النص المفهرس

صفحات 281-300

المرحلة السادسة
البحث عن العلة
فالعلة - كما سبق أن ذكرنا - لا تُكتشف إلا بجمع الطرق، وسبر
الاسانيد هل لازم يجهها كلها
الروايات، وتتبع ما في الباب .
والعلل أجناس مرجعها إلى ما ذكرناه سابقاً، وبعضها يختص
بالاتصال، وبعضها بالشذوذ والاختلاف، وبعضها بالضبط، وبعضها
بالعدالة ....
وأجناس العلل عشرة ، وهى :
١ - أن يكون السند ظاهره الصحة، وفيه من لا يُعرف بالسماع ممن
روى عنه .
ومثاله :
ما رواه عبد السلام بن حرب الملائى، عن الأعمش ، عن أنس، قال:
كان النبى ◌َ ◌ّة إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض .
أخرجه الترمذى (١٤)، وأبو عيسى الرملى فى ((زوائد سنن أبى
داود)) (سنن: ٥٠/١).
قلت : وهذا إسناد ظاهره الصحة، ورجاله ثقات، إلا أن الأعمش لم
يسمع من أنس بن مالك - رضى الله عنه - .
قال ابن المدينى: (( الأعمش لم يسمع من أنس بن مالك ، إنما رآه رؤية
بمكة يصلى خلف المقام))(١).
(١) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص: ٨٢).
٢٨١

٢- أن يكون الحدیث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويُسند
من وجه ظاهره الصحة .
ومثاله :
ما أخرجه النسائي (١٥٩/٨): أخبرنى الربيع بن سليمان ، قال :
حدثنا إسحاق بن بكر، قال: حدثنى أبي، عن عمرو بن الحارث، عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة -رضى الله عنها -: أن رسول الله عَ لّه رأى
عليها مسكتي ذهب، فقال رسول الله مطاعم :
((ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا، لو نزعت هذا وجعلت مسكتين
من وَرِق ، ثم صفرتهما بزعفران، كانتا حسنتين)) .
قلت : وهذا سند ظاهره الصحة، إلا أنه معلول بما رواه عبد الرزاق
فى ((المصنف)) (٧١/١١): عن معمر، عن الزهرى، قال: رأى النبى عَ لَ﴾.
على أم سلمة قرطين من ذهب ، فلم ينظر إليها حتى ألقتهما .
قال الزهرى: ورأى النبى عم ◌ّ على عائشة قلابين من فضة ملونين
بذهب، فأمرها أن تلقيها، وتجعل قلابين من فضة، وتصفرهما بزعفران.
قلت : اختلف فيه على الزهرى، فرواه عنه عمرو بن الحارث، وتابعه
صالح بن أبى الأخضر، وهو ضعيف لا سيما فى روايته عن الزهرى،
وخالفهما معمر بن راشد، وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهرى،
ومن أثبت الناس فيه، فرواه عن الزهرى مرسلاً .
فالأصح روايته ، ولذا قال النسائى عقب إخراج الموصول :
«هذا غير محفوظ)).
٢٨٢

