النص المفهرس
صفحات 1-20
شِفَاءُ الْقُلي، بِأَلْفَاظِ وَقَوَاعِدَالجَرْحِ وَالْتُعْدِيْلُ تأليف أبى الحسنُ مصطفى بن إسماعيل الجزء الأول قدمله فضيلة الشيخ العلامة مقبل بن هادي الوادعى النّاشِر مكتبة ابن حميَةْ القاهرة - هاتف ٨٦٤٢٤٠ ١ توزيع مَكْتَبُالعِلْ مُجَّة حيّ الثغر هاتف: ٦٨٧٧٠/١٤ فرع الرياض هاتف ٤٢٦٥٤١٩ محُقُوق الطُّعُ مَحَقُوظة الطبعة الأولى ١٤١١ هـ- ١٩٩١ م بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الشيخ مقبل بن هادى الوادعى حفظه الله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: أما بعد: فقد هيأ الله أخانا أبا الحسن مصطفى لجمع ما كان مفرقاً فى بطون الكتب من ألفاظ الجرح والتعديل، وقد كان أفاضل العلماء يتمثّوْن أن يقفوا عليها مجموعة فى كتاب منهم الحافظ ابن حجر رحمه الله كما فى ((فتح المغيث)) (جـ ١ ص ٣٣٦). وقد قام عبد الحى اللكنوى بجمع بعض الشىء فى كتابه ((الرفع والتكميل)) إلا أنه لم يستوعب، ثم لم يخل من التعصب المذهبي، فكنت أعرض على بعض · إخوانى فى الله أن يختصره ويحذف منه ما فيه من التعصب المذهبى فلم يستجب، وعند أن زرت مأرب التقيت بأخى فى الله أبى الحسن فعرض علَى بعض المواضيع فسررت بذلك، وقد وفق الله أخانا أبا الحسن لجمع الألفاظ وشرحها ووضع كل لفظة فى الموضع الذى تستحقه، فبينما كنا نتمنى من يختصر كتاب ((الرفع والتكميل)) إذا بأخينا أبى الحسن حفظه الله قد جمع فوائد ليست فى ((الرفع والتكميل)) الفائدة الواحدة تستحق رحلة. إن كتاب أخينا فى الله أبى الحسن إن يسر الله نشره أرجو أن يكون المرجع الوحيد فى بابه. فالله أسأل أن يوفق أخانا أبا الحسن لمواصلة المسيرة لخدمة كتب السنة، وأن ينفع به الإِسلام والمسلمين، وأسأله سبحانه أن يعيده من فتنة الدنيا التى قطعت على كثير من أهل العلم مواصلة المسير إنه على كل شيء قدير. كتبه: أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي مقدمة المؤلف ـ بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان علیکم رقيبا﴾. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً﴾. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار. وبعد: فإن الله عز وجل قد خص هذه الأمة بالإِسناد وحفظ لها دينها فضلاً منه ورحمة، فقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ والذكر: يشمل الكتاب والسنة، وفى ((الصحيحين)) أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» وقد قال عبد الله بن المبارك: ((الإسناد من الدين ولولا الإِسناد لقال من شاء ما شاء»، وقال أيضاً رحمه الله: ((مثل الذى يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذى يرتقى البيت بلا سلم))، وقال أمير المؤمنين فى الحديث سفيان بن سعيد الثورى: ((الإِسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأى شىء يقاتل؟)). إلی .. غير ذلك من آثار. - ٥ - ٨ ثم إن طلب العلم من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربه، وخاصة علم الحديث الذى هو عماد العلوم كلها، وطلب علم الحديث أجب لدى العقلاء من الناس - فضلاً عن طلبة العلم - من طلب الجاه، فهذا يحيى بن أكثم يقول: ((كنت قاضياً وأميراً ووزيراً ما ونج سمعى أحلى من قول المستملى: من ذكرت رضى الله عنك؟» كما فى ((تهذيب التهذيب)) (١٨٣/١١)، وجاء فى ((النبلاء)) ترجمة الطبرانى: قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوى: «سمعت الأستاذ ابن العميد يقول: ما كنت أظن أن فى الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التى أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة أبى القاسم