النص المفهرس
صفحات 181-200
فتفرد عبد الرحمن بذكر الركعتين فيها . وقد روى أبو طالب ، عن الإمام أحمد - رحمه الله - أنه قال : (( كان يروي حديثًا منكرًا عن ابن المنكدر عن جابر في الاستخارة ، لیس أحد یرویه غیرہ )). قلت : إنما تفرد بذكر الركعتين ، وقد رُوِيَ دعاء الاستخارة - كما قال الحافظ في ((التهذيب)) - من رواية أبي أيوب، وأبي سعيد، وأبي هريرة وابن مسعود وغيرهم ، وليس في حديث أيِّ منهم ذكر الصلاة إلا في حديث أبي أيوب ، ولم يقيده بركعتين ، ولا بقوله من غير الفريضة. فكأن البخاري - رحمه الله - قد اعتمد رواية أبي أيوب في ذلك ، واستدل بها على أن هذا الحرف لا يتنزل عليه حد الشذوذ أو النكارة . ثم وجدت - بعد - ما يشهد للصلاة عند الاستخارة ، وهو ما أخرجه مسلم (١٠٤٨/٢)، والنسائي (٧٩/٦) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : لما انقضت عدَّةً زينب، قال رسول الله وَّل: ((فاذكرها عليَّ))، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمِّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله وَّل ذكرها، فوليت ظهرى، ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب، أرسل رسول الله وَله يذكرك، قالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها . وقد بَوَّب النسائي لهذا الحديث : ١٨١ [ صلاة المرأة إذا خُطبت واستخارتها ربها ] . فدلَّ ذلك على أنها قامت إلى مصلاها للصلاة والدعاء ، وإلا لكفاها الدعاء في موضعها الذي كانت فيه دون الحاجة إلى الذهاب إلى مصلاها إن لم تكن استخارتها بصلاة. ومن ثمّ فإن هذا يدل على أن ابن أبي الموال لم ينفرد بهذا الحرف ، بل له أصل في شواهد أخري صحيحة. ومرد الشذوذ أو النكارة إلى التفرد أو الاختلاف على راوٍ في سند الحديث أو في متنه، وقد نبهنا على أنواع كثيرة من الاختلاف على الرواة في (تيسير علوم الحديث)) بما يغني عن الإعادة هنا، وكذا نبهنا على متعلقات هذه المسألة من حكم زيادة الثقات وضوابطها عند المحققين من أهل العلم. وسوف ننبه هنا على كيفية الترجيح عند الخلاف بين الرواة ، ومتعلقات ذلك من الكلام على طبقة الأصحاب والشيوخ في الحفاظ المشهورين . · الترجيح عند الخلاف: عند وقوع الخلاف أو الاختلاف في رواية من الروايات بين بعض الرواة يكون الترجيح للوجه المحفوظ بالرجوع إلى : (١ الحفظ والتثبت . (٢) طول الملازمة . (٣) العدد والكثرة . (٤ المتابعات والشواهد. ١٨٢ (١ الحفظ والتثبت : فأول ما يبادر الباحث إلى تحقيقه إمعان النظر في الروايات المختلفة ، إذ قد يكون ذلك مرده إلى اضطراب الراوي في الحديث ، وقد يكون مرده إلى اختلاف الرواة عنه فيه. ويمكن التفريق بين هذين النوعين بالنظر في الاختلاف الواقع : فإن كانت الطرق مختلفة ، ولا يمكن الجمع بينها ، ولا ترجيح إحداها على الأخري ، فغالبًا ما يكون هذا مرده إلى اضطراب الراوي فيه ، وإن كان ثقة ، فالثقة قد يخطئ في الحديث ويضطرب فيه ، إذ ليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ، وإنما من شرطه أن لا يُكثر من الخطأ ، ولا يُدمنه بحيث يصبح ضعيفًا مردود الحديث ، أو منكر الحديث ، أو متروك الحديث . وقد عرَّف أهل التحقيق والنقد المضطرب على أنه ما اختلف فيه على أوجه متعارضة لا يمكن الجمع بينها . فمتى كانت الرواية المختلف فيها على هذا النحو ، فآنذاك فهي من قبيل المضطرب . وأما إن كان الاختلاف مرده إلى الرواة عن الراوي المختلف عليه في الحديث ، فينظر إلى المختلفين عليه ، ومكانتهم من الضبط والتثبت والحفظ ، وترجيح رواية الأوثق والأضبط على غيره. مثال : أخرج الإمام أحمد (٤٣٩/٢)، والنسائي في ((عشرة النساء)) (٢٦٧)، ١٨٣ وابن ماجة (٣٦٧٨) من طريق : يحيى بن سعيد القطان ، عن محمد بن عجلان، قال: حدثني سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي بَجله، قال: ((اللهم إني أحرِّج حق الضعيفين ؛ اليتيم والمرأة)). قلت : وهذا إسناد صحيح ، ولكن قد اختلف في سند هذا الحديث على ابن عجلان. فأخرجه النسائي في ((عشرة النساء)) (٢٦٨) من طريق : محمد بن سلمة ، عن ابن عجلان ، عن سعيد ، عن أبي شريح الخزاعي مرفوعًا به . فوقع الخلاف في رواية هذا الحديث من جهة صحابيه بين يحيى القطان ، وبين محمد بن سلمة. ومحمد بن سلمة ثقة ، إلا أنه لا يُقارن في التثبت والضبط والمعرفة بيحيى القطان ، فرواية يحيى القطان هي المحفوظة ، ورواية محمد بن سلمة شاذة من هذا الوجه. ٢ طول الملازمة : فإذا كان الثقتان المختلفان من نفس الرتبة في التثبت والتوثيق ، كان الترجيح بينهما بطول الصحبة ، وكثرة الملازمة للشيخ المختلف في الحديث عليه ، وسعة الرواية عنه. (٣ العدد والكثرة : ثم من المرجحات - عند الخلاف أوالاختلاف - التي يلجأ إليها الباحث للترجيح بين الروايات المتعارضة الرجوع إلى العدد والكثرة . ١٨٤ •• الترجيح بالطرق محتملة الضعف : ولا يُشترط في هذه الحالة ثقة جميع الرواة ، بل قد يُرجح الباحث رواية أحد الرواة بمتابعة من ضعفه محتمل غير شديد ، وهو ما يتنزل عليه قول الإمام أحمد - رحمه الله - لما سُئل عن الضعفاء - كما في ((مسائل إسحاق)) (١٩٢٦) - : « قد يُحتاج إلیهم في وقت )). وأخرج الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي)) (١٥٨٣) عنه أنه قال: ما حديث ابن لهيعة بحجة ، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب أعتبر به ، ويقوِّي بعضه بعضًا . بل متابعة الضعيف محتمل الضعف مما تُخرج تفرد الثقة أو الثبت عن حد النكارة . قال إسحاق النيسابوري في ((مسائله عن الإمام أحمد)) (٢١٧٨): (( قال لي أبو عبد الله : قال لي يحيى بن سعيد : لا أعلم عبيد الله أخطأ إلا في حديث واحد لنافع ، حديث : عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر، أن النبي بَجله، قال: (( لا تُسافر امرأة فوق ثلاثة أيام)). قال أبو عبد الله : فأنكره يحيى بن سعيد عليه. قال أبو عبد الله : فقال لي يحيى بن سعيد : فوجدته ، فوجدت به العمري الصغير ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله. قال أبو عبد الله : لم يسمعه إلا من عبيد الله ، فلما بلغه عن ١٨٥ العمري صححه . والشاهد من هذا أن رواية الضعيف محتمل الضعف تُكتب للاعتبار وللترجيح. ومن ثم إذا ورد الخلاف بين راويين في نفس الدرجة من التثبت والضبط لجأ الباحث إلى الترجيح بالكثرة والعدد ، بمتابعة الثقات أو محتملي الضعف ، فإذا زاد أحد الجانبين على الآخر في العدد والكثرة ترجحت روايته . ٥ مثال ذلك : ما أخرجه أحمد(١٠٢/٦ و١٧١)، ومسلم في ((التمييز)) (ص: ١٨١)، وأبو داود (٢٢٨)، والترمذي (١١٨ و١١٩)، والنسائي (١٦٦)، وابن ماجة (٥٨١-٥٨٣) من طرق : عن أبي إسحاق السبيعي، عن الأسود ، عن عائشة - رضي الله عنها - : كان رسول الله ◌َ لا ينام وهو جنب ولا يمس ماءً. قلت : هذه الرواية قد غلط فيها أبو إسحاق السبيعي مع ثقته وجلالته في العلم وتقدمه في الحفظ ، فإنه قد خالف فيها كل من رواه عن الأسود ، عن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - : أن النبي ◌َله كان يتوضأ قبل أن ينام. وهو ما رجحه شعبة ، ويزيد بن هارون ، والإمام مسلم، والترمذي ، وأبو داود السجستاني ، وابن أبي حاتم. وانظر الكلام عليه في كتابنا : ((صون الشرع الحنيف)) (٤٥). ١٨٦ ٤ المتابعات والشواهد : فإن تساوت الرواة في العدد والضبط ، وهذا قليل نادر ، أو إن تعذر الترجيح لمخالفة ثقة حافظ كبير ، لثقة من عوام الثقات قد تابعه ضعيف محتمل الضعف ، فلابد من الترجيح حينئذ بقرائن أخرى تدل على الوجه المحفوظ ، والتي منها تتبع طرق الحديث سواءً المتابعات أو الشواهد. فإن تَفَرد الراوي بما لا يُحتمل منه ، أو تَفَرد بسنة أو بأصل ، ووُجد له شاهد ، دلَّ ذلك على أن لهذا الحديث أصلاً يُرجع إليه ، كما تقدَّم بيانه قي مثال حديث صلاة الاستخارة . أو أن يَخْتلف في الرواية من لا يُمكن الترجيح بينهما إلا بمرجح خارجي ، فحينئذ يُنظر في المتابعات والشواهد . ومثال ذلك : ما أخرجه البزار في ((مسنده)) (كشف الأستار: ٢٣٣) من طريق: عبد الله بن صالح ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَاليوم: (( إن الله تبارك وتعالى لا ينزع العلم من الناس انتزاعًا بعد أن يؤتيهم إياه ، ولكن يذهب بالعلماء، وكلما ذهب عالم ذهب بما معه من العلم، حتى يبقى من لا يعلم ، فيضلوا ويُضلوا )). ثم رواه من طريق : محمد بن عبد الملك ، عن الزهري به . وأخرجه الآجري في ((أخلاق العلماء)) (٢٠) من طريق : عنبسة بن ١٨٧ خالد ، عن يونس به . فاتفقت هذه الثلاث على أن الحديث من طريق يونس ، يرويه عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة. وقد خولف في رواية هذا الحديث. فأخرجه معمر في ((الجامع)) (٢٠٤٧١) عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا به. ومعمر هو ابن راشد ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وكلاهما من كبار أصحاب الزهري ، بل هما متقاربان فيه ، ومنهم من قدَّم معمرًا عليه . فمثل هذا الخلاف قد يصعب فيه الترجيح ، وعند النظر في متابعات هذا الحديث ، نجد : أن هشام بن عروة قد روي هذا الحديث ، عن أبيه ، عن عبد الله ابن عمرو ، ورواه عن هشام جمع کبیر . أخرجه أحمد (١٦٢/٢ و١٩٠)، والحميدي في ((مسنده)) (٥٨١)، والبخاري (٣٠/١)، ومسلم (٢٠٥٨/٤)، والترمذي (٢٦٥٢)، والنسائي في ((الكبرى))، وابن ماجة (٥٢)، وابن وضاح في ((البدع والنهي عنها)) (٢٣٢)، وابن عبد البر في ((بيان العلم وفضله)) (١٤٩/١). وأخرجه معمر في ((الجامع)) (٢٠٤٧٧) عن يحيى بن أبي كثير ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن عمرو به. فدلَّ ذلك على أن الرواية المحفوظة هي رواية معمر ، لتأيدها بهذه المتابعات الدالة على أن الحديث هو حديث عروة ، عن ابن عمرو ، فكأن ١٨٨ يونس رواه على الوجه الأول جريًا على شهرة ترجمة عروة : عن عائشة - رضي الله عنها - فأخطأ فيه . فهذا من الشذوذ في السند. • مثال آخر : وأما الشذوذ في المتن ، فكالحديث الذي أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٨٦) من طريق : عمر بن حفص بن غياث ، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش ، حدثنا أبو إسحاق ، حدثنا أبو مسلم الأغر ، سمعت أبا هريرة، وأبا سعيد يقولان: قال رسول الله وَالله: (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر منادیًا ینادي ، هل من داع يُستجاب له ، هل من مستغفر يُغفر له ، هل من سائل يُعطى )). فالمنادي في هذه الرواية غير الله ، بل هو خلق من خلقه أمره الله تعالى بذلك ، وهذه الرواية تمسك بها بعض أهل الأهواء في نفي النزول عن الرب تعالى، أو تأويله ، وبتتبع روايات هذا الحديث نجد أن حفص بن غياث قد تفرد بالحديث بهذا اللفظ . وخالفه مالك بن سعير ، عند الآجري في ((الشريعة)) (ص: ٣٠٩)، فرواه عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن أبي مسلم الأغر ، عن أبي هريرة مرفوعًا : ((إن الله عز وجل يُمهل حتى إذا كان شطر الليل نزل تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فقال: هل من مستغفر .... )) الحديث. ١٨٩ فأثبت النزول للرب تعالى ، والنداء له سبحانه. وقد رواه جماعة عن أبي إسحاق ، بنفس رواية مالك بن سعير ، منهم : شعبة بن الحجاج ، وسفيان الثوري ، وأبو عوانة ، ومعمر ، وإسرائيل ، وشريك ، ومنصور بن المعتمر (١) . فخالف حفص في روايته مالك بن سعير ، وشهد لرواية مالك رواية الجماعة ، وحفص بن غياث اختلط بأخرة ، فلعل هذه الرواية مما حَدَّث به بعد اختلاطه ، والله أعلم. ● تعلق الترجيح بالقرائن: والذي استقر عليه الأمر عند المحققين من المتقدمين الترجيح بين الروايات المتعارضة بالقرائن على الوصف الذي سبق ذكره ، ولا يُعلم عن أحد منهم إطلاق القول بتقديم الرواية الزائدة على الرواية الناقصة ، سواءً في المتن أو في السند ، بل اعتبار حفظ الرواة المختلفين والترجيح بينهم بالاختلاف في الضبط والعدد ، أو بالمتابعات والشواهد . وأما إطلاق القول بقبول الزيادة من الثقة ، فإنما ذهب إليه الفقهاء والأصوليون ، والحكم في هذه المسألة إنما هو راجع إلى أهل هذا الفن ، لا إلى أهل فن آخر غيره. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في ((نزهة النظر)) (ص: ٧١): (( اشتهر عند جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل ، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدِّثين الذين يشترطون في الصحيح (١) وانظر تحقيق القول في هذا الحديث في كتابنا: ((دفاعًا عن السلفية)) (ص: ٩٥). ١٩٠ أن لا يكون شاذًا ، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه ، والعجب ممن أغفل ذلك منهم مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حدٍّ الحديث الصحيح ، وكذا الحسن. والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين ، كعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى القطان ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني، والبخاري ، وأبي زرعة ، وأبي حاتم ، والنسائي ، والدارقطني ، وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة )). وقال السخاوي - رحمه الله - في ((فتح المغيث)): (( من المسائل المختلف فيها بين المحدِّثين والفقهاء : ما إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئًا ، فنفاه من هو أحفظ منه ، أو أكثر عددًا ، أو أكثر ملازمة منه ، فإن الفقيه والأصولي يقولان : المثبت مقدَّم على النافي، فيُقبل ، والمحدِّثُون يسمونه : شاذًا ؛ لأنهم فسروا