٣ - أن يكون الحديث محفوظًا عن صحابي، ويروى عن غيره
لاختلاف بلاد رواته .
ومثاله :
ما رواه عبد العزيز بن المختار وغيره ، عن سهيل بن أبي صالح، عن
الحارث بن مُخَلَّد، عن أبى هريرة - رضى الله عنه - مرفوعاً:
(( لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته فى دبرها)) .
أخرجه أحمد (٣٤٤/٢ و٤٤٤ و٤٧٩)، وابن أبي شيبة (٥٣٠/٣)،
وأبوداود (٢١٦٢) والنسائي فى ((عشرة النساء)) (١٢٩)، وابن ماجة
(١٩٢٣) .
ورواه إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبى صالح، عن محمد بن
المنكدر ، عن جابر بن عبد الله به .
أخرجه الطحاوى فى ((شرح معانى الآثار)) (٤٥/٣).
وإسماعيل بن عياش صدوق فى روايته عن أهل بلده الشاميين ، فإذا
روى عن غيرهم أخطأ، وسهيل مدنى ، فهذه علة، مع أن ظاهر السند
السلامة من العلل .
٤- أن يكون محفوظاً عن صحابى، ويروى عن تابعى، يقع الوهم
بالتصريح بما يقتضى صحبته ومثاله :
ما أخرجه الحاكم فى ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٤٥) من طريق:
زهیر بن محمد، عن عثمان بن سلیمان ، عن أبیه؛ أنه سمع النبی تێے
يقرأ فى المغرب بالطور .
قال الحاكم : ((قد خَرّج العسكرى وغيره من المشايخ هذا الحديث فى
الوحدان ، وهو معلول من ثلاثة أوجه :
٢٨٣

أحدها : أن عثمان هو ابن أبى سليمان .
والآخر : أن عثمان إنما رواه عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه .
والثالث: قوله: سمع النبى ◌ٍَّ ، وأبو سليمان لم يسمع من النبى
پڼ ولم يره)).
قلت : ويندرج تحت هذا الجنس من العلل:
أن يختلف على راوٍ فى سماعه من شيخ لا يُعرف له سماع منه، وقد
سبق الكلام على هذا النوع عند الكلام على الاختلافات (رقم: ٦) .
۵۔ أن یکون روی بالعنعنة، وسقط منه رجل، دَلّ علیه طريق
أخرى محفوظة ، ومثاله :
ما رواه إبراهيم بن المنذر الحزامى ، حدثنا عبد الله بن وهب، عن
عبدالله بن عياش، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو بن
العاص مرفوعاً :
((من كتم علماً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)).
أخرجه أبو نعيم الأصبهانى فى ((الضعفاء)) (ص: ٥٠) عن أحمد بن
بندار الفقيه، حدثنا أبو بكر أحمد بن أبى عاصم ، حدثنا إبراهيم به .
٠٧٠٤
ورواه الأصبغ بن فرج ، وأبو الطاهر بن السرح، وغيرهما، عن
عبدالله بن وهب ، عن عبد الله بن عيّاش بن عباس ، عن أبيه ، عن أبى عبد
الرحمن الحبلی به .
وهو الأصح .
أخرجه ابن حبان فى ((صحيحه)) (موارد: ٩٦)، والحاكم (١٠٢/١)،
والخطيب فى ((تاريخه)) (٣٩/٥)، وابن عبد البر فى ((جامع بيان العلم
وفضله)) (٥/١).
٢٨٤

٦- أن يختلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما
قابل الإسناد .
وهو بحسب نوع هذا الاختلاف .
وراجع إن شئت ما ذكرناه من أنواع الاختلافات على الراوى فى
السند .
٧ - الاختلاف على رجل فى تسمية شيخه أو تجهيله .
وقد مر الكلام عليه .
انظر النوع الثالث من أنواع الاختلاف .
٨۔ أن یکون الراوی عن شخص أدر که وسمع منه، ولكنه لم
يسمع منه أحاديث معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة، فعلتها أنه لم
يسمعها منه.
وهو التدليس، ويعرف بتتبع الطرق وجمع ما فى الباب، أو بتنصيص
أحد الجهابذة على ذلك وقد مثلنا له فيما مر .
٩ - أن تكون طريق معروفة يروى أحد رجالها حديثاً من غير ذلك
الطريق، فيقع من رواه من تلك الطريق بناءً على الجادة فى الوهم .
كأن يكون الحديث محفوظاً من رواية هشام بن عروة، عن أبيه عروة
ابن الزبير، عن ابن عمر - رضى الله عنه - .
فيرويه أحد الرواة عن هشام بن عروة- فيهم فيه- عن عروة بن
الزبير، عن عائشة رضى الله عنها، جرياً على الجادة فى الطريق الثانى
لشهرته .
ومثاله :
ما أخرجه الحاكم فى ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ١٤٦) من طريق:
٢٨٥

