النص المفهرس

صفحات 1-20

شُرُوطُ الأمَّةُ السَّنَّةْ
البخاري وَمُسلم وَأَبِي دَارُوُد وَالترمذي وَالنِسائي وابن ◌َاجَة
للحافظ إلى الفَضل محمّد بن طاِ المقدسي
ويليه
شِرُوطُ الأَوْرُ الَّسَةْ
البَخَارِي وَمُسْلمَ وَأبي دَاوود وَالترمذي وَالنّسَويْ
للحافظ أبي بكر محمّد بن مُوسُ الحَازِي
دار الكتب العلمية
بیروت - لبنان

الطبعة الاولى
١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤ م
بيروت - لبنان
جميع الحقوق محفوظة
لدار الكتب العلمية - بيروت
يطلب من : دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان
هاتف : ٨٠١٣٣٢ - ٨٠٥٦٠٤ - ٨٠٠٨٤٢
صب ٩٤٢٤-١١ - تلكس: NASHER 41245 Le

٠٠٠
شروط الأئمة الستة
ويليه
شروط الأئمة الخمسة

اعتمدنا بتحقيق هذه النسخة على طبعة
المرحوم حسام الدين القدسي بالقاهرة
المطبوعة سنة ١٣٥٧ هجرية .

ترجمة الحافظ أبي الفضل المقدسي (١)
هو الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد القيسراني
المقدسي ذو الرحلة الواسعة والتصانيف والتعاليق .
ولد سنة ٤٤٨ للهجرة .
سمع بالقدس وبغداد ونيسابور وأصبهان وشيراز والري ودمشق
ومصر .
ومن مؤلفاته : أطراف الكتب الستة ، والأنساب المتفقة في الخط
المتماثلة في النقط والضبط ، ورجال الشيخين ، وأطراف الغرائب والأفراد ،
وجزء في البسملة ، وصفوة التصوف ، وشروط الأئمة الستة . وغيرها .
تلقى مذهب أهل الظاهر من الحميدي ومذهب التصوف السالمي من
ابن مت .
قال الذهبي كان من أسرع الناس كتابة وأذكاهم وأعرفهم بالحديث
وهو في نفسه صدوق وله حفظ ورحلة واسعة والله يرحمه ويسامحه اهـ.
قال ابن عساكر : سمعت محمد بن اسماعيل الحافظ يقول : أحفظ
(١) راجع طبقات الحفاظ وميزان الاعتدال للذهبي وشذرات الذهب لابن عماد .
-
٥
-
?

من رأيت ابن طاهر . وقال أبو زكريا بن مندة : كان صدوقاً عالماً بالصحيح
والسقيم كثير التصانيف لازماً للأثر .
وكان لا يرى الجهر بالبسملة في الصلاة ولا القنوت في الفجر ولا
التشهد بتشهد ابن عباس ، ويرى كل ذلك من المسائل التي صح النقل
بخلافها أو غيرها أقوى وأرجح عند أهل الصنعة .
مات في بغداد عند قدومه من الحج يوم الجمعة من ربيع الأول سنة
٥٠٧ عن ستين سنة. غفر الله له وأعلى منزلته في الجنة.
1
٦

(١)
ترجمة الحافظ الحازمي
هو الامام المتقن الحافظ البارع النسابة المبرز زين الدين أبو بكر محمد
ابن موسى بن عثمان بن موسى بن عثمان بن حازم الهمذاني الحازمي -
نسبة إلى جده .
ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة .
سمع بهمذان من أبي الوقت السجزي وشهردار بن شيرويه وأبي
زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي والحافظ أبي العلاء الهمذاني ومعمر
ابن الفاخر .
وقدم بغداد فسمع من أبي الحسين عبد الحق بن يوسف وعبد اللّه
ابن عبد الصمد العطار ، وبالموصل من الخطيب أبي الفضل الطوسي ،
وبواسط من أبي طالب المحتسب ، وبالبصرة من محمد بن طلحة المالكي ،
وبأصبهان من أبي الفتح عبد الله بن أبي العباس الخرقي وأبي العباس أحمد
ابن أبي منصور أحمد الترك والحافظ أبي موسى المديني ، وبالحرمين
والشام والجزيرة ، وله إجازة من أبي سعد السمعاني وأبي طاهر السّلفي
وأبي عبد الله الرستمي .
(١) عن تذكرة الحفاظ للحافظ الذهبي وطبقات الشافعية للتاج بن السبكي وشذرات الذهب
لابن العماد ، وغيرها ملخصاً .
- ٧ -

