النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
((أَزْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لاَ يُعْتَمَدُ عَلَى حَدِيثِهِمْ ... )) فَذَكَرَ مِنْهُمْ
((عَلِيّ بْن زَيْدٍ )).
٥ - مُنَاقَشَتُ قَوْلَ الْجُوزْجَانِيَ: ((وَاهِي الحَدِيثِ ضَعِيفٌ،
وَفِيهِ مَيْلٌ عَنِ القَصْدِ، لاَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ » فِيهِ مَا فِيهِ ، وَذَلِكَ فِي
نِقَاطٍ :
• تَقْدُ الْجُوزْجَانٌ - لَهُ - لَهُ مُزْءَانِ :
أَوَّلُهُمَ : الحُكْمُ عَلَى حَدِيثِهِ .
وَالثَّانِي : القَوْلُ فِي رَأْيِهِ وَمَذْهَبِهِ .
فَقَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((مَيْلُهُ عَنِ القَصْدِ يُّفَسَّرُ
ءُ
بِتَشَيُّعِهِ، وَالحُكْمُ بِأَنَّهُ وَاهِي الحَدِيثِ ◌َّا تَفَرَّدَ بِهِ الْجُوزْجَاني)).
قُلْتُ : أَمَّا قَضِيَةُ التَّشَتْعِ وَضِدُّهَا ؛ فَسَيَرَدُ لَا بَحْثٌ مُفَصَّلٌ بَعْدُ.
وَأَمَّا أَنَّ الْجُوزْجَانِيٌّ تَفَرَّدَ بِتَوْهِيَّةِ حَدِيثِ ابْنٍ مُجِدْعَانَ ؛ فَكَلاَمٌ لاَ
يُسَلَّمُ ؛ فَلَقَدْ نَقَلِ الأُسْتَاذُ الظَّاهِرِيُّ نَفْسُهُ فِي حَاشِيَةِ (ص ٣٠) مِنَ
((البُهَانِ)) عَنِ الْجَوْرَقَانِي نَقْلَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَلِيًّا مَتْرُوكُ
الحَدِيثِ، وَعَنْ أَبِ حَاتِمٍ أَنَّهُ مُتْكَرُ الحَدِيثِ.
فَقَوْلُ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ يَلْتَقِي تَمَاً قَوْلَ الجُوزْ جَانِيٌ .
وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ فِي ((المُحَلَّى)) (١٠ /٣٨٢) - وَهُوَ مُقَدَّمٌ

٤٢
عِنْدَ الأُسْتَاذِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ -: ((ضَعِيفٌ جِدًّا)).
وَهَذَا النَّصُّ ◌ِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ الأُسْتَاذُ الفَاضِلُ!
فَأَيْنَ النَّفَرُّدُ (١) ؟!
وَأَمَّا تَوْجِيهُهُ كَلاَمَ أَبِي حَاتِمٍ ، وَرَبْطُهُ ذَلِكَ بِرِوَايَةٍ أَبَانٍ
للحَدِيثِ؛ فَكَلامٌ لاَ يَصِحُّ البَّةَ ! وَذَلِكَ لأَنَّ نَقْلَ الجَوْرَقَانِي حُكْمٌ
عَلَى الرَّاوِي، وَكَلاَمَ أَبِي حَاتِمٍ فِي ((العِلَلِ)) مُوَسَّهُ إِلَى الروايةِ ...
وَفَرْقٌ بَيْنِّ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ ، فَتَأْمَّلْ !
أَضِفْ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ كَلاَمَ الجَوَرَقَانِي إِنََّ هُوَ عَلَى حَدِيثٍ آخَرَ ،
وَلَيْسَ هُوَ عَلَى حَدِيثِنَا هَذَا نَفْسِهِ! حَتَّى يُقَالَ : إِنَّ كَلاَمَهُ مَأْخُوذٌ
مِنْهُ ، مَنْقُولٌ عَنْهُ !!
· وَأَمَّا نَقْلُ الأُسْتَاذِ أَبِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ (شَيْخِهِ) عَبْدِ الفَتَّاحِ
أَبِ غُدَّةَ - يَرْحَمُ اللهُ وَيَغْفِرُ لَهُ -، وَتَقْلُ هَذَا عَن (شَيْخِهِ) الكَوْثَرِيِّ:
(١) وَقَدْ قَالَ الأُسْتَاذُ عَبْدُ العَلِيمِ عَبْدِ العَظِيمِ البَسْتَوِيُّ فِي كِتَابِهِ ((الإِمَامُ
الْجُوزْمجانيٍ وَمَنْهَجُهُ فِي الْجَرَّحِ وَالتَّعْدِيلِ)) (ص٥٢) مُتَعَقِباً كَلاَمَ ابْنِ حَجَر ◌ِهِ :
((دَرَسْتُ أَقْوَالَ الْجُوزْبَانٍ فِي هَذَا الكِتَابِ [ (الشَّجَرَةُ فِي أَخْوَالِ الرَّجَالِ) ] قَوْلاً
قَوْلاً، وَقَارَنْتُهَا بِأَقْوَالِ الأَئِمَّةِ الآخَرِينَ، فَيَّنَ لٍ أَنَّ الْجُوزْ بَانِيٌّ لَمْ يَعْفَرِدٍ وَلَمْ يَشُدَّ فِي
بجرحٍ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلاَ تَجَاوَزَ الحَدَّ، وَلاَ خَرَجَ عَنِ الْمَغْقُولِ وَالوَاقِعِ فِي وَضْفِهِمْ)) .