المنذر بن عبد الله الحزامى، عن عبد العزيز بن أبى سلمة ، عن عبد الله
ابن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ◌َ ◌ّ كان إذا افتتح الصلاة، قال:
(( سبحانك اللهم تبارك اسمك وتعالى جدك .... )) الحديث .
قال الحاكم : ((لهذا الحديث علة صحيحة ، والمنذر بن عبد الله أخذ
طريق الهجرة فيه)).
وأعله بما رواه مالك بن إسماعيل ، حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة،
قال: حدثنا عبد الله بن الفضل، عن الأعرج ، عن عبيد الله بن أبى رافع،
عن على بن أبى طالب، عن النبى ◌َّهِ: أنه كان إذا افتتح الصلاة ... فذكر
الحديث بغير هذا اللفظ .
١٠ - أن يروى الحديث مرفوعاً من وجه ، وموقوفاً من وجه .
وقد مَرّ التمثيل له .
ـم
٢٨٦

من العلل ما لا يتوصل إِليها
إِلا بتنصيص العلماء عليها
هذا ؛
واعلم أن من علل الحديث ما لا يتوصل إليها إلا بتنصيص العلماء
عليه، إما لروايتهم ما يدل عليها، أو لمعاينتهم لأوهام الرواة فيها .
من ذلك :
ما وُصِفَ به عمر بن عبيد الطنافسى من تدليس القطع والسكوت .
قال ابن حجر فى ((النكت)) (٦١٧/٢) :
((مثاله: ما رويناه فى ((الكامل)) لأبي أحمد بن عدى وغيره عن عمر
ابن عبيد الطنافسى أنه کان یقول ، حدثنا ثم یسکت، ینوى القطع، ثم
يقول هشام بن عروة، عن أبيه ، عن عائشة)).
قلت : ومثل هذا القطع لا يقف عليه إلا من عاينه فأخبر به ، وهو علة
تقدح فى الاتصال ولا شك .
ومن ذلك أيضاً :
أن یکون الحديث مرویا بسند مشهور رویت به نسخة من النسخ،
وتكون هذه النسخة صالحة، فيروى أحد الرواة حديثاً بنفس السند مما ليس
فى هذه النسخة .
ومثاله :
ما رواه أحمد (٦٩/٣)، والترمذى (٢٠٣٣)، وابن حبان (٢٠٧٨)،
وابن عدى (١٨٦/١و ٩٨٢/٣ و١٢٥٦)، وابن أبى الدنيا فى ((الحلم)) من
٢٨٧

طريق :
عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث، عن دراج عن أبى الهيثم،
عن أبى سعيد مرفوعاً :
((لا حكيم إلا ذو تجربة ، ولا حليم إلا ذو عثرة)).
قال الحافظ فى ((أجوبة المصابيح)) :
((وقد صحح ابن حبان هذه النسخة من رواية ابن وهب، عن عمرو
ابن الحارث، عن دراج، عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد، فأخرج كثيراً من
أحاديثه فى صحيحه)) .
قلت : هذا الحديث ليس من نسخة ابن الحارث، نص على ذلك ابن
13
عدى. فقال -رحمه الله- فى ((الكامل)) (١٢٥٦/٣):
((وهذا لا يرويه مصرى عن ابن وهب، وإنما يرويه قوم غرباء ثقات
سمعوه من ابن وهب بمكة، وليس هذا فى نسخة عمرو بن الحارث من
رواية ابن وهب عنه» .
ومن ذلك أيضاً :
أن يروى أحد الموصوفين بالتدليس عدة أحاديث بسند واحد، ويكون
قد سمع حديثاً واحداً فقط من شيخه، فيجعل الثلاثة بالتصريح بالسماع .
ومثال ذلك :
ما ذكره ابن أبى حاتم فى ((العلل)) (٢٣٩٤) :
((سمعت أبى روى عن هشام بن خالد الأزرق، قال: حدثنا بقية بن
الوليد، قال: حدثنا - وتصحفت إلى: ((حديث)) فى المطبوعة- ابن جريج،
عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله عَ له: ((إذا جامع أحدكم
زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى)»، وعن ابن
٢٨٨

