النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
أَمَّ الأَمْرُ الثَّانِيِ الَّذِي أُرِيدُ ذِكْرَهُ؛ فَهُوَ :
أَنَّ قَاعِدَةَ الأُسْتَاذِ ابْنِ عَقِيلٍ - هَذِهِ - مِنْ قَبُولِ خَبِرَ سَبٍِّ
الحَفْظِ إِذَا لَمْ يُسْتَئِكَرْ مَنْتُ، أَوْ تُخَالِفْ رِوَايَتُهُ مَعْقُولاً: قَدْ يُتَوَسَّعُ فِيهَا
بِأَكْبَرَّ وَأَكْثَرَ مِنْهَا ، فَيَقَالُ (!): إِنَّ الأَضْلَ فِي الرَّاوِيِ الكَذَّابِ ، أَوِ
المُّهَمِ أَنْ يُرَدَّ حَدِيثُهُ، وَلَكِنْ: إِذَا رَوَى هَذَا (الزَّاوِي) حَدِيثاً ((لَمْ
يُسْتَنْكَزْ مَثْتُهُ، وَلَمْ يُخَالِفْ مَعْقُولاً)) (١): فَإِنَّ الأَضْلَ قَبُولُهُ؛ لأَنَّ
الكَذَّابَ قَدْ يَصْدُقُ !! وَرَسُولَ اللهِ ﴾ قَدْ قَالَ في خبر الشيطان
الرجيم: ((صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ)) (٢).
فَكَمَا قِيلَ فِي (سَمِّئِ الِحِفْظِ) بِأَنَّهُ: ((غَيْزُ تَحْكُومٍ لَهُ بِعَدَمِ الحِفْظِ
بِطْلاَقٍ، بَلْ كَانَ يَحْفَظُ، وَيَسُوءُ حِفْظُهُ أَحْيَاناً، أَوْ غَالِياً)) (٣) يُقَالُ
كَذَلِكَ فِي الرَّاوِيِ الكَذَّبِ - أَوِ المُتُّهَمِ، أَوِ الَتْرُوكِ - بِنَّهُ: ( غَيْرُ
تَحْكُومٍ لَهُ بِالكَذِبِ بِإِطْلَاقٍ ، بَلْ كَانَ يَصْدُقُ ، وَيَكْذِبُ أَحْيَاناً، أَوْ
غَالِياً) ... سَوَاءً بِسَوَاءِ!
وَهَذِهِ المَقَابَلَةُ بَيْنَ (سَمِّئُ الحِفْظِ) وَ(الكَذَّابِ) مَقْبُولَةٌ بِمَخْضٍ
( العَقْلِ ) تَمَاً !!
(١) كَمَا هُوَ نَصرُّ كَلاَمِ الأُسَنَاذِ الظَّاهِرِيِّ.
(٢) انْظُرْ كِتَابِي (( بُرْهَان الشَّرْعِ فِي إِثْبَاتِ الَنَّ وَالصَّرْعِ)) (ص ٧٦).
(٣) كَمَا هُوَ قَوْلُ الأُستاذِ ابْنِ عَقِيلٍ في ((البُمَانِ)) (ص٣٤).

١٠٢
وَلَعَلِّ ◌ِمَّا (يُؤَيِّدُ) المُقَابَلَةَ قَوْلَ الأُسْتَاذِ أَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي
((الْبُرْهَانِ)) (ص١٧): ((وَلَيْسَ فِي بُنْيَةِ العَقْلِ أَنْ يِكُونَ سَمِّئُ
الحِفْظِ ، وَلاَ يَحْفَظُ شَيْئاً عَلَى وَجْهِهِ؛ إِلاَّ بِبَانٍ تَارِيخِيِّ يُثْبِتُ أَنَّهُ لاَ
یعِي حَزْفاً » !!
فَقَابِلُهُ أَنْ يُقَالَ فِي الرَّاوِيِ الكَذَّابِ: ( وَلَيْسَ فِي بُنِيَةِ العَقْلِ أَنْ
يَكُونَ كَذَّبٌ ، وَلاَ يَضْدُقُ بِشَيْءٍ ؛ إِلاَّ بِبَادٍ تَارِيخِيِّ يُثْبِتُ أَنَّهُ لاَ
يَضْدُقُ بِحَرْفٍ ) !!
وَمَا سَيَقُولُهُ الأُسْتَذُ الظَّاهِرِيُّ جَوَاباً عَلَى هَذِهِ الْمُقَابَلَةِ: هُوَ ذَاتُهُ
جَوَابْنَا عَلَيْهِ ...
وَهَذَا كُلُّهُ - كَمَ لاَ يَخْفَى - لَيْسَ مِنْ النَّهْجِ العِلْمِيِّ فِي شَيْءٍ ،
وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَائِيَةٌ مِنْ دَلِيلٍ مُطْلَقاً، فَضْلاً عَنْ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ حُبَّةٌ ،
أَوْ تَقُومَ بِهِ بِيَةٌ .
وَأَقُولُ - بَعْدُ - : لَئِنْ كَانَ لِأُسْتَاذِ أَبِي عِبْدِ الرَّحْمَنِ نَوْعٌ مِنَ
النَّظَرِ فِي قَاعِدَتِهِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا هُوَ - هُنَا - : فَإِنَّ أَمَانَتَهُ الدِّينِيَّةَ،
وَثِقَتَهُ العِلْمِيَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - سَتَحْجُهُ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَ هَذِهِ القَاعِدَةَ (!)
سُلَّمَا يَطْعُنُ بِهِ فِي السُّنَّةِ والحَدِيثِ، فَيُصَحِّحُ مَا ضََّفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ،
..
وَيُضَعِّفُ مَا صَخَّحُوا ، وَيَقْبَلُ مَا رَدُّوا ، وَيَرُدُّ مَا قَبِلُوا
وَهَذَا - كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ - مِنْ أَفْسَدِ شَيْءٍ يَكُون ... وَإِنَّا للهِ وَإِنَّا
إِلَيْهِ رَاجِعُون .

