النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
وَهَكَذَا ثَوَابُ مَنْ فَطَّرَ صَائِمً عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ ، أَوْ مَذْقَةٍ .
وَفِيهِ : أَنَّ مَنْ فَطَّرَ صِائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ
مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، وَبِذَلِكَ صَحَّ الْخَبَّرُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي ((جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ)).
وَفِيهِ : أَنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطَهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرَهُ عِثْقٌ
مِنَ الثَّارِ ، فَهَذَا خَبَرُ رَبُلٍ صَدُوقٍ ، لاَ يُوجَدُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ
وَهَماً ، فَنْظُرُ فِي حَالٍ رَاوِيِهِ مِنْ جِهَةٍ سُوءِ الْحِفْظِ .
وَمَغْنَاهُ صَحِيحٌ مَنْطِقاً : فَإِنَّ مَغْفِرَةَ الذَّنْبِ مِنْ ثَِارِ الرَّحْمَةِ ،
وَالعِثْقَ مِنَ النَّارِ مِنْ ثَِّارِ الَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ مَعاً .
وَفِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَا يَشْهَدُ لِيَغْضِهِ ،
فَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَنَّ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرٍ رَمَضَانَ يَنْظُرُ الرَّحْمَانُ - جَلّ
جَلَاَلَهُ - إِلَى خَلْقِهِ، وَإِذَا نَظَرَ اللهُ إِلَى عَبْدٍ لَمْ يُعَذِّبُهُ أَبَداً .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّمْمَنِ: هَذِهِ نَظْرَةُ رَحْمَةٍ » .
قُلْتُ: هَذَا - بِطُولِهِ - مِنْ كَلاَمِ الأُسْتَاذِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
- وَفَّقَهُ اللهُ - ...
وَلَّنَا مَعَهُ - زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ نَقْدٍ تَفْصِيلٌّ لِأُسْلُوبِ
الشَّوَاهِدِ الَّذِي سَلَكَهُ ! - وَقَفَاتٌ:

١٢٢
الأُولَى: مُضَاعَفَةُ الأُمُجُورِ الثَّابِتَةِ لَيْسَ فِيهَا ( تَحْدِيدُ ) أَنَّ أَجْرَ
النَّافِلَةِ كَأَجْرِ الفَرِيضَةِ، وَأَجْرَ الفَرِيضَةِ بِسَبْعِينَ فَرِيضَةً !!
فَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَصِّ خَاصِّ لإِثْبَاتِهِ .. وَهَيْهَاتَ !!
الثَّانِيَة: تَسْمِيَةُ شَهْرٍ رَمَضَانَ بـ (شَهْرِ المُوَاسَاةِ) وَ( شَهْرِ الصَِّ)
أَضْيَقُ دَلاَلَةً وَمَغْنَى مِنْ كَوْنِهِ شَهْراً تَقَعُ فِيهِ مُوَاسَاةٌ ، وَيَكُونُ فِیهِ
صَبْرٌ !
فَلاَ بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ خَاصِّ لإِثْبَاتٍ ذَلِكَ ..
ثُمَّ ( اسْتَحْضَرْتُ) (١) الحديثَ الذي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي((الْمُسْتَدِ))
(٢٦٣/٥ و٣٨٤َ و ٥١٤)، وَالطَّيَّالِسِيُّ فِي ((مُسْنَدِهِ)) (ص٣١٥) ،
وَالنَّسَائِيُّ فِي ((سُنَّتِهِ)) (٢١٨/٤) مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ
﴿ قَالَ: ((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ : صَوْمُ
الدَّهْرِ كُلِّهِ » .
وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطٍ مُسْلِمٍ، كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الأَلْبَائِيُّ فِي
((الإزوَاءِ)) (٩٤٦).
١
قُلْتُ : وَلَكِنَّ هَذَا لاَ يُغَيِّرُ شَيْئاً مِنْ أَصْلِ المَسْأَلَةِ وَوَجْهِهَا،
فَتَنَبَّهْ !
(١) وَلَمْ يَذْكُرْهُ الأُسْتَاذُ الظَّاهِرِيُّ !!

١٢٣
الثالثةُ: أَمَّا زِيَادَةُ رِزْقِ المُؤْمِنِ: فَالبَحْثُ هُنَا لَيْسَ فِي كَوْنِهَا مِنْ
ثَمَرَاتِ التَّقْوَى ، وَالصِّيَّامُ تَقْوَى ، وَ ... وَ ..
وَلَكِنَّ الْبَحْثَ - هَا هُنَا - فِي كَوْنٍ هَذِهِ الزََّادَةِ خْصُوصَةً فِي
رَمَضَانَ، كَمَا قَالَ - فِيهِ -: ((شَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ المُؤْمِنِ)) (١) !
وَبَابُ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ - سُبْحَانَهُ - أَوْسَعُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ..
وَلَيْسَ الگّلامُ - أَضلاً - فِیهِ !
الرابعة : وَكَلَامُ الأُسْتَاذِ الظَّاهِرِيِّ حَوْلَ فِقْرَةِ (( مَنْ فَطَّرَ فِيهِ
صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِثْقَ رَقَبَتِهِ، وَكَانَ لَّهُ مِثْلُ أَجْرِهِ ،
مَنْ غَيْزِ أَنْ يُْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ)) مِنَ الْحَدِيثِ ... كَلَامٌ إِنْشَائِيّ
تَخْضُ، مَبْنِيٌّ عَلَى (البَحْبُوحَةِ) فِي إِيرادِ الْمَعَانِي وَالدِّلاَلاَتٍ !!
وَالتوسُعِ فِي إِلْصَاقِ شَيْءٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ آخَرَ !!
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْدُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِرَاراً ...
وَلَكِنْ ؛ فِي هَذِهِ الفِقْرَةِ شَيْءٌ يُشِيرُ إِلَى سُوءٍ حَفْظِ ابْنِ
مُجُدْعَانَ، وَاخْتِلاَطِهِ ...
وبَيَانُّهُ كالتَّالي :
(١) وَقَوْلهُ فِيهِ - مِرارًا -: (( خَبَرُ صَدُوقٍ لاَ اخْتَالَ لِسُوء الحِفْظِ فِیهِ » !!
دَغْوَى عَرِيضَةٌ جِدًّا، فَسُوءُ الحِفْظِ هُوَ الأَضْلُ، لاَ العَكْسُ !!