٤٣
فَلَا أَرَى فِي بَيَانِ وَجْهِهِ أَجْوَدَ مِنْ نَقْلِ كَلاَمِ الخَبِيرِ بِهِ ، العَارِفِ
بِعِلَلِهِ، المُداوي لها؛ وَهُوَ العَلَّمَةُ الجَلِيلُ نَاصِرُ السُّنَّةِ وَأَهْلِهَا ،
وَقَامِعُ البِدْعَةِ وَمُشَايِعِيهَا، الشَّيْخُ الإِمَامُ، ذَهَبِيُّ العَصْرِ، المُحَدِّثُ
المُحَقِّقُ الأُستاذُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْمُعَلِّمِيُّ التَنِيِّ - رَرِحَهُ اللهُ رَخَةً
وَاسَعَةً - حَيْثُ قَالَ فِي كِتَابِهِ - الَّذِي لَهُ مِنْ اسْمِهِ أَكْبَرُ نَصِيبٍ -
(((التَّنَّكِيلِ بِاَ فِي تَأْنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأَبَاطِيل)» (٩٩/١ - ١٠٠):
(((وَأَمَّا الْجُوزْجَانيّ: فَحَافِظٌ كَبِيرٌ، مُثْقِنٌ، عَارِفٌ، وَثَّقَهُ
تِلْمِيذُهُ النَّسَائِيُّ جَامِعُ ((خَصَائِصٍ عَلي »، وَقَائِلُ تِلْكَ الكَلِمَاتِ فِي
مُعَاوِيَةَ، وَوَثَّقَهُ أَخَرُونَ .
ء
فَأَمَّا مَيْلُ الْجُوزْجَانِي إِلَى النَّصْبِ؛ فَقَالَ ابْنُ حِبَّنَ فِي
((الثِّقَاتِ »:
((كَانَ حَرِيزِيَّ (١) الَذْهَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِدَاعِيَّةٍ ، وَكَانَ صُلْباً في
السُّنَّةِ ... إِلاَّ أَنَّهُ مِنْ صَلَاَبَتِهِ رُبَُّ كَانَ يَتَعَدَّى طَوْرَهُ))، وَقَالَ ابْنُ
عَدِيٍّ: ((كَانَ شَدِيدَ المَيْلِ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلٍ بِمَشْقَ فِي الَلِ عَلَى عَليّ).
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُبَيِّنُ دَرَجَتَهُ فِي الَّيْلِ .
فَأَمَّا قِصَّةُ الفَرُّوَجَةِ؛ فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي ((تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ)) :
(١) نسبةً إلى ( حَرِیز بن عُثمان) مِنْ كِبَارِ النَّوَاصِبِ ؛ انظر (( الإكمال)) (٢
/ ٢١٢)، و((الأنساب)) (٣ / ٢٤٣)، و(٤ / ١٢٣).

٤٤
( قَالَ السُّلَمِيُّ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَوْثِيقَهُ - : لَكِنْ ◌ِهِ
انْحِرَفٌ عَنْ عَليّ؛ اجْتَمَعَ عَلَى بَابِهِ أَضْحَابُ الْحَدِيثِ، فَأَخْرَجَتْ
جَارِيَّةٌ لَهُ فَرُّوَجَةً ... )) فَالسُّلَمِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ النَّْسَابُورِيُّ:
تَرْجَتُّهُ فِي (( لِسَانِ المِيزَانِ)) (ج٥ ص١٤٠)، تَكَلَّمُوا فِيهِ حَتَّى رَمَوْهُ
ء
بِوَضْعِ الْحَدِيثِ، وَالدَّارَ قُطْنِيُّ إِنََّ وُلِّدَ بَعْدَ وَفَاةِ الْجُوزْجَانِي بِبِضْعٍ
وَأَزْيَعِينَ سَنَّةً، وَإِنََّ سَمِعَ الحِكَايَةَ - عَلَى مَا فِي (( مُعْجَمِ البُلْدَانِ)):
(مجوزْ جَانَان) - مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَخْمَدَ بْنِ عَدَبَّس ، وَلَابْنِ عَدَبَّس
تزجمة فی « تاریخ بغداد )» (ج٩ ص ٣٨٤) ، وَ « تَهْذِیبِ تَارِيخِ ابْنِ
عَسَاكِرَ )) (ج٧ِص٢٨٨)، لَيْسَ فِيهِمَا مَا يُبَيِّنُ حَالَهُ، فَهُوَ تَجْهُولُ
الحَالِ ، فَلاَ تَقُومُ بِخَبِرَهِ حُجَّةٌ .
وَفَوْقَ ذَلِكَ فَتِلْكَ الكَلِمَةُ لَيْسَتْ بِالصَّرِيَحَةِ فِي الْبُغْضِ ، فَقَدْ
يَقُولُهَا مَنْ يَرَى أَنَّ فِعْلَ عَلِيّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ (١) - كَانَ خِلاَفَ
الأَوْلَى، أَوْ أَنَّهُ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، وَفِي ((تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ ))
(ج١٠ٍ ص٣٩١) عَنْ مَيْمُون بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: ((كُنْتُ أَفَضِّلُ عَلِيًّا
عَلَى عُثْمَنَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أَّهُمَاَ أَحَبُّ إِلَيْكَ: رَجُلٌّ
أَسْرَعَ فِي الْمَالِ؟ أَوْ رَجُلٌ أَسْرَعَ فِي كَذَا - يَغْنِي: الدِّمَاءَ - ؟ قَالَ :
فَرَجَعْتُ، وَقُلْتُ: لاَ أَعُودُ)) ، وَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ
(١) انظر ((معجم المناهي اللفظية)) (ص ٣٤٨).

٤٥
وَمَيْعُونَ بْنَ مِهْرَانَ كَانَا يَرَيَانِ فِعْلَ عَليَ خِلاَفَ الأَوْلَى أَوْ خَطَأَ فِي
الاجْتِهَادِ، وَلاَ يُعَدَّ مِثْلُ هَذَا نَصْباً؛ إِذْ لاَ يَسْتَلْزِمُ الْبُّغْضَ، بَلْ لاَ
يُنَافِي الْحُبَّ، وَقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مُعَامَلَةَ أَبِي بَكْرِ الصَّدِّيقِ
لِانِعِيِ الزَّكَاةِ مُعَامَّلَةُ الْمُؤْتَدِّينَ (١)، وَرَأَوْا أَنَّهُ أَخْطَأَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ
يُحِبُّونَهُ وَيُفَضِّلُونَهُ .
فَأَمَّا حَطُّ الْجُوزْ جَانِيٌّ عَلَى أَهْلِ الكُوفَةِ؛ فَخَاصُّ بِمَنْ كَانَ شِيعِيًّا
يُبْغِضُ بَعْضَ الصَّحَابَةِ، أَوْ يَكُونُ مِّنْ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَدْ تَقَدَّمَ
في القَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ قِسْمِ القَوَاعِدِ النَّظُرُ فِي حَطُ الجُوزْجَانِيٌ عَلَى
الشّيعَةِ، وَأَنَّضَحَ أَنَّهُ لاَ يُجَاوِزُ الحَدَّ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُسَوِّغُ أَتْهَامَهُ
بِتَعَمُّدِ الْحُكْمِ بِالْبَاطِلِ ، أَوْ تَخْدِشُ فِي رِوَايَتِهِ مَا فِيهِ غَضٌّ مِنْهُمْ ، أَوْ
طَعْنٌ فِيهِمْ، وَتَوْثِيقُ أَهْلِ العِلْمِ لَهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ البَّةَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ فِي
القَوَاعِدِ. وَاللهُ الْمُؤْفِّقُ)).
وَلَقَدْ نَقَلَ - رَحِمَهُ اللهُ - مِنْ قَبْلُ (٥٨/١) - في القواعدِ - قَوْلاً
للحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي « لِسَانِ المِیزَانِ » (١٦/١) - في الجوزجاني -
وَهُوَ :
((وَتَّنْ يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ فِي قَبُولٍ قَوْلِهِ فِي الْجَرَّحِ: مَنْ كَانَ بَيْنَهُ
(١) قارن بـ ((إحكام الأحكام)) ( ص ٦٠٣) لابن دقيق العيد، و ( فتح
الباري» (١ / ٧٦ ) لابن حجر .

