النص المفهرس
صفحات 261-280
أنواع الاختلاف بين الرواة والاختلاف بين الرواة فى الحديث على أنواع ، منها : ١ - الاختلاف فى وقف الحدیث ورفعه : ومثاله : ما أخرجه ابن أبى شيبة (٥٢٩/٣)، والترمذى (١١٦٥)، والنسائى فى ((عشرة النساء)) (١١٥)، وابن الجارود (٥٢/٣:غوث)، وابن حبان (الإحسان: ٢٠٢/٦) من طريق: أبى خالد الأحمر - سليمان بن حيَّان الأزدى- عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس ، مرفوعاً: ((لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأةً فى دبرها)). وقد خولف أبو خالد الأحمر فى هذا الحديث ، فرواه وكيع بن الجراح، عن الضحاك بن عثمان ، عن مخرمة ، عن کریب، عن ابن عباس - رضى الله عنه- موقوفاً .... بنحوه . سؤال: ماذا عن إخبار الصحابي نشا مى له معرفة به ٨٧٥ ١م تكون سنة ٣ ١ /سون (ب) أخرجه النسائى فى ((عشرة النساء)) (١١٦). فصل : فى هذا الحديث بجراح قال الحافظ ابن حجر فى ((التلخيص الحبير)) (٢٠٦/٣): « بم عباس اريه فى ذلك. ((وهو أصح عندهم من المرفوع)) . قلت : لأن وكيع أحفظ وأثبت من أبى خالد الأحمر، فإن أبا خالد الأحمر صدوق يخطيء ويخالف، ووكيع ثقة حافظ. ٢٦١ 3 فصل وأهل النقد يعلون الحديث إذا خالف رأى راويه . قال الحافظ ابن رجب فى ((شرح العلل)) (ص: ٤٠٩): ((قاعدة فى تضعيف حديث الراوى إذا روى ما يخالف رأيه، قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا)) . ثم ذكر أمثلة على ذلك . قلت : ويندرج تحت هذه القاعدة أيضاً أن يُروى عن أحد الصحابة حديث فى باب معين ، فيحتج بغيره فى نفس الباب، بحيث يكون المعلول أصرح من الذى احتج به . ومثال ذلك : ما روى عن ابن عمر - رضى الله عنه - مرفوعاً : ((صنفان ليس فى الإسلام لهما نصيب، المرجئة والقدرية)). وهذا حديث صريح فى ذم القدرية وتكفيرهم . وَيَعْلُ هذا الحديث أول حديث رواه مسلم فى ((صحيحه)) من طريق: ابن بريدة، عن يحيى بن يعمر ، قال : كان أول من قال فى القدر بالبصرة معبد الجهنى ، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميرى حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله مح له فسألناه عما يقول هؤلاء فى القدر ، فوفق لنا عبد الله بن عمر، ... ثم ذكر حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان . فالحديث الأول أصرح من الحديث الثانى فى الاستدلال، ولو كان ثابتاً عنه لاحتج به ، فهذه علامة على أن الحديث معلول . ٢٦٢ ٢- الاختلاف فى وصل الحديث وإرساله : وسوف يأتى التمثيل له عند الكلام على أجناس العلل . ٣- الاختلاف فى إبهام راوٍ وتعريفه : قال الحافظ الذهبى -رحمه الله- فى ((الموقظة)) (ص: ٤٦): (( ومن أمثلة اختلاف الحافظين : أن يُسمى أحدهما فى الإسناد ثقة، ويبدله الآخر بثقة آخر، أو يقول أحدهما: عن رجل، ويقول الآخر: عن فلان، فيسمى ذلك المبهم، فهذا لا يضر فى الصحة) . قلت : قوله - رحمه الله- قد يتجه فى الأول، ولكن ليس بالضرورة أن يتجه فى الثانى، إذ الاختلاف فى الأول فيمن ثبتت عدالته وضبطه، فلا يؤثر اختلاف عينه، وأما الثانى فاختلاف بين مبهم لا تُعرف عينه ولا يُعرف حاله، وبين ثقة معروف، أو ضعيف مشهور، فهذا مما يؤثر فى الصحة، والواجب الترجيح بالقرائن، وليس اعتبار أن الاسم المصرح به فى الرواية الثانية لعين المبهم