١٢٤
مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ، وَالعِثْقُ مِنَ الثَّارِ أَسْمَى أَضْلٍ يَسْعَى إِلَيْهِ
المُؤْمِنُ فِي عُبُودِيَّتِهِ لله، مِن خلالِ أَعْمَلِهِ وَطَاعَاتِهِ، وَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ
صَادِرٍ مِنْهُ: إِنََّ هُوَ لِتَحْصِيلِ هَذِهِ الَغْفِرَةِ، وَذَلِكَ العِثْقِ ...
فَإِذَا جَاءَ النَّصُّ بِالأَضْلِ: فَكُلُّ مَا سِوَاهُ تَبَعِّ لَهُ ..
هَذَا شَيْءٌ مُقَرَّرٌ لاَ إِشْكَالَ فِيهِ ..
وَلَكِنَّ رِوَايَةَ عَلِيِّ بْنِ زَيِّدٍ هَذِهِ جَاءَتْ - كَأَنْهَا - عَلَى وَجْهٍ
القَلْبِ ، فَبَدَأَتْ بِالأَسْمَى وَالأَكْثَرِ - وَهُوَ مُتَضَمِّنٌّ مَا هُوَ دُونَهُ ! - ،
ثُمَّ عَطَفَتْ بِصُورَةٍ مُجُزْنِيَّةٍ مِنْهُ، بَلْ وَأَقَلَّ مِنْهُ !!
وَهَذَا سِيَاقٌ غَيْرُ قَائِمٍ، ( يَلِيقُ) بِمِثْلٍ عَلِي بْنِ زَيْدٍ ، وحالِهِ ،
وَأَخْبَارِهِ ..
فَالجَادَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ : حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّفي « سُنَنِ
التِّرْمِذِيِّ)» (٨٠٧)، وَ «سُنَنِ ابْنِ مَاجَه)) (١٧٤٦)، وَ «سُنَّنِ
النَّسَائِيِّ الْكُبَى)) (٣٣٣١) بِسَنَّدٍ صَحِيحٍ - مرفوعًا -: ((مَنْ فَطَّرَ
صَائِماً كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنْ لاَ يَنْقُصَ مِنْ أَخْرِ الصَّائِمِ شَيْئاً)).
وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَليٍّ، وَعَائِشَةً
- كما في ((جَمَعَ الجَوَامِع)) (١) (٢٣٦٥٢)، وَ (٢٣٦٥٥)
(١) ولولا خشيةُ الإطالةِ لخرّجْتُها جميعًا ...

١٢٥
وَ (٢٣٦٥٦) - كُلُّهَا فِي الأَجْرِ الوَارِدِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ
نَفْسِهِ .
فَمُغَايَرَةُ رِوَايَةٍ عَليَ بْنِ زَيْدٍ لَهُمْ جَمِيعاً، وَإِثْيَانُهُ بِأَلْفَاظِ وَزِيَادَاتٍ
لَيْسَتِ عِنْدَهُمْ: يَدُلُّ عَلَى مَوْقِعِهِ فِي الحِفْظِ ! وَدَرَجَتِهِ فِي الرِوَايَةِ !!
ثُمَّ رَأَيْتُ - بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ - رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيْنِ لِحَدِيثِ
سَلْمَنَ - وَمِنْ طَرِيقٍ عَلِي بْنِ زَيْدٍ نَفْسِهِ ! - اضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُهُ فِي هَذَا
المَوْضِعِ - أَجْرِ تَفْطِيرِ الصَّائِمِ -، ◌ِّا يُشِيرُ بِجَلاَءِ إِلَى مَا مِلْتُ إِلَيْهِ
- تَرْجِيحاً - ابْتِدَاءَ، ثُمَّ تَفَّقَ - جَزْماً - بَعْدُ - انْتِهَاءَ :
قَالَ الطََّائِيُّ في (( المُعْجَمِ الكَبِيرِ)) (٦١٦١):
((حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ
ابْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ: ثَنَا حَكِيمُ بْنُ خِذَامَ (١): ثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَنَ (٢) - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ ﴿: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فِي رَمَضَانَ مِنْ كَسْبٍ حَلاَلٍ صَلَّتْ
عَلَيْهِ المَلَاَئِكَةُ )).
(١) تَحَّفَ في (الأَضْلِ) إِلَى: ((حَكِيمِ بْنِ حِزَّامٍ))! وَانْظُرْ ((الْمُؤْتَلِفِ
وَالمُخْتَلِفِ)) (٢ / ٨٩٨) لِلدَّارَقُطْنِيّ.
(٢) تَصَحَّفَتْ فِي مَطْبُوعَةِ ((مُعْجَمِ الطَّبَرَانِ)) إِلَى: ((سُلَيَنَ))!