٤٦
وَبَيْنَ مَنْ جَرَحَهُ عَدَاوَةٌ سَبَبُهَا الاخْتِلاَفُ فِي الاغْتِقَادِ ؛ فَإِنَّ الحَاذِقَ إِذَا
تَأْمَّل ثَلْبَ أَبِي إِسْحَاقَ الْجُوزْ بَجَانِيٍّ لأَهْلِ الكُوفَةِ رَأَى الْعَجَبَ ، وَذَلِكَ
لِشِدَّةِ انْحِرَافِهِ فِي النَّصْبِ، وَشُهْرَةٍ أَهْلِهَا بِالتَّشَيُحِ، فَتَرَهُ لاَ يَتَقَّفُ
فِي جَرْحٍ مَنْ ذَكَرَهُ مِنْهُمْ بِلِسَانٍ ذَلِقٍ، وَعِبَارَةٍ طَلْقَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ أَخَذَ
يُلَيِّنُ مِثْلَ الأَعْمَشِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ، وَعُبَيِّدِ اللهِ بْنِ مُوسَى، وَأَسَاطِينِ
الحَدِيثِ، وَأَزْكَانِ الرِّوَايَةِ، فَهَذَا إِذَا عَارَضَهُ مِثْلُهُ أَوْ أَكْبَرُ مِنْهُ ،
فَوَثَّقَ رَجُلاً - ضَعَّفَهُ - : قُبِلَ التَّوْثِيقُ)).
فَقَالَ العَلَّمَةُ المُعَلِّمِيُّ مُتَعَقِّباً وَمُبَيْناً :
(( أَقُولُ: قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ : ((يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَقَّفَ)): مَقْصُودُهُ
- كَمَ لَ يَخْفَى - التَّوَقُّفُ عَلَى وَجْهِ التََّنِّ وَالتَّرَوِّي وَالتََّمُّلِ، وَقَوْلُهُ:
(فَهَذَا إِذَا عَارَضَهُ مِثْلُهُ ... قُبِلَ التَّوْثِيقُ)): مَلُّهُ مَا هُوَ الغَالِبُ مِنْ
أَنْ لاَ يَلْزَمَ مِنِ امْرَاحِ الْجَزَّحِ نِسْبَةُ الْجَارِحِ إِلَى اقْتِرَاءِ الْكَذِبِ ، أَوْ
تَعَمُّدِ الْحُكْمِ بِالْبَاطِلِ ، أَوِ الغَلَطِ الفَاحِشِ الَّذِي يَبْدُرُ وُقُوعُهُ ، فَأَمَّا
إِذَا لَزِمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا: فَلاَ تَحِيصَ عَنْ قَبُولِ الجَرَّحِ ، إِلاَّ أَنْ تَقُومَ بِيَةٌ
وَاضِحَةٌ تُثْبِتُ تِلْكَ النِسْبَةَ .
وَقَدْ تَبَّعْتُ كَثِيراً مِنْ كَلَامِ الْجُوزْ جَائِيّ فِي الْتُدَيِِّينَ، فَلَمْ أَجِدْهُ
مُتَجَاوِزاً الحَدَّ، وَإِنََّ الرَّجُلُ - لِ فِيهِ مِنَ النَّصْبِ - يَرَى التَّشَبُّعَ
مَذْهَباً سَيْئاً، وَبِدْعَةً ضَلَاَلَةً، وَزَيغاً عَنِ الْحَقِّ وَخِذْلاَناً، فَيَطْلِقُ عَلَى

٤٧
المُشَيْعِينَ مَا يَقْتَضِيهِ اغْتِقَادُهُ، كَقَوْلِهِ: ((زَائِغٌ عَنِ القَصْدِ)»، « سَمِّئُ
الَّذْهَبِ ))، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَلاَمُهُ فِي الأَعْمَشِ لَيْسَ فِیهِ جَرْحٌ ، بَلْ
هُوَ تَوْثِيقٌ، وَإِنَّا فِيهِ ذَمُّ بِالتَّشَيْعِ وَالتَّدْلِيسِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ أَنَّ
الأعْمَشَ كَانَ يَتَشَبَّعُ وَيُدَلِّسُ، وَرُبََّ دَّسَ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَرُبَّمَ كَانَ
فِي ذَلِكَ مَا يُنْكَرُ، وَمَكَذَا كَلاَمُهُ فِي أَبِي نُعَيْمٍ، فَأَمَّا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ
مُوسَى؛ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ الإِمَامُ أَخْمَدُ وَغَيْرُهُ بِأَشَدَّ مِنْ كَلامِ الُوزْجَانٌ،
وَتَكَلَّمَ الجُوزْ جَانِيٍّ فِي عَاصِمٍ بْنٍ ضَمْرَةَ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ المُبَارَكِ
وَغَيْرُهُ، وَاسْتَنْكَرُوا مِنْ حَدِيثِهِ مَا اسْتَنْكَرَهُ الْجُوزْجَاني ، رَاجِعْ:
((سُنَنَ البَيَّهَقِيِّ)) (ج ٣ ص٥١)، غَايَةُ الأَمْرِ أَنَّ الْجُوزْجَانِي هَوَّلَ !
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ؛ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ كَلاَمِ أَهْلِ العِلْمِ.
وَكَأَنَّ ابْنَ حَجَرٍ تَوَمَّمَ أَنَّ الُوزجاني في گَلامِهِ فِي عَاصِمٍ (يُسِرُ
حَسْواً فِي ارْتِغَاءٍ) (١) ! وَهَذَا تَخَّلُ لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ !
وَقَالَ الْجُوزْ بَانِيُّ فِي يُونُسَ ابْنِ خَّبٍ: ((كَذَّابٌ مُفْتَرٍ))،
وَيُونُسُ وَإِنْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينِ ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ: (مُنْكَّرُ الحَدِيثِ))،
وَقَالَ النَّسَائِيُّ - مَعَ مَا عَرَفَهُ عَنْهُ - : ((لَيْسَ بِثِقَةٍ))، وَاَنَّفَقُوا عَلَى
غُلُوُّ يُونُسَ، وَتَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ عُثْمَنَ بْنَ عَفَّانَ قَتَلَ ابْتَتَيِ النَّبِيِّ
(١) في ((تَاجِ العَرُوسِ)) (١٥٣/١٠): ((يُضْرَبُ لَنْ يُظهِرُ أَمْراً وَثُرِيدُ
غَیَهُ )) .