١٠٣
◌َذَا - وَلِغَيْزِهِ - أَقُولُ: إِنَّ فَتْحَ هَذَا الْبَابِ - مَعَ اخْتِلاَفِ
العُقُولِ، وَتَغَايُّرِ الثَّقَافَاتِ - سَيَجْعَلُ عِلْمَ الحَدِيثِ مُضْغَةً تَلُوكُهَا
أَفْوَاهُ الْجَاهِلِينَ (١)، وَأَكْلَةٌ تَجْتُرُّهَا أَقْلاَمُ الفَاسِدِينَ !!
0
(١) انْظُرْ مِثَالاً عَلَى هَذَا العَبَثِ - غَيْرِ العِلْمِيِ - فِي مُقَدِّمَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ
الغَزَالِ السَّمَّا - وَرَِهُ اللهُ وَخَفَرَ لَهُ - فِي مُقَدِّمَتِهِ عَلَى كِتَابِهِ (( نِقْهِ السّيرَةِ )) (ص٩ -١٢)
!!! - 2 -

١٠٥
٦ - الشّوَاهِدُ التَّفْصِيلِيَّةُ
وَالآنَ ؛ قَدْ حَانَ أَوَانُ المُبَاشَرَةِ بِنَقْدِ - وَبَيَانِ - الشَّوَاهِدِ
النَّفْصِيِيَّةِ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي ((البُهَانِ)):
١ - قَالَ (ص١٥) مُحَاوِلاً تَثِيتَ أَضْلِ الحَدِيثِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ وَّـ
خَطَبَ فِي رَمَضَانَ : ((وَفِي حَدِيثٍ لأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي
((صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ)) وَغَيْرِهِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ خَطَبَ
عَنْدَ قُدُومٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ الَُارَكِ، وَبَثَّرَ بِإِظْلَاَلِهِ)).
قُلْتُ : فَالجَوَابُ عَلَى هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
الَوَجْهُ الأَوَّلُ : أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ :
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي ((صَحِيحِهِ)) (١٨٨٤):
(١٨٨٤ - ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَيَهْتَى بْنُ حَكِيمٍ، قَالاً:
حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ : ثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ : حَدِّثَنِي عَمْرُو بْنُ تَمَيمٍ : حَدَّثَنِي
أَبٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ :
قَالَ رَسُولُ الله ◌َِلِ:

١٠٦
((أَظَلَّكُمْ شَهْرُكُمْ هَذَا، بِمَحْلُوفٍ رَسُولِ اللهِ﴿: مَا مَرَّ
بِالمُسْلِمِينَ شَهْرٌ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ، وَلاَ مَرَّ بِالْتَّافِقِينَ شَهْرٌ شَرِّ لُمْ مِنْهُ ،
بِمَحْلُوفٍ ﴿ [إِنَّهُ) لَيْكْتَبُ أَجْرُهُ وَنَوَافِلُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهُ ، وَيُكْتَبُ
إِصْرَارُهُ وَشَقَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعُدُّ فِيهِ القُوَّةَ مِنَ
النَّفَقَّةِ للعِبَادَةِ، وَيَعُدُّ فِيهِ الْنَافِقُ اتُبَاعَ غَفَلاَتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَتُّبَاعَ
عَوْرَاتِهِمْ، فَقُثْمٌّ يَغْنَمُهُ الْمُؤْمِنُ » .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: (( هَذَا حَدِيثُ يَحْتَى، وَقَالَ بُنْدَارٌ :
((فَهُوَ غُثْمٌ للمُؤْمِنِ يَغْتَئِّمُهُ، وَ [ غُرْمٌ عَلَى ] الفَاجِرِ)).
عَمْرُو بْنُ تَمِيمٍ هَذَا، يُقَالُ لَهُ: مَوْلَى بَنِي رُمَّانَةَ (١):
مدنيّ )» .
قُلْتُ : وَلَقَدْ رُوِيَ الحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةِ عَنْ كَثِيرِ بْنِ
زید ، په :
فَرَوَاهُ أَخْمَدُ (٣٧٤/٢ و٥٢٤)، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (٢/٣ - ٣)،
وَالْبَيّهَقِيُّ فِي ((السُّنَنِ)) (٣٠٤/٤)، وَفِي ((الشُّعَبِ)) (٣٣٣٥)، وَفِي
((فَضَائِلِ الأَوْقَاتِ » (ص١٧٤ - ١٧٥)، وَالطَّبَرَانيَّ فِي ((الأَوْسَطِ »
(٩٠٠٨)، وَالعُقَيْلِيُّ في ((الضُّعَفَاءِ» (٢٦٠/٣)، وَأَبُو بَكْرِ الشَّافِيُّ
(١) انْظُرِ ((الأَنْسَابَ)) (٨٩/٣)، وَ («اللَُّابَ)) (٣٦/٢).