عباس قال رسول الله عَّه: ((من أصيب بمصيبة من سقم أو ذهاب مال
فاحتسب ولم يشك إلى الناس كان حقاً على الله أن يغفر له))، وقال رسول
الله ◌ُله: ((لا تأكلوا بهاتين الإبهام والمشيرة، ولكن كلوا بثلاث فإنها سنة،
ولا تأكلوا بخمس ، فإنها أكلة الأعراب)) .
قال أبى : هذه الثلاث الأحاديث موضوعة لا أصل لها، وكان بقية
يدلس ؛ فظن هؤلاء أنه يقول فى كل حديث حدثنا ولم يفتقدوا الخبر
منه).
٢٨٩
ج بابرة

تدريبات عملية على
دراسة الأسانيد واكتشاف العلل
وأخيرًا نختم هذا الجزء من هذه السلسلة ببعض التدريبات العملية
التي تعين طالب الحديث على مما رسة اكتشاف العلل ، وسبر الطرق ،
والوقوف على الوجه الصحيح أو المحفوظ ، والوجه الشاذ أو المنكر .
٢٩٠

التدريب الأول :
أخرج ابن أبي عاصم فى ((السنة)) (٦٤)، وابن ماجة (٣٩٩٣)
حديثاً من طريق : هشام بن عمار ، عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعى ،
عن قتادة ، عن أنس مرفوعاً : ((إن أمتي ستفترق على اثنين وسبعين، كلها
فى النار إلا واحدة وهى الجماعة)) .
وأخرجه أبو القاسم الأصبهانى فى ((الحجة فى بيان المحجة)) (١٨)
من طرق عن جماعة عن الأوزاعى، حدثنى يزيد الرقاشى، عن أنس به.
منهم : معاوية بن صالح، وأبو إسحاق الفزارى ، وعیسی بن يونس
● اكتشف العلة فى سند هذا الحديث ، ورجح الوجه المحفوظ .
الجواب :
لو نظرنا فى السندين المذكورين ، لوجدنا أنه قد اختلف في رواية هذا
الحديث على الأوزاعى ، فالسند الأول ظاهره الصحة .
ولكن يبقى الاختلاف على الأوزاعى فيه .
والوليد بن مسلم من أصحاب الأوزاعى ، ولکنه قد خولف فی سنده
عن الأوزاعى ، خالفه الأكثر والأتقن، فلا شك أن روايتهم هي الأصح .
ولكن يرد هنا : أن الوهم فى السند الأول قد يكون ممن هو دون
الوليد بن مسلم ، ألا وهو هشام بن عمار ، فإنه كان قد تغیر ، و کان يلقن
فيتلقن، وقد أنكر عليه غير حديث أخطأ فيه، فالحمل عليه فى هذا الوهم
أولى من الحمل فيه على الثقة الضابط .
ومن هنا يتضح لنا : أن السند الأول شاذ ، وأن الوجه المحفوظ عن
الأوزاعى هو الوجه الثانى ، وهو معلول بضعف يزيد الرقاشى .
*
٢٩١

