر فى المرتبة الثانية تبعا لما عليه الأكثر والله المستعان.
- ٢٥ -

ألفاظ المرتبة الأولى من مراتب التعديل
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن من ألفاظ هذه المرتبة: من أكد
مدخُه، إما بأفعل (كأوثق الناس)، أو بتكرير الصفة لفظاً (كثقة ثقة) أو معنى
(كثقة حافظ) .... كما فى: ((التقريب))، وزاد تلميذه السخاوى رحمه الله تعالى:
(أصدق البشر وأوثق الخلق))، قال: وألحق الحافظ: ((إليه المنتهى فى البثبت)) قال:
ويليها - وإن كان فى نفس المرتبة -: ((فلان لا يسأل عن مثله)) قال: وهل يلتحق
بها: ((لا أعرف له نظيراً فى الدنيا))؟ قال: محتمل اهـ. قلت: ووجه قوله: ((محتمل)).
أن ذلك قد يذكر ولا يُقصد به المدح فى الحديث، ولكن يقصد به المدح فى
العبادة والزهد والفضل أو التمسك بالسنة والدفاع عنها .... أما إذا قُصد بذلك
الحديث فلا شك أن هذا اللفظ يكون من ألفاظ هذه المرتبة، مع مراعاة أن هذا
.القول يستمد قوته من علو قدر قائله وارتفاع منزلته، والله أعلم.
وأما عدُّ السخاوى رحمه الله قولهم: ((فلان لا يسأل عن مثله)) من ألفاظ
هذه المرتبة، ففيه الاحتمال السابق، بل قد يُرِدُ علی سبیل الجرح الشدید کما سياتى
بيانه إن شاء الله تعالى، وإن كان الغالب على هذا اللفظ إطلاقه فى التعديل، وكذا
عَدُّ السخاوى قولهم: ((أصدق البشر)) لا يخلو من تأمل، ووجهه ما قد سبق،
وإن كان أبو أسامة قال فى زائدة بن قدامة الإِمام: ((كان من أصدق الناس
وأبّهم) كما فى ((تذكرة الحفاظ)) (٢١٥/١) لكن اللفظ بمفرده محتمل كما سيأتى
إن شاء الله تعالى.
وقول الحافظ: (( .... أو بتكرير الصفة لفظاً ((كثقة ثقة)))، قال الحافظ
السخاوى ومِنْ قبله الحافظ العراقى: «لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على
الكلام الخالى منه)).
- ٢٦ -

قال السخاوى: ((وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلاً يكون أعلى منه كقول
ابن سعد فى شعبة: ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث))، وقال أيضاً: ((وأكثر
ما وقفنا عليه من ذلك قول ابن عيينة: حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقة
ثقة ........ تسع مرات - وكأنه سكت لانقطاع نفسه -) (٣٦٣/١) («فتح
المغیث)).
وزاد السخاوى رحمه الله فى هذه المرتبة قولهم: ((عدل ضابط)) .. وعندى
فى ذلك نظر لأن قولهم: ((ثقة)) والذى محله المرتبة الثانية معناه أنه عدل ضابط،
ألا ترى تعريفهم للحديث الصحيح بأنه الحديث الذى يتصل إسناده بنقل العدل
الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه ....... ، وهم لا يقصدون بذلك أن يكون
راويه فى أعلى مراتب التعديل ولابد ، بل هو عام يدخل فيه أهل هذه المرتبة
والتى تليها، وإلا لما كان هناك من الأحاديث التى يحكم بصحتها إلا القليل النادر
والله أعلم.
ومن ناحية تكرير اللفظ فلا شك أنه كلما تكرر الوصف بالمدح ارتفع
الحكم، إلا أن تظهر قرينة تدل على أن التكرير قصد منه البيان والتفسير لا التأكيد
كقولهم : ((فلان صدوق لا بأس به أو صدوق صالح ..... )) إلخ.
ذكر ألفاظ أخرى وقفتُ عليها فى هذه المرتبة
O فمن ذلك: قولهم فى الراوى: ((ثقة ثبت)) واعلم أن وصفهم للراوى
بأنه ((ثقة ثبت)) وإن كان من ألفاظ التعديل الرفيعة، إلا أنه لا يلزم منه أن الراوى
لا يوجد فى حديثه بعض الاختلاف فقد قال عبد الرحمن بن مهدى فى
الحكم بن عتيبة: ((ثقة ثبت ولكن يختلف)) يعنى حديثه كما فى ((الجرح والتعديل)
(١٢٤/٣) وكما قال ابن أبى مريم عن ابن معين فى ترجمة حبيب بن أبى ثابت
- ٢٧ -