٤٨
﴿! وَأَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ سُؤَالِ القَبْزِ، ثُمَّ قَالَ: هَا هُنَا كَلِمَةٌ أَخْفَاهَا
النَّاصِبَةُ ، قِيلَ لَهُ : مَا هِيَ ؟
قَالَ : إِنَّهُ لَيَسْأَلُ فِي قَبْزِءٍ: مَنْ وَلِيُّكَ ؟! فَإِنْ قَالَ: عَلٍّ؛ نَجَا!
ءُ
فَكَيْفَ لاَ يُغْذَرُ الْجُوزْجَانِي - مَعَ نَصْبِهِ - أَنْ يَغْتَقِدَ فِي مِثْلِ هَذَا
أَنَّهُ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ ؟!
وَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُهُ للجُوزْ بجَانِيٍ : مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي القَاعِدَةِ الثَّالِثَّةِ مِنْ
قَوْلِهِ: ((وَمِنْهُمْ زَائِعٌ عَنِ الْحَقِّ ... ))، وَقَدْ تَقَبَّلَ ابْنُ حَجَرٍ ذَلِكَ
عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ مَغْنَاهُ، وَعَظَّمَهُ - كَمَا مَرَّ - ، وَذَكَرَ نَحْوَ ذَلِكَ فِي
((لِسَانِ المِيزَانِ)) نَفْسِهِ (ج١ ص١١).
وَإِنّ لأَغْجَبُ مِنَ الحَفِظِ ابْنِ حَجَرٍ - رَرِمَهُ اللهُ - يُوَافِقُ
الْجُوزْجَانِي عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُعَظِّمُهُ - مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ
وَالشُّذُوذِ كَمَا تَقَدَّمَ - وَيُشَنَّعُ عَلَيْهِ هَا هُنَا، وَيُّهَوِّلُ فِيمَاَ هُوَ أَخَفتُّ مِنْ
ذَلِكَ بِكَثِيرٍ عِنْدَمَا يُتَدبَُّ !! وَاللهُ المسْتَعَانُ )).
قَالَ أَبُو الحَارِثِ - عَفَا اللهُ عَنْهُ - :
هَذَا كَلاَمُ النَّقِدِ الخَبِيرِ ، وَالْبَاحِثِ الدِّقِيقِ ، وَلَيْسَ كَكَلاَمِ
الكَوْثَرِيِّ، وَأَضْرَابِهِ ، وَمُرِيدِيهِ (١)!
(١) ولستُ أَرى الأُستاذَ أبا عبد الرحمن منهم ... ، بَل أُرَّقِّتُهُ، وَأَنَزَّهُهُ.

٤٩
٦ - قَالَ الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ((وَوَرَدَ الجَمْعُ بَيْنَ تَغْدِيلٍ
ابْنِ زَيَّدٍ وَجْرِيهِهِ .. ))، ثُمَّ نَقَلَ قَوْلَ ابْنِ عَدِيٍّ: ((وَلِعَليْ غَيْرُ مَا
ذَكَرْتُ مِنَ الْحَدِيثِ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ، وَلَمْ أَرَ أَحَداً مِنَ الْبَصْرِيِّينَ
وَغَيِزِهِمُ امْتَنَعُوا مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ .. )» !
أَقُولُ : وَلِكَلاَمِ ابْنِ عَدِيٌّ تَتِّمَّةُ، حَيْثُ قَالَ: (( ... وَكَانَ
يُغَالِيٍ فِي التَّشَتُّعِ فِي مُمْلَةٍ أَهْلِ البَصْرَةِ، وَمَعَ ضَعْفِهِ يُكْتَبُ حَدِيثُ )) .
فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ ثَلاَثُ فَوَائِدَ:
٥ تَشَئُُّهُ وَغُلُوُّه فِهِ .
ضَعْفُهُ وَعَدَمُ الاحْتِجَاجِ بِهِ .
٥ كَتْبُ حَدِيثِهِ للاغْتِبَّارِ .
٧ - نَقْلُهُ عَنِ الذَّهَبِيِّ قَوْلَهُ - في ((المُغْنِي)) - فِيهِ: ((صَالِحُ
الحَدِيثِ)) ! فَفَاتَهُ قَوْلُهُ فِي ((مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ مُوَثَّقٌ)) (ص١٤٠)
حَيْثُ قَالَ: ((صُوَيِحُ الحَدِيثِ))، وَهِيَ أَدْنِى مِنَ الأُولى !
٨ - بِمَّا ذَكَرَ الأُسْتَاذُ ابْن عقيلٍ أَنَّهُ ((وَرَدَ الْجَمْعُ بَيْنَ تَغْدِیلِ ابْنِ
زَيْدٍ وَتَجْرِيحِهِ .. )) في قَوْلِ ابْنِ حِبَّانَ فِيهِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ - !!
وَلَسْتُ أَرَى فِيهِ أَيَّ تَعْدِيلٍ ! اللهُمَّ إِلاَّ أَنْ يَذْكَرَ مَا صَدَّرَ بِهِ
تَرْجَتَهُ، لَّا قَالَ: ((كَانَ شَيْخاً جَلِيلاً ... ))!