الطيرانى وأبى بكر الجعابى بحضرتى، فكان الطبرانى يغلب أبا بكر بكثرة حفظه وكان أبو بكر يغلب بفطنته وذكائه، حتى ارتفعت أصواتهما ولا يكاد أحدهما يغلب صاحبه، فقال الجعانى: عندى حديث ليس فى الدنيا إلا عندى، فقال: هات، فقال: حدثنا أبو خليفة الجمجى حدثنا سليمان بن أيوب .... وحدث بحديث فقال الطبرانى: أخبرنا سليمان بن أيوب ومنى سمعه أبو خليفة، فاسمع منى حتى يعلو فيه إسنادك، فخجل الجعابى، فوددت لو أن الوزارة لم تكن وكنت أنا الطبرانى وفرحت كفرحه)» - أو كما قال - (١٢٤/١٦). واعلم أن العلماء رحمهم الله لم يرفع الله ذكرهم إلا بإخلاص النية والصبر على طلب العلم، فإن طلب العلم لا يصبر عليه وعلى مشقته إلا الذين رغبوا فى الآخرة وفيما عند الله تعالى لا فى هذا العرض الفانى، وقد قال أبو سعد الحرمى الحافظ: ((لا يصبر على الخل إلا دوده))، فقال الذهبى رحمه الله: ((يعنى لا يصبر على الحديث إلا أهله)) (١٢٢٩/٤) («تذكرة الحفاظ)). وذكر الذهبى فى ((النبلاء)) قصة وقعت هشام بن عمار أبى الوليد السلمى - ٦ - عالم أهل الشام مع مالك بن أنس رحمه الله، وفيها أن هشاماً جاء يطلب العلم وهو غلام فدخل على مالك وطلب منه السماع، ومالك يقول له اقرأ وهشام يريد السماع، فأمر مالك الغلام أن يضربه خمس عشرة درة ثم جعل كفارتها خمسة عشر حديثاً، فقال له هشام: زدنى فى الضرب وزدنى فى الحديث، فضحك مالك (٤٢٩/١١). وهذا أبو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم رحمهما الله تعالى يقول: ((كنا بمصر سبعة أشهر لم نأكل فيها مرقة، نهارنا ندور على الشيوخ وبالليل ننسخ ونقابل، فأتينا أنا ورفيق لى شيخاً فقالوا: هو عليل، فرأيت سمكة فأعجبتنا فاشتريناها، فلما صرنا إلى البيت حضر وقت مجلس بعض الشيوخ فمضينا، فلم تزل السمكة ثلاثة أيام وكاد أن ينضى، فأكلناه نيئاً لم نتفرغ نشويه، ثم قال رحمه الله: ((لا يستطاع العلم براحة الجسد)). انظر (١/هـ) من مقدمة الشيخ المعلمى ((للجرح والتعديل)). وجاء فى ((مقدمة الجرح والتعديل)) (٢٧٥/١)، قال أبو بكر بن أسلم بن سليمان: ((رحل أبى من نيسابور إلى مرو ليكتب عن ابن المبارك، فقال أبيات أنشدها ابن المبارك: يا ابن المبارك تبكينى برنات خلفت عرسی یوم السير باكية ففى فؤادى منها شبه كيات خلفتها سحراً فى النوم لم أرها أهلی وعرسی وصبیانی رفضتهم أخاف والله قطاع الطريق بها مستوفزات بها رقش مشوهة اجلس لنا كل يوم ساعة بكراً يا أهل مرو أعينونا بكفكم لا تضجرونا فإنا معشر صبر وسرت نحوك فى تلك المفازات وما. أمنت بها من لدغ حيات أخاف صولتها فى كل ساعاتى إن خف ذاك وإلا بالعشيات عنا وإلا رميناكم بأبيات وليس نرجو سوى رب السموات)) - ٧ - واجتهاد علمائنا فى الذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والذى كشف قناع الكذبة والدجالين، وبيّن وهم أهل الغفلة وإن كانوا صالحين، فلله درهم كم من حق أقاموه وكم من باطل بددوه وكم من كذاب كشفوه، وهذه القواعد التى حررها أئمتنا وعلماؤنا فى كتبهم ومؤلفاتهم هى التى غربلت السنة وميزت الصحيح من السقيم، حتى قال بعض المستشرقين: ((فليفخر المسلمون بعلم حدیثهم). ومن العجب أن تجد بعض الناس ينكر على الأئمة كلامهم فى الرواة ويقول: ((هذه غيبة ولا يجوز أن نقول فلان ضعيف أو فلان كذاب أو فلان ليس بشىء .... )) إلخ. واعلم رحمك الله أن الذى يقول هذا لا يخلو عن أحد وجهين: الأول: إما أن يكون زنديقاً، يريد أن يفتح الباب للكذابين ولمن يدخلون فى الدين ما ليس منه، فهذا الصنف نقول لهم: ﴿تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ فإذا آمن هؤلاء أولاً وأصلحوا بواطنهم وأخلصوا دينهم الله، ذكرنا لهم أدلة جواز ذلك، أما الذى هم عليه من الريب والشك فى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم والشك فى وعد الله ووعيده، أعظم وأطم مما ينكرونه على علمائنا. الثانى: وإما أن يكون قائل ذلك محباً للخير جاهلاً بسبيله، فأقول له: ((اعلم يا أخى أن هذا الدين هو قوام حياتنا، ولا عز ولا مجد إلا فى اتباع هذا الدين، فإذا كان هناك من يُدخل فيه ما ليس منه ألا يجب على كل من كان أهلاً للذب عن هذا الدين أن يذب عنه ببيان أحوال نقله الأخبار ومنازلهم فيوخذ حديث الثقة ويرد حديث الفاسق؟ أليس الحاكم يطلب تزكية الشهود أو تجريحهم من أجل الوصول إلى الحق، وذلك من أجل درهم ودينار، فكيف لا يجوز تزكية الرواة وتجريحهم من أجل حفظ هذا الدين؟ وقد أمر النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم : كما فى الصحيحين (أن يبلغ الشاهد الغائب)) واستدل ابن حبان وغيره من العلماء - ٨ - بهذا الحديث على استحباب تمييز الثقات من الضعفاء بالجرح والتعديل، ليتميز الصحيح الذى يؤديه السامع من الضعيف، لأنه لو بلَّغ غير الصحيح لما كان مبلِّغاً، وكذلك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((من قال عَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار))، ولا يتهيأ للمرء أن يقول ما قاله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون ما لم يقله إلا بمعرفة منازل الرواة ومراتبهم جرحاً وتعديلاً، وهذا عمر بن الخطاب يحدثه أبو موسى الأشعرى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى آداب الاستئذان فيتوعده بكذا وكذا إن لم يأت ببينة على ما يقول، والقصة فى ((الصحيحين))، وقد كان الناس أيام زمن فيوض العدالة لا يسألون عن الإِسناد، ولما ركب الناس الصعب والذلول بحثوا فى نقلة الأخبار كما هو بمعناه فى ((مقدمة مسلم)) عن ابن عباس رضى الله عنهما، وكما قال ابن سيرين: ((لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حدیثهم». ولو أن المنكر على الأئمة فى كلامهم على الرواة وقف على ما فعله الكذابون وقلة حيائهم لما أنكر على الأئمة، فقد قال الأصمعى: ((قيل للكذاب ما يحملك على الكذب؟ قال: لو تغرغرت به مرة ما نسيت حلاوته))، وقال أيضاً: ((قال كذاب: إذا رأيتُ من هو أُكذب منى ندمت حسداً له))، وقال أيضاً: ((قال أبى الرجل كان يعرف بالكذب: هل صدقت قط؟ قال: أكره أن أقول لا فأكون قد صدقت))، ذكر ذلك كله العقيلى بإسناده إلى الأصمعى فى مقدمة كتابه ((الضعفاء الكبير)) (١٠/١). إذا علمت هذا، فاعلم أن كلام الأئمة فى الرواة ليس من باب الغيبة، ولكن من باب الحكم والنصيحة لهذه الأمة، وهم لا يتلذذون بأعراض المسلمين، حتى ذكر السخاوى ((أن الراوى إذا كان فيه أكثر من علة فيبين منه علة واحدة، وهذا كاف فى رد حديثه، أما ذكر بقية العيوب فيدخل فى باب الغيبة)). اهـ بمعناه، وقد ذكر ابن رجب الحنبلى رحمه الله فى ((شرحه لعلل الترمذى)) طرفاً من ذلك وأجاد رحمه الله فانظره من (ص ٥٨ - ٦١). - ٩ - ثم اعلم أيها القارىء أن الأصل فى الأئمة أنهم لا يتركون حديث الرجل من أجل الهوى، بل يراجعون أنفسهم ويعلمون أن الله سائلهم عن هذا، فقد جاء فى ((المجروحين)) لابن حبان ترجمة الحسن بن أبى جعفر الجفرى، ساق ابن حبان إسناده إلى أبى بكر بن أبى الأسود، قال: ((كنت أسمع الأصناف من خالى عبد الرحمن بن مهدى، وكان فى أصول كتابه قوم قد ترك حديثهم، منهم الحسن بن أبى جعفر وعباد بن صهيب وجماعة نحو هؤلاء، ثم أتيته بعد ذلك بأشهر فأخرج إلى كتاب الديات فحدثنى عن الحسن بن أبى جعفر فقلت له: أليس كنت قد ضربت على حديثه؟ قال: يا بنى تفكرت فيه فإذا كان يوم القيامة قام: الحسن بن أبى جعفر فتعلق بى، وقال: يارُب سل عبد الرحمن بن مهدى فيم أسقط عدالتى، وما كان لى حجة عند ربى فرأيت أن أحدث عنه)) (٢٣٧/١). وهذا ابن حبان رحمه الله - وهو ممن ذكره بعض الأئمة بالتشدد فى الجرح - كثيراً ما يقول فى تراجم كتابه ((المجروحين)) و ((الثقات)): (وفلان ممن أستخير الله تعالی فیه»، فلو کان یتکلم بهوی لما استخار الله عز وجل، وهذا دليل على أنهم رحمهم الله يتقون الله فيما يقولون، بل إن الإِمام منهم كان يناله من بعض الرواة غلظة وقسوة، ومع ذلك يمدحه مدحاً رفيعاً، فهذا يحيى بن معين: كان يسير هو وأحمد بن حنبل وأحمد بن منصور الرمادى، والأخير منهم غلام صغير، فمروا بدار أبى نعيم الفضل بن دكين، فقال ابن معين: ((أريد أن أختبره))- أى يتأكد هل هو ثقة ثبت يَعرف حديثه من حديث غيره أم لا - فقال أحمد: (لا تفعل فإنه ثقة))، فأصر يحيى وأخذ ورقة وكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نعيم، وأدخل بين كل عشرة أحاديث حديثاً ليس من حديث أبى نعيم، ثم. جاءه وقال: ((أريد أقرأ عليك هذه الأحاديث))، فأذن له، فقرأ العشرة الأولى، وأبو نعيم يقول: ((هذا من حديثى))، فلما وصل إلى الحديث الأول من الثلاثة، قال أبو نعيم: ((ليس هذا من حديثى اضرب عليه)»، وفعل ذلك فى العشرة الثانية وفى الحديث الثانى من الثلاثة، وكذلك فى العشرة الثالثة، ولما قرأ يحيى الحديثَ الثالثَ علم أبو نعيم ما فى الأمر، فأشار إلى الرمادى وقال: ((وأما هذا فهو أصغر - .- ١٠ من أن يفكر فى هذا))، وأشار إلى أحمد وقال: ((وأما هذا فورعه يمنعه أن يفعل هذا))، وقال لیحیی: «وأما هذا فهو فعلك یا فاعل»، ثم أخرج رجله ورقسه حتی سقط من أمام باب الدار، ثم دخل أبو نعيم داره، فقال أحمد ليحيى: ((ألم أقل لك لا تفعل فإن الرجل ثقة؟)) قال له: ((اسكت، فوالله لهذه الرفسة أحب إلى من رحلتى)) - أى أنه تأكد من تثبت أبى نعيم - راجع القصة بمعناها فى ((الكفاية)) للخطيب وفى ((تهذيب التهذيب)) ترجمة أبى نعيم. فلو كانوا يتكلمون بهوى لما سلم أبو نعيم من لسان يحيى، وما أدراك ما يحيى؟، يحيى الذى كان يصدع بالحق فى وجوه الرواة ولا يحابى أحداً، مما جعل عبد الله بن أحمد الدورقى يقول: ((كل من سكت عنه يحيى بن معين فهو ثقة)) كما فى: ((شرح علل الترمذى)» (ص ١٤٥) وإن كان ما قاله الدورقى ليس على عمومه. نعم قد يتكلم الأقران فى بعضهم بما لا ينفك عنه البشر وليس أحد بمعصوم، وكفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه. والذين ينكرون على الجرح والتعديل، قد سبقهم لذلك أقوام، فسقط كلامهم ومات ذكرهم وارتفع شعبة، والقطان، وابن مهدى، وأحمد، ويحيى، وابن المدينى، ومن جرى مجراهم ممن قصد الذب عن هذا الدين، فنسأل الله أن يوفقنا لسلوك سلفنا الصالح وأن نكون ممن يغضب لله ولدينه لا لنفسه وما هذا الشباب المقبل على الله وعلى علم الحديث، وما هذه الصحوة الإِسلامية التى على تور وبصيرة فى جميع أنحاء الأرض، إلا علمَّ من أعلام النبوة،. وجزى الله علماءنا السابقين واللاحقين عنا وعن الإِسلام خيراً، فلتقر أعين المسلمين ولتسخن أعين أعداء هذا الدين بهؤلاء العلماء والشباب الذين أحيوا · السنن وبثوا فى المسلمين الأمل بأن الإِسلام قادم وبأن عصر الظلمات قد ولّى، وها هم يتحلقون حول علمائهم ويرحلون إليهم من كل حدب وصوب، وخلعوا ربقة التقليد الأعمى من رقابهم، فاللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا - ١١ - على طاعتك، واحفظ هذه الفئة من بين أيديها ومن خلفها وعن أيمانها وعن شمائلها، إنك على كل شيء قدير. السبب فى تأليف هذا الكتاب إن طالب العلم الذى يبحث فى كتب السنن والتراجم، يشعر