قيس بن دينار: ((ثقة حجة))، قيل له: ثبت؟ قال: نعم إنما روى حديثين، قال:
أظن يحيى يريد منكزين حديث (المستحاضة)) وحديث (القبلة للصائم)) (١٧٨/٢)
(تهذيب التهذيب)) وفيه دليل على أن قولهم: (ثبت)) لا ينفى النادر من الوهم والله
أعلم.
O ونحو ذلك قولهم فى الراوى: ((ثقة ما أثبت حديثه)) أو ((ما أقول إن
أحداً أثبت منه فى الحديث)) قاله ابن المدينى فى إسماعيل بن علية (٢٠١٧/١) من
(المیزان)).
O وقول أحد أئمة الحديث: ((خلَّفْتُ ببغداد مثلاً فلاناً)) فهذا يدل على
أنه خليفة له ومنزلته تقرب من منزلة هذا الإمام -، ونحو قول أبى زرعة فى على بن
نصر الجهضمى: ((كنت أرجو أن يكون خلفاً)، والجهضمى قد وثقه أبو حاتم
وأطنب فى ذكره والثناء عليه انظر ((الجرح والتعديل)) (٢٠٧/٦).
O وقولهم: ((فلان ركن من أركان الحديث)) ويزداد هذا القول قوة إذا
شدّ القائل على يده، فهذا يشير إلى ثقته وتثبته وتأكد القائل مما يقول والله أعلم.
O قولهم: ((فلان مجمع على ثقته فى الحديث)) أو (معفق على ثقته وأمانته
والاحتجاج به)) وكقول ابن المدينى: ((اجتمع أهل البصرة على عدالة أبى عمر
الحوضى وعبد الله بن رجاء ..... )) (٣٥٥/١٠) «النبلاء)).
والحوضى قال فيه أحمد: ((هو ثبت لا يؤخذ عليه حرف واحده، والاجتماع
هنا على العدالة فى الرواية لا الدين فقط، بل قد يقولون: ((عدل)) على من هو
من أهل هذه المرتبة.
الأول: أن قولهم فى الراوى: ((متفق عليه)) قد يذكرونه ويقصدون
بذلك العدالة فى الرواية كما جاء فى ((تهذيب التهذيب): قال الخليلى فى عباس
ابن محمد بن حاتم: ((متفق عليه))، قال الحافظ: ((يعنى على عدالته وإلا
- ٢٨ -

فالشيخان لم يخرج له واحد منهما)) (١٣٠/٥).
الثانى: وجدت من صنيع الحافظ الذهبى أنه يطلق قوله: ((متفق عليه))
ويقصد بذلك أن حديث الراوى فى الكتب الستة، ويكثر من ذلك محقق ((الضعفاء .
الكبير للعقيلى)) انظر ترجمة عاصم بن أبى النجود بهدلة وغيرها .... وهذا بخلاف
ما نحن فيه والله أعلم.
O وقول أحدهم: ((حدثنا فلان وهو فى التثبت كالأسطوانة)) كما فى ترجمة
إسرائيل بن يونس بن أبى إسحاق السبيعى (٢٠٨/١) ((الميزان)). ونحو هذا القول.
قولهم: ((فلان أوثق من أساطين مسجد الجامع)).
ونحوه قول إسماعيل بن أبى خالد فى قيس بن أبى حازم: حدثنا قيس هذه
الأسطوانة (٣٨٨/٨) ((تهذيب التهذيب)). لكنهم قد يذكرون لفظ: ((الأسطوانة))
ويقصدون أنه فى خشوعه وثباته كالأسطوانة، قال أحمد بن سنان: ((ما رأينا عالماً
قط أحسن صلاة من يزيد بن هارون يقوم كأنه اسطوانة)) (٣٤٠/١٤)
«تاريخ بغداد)).
O وقولهم: ((فلان ثقة مسند عديم النظير)، ((وثقة كبير الشأن))، ((وثقة
عدل))، ((وثقة نظيف الإِسناد)) أى ينتقى فى الرواية فلا يحدث عن المجهولين
والمتروكين والضعفاء، والمحدث الذى ينتقى فى الروايات قد بلغ الدرجة العليا فى
العدالة والفهم، أما من جهة العدالة: فتركه للرواية عن الضعفاء يدل على ورع
عنده، لأن إظهار كثرة الروايات أمر محبب لدى نفوس المحدثين، ومن صبر على
الرواية عن الثقات فقط فلا شك أن حديثه لا يكثر جداً كما لو حدث عن كل
أحد، وسيأتى إن شاء الله تفصيل ذلك.
وأما من جهة الفهم: فإنه لا يترك الرواية عن الضعفاء إلا من كان له
بصر وتمييز لأحوال ومراتب الرواة، ومن هذا حاله فهذه المرتبة محله، والله أعلم.
O أما قولهم: ((ثقة حلو الحديث)) فإن كان السبب فى ذلك انتقاؤه فى
الروايات فهذا محله، وإلا فقد يكون سبب حلاوة حديثه هو علو إسناده، أو غير
- ٢٩ -