فَهَذَا لاَ عَلَاَقَةَ لَهُ - البَّةَ - بِرِوَايَتِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، لأَنَّهُ قَالَ
- بَعْدُ - :
((كَانَ يَهُ فِي الأَخْبَارِ، وَيُخْطِىءُ فِي الآثَارِ ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ فِي
أَخْبَارِهِ، وَتَبَّنَ فِيهَا الْمَاكِيرُ الَّتِي يَزْوِيهَا عَنِ الَشَاهِيرِ، فَاسْتَحَقَّ تَرْكَ
الاختِجَاجِ پِهِ)) .
فَهَلْ ذَاكَ ذُو صِلَةٍ بِهَذَا؟ أَمْ أَنَّ ذَاكَ فِي بَابٍ ، وَهَذَا فِي بَابٍ
آخَر ؟!
٩ - قَوْلُ الأُسْتَاذِ - فِي آخِرٍ كَلاَمِهِ -: (( وَجَمِيعُ الْجُرُوحِ الَّتِي
مجرحَ بِهَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ لاَ تُغْتَبَرُ إِلَّ مُفَسَّرَةً، حَتَّى يُبْنَى عَلَيْهَا أَحَكَامُهَا)).
أَقُولُ: وَهَلْ - ثَّتَ - مَا هُوَ أَبْيَنُ تَفْسِيراً مِنْ ذِكْرِ أَنَّهُ سَيِّئُ
الِحِفْظِ ، وَيَهِمُ فِي الأَخْبَارِ، وَيُخْطِىءُ فِي الْآثَارِ ، وَيَزْوِي الَّاكِيرَ، وَأَنَّهُ
خَلَّطَ، وَاخْتَلَطَ (١)، وَأَنَّهُ وَاهٍ، وَمَتْرُوٌ، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ الْمَوْقُوفَاتِ !!
(١) رَوَى المُقَتِيُّ فِي ((الضُّعَفَاءِ)) (٢٣٠/٣)، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
أَحَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ الهِ بْنُ مُعَاذٍ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ عَليِ بْنِ
زَيْدٍ - قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ - ... )).
قُلْتُ: وَقَدْ فَتَ هَذَا النَُّّ ابْنَ الكَيَّالِ فِي «الكَوَاكِبِ النَّاتِ فِي مَغْرَفَةٍ مَنِ
اخْتَلَطَ مِنَ الرُّوَاةِ الثََّاتِ)) - وَلَعَلَّهُ بِسَبَبِ كَوْزِهِ عَلَى غَيْزِ شَرْطِهِ - ، وَلكنَّهُ فَاتَ
- كذلكَ - مُحَقِّقَهُ الفَاضِلَ الأُسْتَاذَ عَبْدَ القَيُّومِ عَبْدِ رَبِّ النَّبِيِّ فِي مُلْحَقِهِ بِأَشْماءِ مَنِ
اخْتَلَطَ مِنَ الضُّعَفَاءِ .
٠٠٠,

١
١٠ - قَوْلُ الأُسْتَاذِ ابْنِ عَقِيلٍ - بَعْدُ -: ((فَمِنْهَا مَا فُسَِّ
بِالتَّشَيُّعِ وَالرَّقْضِ ... )»!
أَقُولُ : لِهَذَا صِلَةٌ بِرَأْيِهِ ، لَ بِرِوَايَتِهِ.
ثُمَّ هَذَا جَزْحٌ مُفْرَدٌ مِنْ أَنْوَاعِ مُتَعَدِّدةٍ .
١١ - هُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى لِأَهْلِ العِلْمِ وَقَفْتُ عَلَيْهَا - لاَ عَلَى
وَجْهِ النَّقَصِّي وَالنَّبْعِ - ، أَذْكُرُ مَا تَيَشَّرَ لٍ مِنْهَا :
فِي «سُؤَالاَتِ الْآَمُجُرِيِّ لأَبِي دَاوُدَ)» (١/٥): ((قَالَ كَمَّدُ بْنُ
زَيْدٍ : حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، وَكَانَ كَثِيرَ الخَطَأ )».
فِي «السُّنَنِ الكُبَى) (١٦٤/١) للبَيْهَقِيٌّ: ((لاَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ».
وَفِيهِ (٤٤٩/١): ((لَيْسَ بِالقَوِيِّ)).
وَفِيهِ (١ / ١٧٠) إِقْرَارُ الدَّارَ قُطْنِيِّ عَلَى قَوْلِهِ فِيهِ: (( ضَعِيفٌ)).
وَفِي ((الْخِلاَفِيَاتِ)) (١/ ١٥٠): ((لاَ يُحْتَجُّ بِهِ)).
- وَقَالَ ابْنُ القَطَّانِ في («بيان الوَهَم والإيهام » (١٠٧٨):
((وَثَّقَهُ قَوْمٌ، وَضَغَفَهُ آخَرُونَ ، وَجُمْلَةُ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ الكَثِيرَ مِمَّا
يَقِفُهُ غَيْرُهُ، وَاخْتَلَطَ أخِيراً، وَلاَ يُتَّهَمُ بِكَذِبٍ )) ، وانظر ( ٢٥٧٦)
- منْهُ - .
ونقَلَهُ عَنْهُ - مُقِرًّا - الزيلعيُّ فِي ((نَصْبِ الرَّايَةِ)) (٧٧/١).

