النص المفهرس
صفحات 21-40
ورأى رجل رجلاً يأكل في رمضان فهم بقتله. وما علم أنه مسافر !! فالويل للعلماء من مقاساة الجهلة]. وقال ابن مفلح متحدثاً عن ابن الجوزي: [ثم روی بإسناده وهو ضعيف عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما أنت محدّث قوماً حديثاً لم تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة)) وكان ابن عباس يسرّ إلى قوم ولا يحدّث قوماً]. وقال عمن يعظ العوام : [ليحذر الخوض في الأصول فإنهم لا يفهمون ذلك، لكنه يوجب الفتن وربما كفروه مع كونهم جهلة. وينبغي أن يمدح جميع الصحابة رضي الله عنهم ولا يتعرض بتخطئة أحد منهم، فقل أن يرجع ذو هوى عن عصبيته إن كان عامياً. فما يستفيد مكلم الناس بما قد رسخ في قلوبهم غيره إلا البغض والوقيعة فيه .. ](١). وقال ابن الجوزي في ((الموضوعات)): (القسم السابع قوم شقّ عليهم الحفظ .. وربما رأوا أن الحفظ معروف فأتوا بما يغرب مما يحصّل مقصودهم فهؤلاء قسمان: أحدهما القصاص، ومعظم البلاء منهم يجري لأنهم يريدون أحاديث تنفق وترقق، والصحاح تقل في (١) انظر ((الآداب الشرعية))٩٥/٢. ٢٣ هذا .. (١) والقسم الثاني الشحاذون فمنهم قصاص ومنهم غير قصاص)(٢) . ولابن الجوزي كلام طويل على القصاص تجده في كتابه ((القصاص والمذكرين)). هذا وابن الجوزي كان من كبار القصاص وقد بدا في كتاب القصاص والمذكرين متعاطفاً مع القصاص مائلاً إليهم، وإن كان الرجل بقي في دائرة الانصاف لم يجاوزها إلى التعصب والتحزب والمعاندة فلقد ذكر مساوئهم ونقائصهم، وذكر إساءة بعضهم للمعاني الكريمة الطيبة وللأغراض النبيلة السامية التي يؤديها الوعظ وتذكير الناس ودعوتهم إلى الخير. ومن كتبه التي عني فيها بموضوع القصص كتاب ((المدهش)) الذي ترى تأثر ابن الجوزي فيه بالصوفية والمتصوفين واضحاً جداً (٣). ومهما يكن من أمر فإن ابن الجوزي كان ميالاً إلى القصّاص، وإنني أحسب أنه كان معذوراً عندما يبدو متحمساً بعض الشيء لجانب القصص والتذكير لأن ابن الجوزي كان واعظاً فصيحاً وداعية موفقاً خَبَرَ موضوع الاتصال بالعامة وخرج بنتائج قيمة من هذه التجربة سجّل بعضها في هذا الكتاب . ولأن الواقع الأليم الذي كان يعاني منه المسلمون بحاجة إلى (١) ((الموضوعات)) ١ / ٤٤. (٢) ((الموضوعات)) ١ / ٤٦. (٣) انظر صفحة ١٧٨ من ((المدهش)). ٢٤ إصلاح وتذكير وإرشاد. ونظرة منّا إلى واقع المسلمين اليوم من غياب الدعاة إلى الله الصادقين، وبقاء الدجالين يصولون ويجولون تقنعنا بحاجة الناس إلى من يذكرهم بالله ويوقظ فيهم معاني الخير، وليس كما يتصور بعض الناس الذين يذهبون إلى القضاء على القصص والوعظ من حيث هو. إن المجتمع في حاجة مستمرة إلى من يذكر أبناءه بالله .. ذلك لأن الغفلة والشهوة والشيطان عوائق ضخمة تقف حائلاً دون سلوك الصراط السويّ أو المحافظة على المستوى الرفيع الكريم الذي يقيمه الاسلام في المجتمع . فكيف إذا أضفنا إلى ذلك ما كان في أيام ابن الجوزي من تسلط النصارى على بلاد المسلمين ومهاجمتهم بالحملات الصليبية الواحدة تلو الأخرى، وتسلط الشيعة على أهل السنة إن هذا يضاعف الحاجة الی قیام مذکرین ووعاظ. وإذا كان هؤلاء الوعاظ والمذكرون منحرفين فالواجب يقضي بإصلاحهم وقيام ناس فضلاء بهذه المهمة. إننا اليوم في العالم الاسلامي نشكو غزو الحضارة الأوروبية لبلادنا وعاداتنا وفكرنا ونشكو خضوع عدد من الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين إلى اعتبارات جاهلية