روى عنه : أبو عبد الله الدبيني وابن أبي جعفر والتقى علي بن ماسويه
المقري وأبو الحسن السعدي وغيرهم .
قال الدبي : قدم بغداد وسكنها وتفقه بها في مذهب الشافعي وجالس
العلماء وتميز وفهم وصار من أحفظ الناس للحديث وأسانيده ورجاله مع
زهد وتعبد ورياضة وذكر ، قال ابن النجار : كان ثقة حجة نبيلاً زاهداً
عابداً ورعاً ملازماً للخلوة والتصنيف وبث العلم ، أدركه أجله شاباً .
سمعت محمد بن محمد بن غانم الحافظ يقول : كان شيخنا الحافظ أبو
موسى المديني يفضل أبا بكر الحازمي على عبد الغني المقدسي ويقول ما
رأيت شاباً أحفظ منه .
وكان من الأئمة الحفاظ العالمين بفقه الحديث ومعانيه ورجاله ، صنف
في الحديث عدة مصنفات وأملى عدة مجالس ، وكان كثير المحفوظ حلو
المذاكرة ، يغلب عليه حفظ أحاديث الأحكام ، أملى طرق الأحاديث
التي في المهذب وأسندها ولم يتمه ، وصنف :
كتاب الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار . فريد في بابه .
وكتاب عجالة المبتدى في الأنساب .
وكتاب المؤتلف والمختلف في أسماء البلدان .
وكتاب تهذيب الاكمال للأمير ابن ماكولا وبيان أوهامه .
وكتاب الضعفاء والمجهولين .
وكتاب الفيصل في مشتبه النسبة .
وكتاب شروط الأئمة الخمسة وغير ذلك .
وكان يحفظ الاكمال في المؤتلف والمختلف لابن ماكولا ومشتبه
- ٨ -
٠
=

النسبة للأزدي ، وكان آية في الحفظ والذكاء ، ينظر في كلام المصنفين
المشهود لهم بالبراعة والتبريز في علومهم ويبدي لهم بحزمه أوهاماً لا تدفع ،
فهذا الأمير ابن ماكولا وهو من أقر له معاصروه ومن بعده بالامامة والتقدم
في علم الرجال ومعرفة المؤتلف والمختلف ، وكتابه ( مستمر الأوهام )
في الرد على الدارقطني وعبد الغني الأزدي والخطيب البغدادي في ذلك
يشهد بمبلغ سعة علمه ، وكل من أتى بعده عالة على كتابه الاكمال وبقية
كتبه ، ومع ذلك كله فقد أجاد الحازمي في تبيين أوهامه ، وفعل مثل
ذلك مع الحاكم ، والإصابة حليفة له في انتقاداته ، وهذا مما يستدل به
على إتقانه وبراعته .
قال ابن النجار سمعت أبا القاسم المقري جارنا يقول وكان صالحاً :
كان الحازمي في رباط البديع وكان يدخل بيته في كل ليلة يطالع ويكتب
إلى الفجر فقال البديع لخادمه : لا تدفع اليه الليلة نوراً للسراج فلعله يستريح
الليلة فلما جن الليل اعتذر اليه الخادم بانقطاع البزر فدخل بيته وصف
قدميه ولم يزل يصلي ويتلو إلى أن طلع الفجر ، وكان الشيخ خرج ليعلم.
خبره فوجده في الصلاة اهـ .
ولو عاش الحازمي لملأ الدنيا علماً ولكنه توفي في جمادى الأولى سنة
أربع وثمانين وخمسمائة وهو ابن ست وثلاثين سنة تغمده الله برضوانه .
- ٩

