النص المفهرس
صفحات 261-280
من طريق: عباد بن كثير الرملي، عن شميسة بنت نبهان ، عن مولاها
مسلم بن عبد الرحمن به .
قال البزار : ((لا نعلم روى مسلم إلا هذا)).
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٥٤/٥):
(فيه شميسة بنت نبهان، ولم أعرفها ، وبقية رجاله ثقات)).
قلت: وهذا عجيب من الهيثمي، فأين ذهب عباد بن كثير الرملي،
وهو ليس بثقة كما قال النسائي؛ بل قال فيه البخاري: ((فيه نظر)) بمعنى أنه
متهم، وقال علي بن الجنيد: ((متروك))، وأما ابن معين فخالف الجمهور،
فوثقه، فالظاهر أنه لم يظهر له حاله، وشميسة بنت نبهان الأقرب أنها
مجهولة، والله أعلم .
فغالب ما ورد في ذلك أن النبي ربَّ امتنع عن مبايعة المرأة حتى
تختضب، وهذا وجه نكارة ظاهرة، فما كان النبي ◌َّله ليضيع إسلام
امرأة حتى تغير شكل يديها ، ولو صح هذا الحديث لكان واجبًا على
النساء تخضيب أيديهن ، ألا ترى إلى تقديم ذلك على مبايعتهن على
الإسلام ، هذا بالإضافة إلى ما في الأسانيد من ضعف ونكارة أيضًا.
وقد درج بعض المعاصرين على تقوية هذا الحديث بمجموع الطرق
دون التعرض لنكارة المتن فضلاً عن نكارة الطرق التي ورد بها .
(٨) تقوية الأسانيد محتملة الضعف دون اعتبار للزيادات في المتون .
قد يرد حديث من طريق محتمل الضعف ، ويرد له متابعة أخرى أو
شاهد محتمل الضعف أيضًا ، ولكن مع عدم بعض الزيادات من المتن
٢٦١
الأول ضمن المتن الثاني ، فيحسِّن الباحث المتن الأول بمجموع الطرق ،
ولربما يحتج بما فيه من هذه الزيادات ، مع أنه لم يُتابع على هذه الزيادات
من الحدیث .
فحاصل ما تقدّم : أنه لا يحصل تقوية إلا للقدر المشترك للمتن بين
مجموع الطرق .
· ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه الترمذي (٢٦٤١) من طريق : أبي داود الحفري ، عن
الثوري ، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ،
عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَال
(( ليأتين على أمتى ما أتى على بني إسرائيل ، حذو النعل بالنعل ،
حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية ، لكان في أمتى من يصنع ذلك ، وإن
بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث
وسبعين ملة ، كلهم في النار إلا واحدة)) ، قالوا : من هي يا رسول الله ؟
قال : (( ما أنا عليه وأصحابي)) .
قلت : وهذا الحديث قد روي من وجه آخر عن عبد الرحمن بن
زياد بن أنعم وليس فيه قوله {وَلات :
(( حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية ، لكان في أمتى من يصنع
ذلك)» .
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف الحديث ، ولكن لحديثه
شواهد كثيرة تؤيده ، إلا أنه لم يتابعه أحد على الزيادة المذكورة ، ومن ثمَّ
٢٦٢
فلا يصح تحسين حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - في افتراق
الأمم بهذه الزيادة ؛ لأن القدر المشترك الذي توبع عليه عبد الرحمن بن
زياد هو أصل الحديث ، لا هذه الزيادة.
وبعد فهذه بعض الأخطاء الشائعة في التقوية بمجموع الطرق ذكرناها
على وجه الاختصار حتى يحذر منها الباحث والمحقق أثناء دراسته
للأسانيد ، والله الموفق.
٢٦٣
تدريبات للمناقشة
• بيِّن أوجه الخلاف بين المحدِّثين والفقهاء في :
(١) حكم زيادة الثقة في السند والمتن .
(٢ حكم الإرسال .
· اذكر مثالاً على كل حالة من الحالات التالية :
■ تعارض الوقف مع الرفع مع كون الرفع هو الوجه المحفوظ .
■ تعارض الوصل مع الإرسال مع كون الإرسال هو المحفوظ .
■ حديث ورد من طرق ضعيفة ، إلا أنه محتمل للتحسين
بمجموع الطرق.