١٢٦
قُلْتُ: وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي ((الشِّعَبِ)) (٣٦٦٩)، وَابْنُ حِبَّانَ
في (( الَجْرُوحِينَ)» (٢٤٢/١) مِنْ طَرِيقِ حَكِيمِ، بِهِ .
(( حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى بْنِ مَنْدَهُ الأَصْبَهَانيّ: ثَنَا أَبُو حَفْصٍ
ءُ
وَقَالَ الطَّبَرَّانِيُّ (٦١٦٢):
عَمْرُو بْنُ عَلٍّ : ثَنَا الفَضْلُ بْنُ قُرَّةَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ أَبِي ◌َغْفَرٍ ، عَنْ
عَلٍ بْنِ زَيِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَنَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: ((مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى طَعَامِ وَشَرَابٍ مِنْ
حَلاَلٍ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ فِي سَاعَاتٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ
جِزِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فِي لَيْلَةِ القَدْرِ)).
قُلْتُ: وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ في ((الكَامِلِ » (٧٢٠/٢) ، وَابْنُ
الجَوَزِيِّ فِي ((المَوْضُوعَاتِ)) (١٩٢/٢).
فَكِلاَ الحَدِيثَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ عَلِيِّ بْنِ زَيَّدٍ ، وَهُمَا يُغَايِرَانِ - وَضْفاً،
وَحَالاً، وَحُكْمَاً - حَدِيثَهُ الَبَحُوثَ عِنْدَنَا - فَضْلاً عَنْ حَدِيثٍ زَيْدِ
ابْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ - الصَّحِيحِ - الوَارِدِ فِي أَجْرِ تَفْطِيرِ الصَّائِمِ - !
فَهَلْ تَرَى لَهُ مِنْ بَاقِیَةٍ ؟!
الخامسة: أَمَا كَلاَمُهُ حَوْلَ فِقْرَةٍ: (( أَوَّلُهُ رَخَةٌ، وَأَوْسَطُهُ
مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِثْقٌ مِنَ النَّارِ))، وَأَنَّهُ ((صَحِيحٌ مَنْطِقاً)) !! فَكَلاَمِّ
(غَيْزُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةٌ) !!!

١٢٧
أَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيح رِوَايَةً: فَلِمَ ذَكَرْتُهُ - وَكَرَّرْتُهُ - مِنْ أَنَّهُ
لَيْسَ لَهُ أَيُّ شَاهِدٍ حَدِيثِيٌ أَلْبَّةَ .. بَلْ لَهُ مُخَالِفٌ، كَمَا سَأَذْكُرُهُ
- بَعْدُ -، فَهُوَ فِي حُكْمِ المُكَرِ (١).
وَأَمَّا أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ دِرَايَةً ؛ فَلَأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِالْحَدِيثِ الَّذِي
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٦٨٢)، وَابْنُ مَاجَه (١٦٤٢)، وَابْنُ خُزَيْمَةَ
(١٨٨٣)، وَأَخْمَدُ (٢٥٤/٢)، وَالْحَاكِمُ (٤٢١/١)، وَالبَيّهَقِيُّ
(٤/ ٣٠٣) بِسَنَّدٍ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ قَالَ:
( ... وَلِلّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ؛ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ)) (٢).
وَهُوَ فِي ((سُنَنِ ابْنِ مَاجَه » (١٦٤٣) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
وَصَحَّحَهُ شَيْخُنَا الأَلْبَائِيُّ فِي ((صَحِيحِ التَّْغِيبِ)) (٩٩١).
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَخْمَدَ (٢٥٦/٥) ، وَالطََّرَانِيٌ فِي
(( الكَبِيرِ)) (٨/ ٣٤٠).
قُلْتُ : فَالحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ إِثْبَاتُ العِثْقِ كُلِّ لَيْلَةٍ ،
وَالحَدِيثُ الضَّعِيفُ خَالَفَ، وَحَجَّرَ وَاسِعاً !! فَجَعَلَ العِثْقَ (فَقَطْ)
في آخِرِ الشَّهْرِ ..
(١) انْظُرْ ((الباعث الحثيث)) (١ / ١٨٣) بتحقيقي.
(٢) هَذَا آخِرُ الحَدِيثِ، وَسَيَأْتِي أَوَّلهُ .

١٢٨
فَظَهَرَ - جليًّا - أَنَّ ( مَنْطِقَ) علمِ السُّنّةِ والحديثِ، يُخَالِفُ
(الَّطِقَ) العَقْلَّ (الحديث) !!...
فتأمل !
وَوَجْهٌ آخَرُ فِي رَدِّهِ وَعَدَمٍ قُبُولِهِ :
أَنَّهُ جَعَل (المَغْفِرَةَ) وَسَطَ الشَّهْرِ! مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ المُفَّقَ عَلَى
صِحَتِهِ (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ ﴿ قَالَ: ((مَنْ صَامَ
رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً: غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
فَجَعَلَ (الْمَغْفِرَةَ) ثَرَةَ الصِّيَامِ إِمَاناً وَاحْتِسَابًاً ؛ وَهَذَا ( فِي
ظَاهِرِهِ ) آخِرَ الشَّهْرِ ، لاَ وَسَطَه !
وَأَمَّا أَنَّ أَوَّلَهُ رَحَةٌ: فَهَذَا مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ إِ: (( إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ
لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ : صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ
الثَّارِ ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا
بَابٌ .. )) (٢).
فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ آثَارٍ رَحْمَةِ اللهِ - سُبْحَانَهُ - ؛ شَيَاطِينُ مُصَفَّدَةٌ ،
(١) انْظُرْ (( أَحاديث شهر رمضان)) (رقم ٣) لعبد الصمد بن عساكر -
بتحقيقي .
(٢) هُوَ أَوَّلُ الحَدِيثِ الْمُقَدِّمِ - قَرِيباً - الَّذْكُورِ آخِرُهُ.