تراجم الائمة الستة
الامام البخاري
(أولهم) إمام الأئمة وشيخ حفاظ الأمة أبو عبد الله محمد بن اسماعيل
البخاري الفارسي رحمه الله . ولد ببخارى سنة أربع وتسعين ومائة ،
وارتحل لطلب الحديث وتنقل في البلاد ، وابتدأ في تراجم أبواب الجامع
الصحيح بالحرم الشريف ، ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة بالبصرة
وغيرها حتى أتمه ببخارى . ومات بخرتنك قرب سمرقند سنة ست وخمسين
ومائتين .
وللحافظ الشمس بن طولون الدمشقي ( بلغة القانع في طرق الصحيح
الجامع) يستوفى الكلام على أسانيد الرواية اليه ، وكذا للسخاوي ( عمدة
القارئ والسامع في ختم الصحيح الجامع ) .
الامام مسلم
( وثانيهم) الامام الكبير أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري
النيسابوري رحمه الله. ولد بنيسابور سنة أربع ومائتين وبها توفي سنة
إحدى وستين ومائتين ، جرد الصحاح ولم يتعرض للاستنباط ونحوه ،
وفاق البخاري في جمع الطرق وحسن الترتيب .
- ١٠ -
٠

-
ذكر الذهبي عن أبي عمرو حمدان: سألت ابن عقدة أيهما أحفظ
البخاري أو مسلم ؟فقال كان محمد عالماً ومسلم عالم فأعدت عليه مراراً
فقال يقع لمحمد الغلط في أهل الشام وذلك لأنه أخذ كتبهم ونظر فيها فربما
ذكر الرجل بكنيته ويذكره في موضع آخر باسمه يظنهما اثنين ، وأما
مسلم فقلما يوجد له غلط في العلل لأنه كتب المسانيد ولم يكتب المقاطيع
ولا المراسيل اهـ. ومن شيوخه البخاري.
الامام أبو داود
( وثالثهم) الامام الفقيه أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني
رحمه الله. ولد سنة اثنتين ومائتين ومات بالبصرة سنة خمس وسبعين
ومائتين، قال الخطابي لم يصنف في علم الحديث مثل سنن أبي داود
وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصحيحين اهـ. حدث عنه الترمذي
والنسائي وكتب عنه أحمد حديث العتيرة .
قال ابن كثير في مختصر علوم الحديث : إن الروايات لسنن أبي داود
كثيرة يوجد في بعضها ما ليس في الآخر اهـ. ومن أشهر رواة السنن عنه
أبو سعيد بن الأعرابي وأبو علي اللؤلؤي وأبو بكر بن داسه .
الإمام الترمذي
(ورابعهم) الامام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي الضرير
رحمه الله. ولد سنة تسع ومائتين بترمذ وبها توفي سنة تسع وسبعين ومائتين،
قال ابن الأثير: في سنن الترمذي ما ليس في غيرها من ذكر المذاهب
ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب
اهـ. ومن شيوخه البخاري وأبو داود .
- ١١ -