٢٦٤
تدريبات عملية تعين الطالب على دراسة الأسانيد
وبعد أن انتهينا من سرد مهمات هذا الكتاب ، الذي يعني بتعليم
الدارسين طريقة دراسة أسانيد الأحاديث والأخبار ، وتحقيقها من حيث
الصحة والضعف ، نختمه بمجموعة مهمة من التدريبات العملية في شتى
المسائل التي تقدَّم ذكرها ، مع الإشارة إلى ما يختص بكل تدريب من هذه
التدريبات من مسائل حديثية متعلقة بهذا الباب
٢٦٥
التدريب الأول: ((شروط الصحة»
· ادرس السند التالي من حيث الصحة والضعف.
أخرج النسائي في ((سننه)) (١/ ١٧٢):
أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : أنبأنا أبو معاوية ، قال : حدثنا
هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت :
بعث رسول الله وَل﴿ أسيد بن حضير وناسًا يطلبون قلادة كانت
لعائشة نسيتها في منزل نزلته ، فحضرت الصلاة ، وليسوا على وضوء ،
ولم يجدوا ماءً، فصلَّوا بغير وضوء، فذكروا ذلك لرسول الله وَّر ، فأنزل
الله عز وجل آية التيمم ، قال أسيد بن حضير : جزاك الله خيرًا ، فوالله ما
نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيراً.
الجواب:
١أول ما نبدأ بدراسته في هذا السند : هو تعيين رواته .
إسحاق بن إبراهيم : شيخ النسائي ، وقد روى النسائي عن أكثر
من شيخ بهذا الاسم ، فعليه يجب أن نعود إلى أسماء الرواة عن أبي
معاوية ، لكي نتبين من هو إسحاق بن إبراهيم هذا.
وبالرجوع إلى ترجمة أبي معاوية ، وقد تقدَّم الكشف عنه ، وأن
اسمه : محمد بن خازم الضرير ، نجد أنه قد روى عنه راويان ممن يسمون
٢٦٦
إسحاق بن إبراهيم ، وهما :
إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، وقد ذكر المزي أن روايته
عن أبي معاوية عند ابن ماجة فقط ، والراوي الآخر هو : إسحاق بن
راهويه ، واسمه : إسحاق بن إبراهيم بن مخلد ، وقد ذكر المزي أن
روايته عن أبي معاوية عند مسلم والنسائي ، فهذا يدل على أن شيخ
النسائي هو : ابن راهويه.
وأما هشام بن عروة : فهو ابن الزبير .
وأبوه : هو عروة بن الزبير، وهذه السلسلة من أشهر الأسانيد
الصحيحة المروية في كتب الحديث.
(٢) نقوم بعد ذلك بالوقوف على أحوال الرجال من حيث العدالة
والضبط، وبمراجعة ((التقريب)) نجد أن هؤلاد الرواة من الثقات الحفاظ
المعروفين بالضبط والعدالة والكثرة في الرواية.
(٣) نتحقق بعد ذلك من سماعهم ، واتصال السند ، وبتتبع
الروايات في ذلك نجد أن سماعاتهم من بعضهم البعض ثابتة في غير
حديث ، ولم يقدح أحد في سماع بعضهم من بعض في الجملة.
(٤) يبقى التحقق من انتفاء الشذوذ ، وانتفاء العلة.
وهذا لا يتم إلا بعد جمع طرق الحديث ، وبتتبع طرقه نجد :
أن أبا داود قد أخرج هذا الحديث (٣١٧) : حدثنا عبد الله بن
محمد النفيلي ، أخبرنا أبو معاوية ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ، أخبرنا
عبدة، المعنى واحد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة به.
٢٦٧
فدلَّ هذا على أن لهذا الحديث سندًا آخر من رواية عبدة ، عن هشام
ابن عروة ، وهي متابعة تامة لأبي معاوية الضرير ، والرمز (ح) في السند
يدل على التحويل إلى سند آخر للحديث ، فهو يشير بذلك إلى أنه يرويه
بسندین مختلفین .
وبالكشف عن رواية عبدة في (تحفة الأشراف)) نجد أن البخاري قد
أخرجها في ((صحيحه)) (٧١/٤) كتاب اللباس / باب : استعارة القلائد.