بقيمة الفائدة التى يستفيدها والتى تعينه فى بحثه أو مشروعه الذى يعمله لخدمة الإسلام والمسلمين، فكنت إذا وقفت على قول لأحد العلماء السابقين أو المعاصرين بأن فلاناً من أئمة الجرح والتعديل متساهل أو متشدد أو معتدل، أو بأن ابن معين إذا قال فى الراوى: «ليس بشىء)) فمعناه كذا وكذا، أو بأن هناك فرقاً بين قولهم ((فلان ليس بقوى أو ليس بالقوى)) .... إلى غير ذلك من الفوائد، كنت أشعر بقيمة هذه الفائدة وبمقدار حاجتى وحاجة طلبة العلم إلى المزيد من ذلك، وكنت أتمنى أن أرى كتاباً قد جمع تلك الفوائد، وأثناء دراستى لكتب المصطلح وقفت على قول للحافظ الذهبى رحمه الله فى كتابه «الموقظة): (( .... ثم نحن نفتقر إلى تحرير عيارات التعديل والجرح وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة، ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإمام الجهبذ واصطلاحه ومقاصده بعباراته الكثيرة .... )) اهـ (ص ٨٢). وأيضاً وقفت على قول الحافظ السخاوى تلميذ الحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى فى كتابه («فتح المغيث)) عند كلامه على زيادات الحافظ العراقى رحمه الله على كل من ابن أبى حاتم وابن الصلاح ما فى كلام أئمة الحديث، قال رحمه الله: ( .... يعنى بدون استقصاء، وإلا فمن نظر كتب الرجال ككتاب ابن أبى حاتم المذكور ((والكامل)) لابن عدى ((والتهذيب)) وغيرهما ظفر بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها مع شرح معانيها لغة واصطلاحاً لکان حسناً))، - ١٢ - وقد كان شيخنا يلهج بذكر ذلك فما تيسر، والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عباراتهم فى غالب الأحوال وبقرائن ترشد إلى ذلك. أهـ (٣٦١/١ - ٣٦٢). فلما وقفت على ذلك وفقنى الله عز وجل وقويت رغبتى فى جمع بعض الألفاظ، فلما فتشت فى كتب الجرح والتعديل وكتب التاريخ فجّرْتُ منها ثَبَجَ بحٍ، وازددت يقيناً أنه كم ترك الأول للآخر، وأنه لابد من الرجوع إلى مصنفات الأئمة ودواوين السنة، ولو استطاع طالب العلم إذا وقف على كلمة أن يرجع إلى أصلها كان أولى وأحوط، فجمعت من ذلك ما فتح الله به علّ ثم أشار علّ الشيخ المبارك أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعى حفظه الله تعالى من بين يديه ومن خلفه وكفاه كل سوء ومكروه بأن أعلق على كتاب ((الرفع والتكميل)) لأبى الحسنات اللكنوى رحمه الله تعالى، فنظرت فى كتاب اللكنوى رحمه الله فلم ينشرح صدرى للتعليق عليه وذلك لسببين: الأول: أن فيه مباحث كثيرة حول قواعد الحنفية، وهذا لا يتصل ببحثى اتصالاً وثيقاً فلو ذهبت أتتبع ذلك أخذ على وقتاً وأنا فى حاجته لما هو أولى. الثانى: أن الكتاب وإن كان فيه من الفوائد الحديثية إلا أنه دون كتاب التهانوى: ((قواعد فى علوم الحديث)) ففى الأخير مسائل حديثية وفوائد أكثر من الأول، ومع ذلك لو جمع الكتابان فى كتاب واحد لكان محتاجاً إلى عمل يكون أضعاف أضعاف الكتاب، ورأيت أنى سأثقل الحواشى بالتعليقات، ثم هدانى الله عز وجل إلى إفراد هذه الفوائد فى كتاب خاص وسميته: شفاء العليل بألفاظ وقواعد الجرح والتعديل ) لتقر به أعين طلبة العلم، وليروى غليل الباحثين فى هذا الشأن، ولست أقول: إنه آخر لبنة فى هذا البناء وما كان ينبغى لأحد أن يتحجر واسعاً فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. - ١٣ - وقسمت الكتاب إلى ثلاثة أقسام: * القسم الأول: فى ألفاظ الجرح والتعديل. القسم الثانى: فى فوائد عامة فى الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل والتعريف والتجهيل. القسم الثالث: فى تراجم أئمة الجرح والتعديل. فأما القسم الأول: وهو قسم ألفاظ الجرح