الامام النسائي
( وخامسهم ) الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب
النسائي رحمه الله. ولد في نسا من نيسابور سنة خمس عشرة ومائتين،
قال الدار قطني : خرج حاجاً فامتحن بدمشق وأدرك الشهادة فقال احملوني
إلى مكة فحمل وتوفي بها ، وهو مدفون بين الصفا والمروة. وكانت وفاته
سنة ثلاث وثلاثمائة .
قال الذهبي : سئل بدمشق من فضائل معاوية فقال ألا يرضى رأساً
برأس حتى نفضل قال فما زالوا يدفعونه .. حتى أخرج من المسجد ثم
حمل إلى مكة فتوفي بها، كذا في هذه الرواية إلى ((مكة )) وصوابه
((الرملة)) اهـ .
والذي عد من الأصول الخمسة هو المجتبى المعروف بسنن النسائي
الصغير رواية ابن السني ، وأما رواية ابن حيويه وابن الأحمر وابن قاسم
فيقال لها النسائي الكبير ، قال أبو جعفر بن الزبير : ومما ينبغي التنبيه عليه
أن روايات النسائي تختلف اختلافاً كثيراً حتى قال شيخنا أبو علي الغافقي
لولا أن الإجازة تشتمل على جميعها لعسر اتصال السماع والقراءة ، ومن
قال قرأت أو سمعت كتاب النسائي ولم يبين الرواية التي سمع أو قرأ
فقد تجوز في الذي ذكره تجوزاً قادحاً في الرواية اهـ. ومن شيوخه أبو
داود والترمذي . ويروى عن الذهبي أنه كان يفضله على مسلم في الحفظ .
ذكر الذهبي أن النسائي قال دخلت دمشق والمنحرف عن علي بها كثير
فصنفت كتاب الخصائص رجوت أن يهديهم اللّه اهـ.
الإمام ابن ماجه
( وسادسهم ) الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه -
بتخفيف الجيم وسكون الهاء - القزويني صاحب السنن والتفسير والتاريخ
- ١٢ -
۔۔
Y
۔

ر
ولد سنة ٢٠٩ سمع أبا بكر بن أبي شيبة وطبقته ، وأعلى ما عنده الثلاثيات
وهي خمسة إلا أنها بطريق جبارة بن المغلس . ولابن ماجه رحلة إلى الري
وإلى العراق والبصرة والكوفة وبغداد وإلى الشام ومصر والحجاز لكتابة
الحديث .
وأول من أدخل كتاب السنن له في عداد الأصول الستة هو الحافظ
أبو الفضل بن طاهر فتتابع أكثر الحفاظ على ذلك في كتبهم في الرجال
والأطراف ، إلا أنهم اختلفوا هل هو سادس الخمسة أم سادس الستة. وأما
ما نظمه ابن الجوزي في سلك الموضوعات من أحاديثه فنحو ثلاثين حديثاً ،
وفعل مثل ذلك مع الترمذي إلا أن ما في ابن ماجه لا يقل من الضعف الشديد
في ثلثي هذا المقدار ، وقد اشتهر أن الرجال الذين انفرد بهم ابن ماجه
ضعاف وإن كان بين الأحاديث التي انفرد بها صحاح ، وللحافظ الشهاب
البوصيري ( مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ) تكلم فيه على كل إسناد
من أسانيد تلك الزوائد بما يليق بحاله من صحة وحسن وضعف وغير ذلك ،
وما سكت عليه ففيه نظر . ونصه على الضعف الشديد في حديث ما كاف
في سقوطه من مقام الاحتجاج به سواء أنطق بالوضع أم لم ينطق به .
وليس بقليل من يرمي نقلة كتاب ابن ماجه بالتصحيف ، وأصح
نسخة - فيما أعلم - تداولتها أيدي الحفاظ المتقنين من المقادسة وغيرهم
طبقة بعد طبقة هي النسخة المحفوظة بالخزانة التيمورية ( رقم ٥٢٢ ) بدار
الكتب المصرية .
توفي ابن ماجه يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان سنة ٢٧٣ .
رضي الله عن الجميع وأعلى منازلهم في الجنة .
-
- ١٣
٠٠٠

-
1
.
-

شُرُوطُ الأمَّةُ السَّة
البخاري وَمُسلم وَإِبِي دَارُوُد وَالترمذي وَالنِسائي وابن ◌َاجَه
للحافظ أبي الفَصل محمّد بن طاِر المقدسيى
المتوفي سنة ٥٠٧ رحمه الله تعالى
ـر