ذلك ولا يلزم من ذلك أن يكون محله هنا، وهذا اللفظ قاله أحمد فى زكرياء
ابن أبى زائدة انظر (٧٣/٢) («الميزان».
٥ وقولهم: ((إليه المنتهى فى الثقة)).
O وقول أحدهم: ((إذا وافقنى فلان فلا أبالى من خالفنى)) كما قاله
يحيى بن سعيد القطان فى عفان بن مسلم الصفار (٨١/٣) ((الميزان).
O ونحوه: ((لو خالفنى فلان وأنا أحفظ سماعی لترکت حفظی حفظه»
وكقول حماد بن زيد فى شعبة: ((إذا خالفنى صرت إليه)) (٢٠٦/٧) ((النبلاء)).
وسئل حماد عن سبب ذلك قال: ((إن شعبة كان لا يرضى أن يسمع
الحديث عشرين مرةً وأنا أرضى أن أسمعه مرة)) (٢١٩/٧) ((النبلاء). وقيل فيه
أيضاً: كان يكرر، وسيأتي أن هذا قد يُذَمُّ به بعض الرواة على سبيل التبلد وعدم
سرعة الفهم.
ونحو هذا اللفظ ما جاء عن أحمد أنه حدث بحديث عن سفيان، فقال
حسين بن منصور: ((خالفك يحيى بن يحيى)) فقال: ((كيف قال يحيى؟)) قال:
((فأخبرته، فضرب على حديثه وقال: ((لا خير فيما خالف فيه يحيى بن يحيى)))
(٥١٥/١٠) ((النبلاء)).
O وقولهم: ((فلان أحد الأعلام الأثبات)) وأما قولهم: ((أحد الأعلام)) فقط.
فلا ينفى اللين فى الحديث، كما قال الذهبى فى نعيم بن حماد الخزاعى (٢٦٧/٤).
(الميزان))، ومن نظر فى تراجم ((تذكرة الحفاظ)) للذهبى علم أن كثيراً من التراجم
يطلق فيها الذهبى رحمه الله هذا القول ومع ذلك يتكلم فی حدیث الراوى، بل
وقد يتكلم فى عدالته، والله أعلم.
O وقولهم فى الراوى: ((فلان ثقة وزيادة)) قاله أحمد فى عمارة بن عمير
(٣٦٧/٦) ((الجرح والتعديل)).
O وقولهم: ((فلان ثقة من أهل المعرفة)).
٣٠ _

O وقولهم فى الراوى: ((فلان حجة، أو حجة بلا نزاع، أو حجة وفاقاً،
أو حجة فيما يرويه محصل لما يمليه، أو حجة الله على عباده، أو حجة بين الله
وبين عباده فى الأرض، أو حديثه حجة أحج ما يكون، أو من حجج الله على
خلقه)). وقول الشافعى فى مالك: ((حجة الله تعالى على خلقه بعد التابعين)
(٨/١٠) ((تهذيب التهذيب)).
فقد صرح السخاوى رحمه الله ومِنْ قبلِه الحافظ الذهبى أن قولهم فى
الراوى: ((حجة)) أعلى من قولهم: ((ثقة)) كما فى ((تذكرة الحفاظ)) ترجمة المفيد أبى بكر
محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب (٩٧٩/٣)، وكما فى ((فتح المغيث)) (٣٦٤/١).
ومعنى قولهم: ((فلان حجة)) أى أنه يؤخذ بروايته، ورأيه، وسيرته، وشمائله.
O وقولهم: ((فلان رجل صالح يتقن حديثه لا يزيد ولا ينقص)) قاله
أبو حاتم فى موسى بن على بن رباح.
O وقول الذهبى: ((فلان قفز القنطرة بل قفز من الجانب الشرقى إلى
الجانب الغربى )) ذكر ذلك الذهبى فى ترجمة يحيى بن معين بعد أن ذكر فيه
قول أحمد: ((أكره الكتابة عمن أجاب فى المحنة كيحيى وأبى نصر التمار .... )) قال
الذهبى: ((وإنما ذكرته عبرة لْيُعْلَمَ أن ليس كل كلام وقع فى حافظ كبير بمؤثر
فيه بوجه، ويحيى فقد قفز القنطرة بل قفز من الجانب الشرقى إلى الجانب الغربى»
(٤١٠/٤) ((الميزان)) أما قولهم: ((قفز القنطرة)) بمفرده، فقد قاله أبو الحسن المقدسى
رحمه الله فيمن خُرُّج له فى الصحيح كان يقول: ((هذا جاوز القنطرة))، قال الحافظ:
((يعنى أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه))، كما فى ((مقدمة الفتح)). ولا يخفى أن هذا
اللفظ لا يلزم منه أن يكون من أهل هذه المرتبة، فقد قال الذهبى فى ترجمة
عبد السلام بن حفص: ((وروى عنه خالد بن مخلد، وخالد ذو مناكير عدة لكنه
قفز القنطرة)) (٦١٥/٢) ((الميزان)).
نعم يكون من هؤلاء من هو فى الدرجة العليا، كما قال الذهبى فى
عبد الله بن محمد بن أبى شيبة الحافظ الكبير الحجة أبى بكر: ((ممن قفز القنطرة
وإليه المنتهى فى الثقة)) (٤٩٠/٢) ((الميزان)). وكقول أبى على الحافظ فى ابن جوصاء
- ٣١ -