وعبدة : هو ابن سليمان ، أحد الثقات الأثبات.
فهذا البحث يدل على أن الحديث صحيح السند ، لاسيما وأن
البخاري قد خرّجه في ((صحيحه)) ، مما يؤكد انتفاء الشذوذ والعلة عنه.
٢٦٨
پرچ۔۔
التدريب الثاني: ((النكارة في المتن والسند)»
بسبب المخالفة في المتن والتفرد بالسند
· أدرس الحديث التالي من حيث الصحة والضعف.
• أخرج الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠/ ٢٠١) من طريق :
عتاب بن حرب ، عن المضاء الخراز ، عن يونس بن عبيد ، عن
الحسن ، قال : قال معقل بن يسار : كنت يوم بيعة الرضوان رافعًا غصنًا
من أغصان الشجرة عن رأس رسول الله وَعليه وهو يبايع الناس ، لم يبايعهم
على الموت ، بايعهم على أن لا يفروا ، وكان يصافح النساء من تحت
الثوب.
● وقد ورد من طرق صحيحة أن النبي وَلّ كان يقول :
(( إني لا أصافح النساء)).
الجواب:
بمجرد النظر لمتن الحديث نجد أن فيه نكارة ظاهرة من حيث تقريره
لمصافحة النبي وَ جليه النساء ولو من تحت ثوب ، ذلك لأنه كما ورد في
السؤال قد صح من طرق عن النبي ◌ّ أنه قال: ((إني لا أصافح
النساء))، وهذا عام لم يخص حالاً من حال.
وهذا ينبئ الباحث ولا شك أن ثمة علة في هذا السند؛ لظهور
النكارة في المتن .
٢٦٩
فإذا بدأ الباحث بدراسة أحوال الرجال من حيث العدالة والضبط
والاتصال، نجد أن الحسن هو البصري ، وسماعه من معقل متحقق ؛
لأن البخاري قد احتج بروايته عن معقل بن يسار كما يظهر جليًا من تتبع
مسند معقل بن يسار من ((تحفة الأشراف)) للحافظ المزي.
والراوي عن الحسن هو يونس بن عبيد أحد الأئمة الثقات الزهاد
العباد ، وهو من أجلِّ أصحاب الحسن.
فبقي تعيين المضاء الخراز ، وعتاب بن حرب.
وبالرجوع إلى ((التهذيبين)) - ((تهذيب الكمال)) و((تهذيب التهذيب)) -
نجد أن أحدًا منهما لم يترجم لأيٍّ من هذين الراويين.
وبالتالي فلا بد من توسيع دائرة البحث ، وبما أن المتن منكر ، ولم
يبق الحمل إلا على هذين الراويين ، فهذا يُلمح للقاريء تقديم البحث
عنهما في كتب تراجم الضعفاء قبل البحث عنهما في كتب التراجم
العامة .
فنبدأ بكتاب ((لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر ، إذ أنه من أشمل
وأوسع الكتب في ذكر أسماء الضعفاء.
وبالرجوع إليه نجد أن عتاب بن حرب له ترجمة هناك (١٤٨/٤)،
ولكن لم يذكر روايته عن المضاء ، وذكر أن الفلاس قد سمع منه ،
وضعفه جدًا، وأورده ابن عدي في ((الكامل))، وقال ابن حبان: ((كان
ممن ينفرد عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات على قلته ، فلا يحتج
به)) .
فالظاهر أن عتَّابًا هذا كان قليل الرواية ، ولم يُشتهر حديثه ، وإلا
٢٧٠
لتكلَّم فيه الأئمة الكبار كأحمد، وابن معين، وابن المديني.
وأما المضاء الخراز ، فلم يترجمه الحافظ في ((اللسان))، وإنما ترجم
للمضاء بن الجارود (٥٤/٦)، ولا أظنه هو هذا الراوي.
فهذا يورد علينا ضرورة الرجوع إلى كتب التراجم العامة للوقوف
على حال هذا الراوي ، وبالرجوع إلى أشهر هذه الكتب ، وهو: ((الجرح
والتعديل)) لابن أبي حاتم ، نجد أن ابن أبي حاتم قد أورده في كتابه
(٤٠٣/٤/١)، ولم يزد على أن قال :
(( مضاء الخراز ، بصري ، روى عن يونس بن عبيد ، روى عنه
عتاب بن حرب ، سمعت أبي يقول ذلك )).