١٢٩
وَنَارٌ مُغَلَّقَةٌ، وَجَنَّةٌ مُفَتَّحَةٌ ...
فَأَيُّ رَحْمَةٍ أَعْظَمُ للصَّائِمِينَ مِنْ هَذِهِ ؟! وَذَلِكَ الشَّهْرَ كُلَّهُ ...
فَجَغْلُهَا (فَقَطْ) فِي أَوَّلِهِ: عَكْسٌ للحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَتَضِْيقٌ
بَعْنَاهُ وَدِلِآَلَتِهِ ، وَإِغْلاقٌ لِعِمُومٍ دَائِرَيِِّ .
فَتَقْسِيمُ الشَّهْرِ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ: لاَ يَقُومُ عَلَى خَبِرٍ صحيحٍ ، وَلاَ
(مَنْطِقٍ صَرِيحٍ ) !
وَالصَّوَابُ : أَنَّ العِثْقَ كُلِّ لَيْلَةٍ ، وَأَنَّ الرَّحْمَةَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ
مُضَاعَفَةٌ وَمُخَصَّصَةٌ، وَأَنَّ الْمَغْفِرَةَ هِيَ أَجْرُ الصَّائِمِ الصَّابِرِ الْمُخْتَسِبِ ،
وَرَةُ عَمَلِهِ ؛ فَهِيَ - فِيمَا يَظْهَرُ - آخِرَ الشَّهْرِ .
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَفَّقَهُ اللهُ - :
(( وَفِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَا يَشْهَدُ لِيَعْضِهِ:
فَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَنَّ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرٍ رَمَضَانَ يَنْظُرُ الرَّحْمَانُ - جَلَّ
بجلاَلُهُ - إِلَى خَلْقِهِ، وَإِذَا نَظَرَ اللهُ إِلَى عَبْدٍ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَداً .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذِهِ نَظْرَةُ رَحْمَةٍ » .
أَقُولُ : عَلَى فَرْضٍ صِحَّةِ الحَدِيثِ (!) فَإِنَّهُ لاَ يَشْهَدُ لِحَدِيثٍ
ابْنِ مجدْعَانَ ؛ فَهَذَا الحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ نَظَرَ اللهِ - سبحانه - يَشْمُلُ العِبَادَ
أَوَّلَ لَيْلَةٍ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَنَّ اللهَ - جَلِّ شَأَنْهُ - ((لاَ يُعَذَّبُ أَبَداً » ..

١٣٠
وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ جُدْعَانَ ! فَفِيهِ أَنَّ الرَّحْمَةَ تَسْتَغْرِقُ ثُلُثَ
الشَّهْرِ !! فَذَا عَنْ بَقِيَّةٍ ثُلْتَيْهِ ؟!
ثُمَّ ؛ أَيْنَ نَفْيُ التَّعْذِيبِ تَأْبِيداً جَزَاءَ ذَلِكَ ؟!
وَمَعْ ذَلَكَ كُلُّهِ ، فإِنَّ الحَدِيثَ مَوْضُوعٌ !!
رَوَاهُ الأَصْبَهَانِيُّ فِي ((التَّرْغِيبِ)) (١٧٦٦)، وَابْنُ فَنْجَوَيْهِ ،
وَالضِّيَاءُ المَقَدِسِيُّ - كَمَا فِي ((الضَّعِيفَةِ)) (٢٩٩) لِشَيْخِنَا - .
وَقَالَ الضِّيَاءُ عَقِبَ رِوَايَتِهِ: ((عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الشَّامِيُّ :
مُنَّهَمٌ فِی ڕِوَاییهِ )) .
وَأَوْرَدَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي ((الَّوْضُوعَاتِ)) (١٩٠/٢)، ثُمْ
قَالَ: ((مَوْضُوعٌ، فِيهِ تَجَاهِيلُ، وَالَّهَمُ بِهِ عُثْمَنُ، يَضَعُ)).
وَوَافَقَهُ السُّيُوطِيُّ فِي ((اللَآلِءِ الْمَصْنُوعَةِ)) (١٠٠/٢ - ١٠١).
وَللحَدِيثِ طَرِيقٌ آخَرُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضاً :
فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمانِ)) (٣٣٣١)، وَالأَضْبَهَانِيّ
في «التَّرْغِيبِ)) (١٨٢٠) مِنْ طَرِيقٍ الهيثم بنِ الحوارِيِّ، عَنْ زَئِدِ
العَمِّيِّ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ جَابِرٍ .
وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ؛ وَزَيْدُ العَمِّيُّ مَشْهُورٌ بِالضَّغْفِ ..
وَالَهَيْثَمُ بْنُ الحَوَارِيِّ مَذْكُورٌ فِي ((تَهْذِيبِ الكَمَالِ)) (١٠ / ٥٨)