الشذوذ المشترط نفيه هنا : بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه ، عند تعسر الجمع بين الروايتين)). · مثال يبين الفارق بين الفقهاء والمحدثين في الإِعلال : أخرج ابن عدي في ((الكامل)) (٩٩٢/٣)، والدارقطني (١ / ٩٩) من طريق : أبي كامل الجحدري ، حدثنا غندر ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس مرفوعًا : ((الأذنان من الرأس )). ١٩١ قال الدار قطني : (( تفرد به أبو كامل ، عن غندر ، ووهم عليه ، والصواب عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن النبي (وَّةِ مرسلاً)). قلت : قد رواه جماعة عن ابن جريج مرسلاً منهم : وكيع ، وعبد الرزاق ، والثوري ، وناصلة بن سليمان ، وعبد الوهاب الثقفي . وروايتهم عند ابن أبي شيبة (٢٣/١)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (٤/ ٣٢)، والدار قطني (١٠٠/١). فحكم عليه الدارقطني بالشذوذ لمخالفة أبو كامل الجحدري رواية الجماعة . بينما سار ابن الجوزي على طريقة الفقهاء ، فقال في ((التحقيق في أحاديث الخلاف)) (١ /٩٤): (( قلنا : أبو كامل ، لا نعلم أحدًا طعن فيه ، والرفع زيادة ، والزيادة من الثقة مقبولة)). فأطلق قبول الزيادة ، ولم يعتبر بالمخالفة والشذوذ. ٥ مثال آخر : أخرج الترمذي (٣١)، وابن ماجة (٤٣٠)، وابن خزيمة (١ /٧٨) وابن حبان (الإحسان: ٢٠٦/٢) من طريق : إسرائيل ، عن عامر بن شقيق ، عن أبي وائل ، عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : أن النبي ◌َّ كان يخلل لحيته. قلت : قد وردت عدة أخبار في تخليل اللحية ، والذي عليه أهل ١٩٢ النقد ضعف هذه الأخبار. وقد نقل ابن القيم - رحمه الله - في ((زاد المعاد)) (١ / ١٩٨): عن الإمام أحمد وأبي زرعة الرازي - رحمهما الله - أنهما قالا : (( لا يثبت في تخليل اللحية حديث)). وقال ابن المنذر في ((الأوسط)) (٣٨٥/١): ((الأخبار التي رويت عن النبي وَّ أنه خلل لحيته قد تُكُلِّم في أسانيدها )). قلت : حديث عامر بن شقيق أحسن ما روي في الباب ، وهو على هذا فيه نكارة ظاهرة. فإن عامر بن شقيق ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (( ليس بقوي، وليس من أبي وائل بسبيل))، وأما النسائي فقال: (( ليس به بأس))، فاعتمده النووي وهو من الفقهاء فجرى على تصحيح الحديث في ((المجموع)) (٤٠٨/١). وفيه نظر ، على مقتضى نظر أهل الحديث ، فإن الباحث وإن لم يُسَلِّم بضعف عامر بن شقيق ، فلا بد له من التسليم بتفرده بهذا الحرف عن أبي وائل دون باقي أصحاب أبي وائل الثقات الحفاظ ، وقد روى غير واحد حديث الوضوء عن عثمان - رضي الله عنه - لا سيما حمران ، عن عثمان - رضي الله عنه - ، فلم يذكروا هذا الحرف فيه ، وقد حكم ثلاثة من أئمة النقد بأنه لا يصح في هذا الباب حدیث. ١٩٣ · الوقوف مع الموقوف احتياطًا : قال ابن الجوزي في ((التحقيق)) (٩٤/١): ((من عادة المحدِّثين أنهم إذا رأوا من وقف الحديث ومن رفعه وقفوا مع الواقف احتياطًا )). قلت : هذا المذهب يجرى عليه بعض المحدِّثين ، ولكن ليس هو مذهب جمهورهم ، بل المعروف من مذهب الجمهور الترجيح بقرائن الترجيح من الحفظ، أو العدد، أو الملازمة وغيرها ، وأما جعل ما ذكره ابن الجوزي قاعدة مطردة عندهم ، فلا. وممن وجدته يسلك هذا المسلك في بعض الأحيان أبو حاتم الرازي، وأبو جعفر العقيلي - رحمهما الله تعالى -. 