١٠٧
فِي «الغَيَلاَئِيَّاتِ)) (١٨٦)، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ((فَضَائِلٍ رَمَضَانَ »
(١٦)، وَالأَصْبَهَائِيُّ فِي ((التَّرْغِيبِ)) (٥٦)، وَالشَّجَرِيُّ فِي
((الأَمَالي)) (٢/ ٤١)، وَابْنُ شَاهِينَ فِي ((فَضَائِلِ رَمَضَانَ » (٢٥)،
وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي (( مجُزْءٍ أَحَادِيثِ شَهْرٍ رَمَضَانَ )) (رقم: ٥
- بِتَحْقِيقِي) (١).
قَالَ الَيْثَمِيُّ فِي ((تَجْمَعِ الزَّوَائِدِ)) (١٤٠/٣) فِي تَمِيمٍ - مَوْلَى
أَبِي رُمَّانَةَ -: ((لَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْبَهُ » !
قُلْتُ: فِي ((الإِكْمَلِ)) (ص٥٥) للحُسَنِيّ، وَ( ذَيْلِ الكَاشِفِ»
(ص ٥٦ ) لابْنِ العِرَاقِيِّ، وَ «تَعْجِيلِ الَتْفَعَةِ )) ( ص ٣٦٦):
((تَجْهُولٌ))، وَ ((لاَ يُذْرَى مَنْ هُوَ!)).
قُلْتُ : وَفِيهِ عِلَّةٌ أُخْرَى :
(١) فَائِدَة: خَلَتْ مُعَظَمُ هَذِهِ المَصَادِرِ مِنْ زَيَادَةٍ مُهِمَّةٍ فِي أَوَّلِهِ ، هِيَ :
(كَانَ إِذَا دَنَّا رَمَضَانُ يَقُولُ ... ))، وَهِيَ فِي ((أَوْسَطِ الطَّبَرَانِ)) ! وَلَوْ وَقَفَ عَلَيْهَا
الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنٍ خُزَيِّمَةَ - وَلَمْ يسُقْ لَفْظَهَا -:
((مَا يَدُلُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ خَطَبَ عِنْدَ قُدُومٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ)) !! لأَنّهَا
- وَحْدَهَا - ((لاَ تَدُلُّ عَلَى)» المُرَادِ! فَالإِظْلَاَلُ قَدْ يُفِيدُ مَغْنَى قُزْبِ الشَّيْءٍ - ◌َا فِي
حَدِيثِ ابْنٍ مُجِدْعَانَ -، وَقَدْ يُحِيدُ مَعْنَى التَّلَّسِ بِالشَّيْءٍ - كَمَا فِي حَدِيثٍ لِعَائِشَةً - في
((صَحِيحِ البُخَارِيِّ)» (١٧٨٣)، و(١٧٨٦) - بِرِوَايَيْهِ - ، فَتَبَّهْ!

١٠٨
عَمْرُو بْنُ تَمِيمٍ ؛ قَالَ الْبُخَارِيُّ: ((فِيهِ نَظَرَ)).
نَقَلَهُ عَنْهُ - فِيهِ - العُقَيْلِيُّ فِي ((الضُّعَفَاءِ » (٢٦٠/٣)، ثُمَّ
قَالَ: ((لاَ يُتَابَعُ عَلَيْهِ )).
وَقَدْ سَكَتَ الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي (( البُزْهَانِ )) (ص١٥)
عَنْ بَيَانِ ضَغْفِهِ ، وَكَشْفٍ عِلَّتِهِ !
الوَجْهُ الثَّاني : لَوْ أَنَّنَا اغْتَبْنَا صِحَّةَ الحَدِيثِ ، وَقَبِلْنَاهَا ،
وَجَعَلْنَا ذَلِكَ - مِنْهُ - دَلِيلاً عَلَى أَنَّ النَِّيَّ وَلِ قَدْ تَكَلَّمَ - فِغْلاً - فِي
آخِرٍ شَعْبَانَ، وَخَطَبَ الْمُسْلِمِينَ فِي فَضَائِلِ رَمَضَانَ؛ لَكَانَ تُبُوتُهُ
دَلِيلاً صَرِيحًاً عَلَى ضَغْفِ حَدِيثِ ابْنِ جُدْعَانَ ، وَرَدُّوٍ !
إِذْ كَيْفَ يَزْوِي سَيِّئُ الحِفْظِ حَدِيثاً (طَوِيلاً) لَمْ يَرْوِهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ
حَالاً مِنْهُ - وَأَوْثَقُ - مِنَ الرُّوَاةِ ؟!
فَمَنْهَجُ أَضْحَابِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا: اغْتِبَارُ رِوَايَةِ الأَحْفَظِ
للأَقَلُّ، لَاَ اغْتِبَارَ رِوَايَةِ الأَقَلِّ حِفْظاً للأَكْثَرِ ...
فَكْسُ القَضِيَّةِ: عَكْسٌ لِنَّهَجِهِمْ وَطَرِيقِهِمْ ..
فَتَأَمَّلْ ..
٢ - ثُمَّ قَالَ - حَفِظَهُ اللهُ - (ص١٧): ((وَبَيَانُ سَلاَمَةٍ مَثْنٍ
هَذَا الحَدِيثِ : أَنَّهُ لاَ نَكَارَةَ فِي أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرٌ عَظِيمٌ ، وَأَنَّ فِيهِ