قلت : فهو على هذه الصفة مجهول العين ، إذ لم يرو عنه غير
عتاب بن حرب ، ولم يوثقه معتبر .
وعلى ذلك فالحديث منكر جدًا من جهة السند ومن جهة المتن ، فقد
تفرد بروايته ضعيف ومجهول ، وفي المتن ما فيه من مخالفة صريحة
الأحاديث الصحيحة .
٢٧١
التدريب الثالث : ((النكارة بسبب التفرد)»
· ادرس الحديث التالي من حيث الصحة والضعف.
أخرج أبو داود في ((السنن)) (٥٢٧٣) :
حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا أبو قتيبة سلم بن قتيبة ،
عن داود بن أبي صالح المدني ، عن نافع ، عن ابن عمر :
أن النبي ◌ُّ نهى أن يمشي الرجل بين المرأتين.
الجواب :
بدراسة تراجم رجال السند نجد :
أن رواة السند من العدول المحتج بهم إلا داود بن أبي صالح ، قال
الحافظ ابن حجر في ((التقريب)): ((منكر الحديث)).
وبالرجوع إلى ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) نجد أن العلماء قد
تكلموا فيه وفي حديثه هذا بكلام شديد.
قال البخاري: ((لا يتابع عليه، ولا يُعرف إلا به))، وقال أبو
زرعة الرازي: (( لا أعرفه إلا في حديث واحد، وهو حديث منكر)) ،
وقال أبو حاتم: (( مجهول ، حدَّث بحديث منكر )).
فدلَّت هذه النقول على أنه غير مشهور في النقل ، وليس له إلا هذا
الحديث المنكر ، ومن ثم فإن هذا الحديث شديد الضعف لنكارته سندًا
ومتنا .
٢٧٢
التدريب الرابع : ((الاختلاف في الوقف والرفع»
· ادرس الحديث التالي من حيث الصحة والضعف.
أخرج ابن السني في ((اليوم والليلة)) (٣٠) من طريق : المسيب بن
واضح، عن يوسف بن أسباط ، عن سفيان ، عن أبي هاشم، عن أبي
مجلز ، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال :
قال رسول الله ټلهم :
( (( من توضأ فأسبغ الوضوء ، ثم قال عند فراغه من وضوئه :
سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب
إليك ، خُتم عليها بخاتم ، فوضعت تحت العرش ، فلم يكسر إلى يوم
القيامة )).
وأخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) (٨١)، والطبراني في
(الأوسط)) (١٤٥٥) من طريق: يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي
هاشم، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن أبي سعيد مرفوعًا.
وأخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) (٨٢) من وجه آخر، عن محمد
ابن جعفر ، عن شعبة بسنده إلا أنه أوقفه.
ثم رواه (٨٣) من طريق : عبد الله بن المبارك، عن الثوري ، عن أبي
هاشم موقوفًا.
٢٧٣
الجواب :
يمكن لطالب العلم تيسيرًا على نفسه أن يُنشأ رسمًا تخطيطيًا يبين
شجرة أسانيد هذا الخبر ، وهي كالتالي :
أبو سعيد الخدري
قیس بن عباد
أبو مجلز
أبو هاشم
شعبة
سفيان الثوري
محمد بن جعفر
یحیی بن کثیر
يوسف بن أسباط
ابن المبارك
مرفوعًا
موقوفًا
٢٧٤
وأول ما يبدأ به الباحث النظر في القدر المشترك من الأسانيد ،
للوقوف على تراجم رواة هذا القدر ، وهو :
أبو هاشم ، عن أبي مجلز ، عن قيس بن عباد ، عن أبي سعيد.
فأما قيس بن عبَّاد : فهو ثقة قدم المدينة في خلافة عمر - رضي الله
عنه - وروى عنه وعن جمع من الصحابة .
وأما أبو مجلز ، فاسمه : لاحق بن حميد السدوسي ، وقد وثقه
أبو زرعة وابن خراش والعجلي ، وقال ابن عبد البر: (( ثقة عند
جميعهم))، وقال الحسين بن حبان عن ابن معين أنه قال: ((مضطرب
الحديث)) ، وهذا الجرح من قبيل الجرح المبهم ، والقول بتوثيقه مقدّم.