فى الرواية الأولى، إذ ذلك إحالة على جهالة، وحكم بالظن. ومثال ذلك : ما أخرجه أحمد (٣٩٤/٢)، وأبو داود (٤٧٩٠) من طريق: أبى أحمد الزبيرى، عن سفيان الثورى، عن حجاج بن الفرافصة، عن رجل، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة مرفوعاً: ((المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم)) . وقد خولف الزبیری فیه. فرواه أبو شهاب الحناط - عبد ربه بن نافع- عن الثورى، عن الحجاج، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة به . أخرجه الحاكم (٤٣/١)، وأبو نعيم فى ((الحلية)) (١١٠/٣)، والخطيب (٣٨/٩). والزبيرى ثقة ثبت، والحناط دونه فى التثبت، والأصح ما فيه ذكر المبهم. ٢٦٣ فصل منه وأما إذا كان الاختلاف على راوٍ مدلس في إبهام اسم شيخه فى رواية، وتعريفه فى رواية أخرى ، فإذا كانت الطرق محفوظة إليه ، فهو مما يدل على تدليسه تدليس الشيوخ ، وهو أن يبهم اسم شيخه، أو يكنيه بما لا يُعرف به، أو ينسبه بغير النسبة المشهور بها . ومثال ذلك : ما أخرجه أبو داود فى ((السنن)) (٢١٩٦) من طريق : عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرنى بعض بنى أبى رافع مولى النبى ◌ُلِّ، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال : ..... فذكر حديثاً فى طلاق الثلاثة . وأخرجه الحاكم (٤٩١/٢) من طريق: محمد بن ثور، عن ابن جریج، عن محمد بن عبيد الله بن أبی رافع، عن عكرمة، عن ابن عباس به. فصرح ابن جريج باسم المبهم فى السند الأول، إذ عَمّى عن حاله بإبهامه لشدة ضعفه . فمثل هذا لا يُرجح فيه بالقرائن ما دامت الطرق محفوظة إلى الراوى، وكان الراوى مدلساً . ٢٦٤ ٤- الاختلاف على راوٍ فى السند على وجهين أو وجوه عدة: كأن يروى عن راوٍ ثقة من طريق محفوظ إليه بسند، ثم يروى من وجه آخر عنه بسند آخر . أو یروی عنه من وجوه ، علی وجوه طريق فمثل هذا أنوع : الأول : إما أن يكون حافظاً كبيراً، ويحتمل تعدد الأسانيد عنه، والطرق إلیه فیه محفوظة، فيُقال: له فیه أُکثر من سند . وممن يحتمل منه ذلك: شعبة، وابن مهدى، ومالك، والثورى .... الثانى : أن يكون حافظاً متثبتاً، فيختلف عليه فيه على وجهين مع اختلاف مراتب من يروى عنه بحيث لا يمكن الجمع بينهما، فمثله ترجح الرواية الصحيحة بالقرائن . الثالث: أن يكون من اختلف عليه فيه ثقة بحيث أن الطرق محفوظة إليه فيه ، فلا يحتمل من مثله تعدد الأسانيد، ويكون هذا الاختلاف عليه فيه دليل على اضطرابه ووهمه . الرابع: أن يكون من اختلف عليه فيه ضعيفاً ضعفاً محتملاً، أو ضعفًا شديدًا، فالأول يدل الاختلاف عليه فيه على اضطرابه ويؤكد غلطه وسوء حفظه، والثانى : إن كان ضعفه من قبل عدالته فلا يستبعد أن يكون قد اصطنع له هذه الوجوه، أو سرقها فحدّث بها. فمثال النوع الأول : ما ذكرناه فى التدريب الرابع عشر . ومثال الثانى : ما ذكرناه فى التدريب الحادى عشر . ٢٦٥ ومثال الثالث : ماسوف نذكره في التدريب العاشر. ومثال الرابع : ما رواه فرقد السبخی، قال: حدثنى قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن رسول الله عَلَّه، وحدثنى عاصم بن عمرو البجلى، عن أبى أمامة مرفوعاً: ((يبيت قوم من هذه الأمة على طعام وشرب ولهم ، فيصبحون وقد مسخوا قردة وخنازير وليصيبنهم خسف وقذف ... )) الحديث . أخرجه