.
1.
-

بـ
بسم الله الرحمن الرحيم
فاتحة شروط الأئمة الستة
شروط البخاري ومسلم :
قال الامام الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي رحمه
اللّه تعالى: فإن قيل إن كل واحد من هؤلاء الأئمة الستة يعني البخاري
ومسلماً وأبا داود والترمذي والنسائي وابن ماجه صنف كتاباً على حدة
ولم يتفقوا على ما أخرج الأول من غير زيادة ونقصان فهل تجري كلها
مجرى واحداً في الصحة أم تتباين في المعنى ؟
( الجواب ) إن بعض أهل الصنعة سألني ببغداد عن شرط كل واحد
من هؤلاء الأئمة في كتابه فأجبته بجواب أنا أذكره ههنا بعينه ورمته . قلت :
إعلم أن البخاري ومسلماً ومن ذكرنا بعدهم لم ينقل عن واحد منهم
أنه قال شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني (١) وإنما
يعرف ذلك من سبر كتبهم فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم . فاعلم
أن شرط (البخاري ومسلم) أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته(٢)
(١) يعني سوى اشتراط اللقى عند البخاري، والاكتفاء بالمعاصرة عند مسلم كما هو مشهور.
(٢) قال العراقي في شرح ألفيته : ليس ما قاله ابن طاهر يجيد لأن النسائي ضعف جماعة أخرج
لهما الشيخان أو أحدهما اهـ. وموعد بسط ما هو الحق في هذا الصدد في شروط الحازمي
فانتظره .
شروط الأئمة م ٢
- ١٧ -
ر

إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات ، ويكون
إسناده متصلاً غير مقطوع فإن كان للصحابي راويان فصاعداً فحسن
وإن لم يكن له إلا راو واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه ،
إلا أن مسلماً أخرج أحاديث أقوام ترك البخاري حديثهم لشبهة وقعت
في نفسه أخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة (١) مثل حماد بن سلمة وسهيل
ابن أبي صالح وداود بن أبي هند وأبي الزبير والعلاء بن عبد الرحمن
وغيرهم. جعلنا هؤلاء الخمسة مثالاً لغيرهم لكثرة روايتهم وشهرتهم .
فلما تكلم في هؤلاء بما لا يزيل العدالة والثقة ترك البخاري إخراج حديثهم
معتمداً عليهم تحرياً وأخرج مسلم أحاديثهم بإزالة الشبهة ، ومثال ذلك
أن سهيل بن أبي صالح تكلم في سماعه من أبيه فقيل صحيفة فترك البخاري
هذا الأصل (٢) واستغنى عنه بغيره من أصحاب أبيه ، ومسلم اعتمد عليه
لما سبر أحاديثه فوجده مرة يحدث عن عبد الله بن دينار عن أبيه ومرة عن
الأعمش عن أبيه ومرة يحدث عن أخيه عن أبيه بأحاديث فاتته من أبيه
فصح عنده أنه سمع من أبيه إذ لو كان سماعه صحيفة لكان يروي هذه
الأحاديث مثل تلك الآخر ، وكذلك حماد بن سلمة إمام كبير مدحه الأئمة
وأطنبوا لما تكلم فيه بعض منتحلي المعرفة أن بعض الكذبة أدخل في حديثه
ما ليس منه لم يخرج عنه معتمداً عليه بل استشهد به في مواضع ليبين أنه
ثقة ، وأخرج أحاديثه التي يرويها من حديث غيره من أقرانه كشعبة وحماد
(١) بمعنى أن مرويات خاصة لهم ظهرت صحتها له بزوال الشبهة الطارئة ، ببحث خاص
فانتقاها ، لا بمعنى قبول جميع مروياتهم مطلقاً . فمن ظن أن مرويات رجال أخرج
عنهما الشيخان صحاح كلها فقد ظن باطلا فكما لا تكون أحاديث سيىء الحفظ كلها باطلة
كذلك لا تكون أحاديث الثقة كلها صحيحة على ما يظهر من سبر صنيعهم .
(٢) قال الذهبي أخرج له البخاري استشهاداً وكان النسائي إذا حدث بحديث سهيل هذا قال :
سهيل والله خير من أبي اليمان ويحيى بن بكير وغيرهما . وكتاب البخاري ملآن من
هؤلاء .
- ١٨ -
(