0 تنبيه مهم : ثم ليعلم الباحث أن بعض المحدِّثين قد يجرون على مذهب الفقهاء في قبول زيادة الثقة مطلقًا دون قيد أو شرط ، من هؤلاء: أبو عبد الله الحاكم صاحب (( المستدرك))، وأبو بكر البيهقي . فلابد للطالب من أن يتفطن إلى مذاهب العلماء ، لئلا يغتر بتصحيحٍ قد يرد عن أحدهم يكون مخالفًا فيه لما استقر عليه جمهور المحدثين لا سيما في هذه المسائل التي ورد فيها الخلاف بين الفقهاء والأصوليين ، وبين المحدِّثين. ١٩٤ الحفاظ وأصحابهم الثقات من الأمور التي قد تؤثر في الترجيح بين الروايات المتعارضة مكانة الراوي من الشيخ المختلف عليه في الحديث ، لا سيما إن كان من الثقات الحفاظ المشهورين كالحسن البصري ، أو الزهري ، أو قتادة ، أو الأعمش، ونحوهم . فإن أصحاب هؤلاء الحفاظ على طبقات، فمنهم أهل الطبقة الأولى، وهم المقدَّمون فيهم ، لثقتهم ، وضبطهم ، وطول ملازمتهم له ، ولصيانة حديثهم بضبط كتبهم وضبط أدائهم وتحديثهم . ومنهم من دون ذلك من الشيوخ ، وهم من رووا عن الحافظ الكبير، إلا أنهم دون أهل الطبقة الأولى في الضبط والتوثيق والملازمة والكثرة في السماع من الحافظ. وقد اهتم العلماء بنقد ما يُروى عن الحفاظ من حديث الشيوخ عنهم بمقارنتها بحديث أهل الطبقة الأولى من الحفاظ ، فإن تفردوا بشيء لم يوافقهم فيه أهل الطبقة الأولى من المقدَّمين في هؤلاء الحفاظ كان تفردهم عند كثير من أهل العلم مما يُستنكر عليهم. وقد أشار إلى ذلك الإمام مسلم في مقدمة ((صحيحه)) حيث يقول (٧/١) : ((فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته ، وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه ، وحديث غيره ، أو لمثل هشام بن عروة ، ١٩٥ وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك ، قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره ، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث ، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما ، وليس ممن شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس )). قلت : بل قد توسع بعض الأئمة في هذا الباب فحكم على ما تفرد به أحد أصحاب الحافظ الكبير دون باقي الأصحاب بالنكارة ، وهو مذهب البردیجي - رحمه الله - . فقد نقل الحافظ ابن رجب - رحمه الله - عنه في (( شرح العلل)) (ص: ٢٨٣) أنه قال : ((أحاديث شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي وَخّ كلها صحاح ، وكذلك سعيد بن أبي عروبة ، وهشام الدستوائي ، إذا اتفق هؤلاء الثلاثة على الحديث فهو صحيح ، وإذا اختلفا في حديث واحد ، فإن القول فيه قول رجلين من الثلاثة ، فإذا اختلف الثلاثة تُوقّف عن الحديث ، وإن انفرد واحد من الثلاثة في حديث نُظر فيه ، فإن كان لا يُعرف متن الحديث إلا من طريق الذي رواه كان منكراً)). قلت : وعلى ما ذكرناه فقد يجري بعض الأئمة على تصحيح حديث تفرد به أحد الشيوخ عن حافظ كبير ، وإن لم يتابعه عليه أصحاب هذا الحافظ ، إذا ظهرت قرائن تدل على أنه قد حفظ هذا الحديث ، وذلك بورود متابعات وشواهد تدل على أن له أصلاً . ١٩٦ مثال ذلك : ما أخرجه أحمد (٢٨٥/١ و٢٩٠)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (٤٣٣) من طريق : حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَالله: ((رأيت ربي عز وجل)). وقد صحح الإمام أحمد هذا الحديث ، مع أن حماد بن سلمة لم يشاركه فيه