٥٢
- وَقَدْ كَانَ مَنْهَجُ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرِ العَسَقَلاَئِ (١) - رَحِمَهُ
اللهُ تَعَالَى - فِي جَمِيعِ تَوَالِيفِهِ وَتَخَارِيجِهِ تَضْعِيفَ خَبَرِ ابْنِ مجُدْعَانَ ، إِلاَّ
إِذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ أَوْ مُتَابِعٌ :
فَهَا هُوَ يَقُولُ فِي ((فَتْحِ البَارِي)) (٢٥٧/١٣): ((ضَعِيفٌ مِنْ
قِبَلٍ حِفْظِهِ ».
وَيَقُولُ فِي ((الفَتْحِ)) (٨٢/١١): ((صَدُوقٌ كَثِيرُ الأَوْهَامِ)).
وَأَشَارَ في ((الفَتْحِ)) (٣٢٦/١٣) إِلَى تَوْهِيَّةِ حَدِيثٍ لَهُ پِرِوَايَةٍ
◌ُخَالِفِهِ مِنَ الثُّقَاتِ .
وَيَقُولُ فِي ((هَذْي السَّارِي)) (٣٧٣): ((ضَعِيفٌ)).
وَمَكَذَا ..
وَانْظُرْ - للزِّيَادَةِ -: ((الفَتْحَ)) (٣٥٩/١)، و(٥٦٣/٢)
و(٢٢/٣)، و(٥٢٤/٨) و(٣٤٦/١٠)، و(٣٥٠/١١)، و(١١/
٣٦٩)، و(٤١١/١٢) وَغَيَزَّهَا.
وَهَكَذَا فِي كُبِهِ الأُخْرَى، مِثْلٍ (القَوْلِ المُسَدَّدِ)) (ص٤٥) ،
وَغَيْرِوِ .
(١) وَلَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الأَلْبَانيَّ - حَفِظَهُ اللهُ - مِرَاراً - يَصِفُهُ - إِذا
ذَكَّرَه - : ((الَّذِي لَمْ تَلِدِ النَّسَاءُ - بَعْدَهُ - مِثْلَهُ)) .

٥٣
- وَكَذَا الْتَّارِيُّ فِي ((فَيْضِ القَدِيرِ)) (١ / ٣٦٣)، وانْظُؤْ
((السلسلةَ الضَّعِيفَةَ)) (١٩٦/١).
- وَقَالَ الهَيْئَمِيُّ فِي ((الَجْمَعِ)) (١١٧/٤): ((فِيهِ كَلَامٌ ،
وَالغَالِبُ عَلَيْهِ الضَّعْفُ )).
وَقَالَ فِي (٨٥/٦): ((سَيِّئُ الْحِفْظِ )).
وَقَالَ فِي (١٧٣/١): ((ضَعِيفٌ)).
- وَابْنُ كَثِيرٍ فِي ((تَفْسِيرِهِ)) (١٧/٤)، وَقَالَ: ((مُنْكَرُ
الحَدِيثِ)).
- وَالدَّارَ قُطْنِيُّ فِي ((سُنَنِهِ)) (٧٧/١)، وَقَالَ: ((ضَعِيفٌ)).
- وَالذَّهَبِيُّ فِي ((السِّيرَ)) (٢٢١/٤)، وَقَالَ: ((لَيْسَ
بِالْحُجَّةِ)).
وَلَوْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنَ الفَرَاغِ أَكْثَرَ : لَتَتَّبَعْتُ أَكْثَرَ .. وَإِنّ
لِأَظُنُّ - إِنْ شَاءَ اللهُ - أَنّ سَأَجِدُ أَكْثَرَ وأَكْثَرَ ...
وَاللهُ الْمُوَفِّقُ ...
وَأَخِيراً؛ مَا أَجْمَلَ قَوْلَ الإِمَامِ العَلَّمَةِ - ذَهَبِيِّ العَصْرِ - الشَّيْخِ
النَّاقِدِ الْمُحَدِّثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَخْتَى المُعَلِّمِي الْتَمَنِيِّ - رحمه اللهُ - ؛ إِذَ
يقولُ :

٥٤
(( لَيْسَ نَقْدُ الرُّوَاةِ بِالأَمْرِ الَيْنِّ؛ فَإِنَّ النَّقِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ
وَاسِعَ الاطلاع (١) عَلَى الأَخْبَارِ المَرْوِيَّةِ، عَارِفاً بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ
السَّابِقِينَ وَطُرُقِ الرِّوَايَةِ، خَبِيراً بِعَوَائِدِ الرُّوَاةِ، وَمَقَاصِدِهِمْ ،
وَأَغْرَاضِهِمْ، وَبِالأَسْبَابِ الدَّاعِيَّةِ إِلَى التَّسَاهُلِ وَالكَذِبِ ، وَالمُؤْقِعَةِ فِي
الخَطَأِ وَالغَلَطِ، ثُمَ يَخْتَاجُ إِلَى أَنْ يَعْرِفَ أَحْوَالَ الرَّاوِي: مَتَّى وُلِدَ؟
وَيِأَيِّ بَلَدٍ؟ وَكَيْفَ هُوَ فِي الدِّينِ، وَالأَمَانَةِ، وَالعَقْلِ، وَالمُرُوءَةِ،
وَالتَّحَقُّظِ ؟ وَمَتَى شَرَعَ فِي الطَّلَبِ؟ وَمَتَّى سَمِعَ؟ وَكَيْفَ سَمِعَ ؟
وَمَعَ مَنْ سَمِعَ؟ وَكَيْفَ كِتَابُهُ؟ ثُمَّ يَغْرِفُ أَحْوَالَ الشُّيُوخِ الَّذِينَ
يُحَدِّثُ عَنْهُمْ، وَبُلْدَائِهُمْ، وَوَفَيَاتِهِمْ، وَأَوْقَاتَ تَحْدِيثِهِمْ، وَعَادَتَهُمْ
فِي التَّحْدِيثِ، ثُمَّ يَغْرِفُ مَرْوِيَّاتِ النَّاسِ عَنْهُمْ، وَيَغْرِضُ عَلَيْهَا
مَزْوِيَّاتِ هَذَا الرَّاوِي وَيَعْتَبِرُهَا بِهَا، إِلَى غَيْزِ ذَلِكَ بِمَّا يَطُولُ
شَرْحُهُ ...
وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مُتَّقِّظاً، مُرْهَفَ الفَهْمِ ، وَقِيقَ الفِطْنَةِ ،
مَالِكَاً لِنَفْسِهِ، لاَ يَسْتَمِيلُهُ الَحَوَى، وَلاَ يَسْتَقِزُّهُ الغَضَبُ ، وَلاَ
يَسْتَخِفُّهُ بَادِرُ ظَنٌّ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ النَّظَرَ، وَيَبْلُغَ المَقَرَّ، ثُم يُحْسِنُ
التَّطْبِيقَ فِي حُكْمِهِ ، فَلاَ يُجَاوِزُ وَلاَ يُقَصِّرُ .
(١) وَمَا أَحْسِبُ الأُسْتَاذَ ابْنَ عَقِيلٍ إِلاَّ مِنْ هَؤُلاءِ؛ وَلَكِنْ قَدْ يَكْبُو الفَرَسُ !!