١٣١
ضِمْنَ الرُّوَاةِ عَنْ زَيْدِ العَمِّيِّ، وَذَكَرَهُ - بِهَذَا فَقَطْ - ابْنُ مَاكُولاً في
((الإِكْمَلِ)) (٢١٦/٣)! فَهُوَ فِي حَيِّزِ الْجَهَالَةِ ..
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَفَقَهُ اللهُ - (ص٢٤ - ٢٥):
((وَفِي آخِرٍ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: (( .. فَإِذَا
كَانَتْ لَيْلَةُ تِسْعِ وَعِشْرِينَ أَعْتَقَ اللهُ فِيهَا مِثْلَ جَمِيعٍ مَا أَغْتَقَ فِي الشَّهْرِ
كُلِّهِ ».
رَوَاهُ الأَضْبَهَائِيُّ - ◌َ(١) في ((التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ)) -، وَلَمْ
أُحَقِّقْ إِسْنَادَهُ؛ لأَنَّهُ شَاهِدٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ وَسَكَتُوا عَنْهُ
مُحْتَجِينَ بِهِ .
وَفِيهِ الوَعْدُ بِالْمَغْفِرَةِ، وَالعِثْقِ مِنَ النَّارِ لِمِنْ خَفَّفَ عَنْ تَمْلُوكِهِ ،
وَهَذَا مَضْمُومٌ إِلَى فَضِيلَةِ الشَّهْرِ فِي ذَاتِهِ ، وَمُضَاعَفَةِ الأَجْرِ فِهِ ، وَهُوَ
◌َرَّةٌ لامْتِثَالِ الأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ النَّصَّةِ عَلَى الرَّثْقِ بِالْمَلِيكِ ، وَالإِحْسَانِ
إلیھِمْ .
وَفِيهِ الإِكْثَارُ مِنَ الْخِصَالِ الأَزْبَعِ، وَهُنَّ مَطْلُوبَاتٌ دَائِماً، فَمِنْ
بَابٍ أَوْلَى أَنْ يَتَأَّدَ طَلَيُّهُنَّ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ المُبَّارَكِ )).
(١) ((كَ))): زَائِدَةٌ! فَالحديثُ فِيهِ !! إِلَّا أَنْ يُريد ((ترغيب )) المنذريّ !!
ولا أَظُهُ ! فإِنَّ ذَاكَ الكتابَ مطبوعٌ ، فلماذا الواسطةُ ؟!

١٣٢
قُلْتُ: وَقَدْ حَقَّقْتُ سَنَدَ الحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عِنْدَهُ - بِحَمْدِ اللهِ-،
وَهُوَ لاَ يَضْلُحُ - حَتَّى - شَاهِداً !! وَهُوَ قِطْعَةٌ مِنَ الحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ
المُتَّقَدِّمِ قَرِيباً ...
وَأَمَّا ذِكْرُ ((بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ)) لَهُ، وَكَوْنُهُمْ (( سَكَتُوا عَنْهُ مُحْتَجِينَ
بِهِ))! فَلَيْسَ هَذَا بِحُجَّةٍ؛ لما عُرِفَ مِنْ وَضْعِهِ ..
وَإِذَا عُرِفَ السَّبَبُ ، بَطَلَ العَجَبُ !
وَأَمَّا كَلاَمُ الشَّيْخِ - بَعْدُ - عَنِ التَّخْفِيفِ عَنِ الَغْلُوكِ ، وَمَا
يَتَعَلَّقُ بِهِ !! فَلَيْسَ لَهُ صِلَةٌ بِحَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، وَإِنَّاَ هُوَ مُتَعَلِّقٌ
بِحَدِيثِ ابْنِ مجِدْعَانَ الَبَحُوثِ أَضْلاً .
وَالقَوْلُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي سَابِقَيْهِ .. شَوَاهِدُ فَضْفَاضَةٌ ، وَمَعَانٍ
عَامَّةٌ، مُتَعَلَّقُهَا عَائِدٌ إِلَى عُمُومٍ رَحْمَةِ اللهِ، وَعَفْوِهِ ، وَمَغْفِرَتِهِ ،
وَلَيْسَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِفَصِّهِ وَنَصِّهِ .
وَإِلْصَاقُ شَيْءٍ مِنَ المَعَانِيِ الصَّحِيحَةِ بِالسُّنَّةِ - لِصِحَّةِ الْمَغْنَى
فَقَطْ - بِغَيْزِ إِسْنَادٍ ثَابِتٍ صَحِيحٍ: ◌َهْجِّ مُغَايِرٌ لِطَرِيقِ أَصْحَابٍ
الحَدِيثِ قَدِيماً وَحَدِيثاً ...
وَلَقَدْ تَقَدَّمَتِ الإِشَارَةُ إِلَى هَذَا مِرَاراً ؛ فَانْظُرْ (ص ٧٦ ) حَوْلَ
حَدِيثٍ: (( ... إِلَّ مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ، أَوْ رِيحِهِ، أَوْ طَعْمِهِ))؛