أحد من أصحاب قتادة الثقات الحفاظ. وإنما صححه لورود متابعات تدل على أن لحديثه هذا أصلاً. قال الإمام أحمد - رحمه الله - في ((أصول السنة)) (١٤): ((والإيمان بالرؤية يوم القيامة، كما رُوي عن النبيِ نَِّ من الأحاديث الصحاح ، وأن النبي ◌َل﴾ قد رأى ربه ، فإنه مأثور عن رسول الله تَّر صحيح ، رواه قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ، ورواه الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ورواه علي بن زيد ، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عباس )). ● تعدد الأسانيد عن الرواة : قد يروي الراوي الحديث الواحد بأكثر من سند ، وللعلماء في قبول تعدد هذه الأسانيد أو ردها قاعدة مهمة ، وهي : · أن الراوي إن كان من الثقات الحفاظ ، والمشهورين بالرواية والسماع والرحلة ، ثم روى حديثًا بأكثر من سند ، وكانت هذه الطرق في هذه الروايات إليه محفوظة ، فحينئذ يقبل العلماء منه هذه الروايات ، ١٩٧ ويصححونها عنه، ويقولون: (( له في الحديث أكثر من سند)). مثال ذلك : ما رواه شعبة بن الحجاج ، عن قتادة ، عن النضر بن أنس ، عن زيد بن أرقم، عن النبي بَل أنه قال : ((إن هذه الحشوش محتضرة ، فإذا أراد أحدكم أن يدخل ، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث )). أخرجه ابن خزيمة (٣٨/١)، وابن حبان (الإحسان: ٣٤٢/٢)، والبيهقي (١/ ٩٦). ورواه شعبة ، عن قتادة ، عن القاسم الشيباني ، عن زيد بن أرقم به أخرجه ابن حبان (٢/ ٣٤١). وتابع شعبة عليه من هذا الوجه سعيد بن أبي عروبة كما عند ابن أبي شيبة (١/ ١١). فروى قتادة هذا الحديث على أكثر من وجه. قال البخاري : (١) ((يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا)). فاحتمل الاختلاف عليه في السند لمكانته من الحفظ والإتقان ؛ ولأن الطرق محفوظة إليه فيها ، فهو من قبيل تعدد الأسانيد عنه. • وأما إن كان المختلف عليه في الحديث من طبقة عموم الثقات ، (١) نقله عنه الترمذي في ((الجامع)). ١٩٨ أو من طبقة الصدوق ، أو من محتملي الضعف ، فلا يُحتمل منه آنذاك تعدد الطرق في الحديث الواحد ، إلا أن تشهد القرائن أنه قد سمع الحديث من الوجهين ، وإلا فُيُحكم عليه فيها بالاضطراب. • وأما إن كان من شديدي الضعف ، وممن تُكُلِّم في عدالته ، فلا يُستبعد منه أن يكون قد لُقِّن بأسانيده ، أو أن يكون قد وُضعت له ، أو وضعها هو نفسه . ١٩٩ تدريبات عملية على ما سبق التدريب الأول : ادرس سند الحديث التالي - مسترشداً بالطرق المذكورة - من حيث انتفاء الشذوذ والنكارة من السند. السند : أخرج ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٨)، والطبراني في ((الأوسط)) (٨٨٢٥) من طريق : عبد الرحيم بن سليمان ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، وقتادة ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله وَل إذا دخل الغائط قال: (( اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث : الشيطان الرجيم )). طرقه : أخرجه محمد بن فضيل في ((الدعاء)) (٣٧) من طريق : إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن النبي رَجُل مرسلاً، ودون ذكر قتادة. وأخرجه أبو داود في ((المراسيل)) (٢) : حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا حماد، أخبرنا هشام بن حسان، عن الحسن، عن النبي وَله به مرسلاً . ٢٠٠