وأبو هاشم : هو الرمَّاني كما ورد ذكره في تلاميذ أبي مجلز ،
وهو ثقة كما في ((التقريب)).
فرواة هذا الجزء المشترك من السند ثبتت ثقتهم وعدالتهم، وأما الرواة
عن أبي هاشم في هذا الحديث فهم اثنان : شعبة بن الحجاج ، وسفيان
الثوري وهما من الأئمة النقاد والثقات الحفاظ الأثبات.
ومما سبق ذكره من الطرق يتضح أنه قد وقع خلاف في رفع هذا
الحديث ووقفه على راويين :
الراوي الأول : هو سفيان الثوري ، فرواه عنه يوسف بن أسباط
مرفوعًا ، وخالفه ابن المبارك فرواه عنه موقوفًا .
والراوي الثاني : شعبة بن الحجاج ، فرواه عنه محمد بن جعفر
موقوفًا ، وخالفه يحيى بن كثير فرواه عنه مرفوعًا . .
٢٧٥
ومن أجل الترجيح بين هذه الروايات المتعارضة لابد لنا أن نرجح
أولاً الوجه المحفوظ عن كل راوٍ من هذين الراويين.
فأما سفيان الثوري :
فبمراجعة ترجمة يوسف بن أسباط نجد أنه صدوق في نفسه ،
صاحب عبادة واتباع وسنة إلا أنه ضعيف من قبل حفظه ، فقد دفن كتبه،
وكان يعتمد على حفظه ، فيغلط في رواياته ، ويشتبه عليه ، وقد وثقه
ابن معين ، والظاهر أنه يريد بذلك عدالته واتباعه ، وأما من جرحه
فجرحه بجرح مفسر ، قال البخاري : (( كان قد دفن كتبه ، فصار لا
يجيء بحديثه كما ينبغي)) ، وبهذه العلة ضعفه ابن عدي ، والعجلي ،
والخطيب البغدادي ، وكذلك الراوي عنه وهو المسيب بن واضح ضعيف
الحديث، ترجمه الذهبي في ((الميزان)) (١١٦/٤)، ونقل عن أبي حاتم
قوله فيه : ((صدوق يخطئ كثيراً ، فإذا قيل له لم يقبل)) ، وضعفه
الدار قطني ، وأورد ابن عدي جملة من الأحاديث التي استنكرت عليه ،
وأما النسائي - على تشدده - فکان حسن الرأي فيه.
وأما عبد الله بن المبارك فمن الأئمة الحفاظ ، ومن الثقات الأثبات ،
ولا يُقارن به من هو في مثل حال يوسف بن أسباط ، فروايته هي الأصح
ولا شك .
وعليه فالمحفوظ من رواية الثوري لهذا الحديث الوقف.
وأما شعبة بن الحجاج :
فقد اختلف في الرواية عنه محمد بن جعفر الملقب بـ : (غندر))،
٢٧٦
ويحيى بن كثير .
فأما غندر فهو من الثقات المقدَّمين في شعبة ، قد لازمه عشرين سنة
لا يكتب عن أحد غيره ، وكان إذا كتب عنه عرض عليه، وكان ربيبه، وأما
يحيى بن كثير فثقة إلا أنه دون محمد بن جعفر في الرواية عن شعبة،
فالأصح رواية محمد بن جعفر الموقوفة.
وعليه فالمحفوظ من رواية شعبة لهذا الحديث الوقف.
ومن ثمَّ فالطرق المحفوظة متفقة على وقف الحديث ، وأما الرفع
فهو شاذ في رواية شعبة ، ومنكر في رواية الثوري.
ومع ذلك ؛ فمن نافلة القول أن نشير إلى أن هذه الرواية وإن كانت
موقوفة لفظًا إلا أنها مرفوعة حكمًا ، إذ لا يُتصور أن يخبر أبو سعيد
الخدري - رضي الله عنه - بهذا الأمر الغيبي دون توقيف .
٢٧٧
التدريب الخامس: ((التعضيد بالطرق الواهية))
· ادرس أسانيد الحديث التالي من حيث الصحة والضعف.
أخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) (١ / ٧٧) - ومن طريقه الدار قطني
في (السنن)) - : عن إبراهيم بن محمد ، عن داود بن الحصين ، عن أبيه ،
عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله وَلا توضأ بما أفضلت السباع.
وأخرجه الدارقطني في ((السنن)) من طريق : ابن أبي حبيبة ، عن داود
ابن الحصين ، عن أبيه ، عن جابر ، قال :
قيل : يا رسول الله ! أنتوضأ بما أفضلت الحمر ؟ قال :
(( وبما أفضلت السباع)).
الجواب :
نقوم أولاً بتعيين رواة السند وما يخص حالهم من حيث الجرح
والتعديل وثبوت السماع.
(١ الحصين والد داود: له ترجمة في ((التهذيب))، وقد ضعفه
البخاري وأبو حاتم ، وتركه ابن حبان ، وقال ابن عدي: (( لا أعلم من
يروي عنه غير ابنه )).
(٢) داود بن الحصين : متكلَّم فيه ، والذي يظهر من حاله أنه ثقة
في عموم مشايخه ، إلا في روايته عن عكرمة ، فإنه صاحب مناکیر عنه.
(٣) إِبراهيم بن محمد : كذا ورد مهملاً ، وبمراجعة الرواة عن داود
من ((تهذيب الكمال)) نجد أنه: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي.
٢٧٨
وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي متروك الحديث كذبه غير
واحد من الأئمة ، ونسبه الإمام أحمد إلى الوضع ، وخالف الجمهور في
تجريحه الإمام الشافعي - رحمه الله - ، فوثّقه ، فكأنه لم يظهر له حاله.
وبذلك يظهر لنا أن السند الأول تالف .
وأما السند الثاني فهو متابعة تامة لإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى
الأسلمي ، قد تابعه ابن أبي حبيبة .
وبتعيين ابن أبي حبيبة باستخدام ((تقريب التهذيب)) - من نُسب إلى
أبيه - نجد أن اسمه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة .
. وهذا الأخير قد روى أبو طالب عن الإمام أحمد توثيقه ، وروى
الدارمي عن ابن معين أنه قال: ((صالح))، وقال البخاري: ((منكر
الحديث))، وقال النسائي: ((ضعيف))، وقال أبو حاتم: (( شيخ ليس
بالقوي يُكتب حديثه ولا يُحتج به ، منكر الحديث )) ، وقال الدار قطني :
((متروك)).
فالظاهر من أقوال جمهور الأئمة شدة ضعفه ، وأما قول أحمد ،
فإما أن يحمل على غير محمل التوثيق ، كأن يقصد به العدالة ، أو
المقارنة بينه وبين من هو أشد منه ضعفًا ، وإما أن يكون مخالفًا لقول
الجمهور ، فحينئذ يكون الأولى تقديم قول الجمهور ، لاسيما أن من
ضعفه قد فسر جرحه ، فهو مقدّم على التعديل ولا شك ، وعليه فهذه
المتابعة لا تفيد الحديث إلا وهنا على وهن ، ولا يصح التقوية بمجموع
الطريقين لشدة ضعف الطريقين .
٢٧٩
التدريب السادس: ((الاختلاط والإبهام والزيادة في المتن،
· ادرس الحديث التالي من حيث الصحة والضعف.
أخرج أبو داود في ((السنن)) (٤٠١٩) من طريق : ابن علية ، عن
الجريري ، عن أبي نضرة ، عن رجل من الطفاوة ، عن أبي هريرة ، قال :
قال رسول الله وَله: (( لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا
ولدًا أو والدًا».
ومن هذا الوجه أخرجه الترمذي ، والنسائي.
وقد أخرج الإمام أحمد (٣٢٥/١) : حدثنا الأسود ، قال : أخبرنا
أبو بكر ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول
الله ◌َية: (( لا تباشر المرأة المرأة، ولا الرجل الرجل)).
وأخرج مسلم (٢٦٦/١) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله
عنه - : أن رسول الله وَالر، قال: (( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا
المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا
تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد )).
الجواب:
بتتبع روايات هذا الحديث نجد أن الرواية الأولى قد وافقت باقي
الروايات في متن الحديث إلا في زيادة: ((إلا ولدًا أو والدًا)).
٢٨٠