١٣٢
فَفِيهِ مَقْنَعٌ - إِنْ شَاءَ اللهُ - .
ثُمَّ قَالَ الأُسْتَاذُ ابْنُ عَقِيلِ (ص٣٤) :
((وَالأَضْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - إِذْ لَمْ يُعَارَضْ بِرِوَايَةٍ أَصَحَّ - أَنْ
يَكُونَ عَلَى السَّلاَمَةِ مِنْ سُوءِ الِحِفْظِ لِعَدَمِ نَكَارَةٍ مَثْنِهِ، إِلَّ مَا خَالَفَ
مَعْقُولاً، فَيَحْمَلُ عَلَى سُوءِ الحِفْظِ، مِثْلُ رِوَايَتِهِ ((مَنْ أَشْبَعَ
صَائِمًا سَقَاهُ اللهُ))، فَالمَغْقُولُ بَلَاَغَةً مُقَابَلَةُ السَّقْيِ بِسَقْيٍ، فَيَكُونُ
الصَّوَابُ: ((مَنْ سَقَى صَائِمًا))، لَاَ سِيَّمَ أَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ
في الشَّرْعِ، وَتَكُونُ رِوَايَةُ الشِّبَعِ مِنْ وَهَمِ ابْنِ مُجِدْعَانَ .
وَرِوَايَةُ الشِّبَعِ هِيَ الَّتِي حُفِظَتْ عَنْهُ .
وَتَكُونُ رَوَايَةُ السَّفْيِ مِنْ إِضْلاَحِ بِغْضِ الرُّوَاةِ )) .
قُلْتُ : هَذَا كَلاَمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ( المغَقُولِ ) وَبُجُوداً وَعَدَماً ؛
وَالْمَغْقُولُ - مَعْقُولًا - غَيْرُ (مَعْقُولٍ) الجَزْمُ بِهِ، لِتَقَاوُتِ الأَنْهَامِ ،
وَتَّايُنِ الْعُقُولِ .
وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِثَالٌ حَسَنٌ جدًّا عَلَى هَذَا؛ فَقَدْ عَلَّقَ البُزْهَانُ
النَّاجِيُّ فِي كِتَابِ العُجَابِ (( عُجَالَةِ الإِمْلاَءِ المُيَسِّرَةِ مِنَ الَّذْنِيبِ عَلَى
مَا وَقَعَ للحَافِظِ الْمُذِرِيِّ مِنَ الوَهَمِ وَغَيِهِ فِي كِتَابِهِ : التَّرْغِيبِ

١٣٤
وَالتَّرْهِيبِ » (١) (ق١٢٣/أ) تَغْلِيقاً عَلَى رِوَايَةِ:
((مَنْ أَسْقَى صَائِماً)): كَذَا وَقَعَ هُنَا ! وَلَعَلَّهُ مِنْ بَعْضٍ
التُّسَّاخِ ، وَلَفْظُ الحَدِيثِ - وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لاَ يَجوزُ غَيْرُهُ - :
((وَمَنْ أَشْبَعَ)).)). ا.هـ
وَإِذِ الأَمْرُ كَذَلِكَ :
فَلِمَذَا لاَ يُنْكَسُ ((الْمُعْقُولُ البَلاَغِيُّ))، فَيُقَالَ: سُقْيَا الصَّائِمِ
أَمْرٌ يَسْتَطِيعُ كُلِّ أَحَدٍ، فَقِيراً كَانَ أَمْ غَنِيًّا، قَادِراً كَانَ أَمْ عَاجِزاً ..
لَكِنَّ إِشْبَاعَ الصَّائِ فِيهِ بَذْلٌ، وَفِيهِ إِنْفَاقٌ، وَفِيهِ عَطَاءٌ، قَدْ لاَ
يَسْتَطِيعُهُ أَيُّ إِنْسَانٍ .. فَالإِشْبَاعُ أَعْلَى مِنَ السُّقْيَا وَأَغْلَى ...
وَقَدْ نَاسَبَ إِشْبَاعُ الدُّنْيَا سُقْيَا الْآخِرَةِ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ
بَذْلٍ وَإِنْفَاقٍ ...
ثُمَّ تَنَّهْتُ - بَعْدَ غَفْلَةٍ (٢) ! - إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ نَفْسَهُ - حَدِيثَ
ابْنِ مُجُدْعَانَ - يَرُدُّ تِلْكَ الْمَعْقُولِيَّةَ المُدَّعَاةَ! إِذْ فِيهِ: ((مَنْ فَطَّرَ فِيهِ
صَائِماً كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ ، وَعِنْقَ رَقَبِهِ مِنَ النَّارِ ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ آخرِهِ
مِنْ غَيْزِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيٌْ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ! لَيْسَ
(١) وَطُبِعَ - قَرِيبًا - فِي دَارِ الْحَدِيثِ بِالقَاهِرَةِ - طَبْعَةً سَقِيمَةً للغَايَةِ - بِعِنْوَان
((أَوْهَامُ التَّرْغِیبِ » !
(٢) وهي لا تَتَفَكُّ عنَّا - مَعْشَرَ وَلَدِ آدمَ -..

١٣٥
كُلَُّا يَجِدُ مَا يُقَطِّرُ الصَّائِمَ؟! قَالَ: (( يُعْطِي اللهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطّرَ
صِائِمً عَلَى مَذْقَةٍ لَبْنٍ، أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءِ )) .
ثُمَّ قَالَ - عَقِبَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً -: ((وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِماَ: سَقَاءُ
اللهُ مِنَ الْحَوَضِ شَرْبَةٌ لاَ يَظْمَأُ، حَتَّى يَدْخُلَ الجَنَّةَ ... )).
فَشَرْبَةُ الْمَاءِ سَفْيٌّ : ذَاكَ أَجْرُهُ ...
وَالإِشْبَاعُ إِطْعَامٌ : هَذَا أَجْرُهُ .
وَلَوْ رَجَّحْنَا السَّفْيَ فِي الثَّانِيَةِ: لَكَانَ تِكْرَاراً للأُولَى، وَهُوَ مَا
يَرْفُضُهُ (المُغْقُولُ الْبَلاَغِيُّ) ! وَيَرُدُّهُ، وَيَنْقُضُهُ ...
وَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ ؛ فَالصَّوَابُ - رِوَايَةً وَدِرَايَةً - لَفْظُ: ((مَنْ
أَشْبَحَ )) .
وَأَمّا لَفْظُ السَّقْيِ: فَهُوَ (مِنْ إِضْلاَحِ بِغْضِ الرُّوَاةِ) خَطَأَ،
وَغَلَطاً !
عَلَى أَنَّ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِمُفِيدِ الحَدِيثَ شَيْئاً ؛ لِضَغْفِهِ ، وَتَفَرُّدِ
ابْنِ عَجْلاَنَ بِهِ ، كَما قَدَّمْتُ مِرَاراً ...
*
ثُمَّ قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ص٢٥ - ٢٦):