التدريب الثاني :
روى سعيد بن منصور -رحمه الله -فى («سننه» كما فى ((تفسير ابن
كثير)) (٧٠/٣): عن هشيم بن بشير، عن أبى هاشم، عن أبى مجلز، عن
قيس بن عباد ، عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه ، أنه قال:
من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين
البيت العتيق .
وأخرجه الدارمى (٣٤٠٧) : حدثنا أبو النعمان - محمد بن
الفضل المعروف بعارم - حدثنا هشيم .... به، إلا أنه قال: ((ليلة الجمعة))
بدلاً من قوله : (يوم الجمعة).
• بيِّن اللفظ المحفوظ ، ووجه الترجيح .
· الجواب :
لو نظرنا إلى هذا الخبر، لوجدنا أن الاختلاف فى لفظه على هشيم بن
بشير، فرواه سعيد بن منصور باللفظ الأول ، وأبو النعمان باللفظ الثانى .
وباعتبار مكانتهما من الحفظ والإتقان، نجد أن :
سعيد بن منصور أتقن من أبى النعمان ، فالثانى وإن كان ثقة ، فالأول
حافظ متثبت ثقة ، وأبو النعمان اختلط فى آخر عمره ، إلا أن الدار قطنى
قال: ((ما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر))، والوهم والخطأ جائز على
الثقة، فمن ذا الذى لا يخطىء .
فالحديث صحيح باللفظ الأول .
٢٩٢
-- ----

التدريب الثالث :
اختلف فى الحديث السابق على هشيم فى وقفه ورفعه .
فأخرجه الحاكم (٣٦٨/٢) من طريق : نعيم بن حماد ، حدثنا
هشيم به مرفوعاً .
• اذكر الوجه الراجح ، ودليل الترجيح .
الجواب :
اختلف فى الوقف والرفع ، فرواه سعيد بن منصور وأبو النعمان من
جهة فروياه بالوقف ، ورواه نعيم بن حماد ، عن هشيم بالرفع .
ونعيم بن حماد ضعيف من قبل حفظه ، فالأصح رواية الجماعة
موقوفاً، فالرواية الضعيفة لا تُعل الرواية الصحيحة .
وحتى على تقدير أن نعيمًا ثقة ، فقد خالف الأوثق والأكثر، فالقول
قولهم .
فالمحفوظ عن هشيم هو الموقوف .
٢٩٣

التدريب الرابع :
فى الحديث السابق :
خالف شعبة ــ فيما رواه يحيى بن كثير عنه - هشيماً ، عن أبى
هاشم، فرواه مرفوعاً .
أخرجه النسائى فى ((اليوم والليلة)) (٩٥٨)، والحاكم (٥٦٤/١).
وأخرجه النسائى (٩٥٩) من طريق : محمد بن جعفر ، عن شعبة
موقوفاً .
ثم رواه (٩٦٠) من وجه آخر : عن سفيان الثورى ، عن أبى هاشم
موقوفاً .
· فما الوجه الراجح فى هذا الحديث ؟
الجواب :
يجب أولاً: أن نحدد الوجه المحفوظ عن شعبة فى رواية هذا الحديث.
فالاختلاف - فی وقفه ورفعه - وقع بین یحیی بن کثیر ، ومحمد بن
جعفر المعروف ب(غندر)) .
وباعتبار مكانتهما من الحفظ والإتقان، نجد أن:
محمد بن جعفر أثبت ولا شك من یحیی بن کثیر، لا سيما فى روايته
عن شعبة ، فإنه أکثر عنه ، و جالسه نحواً من عشرين سنة و کان ربیبه، حتى
قال ابن مهدى : ((غندر أثبت فى شعبة منى )) .
فالمحفوظ عن شعبة الوقف ، وبهذا يوافق رواية هشیم والثوری ، وبه
يثبت أن الأصح فى هذا الحديث الوقف ، والله أعلم .
٢٩٤