الإمام: ((هذا إمام من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة)). (٧٩٧/٣) ((تذكرة الحفاظ»،
وابن جوصاء لم يخرج له فى ((الصحيحين). وقد ورد هذا اللفظ بصيغة أخرى،
كقول الذهبى فى مجمد بن كثير العبدى: ((الرجل ممن طَفَر القنطرة، وما علمنا.
"له شيئاً منكراً يُلَيَّن به)) (٣٨٤/١٠) ((النبلاء)) ..
وكقوله أيضاً فى إسماعيل بن عبد الله بن أبى أويس: ((الرجل وثب إلى ذلك
البر واعتمده صاحباً ((الصحيحين))، ولا ريب أنه صاحب أفراد، ومناكير تنغمر
فى سعة ما روى فإنه من أوعية العلم)) اهـ.
O وقولهم فى الرواى: ((هو ثقة الحديث جداً)).
O وقولهم: ((فلان ريحانة المحدثين أو سيد المحدثين)).
O وقولهم: ((فلان متين)) وهذا أعلى من قولهم: (ثقة))، يدلك على هذا
أن محمد بن يحيى الذهلى قال هذا اللفظ فى حجاج الصواف فقال ابن خزيمة
رحمه الله: ((يريد أنه ثقة حافظ)) (٢٠٣/٢ - ٢٠٤) ((تهذيب التهذيب)). (١)
O وقولهم: ((فلان فوق الثقة جبل)). قاله الدارقطنى فى الحسن بن
عبد العزيز الجروى كما فى ((تهذيب التهذيب)) (٢٩٢/٢) وانظر ((سؤالات الحاكم
للدارقطنى)) (ص ١٩٤)، وكذا قولهم: ((فلان جبل من الجبال أو من الجبال
الرواسى أو جبل)). والجبل سيد القوم وعالمهم، ويستعار للمجد والشرف اهـ.
(٩٧/١١) ((لسان العرب)).
وأكثر ما يطلق هذا اللفظ على سبيل المدح، وهو فى الحديث بمعنى الراسخ
الثبت فى الرواية، لكنى وقفت على استعماله فى العبادة، ووقفت أيضاً على استعماله
فى التجريح، كما فى (المغنى)) للذهبى وترجمة أحمد بن عبد الله بن خالد الجوبارى
ويقال الجوبيارى: قال الذهبى: ((فى عصر شيوخ الأئمة كذاب جبل» (٤٣/١)
وهذا غاية فى القدح والله المستعان، وقال الذهبى فى حبة بن جوين العربى: ((شيعى
جبل)). كما فى ((المستدرك)) (١١٢/٣).
(١) وحجتى فى إدخال هذا اللفظ فى هذه المرتبة تفسير ابن خزيمة رحمه الله وإلا فالظاهر
أن هذا اللفظ من ألفاظ المرتبة والله أعلم.
- ٣٢ -

O وقولهم: ((فلان ثقة يفصل الألفاظ أو ثقة يفصل بين الواو والفاء
أو بين الياء التاء)). ومعنى قولهم: ((ثقة يفصل الألفاظ)) أى أنه يفرق بين حدثنا
وأخبرنا وأنبأنا وعن ..... إلخ وهذا يدل على غاية الإتقان وسيأتى نحو ذلك قريباً.
O وقولهم: ((ما بين لابتيها أوثق من فلان أو أوثق من برأ الله فى الحديث
هو فلان أو ليس على بسيط الأرض أوثق من فلان أو ما رأيت أسود الرأس
أوثق من فلان أو أوثق من بال على تراب ....... )) إلخ.
O وقولهم: ((فلان أجل من أن يقال فيه ثقة)» أو «ما إذا سئل أحدهم
عن راو أهو ثقة؟ فقال: وزاد)) كما فى (٣٥/٧) ((تاريخ بغداد)». ونحوه قول ابن
معين فى عطاء بن يزيد: ((ثقة كفاية)) كما فى «كلام ابن معين فى الرجال رواية
أبى خالد الدقاق)) (ص ٥٣).
O قولهم: ((فلان شكه يقين أو شكه كيقين غيره أو شكه أحسن أو أحب
إلَى من يقين غيره)) قال بعض ذلك وكيع فى مسعر بن كدام الهلالى (١٨٨/١)
(«تذكرة الحفاظ))، وقال بعضه شعبة فى عبد الله بن عون (١٥٦/١) ((تذكرة
الحفاظ))، ونحو ذلك قول شعبة فى ترجمة عمر بن قيس المكى: ((لأن أكتب عن
ابن عون: ((أحِسب)) ((أحسِب)) أحبُّ إلى من أن أكتب عن سندل - وهو لقب
عمر -: ((أشهد)) ((أشهد)) وكان سندل يقول: أشهد على عطاء أشهد على ابن
عباس. ونحو ذلك قول أبى نعيم: ((كان مسعر شكاكاً فى حديثه وليس يخطىء
فى شىء من حديثه إلا فى حديث واحد .... )) وكان الأعمش يقول: ((شيطان
مسعر يستضعفه فيشككه فى الحديث)) (١١٤/١٠) ((تهذيب التهذيب)). وقول
أبى داود فى محمد بن النوشجان السويدى: ((ثقة حدثنا عنه أحمد كان صاحب
شكوك رجع الناس من عند عبد الرزاق بثلاثين ألفاً ورجع بأربعة آلاف»
(٣٢٦/٣) ((تاريخ بغداد)).
.-----.
ووجه مدح من يشك فى حديثه أن ورعه يمنعه من أن يحدث بما يشك
- ٣٣ -