١٣٦
((وَلَسْتُ مُسْتَوْحِشاً إِنْ كُنْتُ وَحِيداً فِي تَحْسِينِ هَذَا الحَدِيثِ
الشَّرِيفِ ، فَإِنّ فِي تَحْسِهِ عَلَى مَنْهَجٍ، فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ
الدَّمْيَاطِيُّ عَنْ عَلٍ بْنِ مُجُدْعَانَ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَضْعِيفٍ عَلِيُّ هَذَا ،
وَقَدْ يُحَسَّنُ حَدِيثُهُ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذٍوٍ لَفْتَهُ إِمَامٍ ، وَقَدْ عُلِمَ وَجْهُ ضَغْفٍ
عَلٍ مِنْ نَاحِيَّةِ سُوءِ حِفْظِهِ وَتَشَيُِّهِ، وَعُلِمَ وَجْهُ حُسْنٍ حَدِيثِهِ ،
وَالضَّغْفُ الَّذِي فِي عَلِيُّ لاَ يَرِدُ عَلَى حَدِيثِ هَا هُنَا. ))
قُلْتُ: هَذَا مِنْهُ - سَدَّدَهُ اللهُ - إِقْرَارٌ بِأَنَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي هَذَا
الحَدِيثِ مُخَالِفٌ لأَهْلِ الحَدِيثِ، وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ ..
وَلاَ أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ : هَذَا يَكْفِي فِي رَدَّ تَحْسِينِهِ - وَإِنْ كَانَ
گافیاً ! - : لَكِنِّي أَقُولُ : هَذَا یکفي في إثباتٍ - وبَكَانٍ - مَدَی
المُخَاطَرَةِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي يَلِجُ بَابِهَا مَنْ يَسِيرُ (وَحِيداً) فِي طَرِيقٍ تَرَكَهُ
السَّابِقُونَ، وَتَخَلَّى عَنْهُ اللَّحِقُونَ !
وَأَمَّا قُوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ فِي عَلِيّ هَذَا: ((وَقَدْ يُحَسَّنُ حَدِيثُهُ))؛
فَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ فِي هَذَا الرَّاوِي فَقَطْ، بَلْ هُوَ سَارٍ فِي حَدِيثِ الرُّوَاةِ
الضُّعَفَاءِ غَيْزِ المُّهَمِينَ - أَوِ المَطْرُوحِينَ - كُلُّهِمْ؛ فَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ في
«المُؤْقِظَةِ)) (ص٣٣):

١٣٧
((الضَّعِيفُ: مَا نَقَصَ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ قَلِيلاً، وَمِنْ ثَمَّ تُرُدِّدَ
فِي حَدِيثٍ أُناسٍ: هَلْ بَلَغَ حَدِيثُهُمْ إِلَى دَرَجَةِ الحَسَنِ أَمْ لاَ ؟
وَبِلاَ رَيْبٍ ؛ فَخَلْقٌّ كَثِيرٌ مِنَ الْمُوَسِّطِينَ فِي الرِّوَايَةِ بِهَذِهِ المَثَّابَةِ ،
فَآخِرُ مَرَاتِبِ الْحَسَنِ هِيَ أَوَّلُ مَرَائِبِ الضَّعِيفِ ».
قُلْتُ: فَقَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ: (((قَدْ) يُحَسَّنُ حَدِيثُهُ)) لاَ يَدُلُ عَلَى
التَّحْسِينِ، وَإِنَّا يُشِيرُ إِلَى إِمْكَانِيَّتِهِ ...
وَهَذِهِ الإِمْكَانِيَّةُ - هُنَا - مَدْفُوعَةٌ؛ لِلأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا ،
وَقَرَّرْتُهَا، وَكَرَّرْتُهَا - قَبْلاً - .
فَلاَ أُعِيدُ ...
قُلْتُ : وَأَمَّا كَلاَمُ الأُسْتَاذِ ابْنِ عَقِيلٍ (ص٣٥ - ٣٧) حَوْلَ
(يُوسُفَ بْنِ زِيَادٍ): فَمَقْبُولٌ مُمْلَةً (١)؛ لأَنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ كَبِيرُ
شَيْءٍ حَوْلَ هَذَا الحَدِيثِ .. وَبِخَاصَّةٍ أَنَّ كِتَابِيَ هَذَا قَدْ زَادَ عَمَّ كُنْتُ
مُتَوَقِّعَهُ ... فمعذرةً ..
(١) وَكَلاَمُهُ عَنِ (الصَّدُوقِ لِذَاتِهِ) - فيه - فِيهِ مَا فِيهِ نَّا لاَ يَّسِعُ لَهُ الَقَامُ
◌ُنَا ! وَلاَ يُؤَثِّرُ فِي حَدِيثِنَا هَذَا مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ .

١٣٨
قُلْتُ : وَمِثْلُهُ كَلاَمُهُ (ص٣٨ - ٤٣) ، حَوْلَ رِوَايَةِ أَبَانِ بْنِ
عَيَّاشٍ، وَ: هَلْ هُوَ تَصْحِيفٌ عَنْ (إِيَاسِ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ) ؟ أَمْ (إِيَاسٍ
ابْنِ عَبْدِ الغَفَّارِ) ؟
وَلَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ وَتَفْصَيلُهُ ..
وَالحَمْدُ للهِ ...
*
وَقَالَ الأُسَتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ (ص٤٣ - ٤٦):
(( وَالحَدِيثُ وَرَدَ بِاخْتِلافٍ فِي المَنِ مِنْ رِوَايَةٍ أَبي الشّنْخِ أَبِ
مُحَمَّدٍ بْنِ حَيَّانَ، كَمَا سَاقَهَا الشَّجَرِيُّ، وَفِيهَا مُتَابَعَةُ سَعِيدِ بْنِ أَبٍ
عَرُوبَةَ لابْنِ جُدْعَانَ :
قَالَ الشَّجَرِيُّ (١): أَخْبَّنَا أَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ عَبْدِ
الوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ الْحَسَنَابَاذِيُّ، قَالَ : حَدَّثْنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الهِ بْنُ
مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَّانَ - إِمْلاَءِ -، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ
ابْنُ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَيُّوبَ ، قَالَ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَبُو وَهْبِ القُرَشِيُّ، قَالَ : حَدثَنَا سَعِيدُ
ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ يَزِدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَنَ
(١) قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي ((لِسَانِ المِيزَانِ)) (٣٠٥/٦): ((ِّنْ عُنِيَ
بِالحَدِيثِ: إِلاَّ أَنَّهُ مُنْتَدِعٌ .. كَانَ مُفْتِي الزَّيْدِيَّةِ، وَمُقَدِّمَهُمْ، وَعَالِهُمْ، تُوُفَيَ بِالرَّيِّ
سَنَةً ٤٧٩هـ)). (مِنْهُ) .

١٣٩
الفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ ،
فَقَالَ: (( أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ
مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، افْتَرَضَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - صِيَامَهُ، وَجَعَلَ قِيَامَهُ
تَطَرُّعاً، فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً كَانَ حَظُّهُ مِنْ ذَلِكَ الْخَيَزِ كَمَنْ أَذَّى سَبْعِينَ
سنة .
وَهُوَ شَهْرُ الصَّبِ وَالمُؤَّاسَاةِ ، وَيُزَادُ فِي رِزْقِ المُؤمِنِ فِيهِ ، مَنْ
فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ كَمِثْقٍ رَقَةٍ، وَمَغْفِرَةٍ لِذُنُوبِهِ، وَدُخُولِ الجَنَّةَ ،
وَسَقَّاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةٌ لاَ يَظْمَأُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ .
وَمَنْ خَفَّفَ عَلَى تَمْلُوكِهِ أَعْتَقَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ .
وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلَهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِثْقٌ مِنَ
النَّارِ )) .
فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ ؟
قَالَ: (( يُعْطِي اللهُ هَذَا النَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةٍ لَبَنِ ،
أَوْ تَمْرَةٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ جَائِعاً كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَسَقَاهُ اللهُ مِنْ
حَوْضِي شَرْبَةً لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ، وَهُوَ شَهْرٌ لاَ
غِنَى بِكُمْ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ ؛ خَضْلَتَانِ تُرْضُونَ بِاَ رَبَّكُمْ ،
وَخَضْلَتَانٍ لاَ غِنَّى بِكُمْ عَنْهُماَ :

١٤٠
أَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللََّانِ تُرْضُونَ بِاَ رَبَّكُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ .
وَأَمَّا الْخَضْلَتَانِ اللَّتَانِ لاَ غِنَّى لَكُمْ عَنْهُمَاَ: فَالصَّلاَةُ عَلَى النَِّيِّ
- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -، وَتَسْتَعِيذُونَ بِاللهِ مِنَ النَّارِ))(١).
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا الإِسْتَادُ مَلٌٍ بِالتَّحْرِيفِ :
فَابْنُ أَيُّبَ: تَحْرِيفٌ لابْنِ ثَوَابِ البَصْرِيِّ الْحُصَرِيِّ (٢) .
وَأَبُوُ وَهْبٍ : تَخْرِيفُ ابْنِ وَهْبٍ (٣).
وَعَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ : تَحْرِيفُ عَليٍّ بْنِ زَيّدٍ .
وَأَبُوِ الشَّيْخِ : إِمَامٌ حَافِظٌ مَعْرُوفٌ (٤).
وَأَبُو أَيُّوبَ الجَوْهَرِيُّ : تَرْجَمُ لَّهُ الْخَطِيبُ (٥) )).
قُلْتُ: وهو في ((أَمالي الشجري)) - أيضًا - (٢ / ١٢).
وقد رَوى الحديثَ - أيضًا - ابن عَديٍّ في (( الكامل )) (٥ /
٢٩٣ ) .
(١) ((أَمَاليِ الشَّجَرِيِّ)) (٢٦٧/١). (مِنْهُ) .
(٢) تَرْبَتُهُ فِي ((تَارِيخِ بَغْدَادَ)) (٩٤/٩-٩٥). (مِنْهُ) .
(٣) انْظُرْ عَنْهُ ((لِسَانَ الِيزَانِ)) (٣٩/٤). (مِنْهُ).
(٤) انْظُرْ عَنْهُ ((سِيَرَ أَعْلاَمِ النَُّلاَءِ)) (٢٧٦/١٦-٢٨٠). (مِنْهُ).
(٥) انْظُرْ ((تَارِيخَ بَغْدَادَ » (٦١/٩-٦٢). (مِنْهُ) .