ابن أبى الدنيا فى ((ذم الملاهى)) (٣) بالسندين . وفرقد السبخى عابد صالح، ضعيف من قبل حفظه، ولا يحتمل من مثله تعدد الأسانيد، وقد اختلف عليه فى رواية هذا الحديث على أربعة أوجه أخرى غير هذين الوجهين . فهذا دليل على اضطرابه فى رواية هذا الحديث، والله أعلم . ٢٦٦ ٥-الاختلاف على راو فى تصريح أحد الرواة بالسماع من شيخه: ومثاله : ما أخرجه المحاملى فى ((الدعاء)) (١٥)، والبيهقى فى ((الكبرى)) (٢٥٢/٢) من طريق : أحمد بن منصور الرمادى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، أخبرنى على بن ربيعة ، أنه سمع عليًا حين ركب، فلما وضع رجله فى الركاب ..... فذكر حديثاً فى أذكار ركوب الدابة . فظاهر هذا السند الصحة، لا سيما وأن أبا إسحاق السبيعى قد صرح بالسماع، فإنه موصوف بالتدليس . ولكن يُعَكِّرِ على هذا التصريح ما نقله الحافظ جمال الدين المزى فى ((تحفة الأشراف)) (٤٣٦/٧) عن ابن مهدى، عن شعبة ، قال: قلت لأبي إسحاق : ممن سمعته؟ قال : من يونس بن خباب، فلقيت يونس بن خباب، قلت: ممن سمعته؟ قال: من رجل سمعه من على بن ربيعة. ثم قال المزى : ((رواه شعيب بن صفوان، عن يونس بن خبّاب ، عن شقيق بن عقبة الأسدى ، عن على بن ربيعة)) . فهذا معناه : إعضال السند بين أبى إسحاق ، وبين على بن ربيعة الوالبى، فلابد من وجود علة فى السند الذى ورد فيه التصريح بالسماع . وبتتبع طرق الحديث ، نجد أن : الإمام أحمد قد أخرجه فى ((المسند) (١١٥/١) فقال : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر، عن أبى إسحاق، عن على بن ربيعة، قاله مرة، قال عبد الرزاق: وأكثر ذاك يقول - أى معمر -: أخبرنى من شهد عليًا حين ركب ..... فذكره . ٢٦٧ فاختلف على عبد الرزاق فى التصريح بالسماع . وعبد الرزاق كان قد اختلط بعد ما عمى، وكان يلقن، وسماع الرمادى منه بعد الاختلاط ، وأما سماع الإمام أحمد منه فقبل الاختلاط. والأصح رواية أحمد . ولكن يبقى الاختلاف فيها، فمرة رواها بالعنعنة، ومرة رواها بالتصريح بالسماع من المبهم، وهذا لا يتنافى مع العنعنة، فإنما صرح بالسماع ممن لا يُعرف، فلا يقتضى أنه صرح بالسماع من على بن ربيعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالحمل فى هذا الاختلاف فى رواية أحمد قد يكون على معمر بن راشد فإن له أوهاماً معروفة كما قال الحافظ الذهبي فى ((الميزان)). والحديث: أخرجه أحمد (٩٧/١ ١١٥ و ١٢٨)، وأبو داود (٢٦٠٢)، والترمذى (٣٤٤٦)، والنسائى فى ((الكبرى)) (تحفة: ٤٣٦/٧)، وابن حبان (موارد: ٢٣٨١)، وابن السنى فى ((عمل اليوم والليلة)) (٤٩٧) من طرق: عن أبى إسحاق، عن على بن ربيعة بالعنعنة . ٢٦٨ ٦-الاختلاف على راو من الرواة فى اسم شيخه وفى متن الحديث: كأن يروى أحد الضعفاء حديثاً عن شيخه، فيختلف فى تسمية شيخ شیخه، وفی متن الحديث . ومثال ذلك : ما أخرجه أحمد (١٩١/١ و١٩٥)، والبخارى فى ((التاريخ الكبير)) (٨٨/٢/٤)، والنسائى (١٥٨/٤)، وابن ماجة (١٣٢٨)، والحسن بن محمد الخلال فى ((الأمالى))(٢٥)، وابن شاهين فى ((فضائل رمضان)) (٢٨) وعبد الغنى المقدسى فى ((فضائل شهر رمضان)) (ق: ٢ /أ) من طريق : النضر بن شيبان ، قال : قلت لأبى سلمة: حدثنى بشىءٍ سمعته من أبیك یُحدِّث به عن رسول الله څے، قال: حدثنى أبى فى شهر رمضان، قال: قال رسول