١٠٩
لَيْلَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَأَنَّ صِيَامَهُ فَرِيضَةٌ، وَقِيَامَهُ تَطَوُّعٌ .
وَلاَ رَيْبَ أَنَّ الفَرَائِضَ أَعْظَمُ أَجْراً مِنَ النَّوَافِلِ، وَإِنَّا يَكُونُ
أَجْرُ النَّوْافِلِ بَعْدَ أَدَاءِ الفَرَائِضِ، وَذَا فَلاَ نَكَارَةَ فِي كَوْنِ خَضْلَةِ
الخَيْرِ فِي رَمَضَانَ تُسَاوِي أَدَاءَ فَرِيضَةٍ فِيَ سِوَاهُ ؛ لأَنَّ الفَرَائِضَ
تَأَكَّدُ، وَتُضَاعَفُ أُمُجُورُهَا فِي الأَوْقَاتِ وَالأَمَاكِنِ المُفَضَّلَةِ، وَكَذَلِكَ
لَاَ نَكَارَةَ فِي مُضاعَفَةِ الفَضِيلَةِ فِيهِ .
وَهَكَذَا بَقِيَّةُ أَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ: لاَ نَكَارَةَ فِيهَا، بَلْ هِيَ إِمَّا أَنْ
تَكُونَ غَيْرَ مُحَالَةٍ ، كَعِثْقٍ رَقَبَةٍ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً مِنَ النَّارِ - وَالقَاعِدَةُ فِي
مِثْلٍ هَذَا الوَعْدِ أَنْ يُقْبَلَ إِذَا تَحَتَّقَتْ شُرُوطُ الإِخْلاَصِ وَالصَّوَابِ - ،
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَّسِقَةً مَعَ مُقْتَضَيَاتِ الشَّرْعِ ، كَزِيَادَةِ رِزْقِ الْمُؤْمِنِ فِي
رَمَضَانَ ؛ فَإِنَّ المُؤْمِنَ إِذَا انْصَرَفَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ قَامَ اللهُ بِمَؤُونَتِهِ ، وَحَقَّقَ
فِيهِ أَنْ يَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ .
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ وَارِدَةً بِنَصِّ شَرْعِيٌّ آخَرَ ، كَكَوْنٍ ثَوَابِ الصَّبِزِ
الجنَّةَ .
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْقُولَةَ المغنَى بِالشَّرْعِ، وَالِحِسِّ ، كَكَوْنِ النَّشَهُّدِ
وَالاسْتِغْفَارِ يُرْضِيَانِ اللهَ، وَكَوْنِ سُؤَالِ الجَنَّةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنَ النَّارِ لَنَا.
٠
فَلاَ نَكَارَةَ فِي الَثَنِ أَلْبَّةَ » .
أَقُولُ: يَا لِلّهِ العَجَبُ !! لَوْلاَ جَزْمِي مِنْ نَقْلِيٍ - بِيَدِي - أَنَّ

١١٠
هَذَا هُوَ كَلاَمُ الأُسْتَاذِ ابْنٍ عَقِيلٍ ؛ لَقُلْتُ: هَذَا أَحَدُ دُعَاةٍ مَدْرَسَةٍ
الرَّأَيِ، وَوَاحِدٌ مِن بُنَاةِ مَدْرَسَةِ القِيَاسِ !!
أَيْنَ هَذَا - يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ! - مِنْ أَثَرِيَّةٍ أَبِي مُحَمَّدٍ؟ بَلْ أَيْنَ
هَذَا مِنَ (الظَّاهِرِيَّةِ) الَّتِي تَنْتَسِبُ إِلَيْهَا، وَتَدْعُو لَمَا ؟!
إِنَّهُ نَفَسٌ عَقْلانيٌّ حَادٌّ ! مَا ظَئْتُ لَظَّةً أَنْ يَصْدُرَ مِنْ مَثْلٍ
الأُسْتَاذِ الفَاضِلِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَا عُرِفَ عَنْهُ مِنْ تَحْرِيرِ الاتِّبَاعِ
للكِتَابِ وَالسُّةِ مِنْ أَنْصَارِ الرَّأْيِ العاطِلِ وَالفِكْرِ الباطِلِ !!!
وَفَوْقَ هَذَا كُلِّهِ؛ فَإِنَّ أُسْلُوبَ إِثْبَاتِ ((سَلَاَمَةِ الَّنِ)) ◌ِهَذِهِ
الطَّرِيقَةِ: أُسْلُوبٌ نَابٍ عَنْ مَنْهَجِ الْمُحَدِِّينَ ؛ قُدَمَاءَ وَتُحْدَثِين !!
وأُكَرِرُ مَا قُلْتُهُ - قَبْلُ - وَأَزِيدُ: تَجَ المُحَدِّثُونَ فِي بَابِ
(الحَدِيثِ الحَسَنِ) عَلَى إِثْبَاتِ اللَّفْظِ بِمَا هُوَ مِثْلُهُ - وَهُوَ الْتَّابِعُ -، أَوْ
بِما يُشْبِهُهُ - وَهُوَ الشَّاهِدُ - .
وَلَيْسُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُجَرَّدِ سَوْقِ المَعَاني الثَّابِتَةِ - أَضْلاً -
بِالنَّصِّ كِتَاباً وَسُنَّةً، أَوْ مُطْلَقِ العُمُومِ الَنِيِّ - فِي الغَالِبِ - عَلَى
الرَّأَيِ وَالقِيَاسِ !! لِتَتْبِيتِ مَثْنٍ تَفَرَّدَ بِهِ رَارٍ سَاءَ حِفْظُهُ، أَوْ كَثُرَ
غَلَطُهُ ، أَوْ غَلُظَ وَهُمُهُ :
فَالأَوَّلُ : ثَابِتٌ أَضْلاً، وَالثّاني: مُتَرَدَّدٌ فِيهِ أَسَاساً .. فَتَأْمَّلْ!
وَأَمّا (( شُرُوطُ الإِخْلاَصِ وَالصَّوَابِ)) فَهِي شُرُوطُ قَبُولٍ كُلِّ