التدريب الخامس :
أخرج أبو الشيخ ابن حيان فى ((طبقات المحدثين بأصبهان))
(٢٦٤/٤)، حديثاً من طريق : إسماعيل بن يزيد، قال : حدثنا أبوداود،
قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، عن ابن سيرين ، عن عمرو بن وهب،
عن المغيرة بن شعبة ، قال :
رأيت رسول الله عُطّ يمسح على العمامة والجوربين والخفين .
وخالفه يونس بن حبيب ، فرواه عن أبى داود الطيالسى فى
((المسند)) (٦٩٩) بسنده بلفظ: رأيت رسول الله عملية مسح على العمامة
والخفين، ولم يذكر ((الجوربين)).
وقد روى غير واحد هذا الحديث من طريق : ابن سيرين ، عن
عمرو بن وهب، عن المغيرة من غير ذكر ((الجوربين))، منهم: أيوب
السختیانی، ویونس بن عبيد ، وهشام بن حسان.
• ابحث فى ثبوت لفظة ((والجوربين)) من هذا الطريق.
١
الجواب :
كما يظهر من نص السؤال أن الرواية الناقصة هى رواية الأكثر
والأتقن، ولكن قبل الحكم على هذه الزيادة من حيث الثبوت أو عدمه،
يجب أولاً أن نقف على مكانة إسماعيل بن يزيد من حيث الضبط
والإتقان، ثم نحدد إذا ما كانت هذه الزيادة مقبولة منه أوْ لا .
إسماعيل بن يزيد هذا هو ابن مرد ابنة القطان كما يظهر من ترجمة
أحمد بن محمد بن سهل - راويه عنه- فى ((طبقات أصبهان)) .
وإسماعيل هذا ترجمه أبو الشيخ (٢٥٩/٢)، فقال: ((اختلط حديثه،
٢٩٥

ولم يتعمد الكذب))، وقال: ((كان خيراً فاضلاً كثير الفوائد والغرائب)).
ومثله عن أبى نعيم الأصبهانى فى «أخبار أصبهان» (٢٠٩/١) .
فهذا يدل على أن إسماعيل القطان هذا ممن لا يعتمد عليه ، فكيف إذا
تفرد بزيادة لم يروها غيره ، هذا من جهة .
ومن جهة أخرى فليس مطلق الثقة هو الذى تقبل منه الزيادة كما
أطلقه جماعة من أهل العلم ، وإنما تقبل الزيادة من الثقة الحافظ المتثبت، وهو
قول أئمة هذا الشأن .
وقد فصلنا الكلام فى هذه المسألة فى مبحث حكم زيادة الثقة.
ومن جهة ثالثة : فلابد من النظر فى هذه الزيادة ، فإذا كانت لا
توجب تخصيصاً لعموم أو منافاة لما رواه الأوثق أو تفرداً بأصل، فهى مقبولة
ممن يحتمل منه الزيادة .
وخلاصة الأمر : إن هذه الزيادة منكرة من هذا الوجه، والحمل فيها
على إسماعيل القطان . والله أعلم .
٢٩٦

التدريب السادس :
روى ابن عيينة ، ووكيع ، وجعفر بن عون ، وأبو معاوية وجماعة
حديثاً عن الأعمش، عن أبي وائل ، عن حذيفة بن اليمان :
أن النبى @ أتى سباطة قوم قبال عليها قائماً، فأتيته بوضوء،
فذهبت لأتأخر عنه، فدعانى حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على
خفيه .
ورواه أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبى وائل ، فقال : عن
المغيرة بن شعبة .
· حدد الوجه المحفوظ لهذا الحديث .
· الجواب :
لا شك أن الوجه المحفوظ رواية الجماعة - وهو حديث حذيفة- فهو
قول الأكثر والأتقن وأبو بكر بن عياش فيه كلام من قبل حفظه .
ولذا قال أبو زرعة الرازى : (١)
((أخطأ أبو بكر بن عياش فى هذا الحديث، الصحيح من حديث
الأعمش، عن أبى وائل، عن حذيفة به )) .
*
(١) ((علل الحديث)) لابن أبى حاتم (١٣/١).
٢٩٧