الله عَ ل ◌ّه : (إن الله عز وجل فرض علیکم صيام شهر رمضان، وسننت لكم قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه)) . عند البحث فى سند هذا الحديث، يتبين لنا ما يلى : ١- أن سماع أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف من أبيه متكلم فيه. قال ابن معين والبخارى: ((لم يسمع منه))(١) وهذا يخالف ما ورد فى الرواية السابقة، فإما أن يكون هذا القول ضعيفًا مردودًا، أو تكون الرواية معلولة، وسوف يظهر لنا فيما بعد أن الرواية معلولة . ٢- أن النضر بن شيبان متكلم فيه . (١) انظر ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص: ٢٥٥)، و ((جامع التحصيل)) للعلائى (ص: ٢١٣). ٢٦٩ قال ابن معين : ((ليس حديثه بشىء))، وقال ابن خراش: ((لا يُعرف بغير هذا الحديث)) وضعف حديثه هذا جماعة من الأئمة . ٣- بتتبع طرق الحديث وكلام العلماء فيه : نجد أن الحديث قد اختلف فى روايته على أبى سلمة بن عبد الرحمن. فرواه يحيى بن سعيد، والزهري ، ويحيى بن أبى كثير - وهم حفاظ أثبات - عن أبى سلمة ، عن أبي هريرة - مرفوعاً - : بلفظ : ((من قام شهر رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرِ له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً ؛ غُفِر له ما تقدم من ذنبه)) . وهو حديث صحيح من هذا الوجه ، وهو أصح من رواية النضر بن شيبان. · أقوال أهل العلم فى إعلال الرواية الأولى - رواية النضر . بالرواية الثانية : ولذا فقد أعل جماعة من أهل العلم رواية النضر برواية الجماعة، منهم: ١ - البخارى ، فقال : ((هذا لم يصح، وحديث الزهرى وغيره عن أبى هريرة أصح)). ٢- والنسائى ، فقال : ((هذا خطأ، والصواب حديث أبى سلمة عن أبى هريرة)). ٣- والدار قطنى(١). (١) ((تهذيب التهذيب)): (٣٩٢/١٠). ٢٧٠ ٧ - الاختلاف على راوٍ فى زيادة فى متن الحديث : ومثاله : ما أخرجه ابن ماجة في ((السنن)) (١١١٤): حدثنا داود بن رشيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، وعن أبى سفيان، عن جابر، قالا : جاء سُليك الغطفانى ورسول الله عَّ يخطب، فقال له النبى غَيّ: (أصليت ركعتين قبل أن تجىء؟)). قال: لا، قال: ((فصلِّ ركعتين وتجوّز فيهما)). فاختلف على حفص بن غياث فى زيادة: ((قبل أن تجىء)). فأخرجه أبوداود (١١١٦): حدثنا محمد بن محبوب، وإسماعيل بن إبراهيم، كلاهما عن حفص بن غياث .... دون الزيادة . وأخرجه البخارى فى ((القراءة خلف الإمام)) (ص: ٤٤) : حدثنا عمر بن حفص ، قال: حدثنى أبى ... بنحوه دون الزيادة أيضاً. وأصل الحديث فى ((الصحيحين)) عن جابر بن عبد الله - رضى الله عنه- دون الزيادة. فهذا ظاهره الخلاف على حفص فى هذه الزيادة، والأصح رواية ماذا عن حافظ ثيث يخالف اثنين او اكثر أقل منه درجه فى الحفظ؟! الجماعة . ورجح بعض أهل العلم أن يكون هذا من باب تصحيف رواة السنن، فإنما هو (أصليت قبل أن تجلس )، فغلط فيه الناسخ. وهو قول المزى -رحمه الله-(١) وهو محتمل ومتاح . هذه زياده اخرى هم از ياءه الأولى منها حكم الصلاة قبل الاثنان الى السحر (١) نقله عنه ابن القيم فى ((الزاد)) (٤٣٤/١). ٢٧١ ٨- الاختلاف علی راوٍ فى زيادة فى سند الحديث : کان یروی من وجه عن راو دون الزیادة، ومن وجه آخر عن نفس الراوى بالزيادة. وفيه أربع حالات : الأولى : أن