فيه، وهذا يدل على مزيد احتياط وتحفظ، أما غير العدل فإنه مجازف ومتساهل
والله أعلم.
O قولهم: ((هو ممن حفظ العلم على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله
وسلم)) كما قال ابن المدينى فى الأعمش (٢٢٣/٤) ((تهذيب التهذيب)).
O قولهم: ((فلان مُصْحَف)) وهذا اللفظ يطلق والمراد به الصدق فى
الرواية، كما قال الفلاس فى الأعمش: ((كان الأعمش يسمى المصحف من صدقه))
(١٥٤/١) ((تذكرة الحفاظ)). ويطلق أيضاً على الإتقان، قال شعبة: ((كنا نسمى
مسعراً المصحف من إتقانه)) (١٨٨/١) من ((تذكرة الحفاظ)).
O وقول أحمد فى شعبة: ((كان أمة وحده فى هذا الشأن)) وقال فيه
حماد بن زيد: ((هو فارس فى الحديث خذوا عنه)) وقال فيه الثورى: ((أمير المؤمنين
فى الحديث)) وقد فسره ابن أبى حاتم فقال: ((يعنى فوق العلماء فى زمانه))
(١٢٦/١) (الجرح والتعديل)) ومعناه أيضاً أن من قيل فيه: ((أمير المؤمنين فى
الحديث)) أى فهو فى المحدثين كالأمير فى الناس بهابه الناس ويطيعون له ويتركون
قولهم لقوله.
O وقوهم: «ما جعلتَ بینك وبین الرجال مثل فلان) قاله ابن إدريس
فى شعبة، وقال فيه أيضاً: ((شعبة ((قبّان المحدثين)) .. )) والقبّان أى القسطاس والأمين
كما فى ((القاموس)) وأما فى ((اللسان)) فالقبّان: الذى يوزن به ...... فلان قبان على:
فلان: إذا كان بمنزلة الأمين عليه والرئيس الذى يتبع أمره ويحاسبه، وبهذا سمى
الميزان الذى يقال له القبان: القبان (٣٢٩/١٣ - ٣٣٠).
O قولهم: ((فلان ثقة مبرز)» وبرز الرجل: أى فاق على أصحابه، و كذلك
الفرس إذا سبق (٣١٠/٥) ((لسان العرب)).
O قولهم: (فلان صحيح الحديث يفصل السماع من العرض، والحديث
من الحديث)) قاله أحمد فى عبد الله بن وهب المصرى الفقيه، وقد سبق نحوه.
- ٣٤ -

O وقولهم: ((ما كتبنا عن أحد أجل من فلان)) أو قول أحدهم: ((لم أرو
عن أجل منه فى عينى، أو فلان أمثل من يكتبون عنه)) وهذا ظاهر فى المدح
من جهة الرواية بخلاف قولهم: ((لم أر مثله)) فإنه محتمل أن يكون ذلك فى الفقه
أو العبادة والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان ثبّوه جداً)).
O وقولهم: ((فلان ميزان لا يرد على مثله)» قال الثورى: حدثنا
عبد الملك بن أبى سليمان وكان ميزاناً وعقد ثلاثين. وقال أيضاً: ذاك ميزان. وقال
جرير: كان المحدثون إذا وقع بينهم الاختلاف فى الحديث سألوا عبد الملك وكان
حكمهم. (٣٦٦/٥ - ٣٦٧) ((الجرح والتعديل)).
O قولهم: ((فلان من خالفه فهو مخطىء أو عطب)) والعطب هو الهلاك.
O وقولهم: ((فلان لا يُختلف فى حديثه)) بضم الياء على البناء للمجهول
أى يُسلَّم له ولا يُعترض عليه.
O وقولهم: ((فلان هو الطبيب)) قال فضالة النوسى: ((كنت أجالس
أصحاب الحديث بالكوفة، وكانوا إذا تشاجروا فى حديث قالوا: مروا بنا إلى هذا
الطبيب نسأله يعنون عبد الله بن المبارك)) (١٥٦/١٠) ((تاريخ بغداد)). ووجه المدح
بذلك أنه مع كونه عدلاً فإنه يعرف علل الحديث كما يعرف الطبيب المريض،
وأنه مصدق فيما يقول لشهرته بالعدالة والإتقان والفهم والنباهة، بخلاف من
تطبَّب ولم يُعلم منه طب والله أعلم.
O قولهم: ((كأن الله خلق فلاناً لهذا الشأن)) قاله النسائى فى ابن المدينى
(٣٥١/٧) ((تهذيب التهذيب)) ونحوه قولهم: ((كأنه لم يخلق إلا للحديث)) وهذا
يدل على تمام الاعتناء والاشتغال بالحديث مع صحة الدين.
° قولهم: ((فلان صدوق صدوق)) قال أحمد فى عمران بن حدير
السدوسى: ((بخ بخ ثقة))، وقال مرة: ((هو صدوق صدوق)) (١٢٥/٨) ((تهذيب
- ٣٥ -