وَهَذِهِ الَرْتَبَةُ بَعِيدَةُ الَرَامِ، عَزِيزَةُ الَّالِ، لَمَّ يَبْلُغْهَا إِلَّا
الأَنْذَاذُ .
وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكَابِرِ المُحَدِّثِينَ وَأَجِأَتِهِمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي الرُّوَاةِ فَلاَ
يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَلاَ يُلْتَقَتُ إِلَيْهِ؛ قَالَ الإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ - وَهُوَ مِنْ
أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ -: ((أَبُو نُعَيْمٍ وَعَفَّنُ صَدُوْقَانِ، لاَ أَقْبَلُ كَلاَمَهُمَ
فِي الرِّجَالِ! هَؤُلاءِ لاَ يَدَعُونَ أَحَداً إِلاَّ وَقَعُوا فِيهِ)) (١).
وَأَبُو نُعَيمٍ وَعَفَّانُ مِنَ الأَجِلَّةِ، وَالكَلِمَةُ الَذْكُورَةُ تَدُلُ عَلَى كَثْرَةِ
كَلاَمِهِاَ فِي الرِّجَالِ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِي كُتُبِ الفَنَّ نَقْلَ شَيْء
مِنْ كَلاَمِهِماَ)) (٢).
قلتُ: وكلامُهُ - رحمه اللهُ - كلامٌ دقيق ، بِفَهْمٍ عَميق .
0
(١) ((تَهْذِيبُ التَّهْذِيب)) (٧ / ٢٣٢).
(٢) ((تَقْدِمَةُ الْجَرَّحِ وَالتَّعْدِيلِ)) (١/ب - ج) .
...

٥٧
٤ - النَّقْدُ العِلْمِيُّ
قَالَ الأُسْتَاذُ الظَّاهِرِيُّ فِي ((الْبُزْهَانِ)) (ص٣٤) فِي خِتَامِ دِرَاسَتِهِ
لِدَرَبَةِ ثِقَةٍ عَلٍّ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُجُدْعَانَ - مُقَرِّراً - :
((الأَضْلُ فِيمَنْ سَاءَ حِفْظُهُ التَّوَقُّفُ عَنْ رِوَايَتِهِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ
تَحْكُومٍ لَهُ بِالِحِفْظِ بِإِطْلَاقٍ، وَغَيْرُ تَحْكُومٍ لَهُ بِعَدَمِ الْحِفْظِ بِإِطْلَاقٍ،
بَلْ كَانَ يَحْفَظُ، وَيَسُوءُ حِفْظُهُ أَحْيَاناً أَوْ غَالِياً)).
قُلْتُ: وَهَذَا كَلاَمٌ لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلاَ بَيْنَةٌ، لاَ مِنْ عَمَلٍ أَهْلٍ
الحَدِيثِ ، وَلاَ مِنْ طَرَائِقِ أَئِمَّةِ الْجَرَّحِ وَالتَّعْدِيلِ ..
وَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّحَثِ السَّابِقِ مِنْ تَعْلِيلاَتِ الحُفَّاظِ رِوَايَةَ ابْنِ
زَيْدٍ، بِمُجَرَّدٍ وُمُجُودِهِ فِي الإِسْنَادِ: دَلِيلٌ بَيِّنٌّ عَلَى غَرَابَةٍ هَذَا الكَلامِ
عَنِ الَنَّهَجِ التَّقْدِيِّ الحَدِيثِيِّ؛ تَأْصِيلاً وَتَفْصِيلاً .
ولَقَدْ رَأَيْتُ كَلِمَةً حَسَنَةً رائعةً فِي القَوَاعِدِ النَّقْدِيَّةِ للرُّوَاةِ ،
للإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِ الوَلِيدِ البَاجِي؛ إِذْ قَالَ فِي كِتَابِهِ ((التَّغْدِيلِ
وَالتَّجْرِيحِ)) (٢٨٠/١):

٥٨
((أَحْوَالُ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْجَرَّحِ وَالتَّعْدِيلِ مَّا يُدْرَكُ بِالاجْتِهَادِ ،
وَيُعْلَمُ بِضَرْبٍ مِنَ النَّظَرِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا جَالَسَ الرَّمجلَ
وَتَكَرَّرَتْ مُحَادَتَّهُ لَّهُ ، وِإِخْبَارُهُ إِيَّهُ بِمِثْلٍ مَا يُخْبِرُ نَاسٌ عَنِ المَعَانِ الَّتِي
يُخْبِرُ عَنْهَا: تَحَقَّقَ صِدْقَهُ، وَحَكّمَ بِتَصْدِيقِهِ.
فَإِنِ اَنَّفَقَ لَهُ أَنْ يُخْبِرَ فِي يَوْمٍ مِنَ الأَّيَّامِ أَوْ وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ
بِخِلاَفٍ مَا يُخْرُ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ الْمَغْنَى، أَوْ بِخِلافٍ مَا عَلِمَ مِنْهُ
المُخْبِرُ : اغْتَقَدَ فِيهِ الوَهَمَ وَالغَلَطَ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَنْ رُتْبَةِ
الصَّدْقِ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ حَالِهِ ، وَعُهِدَ مِنْ خَبِرِهِ .
وَإِذَا أَكْثَرْتَ مُجَالَسَةَ آخَرَ وَكَثُرَتْ تُحَادَتَُّ لَكَ ، فَلاَ يَكَادُ أَنْ
يُخْرِكَ بِشَيْءٍ إِلاَّ وَيُخُكَ أَهْلُ الثَّقَةِ وَالعَدَالَةِ عَنْ ذَلِكَ الَغْنَى بِخِلاَفٍ
مَا أَخْبَرَكَ بِهِ: غَلَبَ عَلَى ظَنِّكَ كَثْرَةُ غَلَطِهِ، وَقِلَّهُ اسْيِّبَاتِهِ ،
وَاضْطِرَبُ أَقْوَالِهِ، وَقِلَّةُ صِدْقِهِ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يَيَّنُ لَكَ مِنْ
حَالِهِ العَمْدُ أَوِ الغَلَطُ ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ تَمْكُمُ فِي أَمْرِهِ ؛ فَمَنْ كَانَ فِي
أَحَدٍ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ لاَ يُخْتُلَفُ فِي جَرْجِهِ أَوْ تَعْدِيلِهِ ، وُمَنْ كَانَ بَيْنَ
الأَمْرَيْنِ - مِثْلُ أَنْ يُوجَّدَ مِنْهُ الخَطَّأُ وَالإِصَابَةُ - وَقَعَ الَّرَجُحُ فِيهِ ،
وَعَلَى حَسَبِ قِلَّةِ أَحَدِ الأَمْرَيْنِ وَكَثْرَتِهِ : يَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ )) .
قُلْتُ: فَالحُكْمُ عَلَى الرَّاوِي أَنَّهُ سَيِّئُ الحِفْظِ إِنَّمَ يَكُونُ بَعْدَ
الوُقُوفِ عَلَى أَخْبَارِهِ وَمَعْرِفَةٍ رِوَايَاتِهِ، لاَ أَنَّ الحُكْمَ بِسُوءِ حِفْظِهِ