يكون من اختُلف عليه فيه موصوف بالتدليس، مع كون الطرق إليه محفوظة ، فهذا دليل على تدليسه للسند الناقص . ومثاله : ما أخرجه الترمذى فى ((الجامع)) (١٥٤): حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، قال: سمعت رسول الله م ◌ُّه يقول: ((أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر)). قلت : محمد بن إسحاق بن يسار موصوف بالتدليس، وقد عنعن هذا الخبر عن عاصم بن عمر، واختلف عليه فى السند : فأخرجه الإمام أحمد فى ((المسند)) (٤٦٥/٣) : حدثنا يزيد، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال : أنبأنا ابن عجلان، عن عاصم ..... به . فزاد ابن عجلان ، والطرق محفوظة إلى محمد بن إسحاق، فهذا دليل على أنه قد دَلِّس السند الأول، وصرّح بالواسطة فى السند الثانى. الثانية : أن يكون من اختلف عليه فيه غير موصوف بالتدليس ولا بسوء الحفظ ولا بالكذب مع كون الطرق إليه محفوظة، فهذا الأرجح أنه يكون قد سمعه بواسطة مرة، ومرة بغير واسطة، أى مرة رواه بنزول، ورواه مرة ٢٧٢ أخری بعلو. وقد يرد فى السند ما يدل علي ذلك، وقد يكون ممن وصف بالتدليس، فلابد من دليل على أنه قد سمع بالسندين معاً . ومثاله : ما أخرجه الإمام أحمد (٤٤٢/٢)، والترمذى (٧٢٣)، وابن ماجة (١٦٧٢) وغيرهم من طريق: سفيان الثورى، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ابن المطوس- أو أبى المطوس - عن أبيه، عن أبى هريرة مرفوعاً: (( من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر کله، وإن صامه)) . وقد أخرجه أبوداود (٢٣٩٧)، والنسائى فى ((الكبرى)) (تحفة: ٣٧٣/١٠) من وجه آخر : عن الثورى، عن حبيب بن أبى ثابت عن عمارة ابن عمير، عن أبى المطوس به . ورواه عن حبيب بالسند الزائد: شعبة بن الحجاج وعبد الغفار بن القاسم. قلت : وقد ورد ما يدل على أن حبيب بن أبى ثابت قد سمعه بالسندین المذ کورین. ففى رواية النسائى فى ((الكبرى)) (٣٧٣/١٠)، والخطيب فى ((تاريخ بغداد)) (٤٦٢/٨) أن حبيب بن أبى ثابت قال: حدثنى عمارة بن عمير الليثِی ، قال : حدثنى ابن المطوس قال حبيب: فلقيته فى دار عمرو بن حريث، فسألته عن هذا الحديث، فقال : حدثنى أبو هريرة .... ٢٧٣ فصل منه وقد يقع مثل هذا الاختلاف على الصحابى ، مع كون الطرق إليه محفوظة ، فيرويه تارة عن النبى عليه السلام دون واسطة، ثم يرويها بواسطة. فهذا محمول على الأول إذا كان قد أدرك ما حدَّث به ، أو على الإرسال إن لم يكن قد أدركه، ومرسل الصحابى حجة ولا ريب، فكلهم - رضوان الله عليهم- عدول . قال أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - : (١) «ثم إنا لم نعد فى أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه مرسل الصحابى ؛ مثل ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله عَّ ولم يسمعوه منه، لأن ذلك فى حكم الموصول المسند، لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابى غير قادحة، لأن الصحابة كلهم عدول )). ومثاله : ما أخرجه البخاری (فتح البارى : ٦٨/٣) من حديث أنس بن مالك، قال: قال رجل من الأنصار وكان ضخماً للنبى معَّه: إني لا أستطيع الصلاة معك، فصنع للنبى ◌َِّ طعاماً، فدعاه إلى بيته، ونَضَح له طرف حصير بماءٍ فصلى عليه ركعتين ...... الحديث . وقد بوب له البخاری : [باب صلاة الضحى فى الحضر، قاله عتبان بن مالك عن النبى عَ لَ﴾]. (١) ((علوم الحديث)): (ص: ٥٦). ٢٧٤ والحديث أخرجه مسلم (نووى: ٢٤٢/١) من حديث أنس بن مالك، قال: حدثنی محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قدمت المدينة، فلقيت عتبان، فقلت حديث بلغني عنك ؛ قال : أصابني في بصري بعض الشيء ... فذكر الحديث مطولاً . وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أنس ، قال : حدثني عتبان بن مالك ... به . فهذه الروايات لا تخالف بعضها البعض، فرواه أنس كما عند البخاري على سبيل الحكاية، لأنه لم يدرك الواقعة ، وأسنده كما عند مسلم وبیّن أنه قد سمعه من محمود بن الربیع ، عن عتبان ، ثم سمعه من عتبان مباشرة، فمثل هذا لا يعد اضطرابًا في السند ، والله أعلم. الثالثة : أن يختلف على أحد الرواة فى السند، فيصرح الراوى بالسماع من شيخه فى السند الناقص، ويروي عنه من وجه آخر بزيادة راو بينه وبين شيخه الذي صرح بالسماع منه في الرواية الناقصة ، وهو ما يسمي بـ: (المزيد فى متصل الأسانيد)). ومثاله : ما أخرجه مسلم فى ((الصحيح)) (٤٦٦/٣) - وغيره - :. حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن يعلى بن عطاء ، سمع أبا علقمة، سمع أبا هريرة .... بحديث: ((من أطاعني فقد أطاع الله ... )) وأخرجه النسائى فى ((سننه)) (٢٧٦/٨): أخبرنا أبوداود، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا أبو عَوانة، عن يَعْلى بن عطاء، عن أبيه ، عن أبى علقمة ، عن أبى هريرة به . ٢٧٥ فداخل أحد الرواة الوهم فى رواية النسائى ، فزاد : ( عن أبيه). وقد رواه عبد بن حميد فى ((المنتخب)) (١٤٦٢): حدثنى أبو الوليد، ... فذكره دون زيادة : (عن أبيه) ، فالأقرب أن یکون الوهم فیه من أبی داود الحرّانى، وهو وإن كان ثقة ، إلا أنه لا يسلم أحد من الوهم . الرابعة : أن يختلف على راوٍ فى السند، فيرويه أحد الثقات عنه زائداً، ويخالفه جماعة من الثقات فيروونه ناقصاً ، أو بالعكس، أو يكون من خالف فيه من الضعفاء، فالأول يرجح الوجه المحفوظ بالقرائن وبمكانة من اختلف فيه من الحفظ والإتقان ، والكثرة ، .... وغيرها من المرجحات، والثانى : فمن قبيل المنكر، إذ الرواية الضعيفة لا تُعِلَّ الرواية الصحيحة . ومثاله : ما أخرجه أبوداود فى ((السنن)) (٣٦٦٥) من طريق: عباد بن عباد الخوّاص ، عن يحيى بن أبى عمرو السيباني، عن عمرو ابن عبد الله السيباني ، عن عوف بن مالك - رضى الله عنه - مرفوعاً : (( لا يقص على الناس إلا أمير أو مأمور أو مختال)). واختلف فیه علی یحیی السيبانى : فأخرجه ابن أبي عاصم في ((المذكر والتذكير والذكر)) (٨)، والطبراني فى ((المعجم الكبير)) (٦٥/١٨) من طريق: إبراهيم بن أبى عبلة، عن یحیی بن أبى عمرو السيباني، عن عوف بن مالك به مرسلاً دون زيادة: ((عمرو بن عبد الله)) . قلت : إبراهيم بن أبي عبلة ثقة ، وعباد الخواص صدوق يهم، فرواية الخواص شاذة والأصح الرواية الناقصة . ٢٧٦ ٩ - الاختلاف على راوٍ فى لفظة من ألفاظ الحديث: كأن يرويه جماعة من الثقات عن راو، فيختلف عليه فى لفظة من ألفاظ الحديث، فيرويه أحدهم بلفظ، ويخالفه غيره في لفظ أو حرف. ومثال ذلك : ما أخرجه الإمام أحمد (١٧/٥) من طريق : أبان العطار؛ وأبو داود (٢٨٣٨)، والترمذي (١٠٧٤)، والنسائى (١٦٦/٧) من طريق : سعيد بن أبى عروبة، كلاهما عن قتادة ، عن الحسن البصرى، عن سمرة بن جندب - رضى الله عنه- مرفوعاً : ((كل غلام رهينة بعقيقته، تُذبح عنه يوم سابعه، ويُحلق، ويُسَمَّى)). واختلف على قتادة فى لفظة : ((ويسمى)) . فأخرجه أحمد (١٧/٥و٢٢)، وأبو داود (٢٨٣٧) من طريق: همام بن يحيى ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة مرفوعاً بلفظ: (( كل غلام رهينة بعقيقته ، تذبح عنه يوم السابع ، ويُحلق رأسه ویدمی)) . قال أبوداود : ((وهذا وهم من همام ، ويدمى ، قال أبوداود: خولف فى هذا الكلام ، وهو وهم من همام، وإنما قالوا: (يَسْمَى))، فقال همام: «یدمی)) . ويُسَمّى أصح، كذا قال سلام بن أبى مطيع، عن قتادة، وإياس بن دغفل، وأشعث، عن الحسن، قال: ((ويسمى))، رواه أشعث عن الحسن ، عن النبى عَ ◌ّه قال: ويسمى)). قلت : همام ليس من الطبقة الأولى فى أصحاب قتادة ، وسعيد بن أبى عروبة مقدّم عليه فى قتادة إذا تفرد، فكيف إذا توبع من طرق ؟! ٢٧٧ ١٠ - الاختلاف على راو فى متن الحديث وحكمه الشرعى: كأن يروى الحديث من وجوه عن أحد الرواة بمتن يفيد حكماً شرعياً، ويروى من وجه آخر عن نفس الراوى بمتن يخالف المتن الأول فى حكمه . ومثاله : ما رواه أبو إسحاق السبيعى، قال : سألت الأسود بن يزيد عما حدّثت عائشة عن صلاة رسول الله ێے ، قالت : كان ينام أول الليل ويحيي آخره ، وإن كانت له حاجة إلى أهله قضی حاجته، ولم يمس ماءً حتى ينام . قال الإمام مسلم -رحمه الله- فى كتاب ((التمييز)) (ص: ١٨١): (( فهذه الرواية عن أبى إسحاق خاطئة، وذلك أن النخعى وعبد الرحمن بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق )) . ثم روى من طريق : الحكم ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة - رضى الله عنها- قالت: كان رسول الله عَ لّه إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضأ وضوءه . وكذا روى من طريق : الزهرى ، عن أبى سلمة ، عن عائشة نحوه . ٢٧٨ ١١- الاختلاف علی راوٍ فى مخرج الحديث : ومخرج الحديث كما فسره ابن العربى - أبو بكر - : (أن يكون من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده ، كقتادة فى البصريين، وأبى إسحاق السبيعى فى الكوفيين، وعطاء فى المكيين، وأمثالهم، فإن حديث البصريين مثلاً إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفاً، وإذا جاء عن غير قتادة ونحوه كان شاذاً))(١) قلت : ومعناه أن يكون مروياً من وجه معروف أو محفوظ، فالوجه المحفوظ أ والمعروف هو مخرج الحديث . ومثال ذلك : حديث الأعمال بالنيات . فإنما يحفظ من رواية : مالك ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن علقمة الليثى، عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - . ولا يعرف إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصارى ، فهذا هو مخرجه. وأما ما يروى من وجوه أخرى؛ فمعلولة، وليست هى بمخرج للحديث. وقد يكون للحديث أكثر من مخرج، إذا تعددت أسانيده، وكانت محفوظة أو معروفة . (١) ((النكت)) لابن حجر (٤٠٥/١). ٢٧٩ وبعض هذه الأنواع صور خاصة من أنواع أخرى، فبعضها عام، وبعضها خاص، وإنما أردنا التفصيل لأن المبتدئ فى هذا العلم هو المعنى بهذا الکتاب ، والله ولى التوفيق . ٢٨٠