التهذيب)). ونحو ذلك قول أبى داود فى أبى قلابة: ((هو صدوق مأمون)) فالظاهر
من ذلك المدح الرفيع فى الرواية، بل قد يقف طالب العلم فى بعض التراجم على
قولهم: ((صدوق)) وجم يقصدون بذلك المدح الرفيع، كما قال أحمد فى مسدد بن
مسرهد: ((مسدد صدوق فما كتبت عنه فلا تعد))، وقال مرة: ((نعم الشيخ
عافاه الله)). وقال ابن معين عن يحيى بن سعيد القطان: ((لو أتيت مسدداً فحدثته.
فى بيته لكان يستأهل))، وقال مرة: ((صدوق)) (٥٩٢/١٠) ((النبلاء)). وقال
أبو حاتم فى عمرو بن على الفلاس: ((كان أرشق من على بن المدينى وهو بصرى
صدوق))، (٢٤٩/٦) (الجرح والتعديل)). وقال أبو حاتم فى محمد بن إدريس
الشافعى: ((فقيه البدن صدوق)). والشافعى قال فيه أبو داود: ((ليس للشافعى
حديث أخطأً فيه))، وقال فيه أبو زرعة: ((ما عند الشافعى حديث غلط فيه))
(٣٠/٩) ((تهذيب التهذيب)) وكما فى ((تاريخ بغداد)) ترجمة أبى بكر بن أبى شيبة
واسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وأبو شيبة كنية إبراهيم قال محمد بن عمر بن
العلاء الجرجانى: «سمعت يحيى بن معين وسألته عن سماع أبى بكر بن أبى شيبة
من شريك؟ فقال: أبو بكر عندنا صدوق ولو ادعى السماع من أجلّ من شريك
لكان مصدقاً فيه، وما يحمله أن يقول: وجدت فى كتاب أبى بخطه؟)) (٧١/١٠)
يعنى أنه لو كان سماعه من شريك لا يصح وإذا صرح بالسماع كان متهماً: فما
الذى يجعله يقول: ((وجدت فى كتاب أبى بخطه))؟ يعنى ولو صرح بالسماع لما
تكلم فيه أحد، لكن دينه وأمانته يمنعانه من ذلك، فوجب تصديقه فى قوله: «سمعتُ
من شريك)) ...... وقد يقولون ((صدوق)) أيضاً على أهل العبادة، والأمر بالمعروف،
والنهى عن المنكر دون طعن فى ضبطه كما قال أحمد فى ابن أبى ذئب: ((كان يُعَدُّ
صدوقاً أفضل من مالك إلا أن مالكاً أشد تنقية للرجال منه .... )، وسئل أحمد
عن ابن أبى ذئب وعن مالك فقال: ((ابن أبى ذئب أصلح فى بدنه وأورغ وأقوم
بالحق من مالك عند السلاطين)). (٣٠٤/٩ - ٣٠٥) ((تهذيب التهذيب)).
نعم الأصل فى كلمة ((صدوق)) المرتبة الثالثة من مراتب التعديل كما سيأتي
إن شاء الله. فإن قال قائل: قولهم: ((صدوق)) من ألفاظ المرتبة الثالثة، فإذا قيل:
- ٣٦ -