١١١
عِلْمٍ ، وَعَمَلٍ ، وَاعْتِقَادٍ - ثَابِتٍ أَضْلاً فِي الشَّرْعِ - ، وَلَيْسَ مُتَعَلِّقاً
بِمِثْلٍ هَذَا الَّذِي يُتَلَمَّسُ لَهُ مَا يُتَبُّهُ وَيُنْهِضُهُ !!
وَأَمَّا الكَلاَمُ فِي ((المُقْتَضَيَاتِ))! وَ ((الاتِّسَاقِ))! وَاغَيْرٍ
المُحَالِ ))! وَ((معقُولِيَةِ المَغْنَى بِالشَّرْعِ وَالِحِسِّ)) !!! فَإِنَّهُ كَلاَمٌ يُغْنِي
سَوْقُهُ - في إطارٍ عِلْمٍ أُصُولِ السُّنّةِ والأتِباعِ - عَنْ نَقْدِهِ وَرَدِّهِ!
٣ - ثُمَّ قَالَ الأُسْتَاذُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي («البُزْهَانِ)) (ص١٨ -
١٩) :
((وَنَعُودُ إِلَى شَوَاهِدٍ حَدِيثٍ سَلْمَنَ الفَارِسِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -
مِنَ الشَّرْعِ مُفَصَّلَةً ، فَنَجِدُ أَنَّهُ خُطْبَةٌ فِي آخِرٍ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ، وَأَنَّهُ
ذَكَرَ عَظَمَةَ الشَّهْرِ وَبَرَكَتَهُ .
وَخُطَبُ رَسُولِ اللهِ وَلِ فِي غَيْزِ الْجُمَعِ تَطُولُ، وَيَحْضُرُهَا
الجَمِيعُ، وَيَحْفَظُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا تَيَسَّرَ لَهُ، وَبَعْضُ الرُّوَاةِ يَذْكُرُ الْجُمْلَةَ
المُفِيدَةَ، أَوِ الْجُعَلَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِلِهِ، وَقَدْ لاَ يَذْكُرُ فِي
رِوَايَتِهِ أَنَّهَا كَانَتْ مُجُزْءاً مِنْ خُطْبَةٍ.
عَلَى أَنَّ هُنَاكَ نُصُوصاً دَلَّتْ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ خَطَبَ قُبَيْلَ
رَمَضَانَ، فَذَكَرَ إِظْلَاَلَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَعَظَمَتَهُ ، بَلْ وَذَكَّرَ بَغْضَ مُمَلٍ
◌ِمَّا فِي حَدِيثٍ سَلْمَنَ، فَعَنْ أَبِ قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ - ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َ *:

١١٢
(« أَتَاكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ
صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُ
فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَللَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ
خَيَزَّهَا فَقَدْ حُرِمَ )) .
قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيَّهَقِيُّ (١)، وَأَبُو قِلاَبَةَ أَنَ
يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ » .
أَقُولُ : رَوَى الْحَدِيثَ النَّسَائِيُّ فِي ((سُنَتِهِ)) (٢١٠٦)،
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((الشِّعَبِ)) (٣٠١/٣)، وَفِي ((فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ »
(ص١٤١ - ١٤٢) .
وَرَوَاهُ - أَيْضًا - ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (١/٣)، وَأَخْمَدُ (٢٣٠/٢
و٣٨٥َ و٤٢٥َ)، وَعَبْدُ بْنُ مُمَّدٍ فِي (( مُسْنَدِوٍ)) (١٤٢٧) ، وَابْنُ أَبِي
الدُّنْيَا فِي ((فَضَائِلِ شَهْرٍ رَمَضَانَ » (١٣) وَ (١٥)، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ
عَسَاكِرَ في ((مُجُزْءٍ شَهْرٍ رَمَضَانَ)) (٤) وَ (٢٦)، وَغَيْرُهُمْ.
وَزِيَادَةً عَلَى قَوْلِ الدِّمْيَاطِيِّ فِي الْحُكْمِ بِانْقِطَاعِهِ - وَهُوَ فِي
((الَتَّجَرِ الرَّابح)) (٧٦٩) لَهُ -، فَهُنَاكَ قَوْلُ المُنْذِرِيِّ في ((التَّرْغِيبِ ))
(١) إِطْلاَقُ العَزْوِ للبََّقِيِّ يُوهِمُ أَنَّهُ فِي «سُنَتِ الْكُبْرَى))! وَلَيْسَ هَذَا
الحَدِيثُ كَذَلِكَ .