التدريب السابع :
أخرج ابن أبى الدنيا فى ((ذم الملاهى)) (٧٧) حديثاً من طريق :
إبراهيم بن مسلم الهجرى ، عن أبى الأحوص ، عن عبد الله بن
مسعود قال : قال رسول الله ◌َطلقة :
(«اتقوا هاتين الكعبتين الموسومتين اللتين تزجران زجراً، فإنهما من
ميسر العجم)) .
ورواه عبد الملك بن عمير ، عن أبى الأحوص، عن ابن مسعود
موقوفاً .
· اذكر الرواية الراجحة ، وسبب الترجيح ؟
· الجواب :
بالنظر إلى الطريقين السابقين نجد أن الاختلاف فى وقف الحديث
ورفعه بين إبراهيم بن مسلم الهجرى ، وبين عبد الملك بن عمير .
فلابد من اعتبار مكانتيهما من الحفظ والإتقان .
وبالنظر إلى تراجمهما نجد : أن إبراهيم بن مسلم الهجرى لين
الحديث، و کان يرفع موقوفات .
وأما عبد الملك بن عمير ففيه كلام يسير لا ينزل بحديثه عن درجة
الحسن ، وحاله أقوى من إبراهيم الهجرى ، فروايته الموقوفة هى الأصح
والله أعلم .
٢٩٨

التدریب الثامن :
أخرج الإمام أحمد (٢٢٤/٣)، وأبو داود (٤٧٦٥) من طريق :
الأوزاعى ، قال : حدثنى قتادة ، عن أبى سعيد الخدرى وأنس بن
مالك ، مرفوعاً :
((سيكون فى أمتى اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل .... ))
الحدیث فى ذم الخوارج .
وأخرجه ابن أبى عاصم (٩٣٩)، والحاكم من طريق : سعيد بن
بشير ، عن قتادة ، عن أبى الصديق الناجى ، عن أبي سعيد مرفوعاً به .
ابحث فى اتصال السندین .
· رجح الرواية المحفوظة عن قتادة فى هذا الحديث .
· الجواب :
بالنسبة للاتصال ، فقتادة بن دعامة السدوسى له سماع من أنس بن
مالك -رضى الله عنه- فهو من هذا الوجه متصل .
فإن قيل : إن قتادة مدلس، فالجواب أن وصف التدليس لا يثبت عليه
بالمعنى الاصطلاحى، وإنما هو بمعنى الإرسال، وإنما كان يتتبع شعبة سماعه
ممن لم يصح له السماع منهم مطلقاً ، وهذا من باب الإرسال لا التدليس،
والمسألة فيها تفصيل ذكرناه فى كتابنا ((الأجوبة الوافرة على الأسئلة
الوافدة)).
وأما روايته عن أبى سعيد الخدرى -رضى الله عنه- فمنقطعة، قال أبو
٢٩٩

حاتم: ((لم يلق قتادة من أصحاب النبي ◌َ ◌ّه إلا أنساً وعبد الله بن
سرجس))(١).
وأما إثبات أن الواسطة بين قتادة وبين أبى سعيد الخدرى هو أبو
الصديق الناجى فلا يصح .
فقد اختلف في سند الحديث على قتادة على الوجهين المذكورين .
فخالف سعيد بن بشير الأوزاعى .
والأوزاعى ثقة حافظ محدّث الشام وعالمها، وأما سعيد بن بشير
فضعيف الحديث لا سيما فى روايته عن قتادة .
قال محمد بن عبد الله بن نمير : ((منكر الحديث ، ليس بشىء، لیس
بقوى الحديث، يروى عن قتادة المنكرات )) .
وقال ابن حبان : ((يروى عن قتادة ما لا يتابع عليه)).
والرواية الضعيفة لا تُعِلَّ الرواية الصحيحة ، ولا تصح لإثبات الواسطة
بين راويين، فرواية سعيد منكرة ، والله أعلم .
والأصح الأول من طريق الأوزاعى بغير واسطة ..
(١) ((المراسيل)): (ص: ١٧٥).
٣٠٠