((صدوق)) ((صدوق)) غايته أن يكون فى المرتبة الثانية بمنزلة ثقة. فالجواب أن تكرار
قولهم: ((صدوق)) له معنى، وأنهم يقصدون بذلك أن الرجل مرتفع، وعلى كل
حال فالمسألة اصطلاحية، وقد ذكرت بعض التراجم التى تشهد لما قلت والله
أعلم.
O وقولهم: ((كان فلان ثقة من أهل العلم بالحديث)) أى أنه يعلم صحيح
الحديث من سقيمه، وهذه درجة زائدة فوق الضبط والإِتقان غالباً، وإن كان
سيأتي إن شاء الله تعالى أن المعرفة والفهم لا يلزم منهما تمام الضبط، وأما قولهم:
((فلان عالم أو من العلماء أو علماء الناس عيال عليه)) فقد يقولون هذا فى أهل
هذه المرتبة كما قال ابن وهب: ((ما ذكر مالك بن أنس بكير بن عبد الله بن الأشج
إلا قال: كان من العلماء)) (٤٠٣/٢) ((الجرح والتعديل)) وكذا قول أحمد فى قتادة:
((كان من العلماء» (١٣٥/٧) ((الجرح والتعديل))، ولكنهم قد يقولون ذلك فيمن
ليس بالمتين، كقول الذهبى فى فليح بن سليمان العدوى: ((كان صادقاً عالماً
صاحب حديث وما هو بالمتين)) (٢٢٣/١) ((تذكرة الحفاظ))، وقد يكون عالماً
فى الحديث ولكنه غير عدل كالحفاظ الذين اتهموا وطعن فى عدالتهم، وقد يكون
عالماً فى غير الحديث والله أعلم.
O وقولهم: ((إذا اختلف الناس فى شىء فزعوا إلى فلان)) فهذا يدل على
عدالته وسعة علمه وإتقانه، وقد قال ذلك أحمد فى أبى نعيم الفضل بن دكين -
يعنى أنهم يفزعون إلى كتابه - (٢٧٣/٨) («تهذيب التهذيب»، وأبو نعيم جاء عن
أحمد فيه أقوال رفيعة المدح، فقال فيه: ((أبو نعيم يزاحم به ابن عيينة))، فقال له
رجل: ((وأى شىء عند أبى نعيم من الحديث، ووكيع أكثر رواية؟ فقال: هو على
قلة روايته أثبت من وكيع))، وقال مرة: (( ....... أبو نعيم يقظان فى الحديث))،
وقال أحمد: ((قال يحيى وعبد الرحمن: أبو نعيم الحجة الثبت ....... )) انظر ترجمة
الرجل فى ((تهذيب التهذيب)) (٢٧٢/٨) إلى آخر الترجمة.
٥ قولهم: ((حدثنا فلان الأسد)) قال الحسين بن إدريس: ((خرج علينا
- ٣٧ -

عثمان بن أبى شيبة فقال: حدثنا الأسد، فقلنا: من هو؟ فقال: الفضل بن دكين))
(٢٧٣/٨) (تهذيب التهذيب)). وقال يزيد بن هارون: ((وقعت بين أسدين
عبد الرحمن بن مهدى ويحيى بن سعيد)) (٥٤/١) من ((المجروحين)) لابن حبان.
فإن قيل: لعله يعنى بقوله الأسد: الشجاع البطل فى الحروب، فالجواب:
أن عثمان بن أبى شيبة أراد أن يزكى شيخه؛ ليعرف السامع قدر الحديث، ولو
كان شيخه أسداً فى الحروب ضعيفاً فى الحديث لما كان لهذا معنى، والسياق فى
غير هذا، والمسألة فى علم الرواية لا فى الحروب، فالأسد هو الذى يُهاب ولا
يُرد عليه، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان: بصير بالحديث متقن يشبه الناس)) قاله أحمد فى أبى:
كامل الجحدرى (٢٩١/٨) ((تهذيب التهذيب)). والناس هنا أى أئمة هذا
الشأن والله أعلم.
O قولهم: ((فلان هو الإِمام المقبول عند الكل)) وهذا بمعنى أنهم اتفقوا.
على توثيقه، وهذا اللفظ قاله الحاكم فى القاسم بن سلام أبى عبيد، ولا يتم القبول.
عند الكل إلا بتمام عدالة وضبط وعلو قدر، والله أعلم.
O وقولهم: ((فلان مُثّل بجيل نفخ فيه الروح)) قاله إبراهيم الحربى فى أبى.
عبید (٣١٦/٨) «تهذيب التهذيب)). ووجه المدح بذلك أنه راسخ وثابت كالجبال،
وهذا يتضمن تمام العدالة والضبط، إذ لو انخرم أحدهما لم يصح الوصف بالثبات.
واطمئنان النفس وسكونها إلى روايته ما لم يظهر أن ذلك فى العبادة أو غيرها.
والله أعلم.
O وقولهم: (اسمعوا من فلان فإنه الأمين المأمون)) قاله المعافى بن عمران
فى القاسم بن يزيد الجرمى الزاهد (٣٤٢/٨)((تهذيب التهذيب)). وهذا ليس خاصاً
بالعبادة فقط لقوله: ((اسمعوا منه ...... )) فلو لم يكن قد جمع مع العبادة تمام الضبط،
لما كان مأموناً على ما عنده، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان هو العقدة)) جاء هذا اللفظ فى اللغة على عدة معان،
:
أنسبها لما ههنا: الولاية على البلد، كما فى ((ترتيب القاموس)) (٢٧٠/٣). ووجه
-- ٣٨ -