٥
أَسَاسٌ نَتَعَامَلُ بِهِ مَعَ أَخْبَارِهِ فَزْداً فَزْدَاً عَلَى أَسَاسِ «التَّوَقُّفِ عَنِ
رِوَايَتِهِ)) (١)، ثُمَّ الْحُكْمِ عَلَيْهَا عَلَى حَسَبِ المُعَارَضَةِ أَوْ عَدَمِهَا !
فَهِذِهِ نُقْطَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا، تُبَيْنُ أَضْلَ البَحْثِ وَقَاعِدَتَهُ .
وَهَا هُوَ الأُسْتَاذُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - نَفْسُهُ - يُعَلِّقُ - حَفِظَهُ اللهُ
تَعَالَى - عَلَى ((الشُّرُوحِ وَالتَّعْلِيقَاتِ)) (٢٥٨/٢) مُبَيْنَاً حَالَ عَلٍ بْنِ
زَيْدٍ، فَقَالَ :
((وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَضْعِيفِهِ )).
فَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ : أَهُوَ مَجْرُوحٌ أَمْ مُعَدَّلٌ ؟!
وَمَنْ كَانَ هَذَا حَالُهُ : فَكَيْفَ تَكُونُ رَوَايَتُهُ ؟!
قَالَ الإِمَامُ الْحَافِظُ عَبْدُ الحَقِّ الإِشْسِلِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ ((الأَخْكَامِ
الوُّسَطَى)) (٢٢/٢ - ((الشُّرُوحُ وَالتَّغْلِيقَاتُ)) - بِتَحْقِيقِ الأُسْتَافِ
الظَّاهِرِيِّ):
((وَضَغْفُ الرَّاوِي عِلَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَضَغْفُ الرَّاوِي يَكُونُ فِي
التَّعَمُّدِ للكَذِبِ، وَيَكُونُ بِالوَهَمِ، وَقِلَّةِ الِحِفْظِ، وَكَثْرَةِ الخَطَّأِ ؛
وَإِنْ كَانَ صَادِقاً)) (٢).
(١) كَمَا يَقُولُهُ الأُسْتَاذُ ابْنُ عَقِيلٍ !
(٢) وَلَقَدْ أَقَرَّ هَذَا الكَلاَمَ - وَلَمْ يَتَعَقَّهُ - الأُسْتَاذُ ابْنُ عَقِيلٍ ...
٠

٦٠
قُلْتُ : وَهَذَا كَلاَمٌّ مُحَبَّرٌ مُحَرَّرٌ، عَلَيْهِ صَنِيعُ أَهْلِ الحَدِيثِ ، وَبِهِ
عَمَلُهُمْ .
فَالمُخَالَفَةُ لَهُمْ - يَرْحَمُهُمُ اللهُ - لَيْسَتْ مُخَالَفَةً فِي حَدِيثٍ ؛ يَظْهَرُ
لِنَاقِدٍ حُسْنُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ! وَإِنَّا هِيَ مُخَالَفَةٌ لَهُمْ فِي مَنْهَجٍ عِلْمِيٌ
تَأْصِيلاً وَتَفْصِيلاً .
وَالْخُلَاَصَةُ؛ أَنَّ ضَغْفَ أَيِّ رَارٍ سَبَبٌ كَافٍ لِرَدِّ رِوَايَتِهِ وَعَدَمٍ
قَبُولِهَا .
فَإِذَا وُجِدَتْ رِوَايَاتٌ - أَوْ رِوَايَةٌ - أُخْرَى تَشْهَدُ لِخِبِهِ ،
وَتُؤَيِّدُهُ : حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحُسْنِ - بِالشَّوَاهِدِ - .
وَإِذَا وُجِدُ رَارٍ آخَرُ - أَوْ رُوَاةٌ - بُتَابِعُونَهُ عَلَى خَبِّهِ: حُكِمَ
عَلَيْهِ بِالْحُسْنِ بِالَُّْبَعَاتِ - (١).
وَهَذَا - تَمَاً - مَا قَالَهُ الإِمَامُ ابْنُ الصَّلاَحِ فِي كَتَابِهِ ((مَغْرِفَةٍ
أَنْوَاعِ عِلْمِ الحَدِيثِ)) (٢) (ص١٣٨ - بِشَرْحِ ((التَّقْبِيدِ وَالإِيضَاحِ))
للعِرَاقِي) :
(١) قَالَ الإِمَامُ الشَّافِيُّ فِي ((الرَّسَالَةِ)) (ص ٣٧١) مُبَيْناً شرطَ الثّقَةِ بِخَيِّ
الثّقَةِ أَنَّهُ: ((إِذَا شَرِكَ أَهْلَ الِحِفْظِ فِي الْحَدِيثِ وَافَقَ حَدِيثَهُمْ)).
(٢) انْظُر في تحقيقِ اسْمِهِ «التَّذْكِرَةَ فِي عُلُومِ الحَدِيثِ )) ( ص ٦) لابْنِ
المُلْقِّنِ - بِتَحْقِيقِي - .