والتعديل فهو عدة أبواب: الباب الأول: ذِكْر مراتب الجرح والتعديل، وقسمت المراتب إلى إحدى عشرة مرتبة، خمس فى مراتب التعديل وست فى مراتب التجريح، وذكرت فى كل مرتبة الألفاظ التى تليق بها، وشرحت ما يحتاج من ذلك لغة واصطلاحاً، وأهل هذه المراتب قد جمعهم الإِمام الذهبى رحمه الله فى مثال حسن فقال رحمه الله بعد ذكره للطبقة الثانية من أئمة الجرح والتعديل: ((وفى هذا الوقت وقبله صُنِّفتْ المسانيد والجوامع والسنن، وجمعت كتب الجرح والتعديل والتاريخ وغير ذلك، وبُيِّن حال من هو فى الثقة والتثبت كالاسطوانة، ومن هو فى الضعف كالريحانة، فمنهم من هو العدل الحجة كالشاب القوى المعافى، ومنهم من هو صدوق كالشاب المتوسط الصحيح فى القوة، ومنهم من هو صدوق أوْ لا بأس به كالكهل المعانى، ومنهم من هو الصدوق الذى فيه لين كمن هو فى عافية لكن يوجعه رأسه أو به دمل، ومنهم الضعيف كالذى تحامل ويشهد الجماعة محموماً ولا يرمى جنبه، ومنهم الضعيف الواهى كالرجل المريض فى الفراش وبالتطيب ترجى عافيته، ومنهم الساقط المتروك كصاحب المرض الحاد الخطر، وآخر حاله كحال من سقطت قوته وأشرف على التلف، وآخر من الهالكين. كالمحتضر الذى ينازع، وآخر من الكذابين الدجالين)). اهـ (ص ١٧١) من رسالة ((ذِكْر من يعتمد قوله فى الجرح والتعديل)) للإِمام الذهبى. الباب الثانى: ذكر مصطلحات خاصة لبعض الأئمة فى بعض ١٤ _ الألفاظ. الباب الثالث: ذكر ألفاظ لها منزلة معينة عند إطلاقها جرحاً أو تعديلاً ولا تنتقل عنها إلا لقرينة صارفة. الباب الرابع: ذكر ألفاظ ظاهرها الجرح والتعديل والأمر على خلاف ذلك. الباب الخامس: ذكر ألفاظ وعبارات مترددة بين منزلتين فأكثر والترجيح للقرينة. الباب السادس: ذكر ألفاظ تختلف فى المعنى وقد يُظن اتحادها أو * تقاربها. الباب السابع: ذكر ألفاظ يتفق معناها وقد يُظن اختلافها. * الباب الثامن: ذكر ألفاظ وعبارات لا يلزم منها تضعيف الراوى مطلقاً. الباب التاسع: ذكر ألفاظ خفيفة الجرح وتطلق أحيانا على الجرح الشدید. الباب العاشر: ذكر ألفاظ يترجمها مَنْ بعد إمام الجرح والتعديل. الباب الحادى عشر: ذكر ألفاظ الجرح المجمل والجرح المفسر. الباب الثانى عشر: ذكر أساليب أئمة الجرح والتعديل فى الكلام على الرواة. وأما القسم الثانى: فهو عبارة عن فوائد وقواعد مستفادة من كتب المصطلح وكتب التراجم وكتب العلل وتفصيل ذلك يأتى فى محله إن شاء الله. وأما القسم الثالث: فهو عبارة عن معجم لأئمة الجرح والتعديل المذكورين فى رسالة الذهبى - ١٥ - مع زيادة عليهم إن شاء الله، أذكر فى ترجمة كل إمام منهم سنة ميلاده ووفاته إن أمكن، وبلده ومذهبه الاعتقادى والفقهى، لأن بمعرفة سنة ميلاده ووفاته ومعرفة ذلك بالنسبة للراوى يستطيع الطالب أن يعرف هل الإمام عاصر الزاوى أم لا، لأن كلام المعاصر مقدم على كلام المتأخر، وإذا علم مذهب الإمام ومذهب الراوى فإن كانا مختلفين فقد يكون الجرح بسبب ذلك، وإذا عرف الطالب بلد الإِمام وبلد الراوى عرف وزن الكلام جرحاً وتعديلاً، ولاسيما عند التعارض لأن بلدى الرجل أعرف به إذا كان أهلاً للكلام فى الرواة، وإذا علم المتشدد منهم والمتساهل والمعتدل، استطاع الطالب أن يعرف من يقدم كلامه فى الترجمة. وأئمة الجرح والتعديل الذين لهم كتب دوّنوا فيها كلامهم أو دونها تلامذتهم ووقفت عليها أقوم بعمل دراسة تفصيلية لها، إن شاء الله تعالى وأوضح شرط كل إمام فی کتابه إن كان له شرط ومدی الوفاء بذلك، وأوضح اصطلاحاته فى ذلك الكتاب ومنهجه فيه، حتى يتمكن طالب العلم من الوقوف على الصواب إن شاء الله. وأجعل ذلك فى ترجمة صاحب الكتاب. إذا علمت هذا، فهناك أمور ينبغى أن أنبه عليها وهى