المدح بذلك أنه أمير، يسمع له ويطاع وتهاب مخالفته .... ، وقد قال مهنا: سألت
أحمد عن عفان وأبى نعيم؟ فقال: هما العقدة. وقد سبق قول أحمد ومدحه لأبى
نعيم وهو القائل: كان يعرف فى حديثه الصدق (٢٧٢/٨ - ٢٧٣) ((تهذيب
التهذيب)).
O وقولهم: فلان ممن انتهى الإسناد إليهم أو من دار الإسناد عليهم أو ممن
دار حديث الثقات عليهم)) فالظاهر أن ذلك من المدح الرفيع فى علمهم بالحديث،
والله أعلم.
O قولهم: ((حدثنا فلان الكبش النطاح)) قاله ابن صاعد فى محمد بن
إسماعيل البخارى (٥١/٩) ((تهذيب التهذيب»، وقاله ابن معين فى أبى سلمة
الخزاعى منصور بن سلمة (٣٠٨/١٠) (تهذيب التهذيب))، وقاله أبو خيثمة أيضاً
لابنه أحمد فى أبى سلمة الخزاعى (٣٥٨/١ - ٣٥٩) ((تذكرة الحفاظ)) .. وفى
((تاريخ بغداد)) قيل فى البخارى: ((هذا الغلام يناطح الكباش)) (١٨/٢) ووجه
المدح بذلك، أن الكبش عادة له هيبة ومكانة فكيف إذا كان نطاحاً؟ فكذلك
الراوى فإنه لا يُردُّ عليه ولا يخالفه أحد.
O وقول أحدهم: ((فلان هو التقى النقى الذى لم أر مثله)) قاله أبو عمرو
الخفاف فى البخارى (٥٤/٩) ((تهذيب التهذيب)). ومعناه التقى فى دينه، النقى
فى حديثه فلا يوجد فى حديثه مخالفات لأحاديث الثقات.
O قولهم: ((لو كتب فلان عن مالك مثلاً لأثبته فى الطبقة الأولى من
أصحابه)) قاله النسائى فى محمد بن رمح بن المهاجر التجيبى، وقد قال فيه النسائى
أيضاً : ((ما أخطأ فى حديث واحد)) (١٦٥/٩) ((تهذيب التهذيب)).
واعلم أن جعلهم الراوى فى الطبقة الأولى من أصحاب أحد الأئمة هو بالنظر
إلى الضبط والإتقان لا كبر السن، يدلك على هذا أن محمد بن يحيى جعل محمد بن
عبد الله المعروف بابن أخى الزهرى فى الطبقة الثانية من أصحاب الزهرى مع
أسامة بن زيد ومحمد بن إسحاق وابن أبى أويس وفليح، قال: وهؤلاء فى حال
- ٣٩ -

الضعف والاضطراب، وقال: ((إذا اختلف أصحاب الطبقة الثانية كان المفزع إلى
أصحاب الطبقة الأولى)) (٢٧٩/٩) ((تهذيب التهذيب)). ولكن هذا اللفظ مدح
مقيد بشيخ معين لا بإطلاق، ونحو هذا قولهم: ((فلان من الطبقة العليا)) أما إذا
قالوا: ((فلان فى طبقة أعلى من طبقة فلان)) فهذا يكون فى السن واللقاء لا الضبط
والإتقان، والله أعلم.
O قولهم: ((فلان الثقة الحافظ الناقد)).
O وقولهم: ((فلان درة فى الحديث، أو ريحانة فى الحديث، أو ياقوتة فى
·الحدیث).
O وقولهم: ((فلان يملأ حديثه الصدر والنحر)» ونحو هذا قول من قال:
((حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الصدر والنحر وحسبك به وكان سيد المسلمين))
(١٣٦/١) ((الكامل)) لابن عدى.
O قولهم: ((فلان قرة عين فى الحديث)) قاله أحمد فى معاذ بن معاذ
العنبرى، وقال عنه مرة: ((إليه المنتهى فى التثبت بالبصرة)) (٥٤/٩) ((النبلاء»،
(١٩٤/١٠) ((تهذيب التهذيب)).
O ونحو ذلك قول أحدهم: ((فلان ثقة ثقة لو رأيته لقرت عينك به))
(٢٢٩/٨) ((تاريخ بغداد)). ونحوه قول محمد بن بركة: ((حدثنى محمد بن عوف
- أى الطائى الحافظ - ((قرة العين))). (٣٨٤/٩) ((تهذيب التهذيب)).
۵ وقولهم: «إذا حدثك فلان فاختم علیه» قاله أبو حاتم فی عارم محمد بن.
الفضل السدوسى (٥٨/٨) ((الجرح والتعديل)). ووجه ذلك أنك لا تحتاج إلى غيره؛
لعلو قدره عدالة وضبطاً، كيف لا وهو القائل: ((وعارم لا يتأخر عن عفان))،
وكان سليمان بن حرب يقدم عارماً على نفسه إذا خالفه عارم فى شىء رجع
إلى ما يقول عارم، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد عبد الرحمن بن مهدى
(٥٨/٨) ((الجرح والتعديل))، والكلام بتمامه فى ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٣/٩)،
- ٤٠ -