ابن زيد وأبي عوانة وأبي الأحوص وغيرهم. ومسلم اعتمد عليه لأنه
رأى جماعة من أصحابه القدماء والمتأخرين رووا عنه حديثاً لم يختلفوا عليه
وشاهد مسلم منهم جماعة وأخذ عنهم ثم عدالة الرجل في نفسه وإجماع
أئمة النقل على ثقته وإمامته .
فهذا الكلام فيما اختلفا فيه من إخراج أحاديث هؤلاء وما جرى
مجراهم ..
شروط أبي داود :
وأما (أبو داود)(١) فمن بعده فإن كتبهم تنقسم على ثلاثة أقسام:
(القسم الأول ) صحيح وهو الجنس المخرج في هذين الكتابين للبخاري
ومسلم فإن أكثر ما في هذه الكتب مخرج في هذين الكتابين ، والكلام
عليه كالكلام على الصحيحين فيما اتفقا عليه واختلفا فيه .
( القسم الثاني ) صحيح على شرطهم. حكى أبو عبد الله بن منده
أن شرط أبي داود والنسائي إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم
إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال ويكون هذا
القسم من الصحيح فإن البخاري قال أحفظ مائتي ألف حديث صحيح
ومائتي ألف حديث غير صحيح ، ومسلم قال أخرجت المسند الصحيح
من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة . ثم إنا رأيناهما أخرجا في كتابيهما ما
اتفقا عليه وما انفردا به قريب عشرة آلاف (٢) تزيد أو تنقص فعلمنا أنه
(١) ليس بقليل من يفضل كتاب النسائي الصغير على سنن أبي داود. لكن بالنظر إلى عدد
الأحاديث التي انتقدها ابن الجوزي من بين أحاديث الكتب الستة يكون أبو داود مقدماً
على النسائي ثم الترمذي وابن ماجة . رجع آخر تعقبات السيوطي .
(٢) لكن ما سوى المكرر من الأحاديث المسندة في صحيح البخاري نحو ألفين وستمائة واثنين .
وفي صحيح مسلم نحو أربعة آلاف حديث كما هو مشهور .
- ١٩ -
ر

قد بقي من الصحيح الكثير إلا أن طريقه لا يكون كطريق ما أخر جاه (١)
في هذين الكتابين فما أخرجوه مما انفردوا به دونهما فإنه من جملة ما تركه
البخاري ومسلم من جملة الصحيح .
( والقسم الثالث ) أحاديث أخرجوها للضدية في الباب المتقدم وأوردوها
لا قطعاً منهم بصحتها وربما إبان المخرج لها عن علتها بما يفهمه أهل المعرفة.
فإن قيل لم أودعوها كتبهم ولم تصح عندهم؟ فالجواب من ثلاثة
أوجه :
( أحدها ) رواية قوم لها واحتجاجهم بها فأوردوها وبينوا سقمها
لتزول الشبهة .
و (الثاني) أنهم لم يشترطوا ما ترجمه البخاري ومسلم رضي الله عنهما
على ظهر كتابيهما من التسمية بالصحة فإن البخاري قال ما أخرجت في
كتابي إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول . ومسلم قال ليس كل
حديث صحيح أودعته هذا الكتاب وإنما أخرجت ما أجمعوا عليه(٢) ، ومن
بعدهم لم يقولوا ذلك فإنهم كانوا يخرجون الشيء وضده .
و (الثالث) أن يقال لقائل هذا الكلام رأينا الفقهاء وسائر العلماء
يوردون أدلة الخصم في كتبهم مع علمهم أن ذلك ليس بدليل فكان فعلهما (٣)
هذا كفعل الفقهاء والله أعلم .
(١) يعني جملة وإلا فلا يصح هذا الكلام لأنه يوجد فيما سواهما ما يفضل على ما فيهما لأسباب
وملابسات تذكر في شرح أحاديث الأحكام. راجع الباب الأخير من ( الانتصار
والترجيح ) لسبط ابن الجوزي .
(٢) المراد إجماع شيوخه وإلا فأين الاجماع في مواطن الخلاف !.
(٣) يعني أبا داود والنسائي .
- ٢٠ -
سنـ