منهجى فى الكتاب وبيان لطريقتى فيه والله المستعان. O الأمر الأول: وهو من أهم هذه الأمور، أننى أذكر اللفظ من ألفاظ الجرح والتعديل وأجعله فى المرتبة التى تليق به، وأذكر ترجمة من التراجم تشهد لذلك، وليس معنى ذلك أن ما أذكره من قول هو القول الأول والأخير فى حال صاحب الترجمة، بل من أراد الوقوف على حال صاحب الترجمة فليرجع إلى مظان ذلك وهى كتب الجرح والتعديل، ليقف على ما قيل فى الراوى ثم يحكم عليه بما يستحق، وستجد إن شاء الله تعالى أثناء الكتاب بعض تنبيهات على ذلك وتركت التنبيه فى أكثر التراجم اكتفاء بما ذكرته هنا والله أعلم. - ١٦ - السبيل إلى معرفة معنى أى لفظ من ألفاظ الجرح والتعديل، يكون إما بنص من الإِمام نفسه كأن يقول: إذا قلتُ كذا فمعناه كذا، أو بنص من تلميذ له أو من إمام آخر، أو باستقراء للمواضع التى ورد فيها هذا اللفظ، أو بمقارنة كلام الإِمام مع كلام بقية الأئمة، لأن كلامهم فى الغالب يقوى بعضه بعضاً ويفسر بعضه بعضاً وإن كان يظهر لدى كثير من الناس التعارض لكن الجمع كثيراً ما يكون ميسوراً، والله أعلم. وأيضاً يعرف معنى ألفاظ الجرح أو التعديل إما بالرجوع إلى اللغة - لكن الاصطلاح مقدم على اللغة فى ذلك إذا تعارضاً -، أو بالرجوع إلى عرف المتكلِّم أو بالنظر فى كتب الأمثال العربية ....... وهكذا. O الثالث: هذه الألفاظ التى جمعتها ليست على سبيل الحصر - وإن كان الحصر ممكناً خلافاً لبعضهم - لكن هذه الألفاظ تعتبر أساساً كاملاً وشاملاً - إن شاء الله تعالى - لغيرها من الألفاظ فما بقى من الألفاظ قليل جداً ويقاس على ما ذكرته، وإنما أهملت ما أهملت لأنه بنفس معنى الذى ذكرت مع اختلاف قليل فى اللفظ، كأن يقال فلان: ((لا بأس به)) ويأتى بلفظ آخر: ((فلان ما به بأس» ويأتى بلفظ آخر : ((ليس به بأس)) وقس على ذلك. O الرابع: كثير من الألفاظ التى يقف عليها القارىء فى هذا الكتاب ربما وقفت عليها فى أكثر من خمس تراجم، أو فى ترجمة واحدة لكن فى مواضع متعددة، فإذا نشطت ورأيت أن مِن ذِكر كل المواضع أو أكثرها فائدة سردت المواضع التى ورد فيها هذا اللفظ، وإلا اكتفيت بموضع واحد أو ترجمة واحدة خشية الملل أو تسويد الصحيفة بما ليس وراءه كبير طائل. - ١٧ - ٥ الخامس: · لا ألتزم الرجوع إلى كتب اللغة فى كل لفظة جرحاً أو تعديلاً، لأن ذلك يقتضى كبر الكتاب جداً لتحصيل ما هو حاصل، لكن إذا كانت هناك ألفاظ يظن أنها غريبة رجعت إلى مصادر ذلك وأشرت إليه. 0 السادس: اعلم أن ألفاظ الجرح والتعديل تستمد قوتها من منزلة قائلها فهماً واعتدالاً وحُسْنَ زمانٍ، وكذا من عموم لفظها، فليس قول المتساهل والمتشدد كقول المعتدل، وليس قول أحدهم: ((ما رأيت أحسن من فلان)) وهو فى الأزمنة المشهورة بالعلم والفضل كقول المتأخر، وليس قول أحدهم : ((فلان يكفى قبيلة)) كقول آخر : ((فلان يكفى أهل الدنيا)) ...... وهكذا. 0 السابع: المعيار فى وضع هذا اللفظ فى هذه المرتبة وذاك فى تلك هو دلالة اللفظ بمفرده ومعناه المتجرد عن القرائن، فقد تقال كلمة رفيعة المدح فى رجل ليس حاله هكذا أو العكس، فالعبرة بدلالة اللفظ - كما سبق تفصيل كيفية معرفة دلالته فى الأمر الثانى - لا بمن قيل فيه هذا اللفظ ، والله أعلم. O الثامن :: أُذكر كلام الأئمة فإن كان لى قول أذكره بعد قولى: (( هـ) أو أذكر رقم الجزء والصفحة وأشير إلى المرجع الذى أخذت منه وما بعده فهو كلامى أو أقول: (قلت)): O التاسع: إذا ذكرت لفظاً من ألفاظ الجرح والتعديل فأنا لا ألتفت إلى قائل هذا اللفظ، هل هو متشدد أو متساهل أو معتدل، أو فوق الذى تكلم فيه أو دونه، أو غير ذلك من أمور، لأن قصدى بيان اللفظ ومعناه، أما الذى يريد أن