١١٢
(٩٨/٢) كَذَلِكَ أَيْضاً .
وَبِهِ جَزَمَ العَلاَئِيُّ في ((جَامِعِ التَّحْصِيلِ)) (ص٢٥٧).
نَعَمْ ؛ الحَدِيثُ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ، وَهُوَ فِي ((صَحِيحِ التَّرْغِيبِ
وَالتَّرْهِيبِ)) (٩٨٩) لِشَيْخِنَا الأَلْبَائِّ.
وَلَكِنْ :
■ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ خُطْبَةً !
وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ رَمَضَانَ !!
■ وَلَيْسَ فِيهِ مُعْظَمُ نِقْرَاتِهِ ، وَكثيرٌ مِن تَفْصِيلاَتِهِ !!!
فَهَلْ (يَحْفَظُ) سَيِّئُّ الِحِفْظِ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ حِفْظاً ،
وأَكثرُ مِنْهُ ثِقَةً ؟!
وَأَمَّا قَوْلُ الأُسْتَاذِ الظَّاهِرِيِّ: ((وَقَدْ لاَ يَذْكُرُ [ بَعْضُ الرُّوَاةِ ]
أَنَّهَا كَانَتْ مجزءاً مِنْ خُطْبَةٍ)): فَمُحْتَمَلٌ؛ لَكِنَّ تِرْجِيحَ ذَلِكَ - هُنا -
بِحَاجَةٍ إِلَى بَيْنَةٍ، وَالْجَزْمُ بِهِ - عِنْدَنا - يُغْوِزُهُ الدَّلِيلُ !!
٤ - ثُمَّ قَالَ (ص١٩) :
(( وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِي اللهُ عَنْهُ -، قَالَ: دَخَلَ
رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﴿ -: ((إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ،
وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيَّرَ كُلَّهُ، وَلاَ

١١٤
◌ُجْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّ مَخْرُومٌ )).
قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ)).
قُلْتُ : قَالَ البُوصِيِرِيُّ فِي ((مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ)) (١٦٦٧ -
بِتَحْقِيقِي) :
((هَذَا إِسْنَادٌ فِيهِ مَقَالٌ ؛ عِمْرَانُ بْنُ دَاوَرِ القَطَّانُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ،
مَشَاهُ أَخَدُ، وَوَثَّقَهُ عَفَّانُ وَالعِجْلِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّنَ فِي ((الثَّقَاتِ))،
وَضَغَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ،، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ عَدِيُّ .
وَتُحَمَّدُ بْنُ بِلاَلٍ: ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّنَ فِي ((الثُّقَاتِ ))، وَقَالَ ابْنُ
عَدِيُّ: ((يُغْرِبُ عَنْ عِمْرَانَ، وَرَوَى عَنْ غَيْزِ عِمْرَانَ أَحَادِيثَ
غَرَائِبَ، وَأَزْمُجُو أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِهِ ) وَبَاقِي رِجَالِ الإِسْنَادِ ثِقَاتٌ .
وَصَحَّحَ الْحَافِظُ عَبْدُ العَظِيمِ المُذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ، وَرَوَاهُ
الطََّّانِيُّ فِي ((الأَوْسَطِ)) مِنْ هَذَا الوَجْهِ ))".
قُلْتُ : الأَضْلُ فِي رِوَايَةٍ عِمْرَانَ القَطَّانِ الْحُسْنُ ، فَانْظُرْ
((صَحِيحَ التَّرْغِيبِ)) (٩٩٠).
وَمَا قِيلَ فِي سَابِقِهِ - مِنْ حَيْثُ اغْتِيَارُهُ شَاهِداً - يُقَالُ فِيهِ سَوَاءً
بِسَوَاءِ !!
٥ - ثُمَّ قَالَ (ص١٩ - ٢٠) :

١١٥
(( وَخَرَّجَ الطَّبَرَانِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً، قَالَ : سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ:﴿ يَقُولُ: ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَ ؛ تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ
الجَنَّةِ،، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ النَّارِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، بُعداً لِنْ أَدْرَكَ
رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَزْ لَهُ .. إِذَا لَمْ يُغْفَزْ لَهُ فِيهِ، فَمَتَّى ؟!)).
قُلْتُ: هَذَا نَصُّ الدِّمْيَاطِيِّ فِي ((الَّجَرِ الرَّابِحِ)) (٧٧١)
وَسِيَاقُهُ ، وَهُوَ - مِنْهُ - عِنْد إِيرادِ الضعيفِ - اضْطِلاَحٌ عَلَى ضَغْفٍ
الحَدِيثِ، كَمَا أَشَارَ فِي الْمُقَدِّمَةِ (٦)، حَيْثُ قَالَ:
(( فَحَيْثُ قُلْتُ : خَرَّجَ فُلاَنٌ بِإِسْنَادِهِ ، فَهُوَ سَنَّدٌ سَقِيمٌ ))،
فَتَنَبَّهْ !
وَالحَدِيثُ فِي ((المُغْجَمِ الأَوْسَطِ)) (٧٦٢٧) للطَّبَرَانِيُّ، وَقَدْ
أَفْصَحَ الَيْثَمِيُّ فِي ((مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ )) (١٤٣/٣) عَنْ مَوْضِعٍ عِلَيْهِ
وَسَبَبِ ضَعْفِهِ، فَقَالَ: ((وَفِيهِ الفَضْلُ بْنُ عِيسَى الرَّقَاشِيُّ، وَهُوَ
ضَعِيفٌ )).
قُلْتُ: وَكَذَا فِيه عَنْعَنَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ؛ فَهُوَ مُدَلِّسٌ .
وَالقَوْلُ فِيهِ - شَاهِداً - تَقَدَّمَ الفَضْلُ فِیهِ !!
٦ - ثُمَّ قَالَ (ص٢٠):
( وَخَرَّجَ أَيْضاً - بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَرَ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ

١١٦
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِي ◌ْهِ قَالَ يَوْماً - وَحَضَرَ رَمَضَانُ -:
((أَتَاكُمْ رَمَضَانُ؛ شَهْرُ بَرَكَةٍ، يَغْشَاكُمُ اللهُ فِيهِ ، فَيَنْزِلُ الرَّحْمَةَ ،
وَيَحُطُّ الْخَطَايَا، وَيَسْتَجِيبُ فِيهِ الدُّعَاءَ، يَنْظُرُ اللهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ،
وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلاَئِكَتَهُ ، فَرُوا اللهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْراً ؛ فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ
حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - )).
قُلْتُ : ڕِوَايَةُ الطَّبَرَاني - لَهُ - في (( المعجم الكبير » - كما في
((تَجْمَعِ الزَّوَائِدِ)) (١٤٢/٣) -، وَقَالَ: ((وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي قَيْسٍ ،
وَلَمْ أَجِدْ مَنْ تَرْجَمَهُ )).
ثمّ وَقِفْتُ - بَغْدُ - عَلى سَنَدِهِ :
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي ((جَامِعِ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ )) (١٠٥/٧):
(( قَالَ الطَّرَانِيُّ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ
ابْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ
عُبَادَةَ بْنِ نُسَيِّ، عَنْ مُنَادَةَ بْنِ أَبِ أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ
الصَّامِتِ ... )).
قُلْتُ : فَذَكَرَهُ ...
وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ : (( صَدُوقٌ فِي نَفْسِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ عَمِيَ ، فَصَارَ
يَتَلَقَّنُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ ؛ فَأَفْحَشَ فِيهِ ابْنُ مَعِینِ القَوْلَ » ؛ حَا فِي

١١٧
((التَّقْرِيبِ)) (٢٧٠٥).
وَرَوَى الْحَدِيثَ - أَيْضاً - ابْنُ النَّجَّارِ، كَمَا في ((تَمْعِ الجَوَامِعِ))
(٢٣٦٩٢ - تَرْتِيبُهُ) .
وَقَدْ أَبَانَ الدِّمْيَاطِيُّ نَفْسُهُ عَنْ ضَعْفِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ ..
وَحَالُ مَثْنِهِ - شَهَادَةً - ظَاهِرٌ ! فَلاَ أُعِيدُ بَيَانَ مَا فِيهِ !!
٧ - ثُمَّ ذَكَرَ - (ص٢٠ - ٢١) حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ - الْتُقَدِّمَ
ذِكْرُهُ، وَبَيَانُ مَا فِيهِ (ص٦٨) - ، ثُمَّ قَالَ :
(((وَفِيهِ النَّصُّ عَلَى أَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ .
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : بِهَذَا وَرَدَتْ سُورَةُ القَدْرِ .
وَنَجِدُ فِيهِ أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ، وَبِهَذَا وَرَدَ القُرْآنُ ،
وَالسُّنَّةُ ، وَالإِنْمَاعُ .
قَالَ - تَعَالَى -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وَقَالَ - تَعَالَى -:
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُنْهُ﴾ .
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ﴿: ((صُومُوا لِرُؤْيَّهِ)).
وَجَاءَ فِي قِصَّةِ جِبْزِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أَنَّهُ مِنْ أَزْكَانِ الإِسْلاَمِ.
وَنَجِدُ فِيهِ أَنَّ قِيَامَ لَيْلٍ رَمَضَانَ تَطَوُّعٌ، وَبِهَذَا وَرَدَ النَّصُّ ،
فَفِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ))، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ، قَالَ :

١١٨
كَانَ رَسُولُ اللهِ ◌َ﴿ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْزِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ
بِعَزِيمَةٍ )).)).
أَقُولُ: وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ ! وَثَالِثٌ !! وَرَابِعٌ !!! - أَبَا عَبْدِ
الرَّحْمَنِ ! - .
فَهَلْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى مِثْلٍ رِوَايَةِ ابْنِ مجدْعَانَ (ِغْرِفَةِ) أَنَّ لَيْلَةَ
القَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ؟!
وَهَلْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى خَبِرَهِ - أَوْ مِثْلِهِ - (للجَزْمِ) بِأَنَّ صِيَامَ
نَهَارِ رَمَضَانَ فَرِيضَةٌ ؟!
وَهَلْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى رِوَايَةٍ مِنْ صِنْفِهِ (اللوُقُوفِ) عَلَى أَنَّ قِيَامَ
◌َيْلِ رَمَضَانَ تَطَوُّعٌ ؟!
إِنَّ هَذِهِ القَضَايَا ثَابِتَةٌ ثُبُوتاً مَبْتُوتاً فِي نُصُوصِ القُرْآنِ الصَّرِيَةِ ،
وَدَلَائِلِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، فَوُمُجُودُ - أَو نَفْيُ - مَعَانِيهَا (الثَّابِتَةِ) فِي
رِوَايَةٍ مِنْ قِبَلٍ عَلٍ بْنِ زَيْدِ بْنِ مجدْعَانَ: لاَ يُبُهَا - زِيَادَةً - ، فَضْلاً
عَنْ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا وُمُجُوداً وَعَدَماً !
لأَنَّ الْبَحْثَ - أَضْلاً - لَيْسَ فِي (الثَّابِتِ)، إِنََّ هُوَ فِي (غَيْرِ
الثَّابِتِ) !! فتنبّه ..
٨ - ثُمَّ قَالَ (ص٢١ - ٢٣):