يبحث - ١٨ - فى حال الرجل المترجم له ويحكم عليه بما يستحق فلابد أن يراعى ما تقدم. O العاشر: أكثر ألفاظ الجرح والتعديل قد دوِّنت فى كتب قائليها أو فى كتب تلامذتهم، لكنْ هناك أيضاً كثيرٌ من الألفاظ وقفت عليها فى كتب المتأخرين، والمقصود من عملى هذا هو معرفة معنى اللفظ لغة واصطلاحاً، أما الذى يبحث فى حال الراوى فعليه معرفة صحة الأسانيد إلى الإِمام الذى تكلم فى هذا الراوى بالجرح أو بالتعديل، لأن الألفاظ التى لم أبحث فى أسانيدها أكثرها متكرر وموجود فى أقوال الأئمة، فإن لم تصح هذه اللفظة مثلاً عن ابن مهدى فهى موجودة فى كلام غيره، وهكذا أما القليل من ذلك فإن صح الإِسناد به فقد بيَّنْتُ معنى اللفظ ومنزلته مدحاً وقدحاً وإلا فلا ضرر، والله أعلم. O الحادى عشر: أرقام الصفحات والأجزاء وأسماء المراجع آثرت أن أدخلها داخل الكتاب لا فى الحاشية لسببين، الأول: كثرة ذلك مما يثقل الحاشية. الثانى: أن ذلك يتعب القارىء، لأنه إذا كان يقرأ ثم وجد رقم (١) مثلاً فإنه ينزل إلى رقم (١) فى الحاشية، فيقرأ رقم الجزء والصفحة واسم المرجع ثم يرفع بصره فى متن الكتاب إلى رقم (١) ليبدأ من حيث انتهى، ففى هذا مشقة على القارىء، وهذا خلاف لماتعارف عليه بعض المؤلفين، وقد أعجبنى فى هذا صنيع الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألبانى- حفظه الله تعالى- ومتع به ونفع به المسلمين، وإن كان فى بعض الحالات يَحْسُن كتابة ذلك فى الحاشية. وأيضاً إذا نقلت قولاً أو ترجمة من ((التاريخ الكبير للبخارى)» أو «الجرح والتعديل)) لابن أبى حاتم الرازى أو ما شابههما فإنى أعزوه إلى رقم الجزء والصفحة حسب المطبوعة التى بين يدىّ لا حسب تقسيم وتجزئة المؤلف، وفى ذلك من التيسير على الطالب فى الوقوف على ما ذكرته ما لا يخفى على طالب علم خلافاً لبعض المؤلفين والله أعلم. - ١٩ - O الثانى عشر: إذا ذكرت عدة تراجم من عدة مراجع تشهد لما قلته، فكان ينبغى أن أبداً بذكر الأقدم فالأقدم من المراجع أو من الأئمة، لكن قد أخالف ذلك لزيادة بيان من المتأخر، أو لأنى لم أقف على كتاب الإِمام نفسه إلا بعد تدوينى للمسألة من كتاب المتأخر عنه، وأرى فى ذلك نسبة الفائدة إليه، وقد أشير إلى موضع ذلك فى كتاب المتقدم وقد لا أشير والأمر سهل، والله أعلم. O الثالث عشر: النادر جداً من الألفاظ أو العبارات قد يجدها القارىء غير معزوة إلى مصدر، وهذا إما لأنى نسيت الموضع الذى وقفت عليه فيه، أو لأنى أكتفيت بشهرتها، أو لأنى قد سبق لى ذكرها مفصلة والله أعلم. O الرابع عشر: ألفاظ المرتبة الواحدة لا يظن طالب علم أنها سواء من كل ناحية، بل تجد: فى المرتبة الواحدة اختلافاً، وأن هذا اللفظ أرفع من ذاك أو أرداً منه، لكن المعيار فى تقسيم المراتب هو تشابه الألفاظ وتقاربها لا اتحادها دائماً من كل وجه، ولو راعيتُ فى تقسيم المراتب هذه الفروق لكانت المراتب أضعاف أضعاف ما ترى، والأئمة السابقون قسموا المراتب فما زادوا على اثنتى عشرة مرتبة فيما أعلم، لكن ألفاظ أى مرتبة بجملتها أعلى من التى بعدها ودون التى فوقها، والله تعالى أعلم. ويزداد الأمر غموضاً فى بعض الألفاظ من المراتب التى يصلح أهلها للشواهد والمتابعات، وكان أهم ما يهمنى ألا ينتقل لفظ من ألفاظ الشواهد إلى ألفاظ الاحتجاج أو الرد، وإن كنت أتحرى ما استطعت وضع كل لفظ فى محله وأسأل الله أن أكون قد وُفِّقت فى هذا. وإذا قلت فى بداية كل مرتبة: عند ابن أبى حاتم أو العراقى أو الحافظ ابن. حجر ..... كذا وكذا من الألفاظ فليس معناه أنهم قالوا هذا اللفظ فى هذه المرتبة حسب ترتيبى أنا فقد أذكر كلاماً لأحدهم فى الثانية من مراتب التعديل وقد - ٢٠ -