١١٩
(( وَحُدِّدَتِ الصَّلاَةُ الوَاجِبَةُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ ، وَوَرَدَ النَّصُّ هُنَا أَنَّهَا
لَنْ تُزَادَ، فَأَمِنَّ النَّسْخَ بِإِجَابِ صَلَةٍ غَيْرِ مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ لَيْلَةَ
الإِسْرَاءِ .
وَفِيهِ : بَيَانُ مُضَاعَفَةٍ أَجْرِ الَّقَرُّبِ بِخِصَالِ الخَيْرِ ، وَقَدْ مَضَى
وَجْهُهُ .
وَشَهْرُ رَمَضَانَ مَحَلُّ مُضَاعَفَةِ الأُمُجُورِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَمَامَةَ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - الصَّحِيحِ، قَالَ :﴿ه: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لاَ
عِدْلَ لَهُ)).
وَفِي رِوَايَةٍ: ((عَلَيْكَ بِالصَّيَامِ فَإِنَّهُ لاَ مِثْلَ لَهُ)).
وَفِيهِ : أَنَّ ثَوَابَ الصَّبْرِ الجَنَّةُ ، وَذَلِكَ بُشْرَى القُرْآنِ الگرِیمِفي
قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَبَشْرِ الصَّابِرِينَ﴾، وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَ
يُوَلَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -
أَنَّ: ((مَنْ صَبَرَ لِفَقْدٍ حَبِبَيْهِ (أَيْ: عَيْنَيْهِ) عَوَّضَهُ اللهُ مِنْهُمَاَ الجَنَّةَ)).
وَفِيهِ : أَنَّهُ شَهْرُ الصَّبْزِ، وَهَذَا صَحِيحُ المَغْنَى شَرْعاً، إِذْ شَهْرُ
رَمَضَانَ صَبْرٌ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَرِيَاضَةٌ لِلنَّفْسِ عَلَى الصَّبِ عَنِ
المعَاصِي، وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ الرَّبِّ - جَلَّ جَلَالهُ - .
وَفِيهِ : أَنَّهُ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ ، وَذَلِكَ صَحِيحُ الْمَغْنَى شَرْعاً؛ لأَنَّ

١٢٠
الْمُوَاسَاةَ بِرٍّ وَإِحْسَانٌ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﴾ - وَهُوَ أَجْوَدُ النَّاسِ -
يَزْدَادُ مجودُهُ فِي شَهْرٍ رَمَضَانَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - :
((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْزِيلُ ،
وَكَانَ يَلْقَاهُ جِزِيلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيَدَارِسُهُ القُرْآنَ ،
فَلَرَسُولُ اللهِ ﴿ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْزِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَزِ مِنَ الرِّيحِ
المُرْسَلَةِ .. )) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَفِيهِ : أَنَّهُ يُزَادُ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ فِيهِ، وَهَذَا خَبَرُ صَدُوقٍ لاَ احْتِمَلَ
لِسُوءِ الحِفْظِ فِيهِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِوَعْدِ اللّهِ بِكِفَايَةِ الْمَتَّقِي القَائِمِ بِأَمْرٍ
رَبِّهِ (١).
وَهَكَذَا الْخَبَّرُ بِالْمَغْفِرَةِ لِذُنُوبِ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً، وَعِثْقٍ رَقَبَيْهِ مِنَ
النَّارِ ، فَهَذَا زِيَادَةُ خَبَرٍ مِنْ صَدُوقٍ لاَ احْتِمَلَ لِسُوءِ الحِفْظِ فِيهِ ، وَهُوَ
مُوَافِقٌ لِعُمُومَاتِ الشَّرْعِ فِي التَّرْغِيبِ، فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الرَّسُولَ اَلِهِ،
أَمَرَ بِثْقَاءِ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَمَنْ وُقِيَ النَّارَ دَخَل الجنَّةَ.
وَفِي ((الصَّحِيحَيْنِ)) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رِضِيَ اللهُ عَنْهُ - :
((إِنَّ اللهَ شَكَرَ لِرَجُلٍ سَقَى كَلْباً، فَغَفَرَ لَهُ)).
وَالنُّصُوصُ فِي مُضَاعَفَةِ الأُمجورِ إِلَى سَبْعِ مِنَّةٍ ضِعْفٍ إِلَى مَا لاَ
يُخْصِيهِ إِلاَّ اللهُ: صَحِيحَةٌ ..
(١) والكلامُ - ما يزالُ - للأُستاذِ الظَّاهريِّ.