تعد التذكير بالله جريمة يعاقب عليها الحاكمون الدعاة إلى الله . ٢٥ هذا وقد ذكر ابن الجوزي الشروط التي يجب أن تتوافر في القاص (١) وهي: ١ - العلم وإتقان فنونه. ٢ - معرفة الحديث وتمييز صحيحه من سقيمه. ٣ - العلم بالتاريخ وسير السلف وأخبار الزهّاد. ٤ - معرفة الفقه معرفة جيدة. ٥ - معرفة اللغة العربية معرفة جيدة. ٦ - تقوى الله والتخلص من الطمع. ٧ - العمل بما يدعو الناس إليه . ٨ - الزهد في الدنيا وترك المظاهر الفخمة . وقريب من ذلك ما ذكره نصر بن محمد السمرقندي (المتوفى ٣٧٥ هـ) في كتابه ((بستان العارفين)) من صفات المذكر إذ قال: (أول ما يحتاج إليه المذكر .. أن يكون صالحاً في نفسه .. ورعاً. وينبغي أن لا يطول المجلس فيمل الناس. وينبغي .. أن يكون متواضعاً ليناً ولا يكون متكبراً ولا فظاً غليظاً .. وإذا أراد أن يخبر الناس بشيء من فضائل الصلاة والصيام والصدقة فينبغي أن يعمل به أولاً .. (١) ((كتاب القصاص والمذكرين)) ص١ ١٧٩. ٢٦ وينبغي للمذكر أن يكون عالماً بتفسير القرآن والأخبار وأقاويل الفقهاء .. وينبغي للمذكر إذا حدّث الناس أن لا يقبل بوجهه على واحد دون آخر بل يعمّهم . . ولا ينبغي للمذكر أن يكون طماعاً، لأن الطمع يذل الانسان ويذهب بهاء الوجه والعلم ولو أهدى إليه إنسان من غير مسألة فلا بأس أن يقبل هدیته. وينبغي أن يكون في مجلسه الخوف والرجاء). فإن كان المذكر يحتاج إلى تطويل المجلس فيستحب له أن يجعل في خلال مجلسه كلاماً يستظرفه السامعون ويبتسمون له، فإن ذلك يزيدهم نشاطاً وإقبالاً على السماع(١). وذكر السمرقندي شيئاً من آداب المستمعين فقال: (ينبغي أن يقبل المستمع إلى وجه المذكر .. ولا يشتغل بشيء غيره .. ويستحب للمستمعين عند فصل كل حديث أن يقولوا (صدقت) أو (أحسنت) حتى يكون المذكر راغباً في الحديث وأن يصلي المستمع عند سماع اسم محمد ◌ّية وأن ينزع وسواس الشيطان عن قلبه ولا ينام في حال المجلس .. )(٢). (١) ((بستان العارفين)) على هامش ((تنبيه الغافلين)) من ص١٦ حتى ١٨ طبع المطبعة اليوسفية بمصر . (٢) ((بستان العارفين)) ١٨. ٢٧ وكذلك فقد ذكر ابن الأخوة قريباً من هذه الشروط(١). وذكر السبكي أموراً يجب على الخطيب والواعظ والقاص أن يتبعها، وفرّق بين هؤلاء، فالخطيب هو الذي يخطب الناس يوم الجمعة، والقاص - عنده - هو الذي يجلس في الطرقات مذكراً. قال رحمه الله : ( المثال الستون الخطيب: وعليه أن يرفع صوته بحيث يسمعه أربعون نفساً من أهل الجمعة، فلو خطب سراً بحيث لم يُسمِعْ غيره لم تصح على الصحيح .. وأما الالتفات في الخطبة، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، والمبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية فكل ذلك مكروه ولا بأس بالدعاء للسلطان بالصلاح ونحوه، فإن صلاحه صلاحٌ للمسلمين، ولا يطيل الخطبة على الناس .. ولا يأتي بألفاظ قلقة يصعب فهمها على غير الخاصة، بل يذكر الواضح من الألفاظ ولا يتكلف السجع .. )(٢). وقال: (المثال الحادي والستون الواعظ: وعليه نحو ما على الخطيب، فليذكر بأيام الله، وليُخف القوم من الله، وينبئهم بأخبار السلف الصالحين وما كانوا عليه . وأهم ما ينبغي له وللخطيب أن يتلو (١) («معالم القربة في أحكام الحسبة)) لمحمد بن محمد بن الأخوة تحقيق روبن ليوي طبع كمبريج سنة ١٩٧٣ من ص١٧٩ حتى ١٨١ . (٢) ((معيد النعم)) للسبكي ١١٢ . ٢٨ على نفسه قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾(١) ويتذكر قول الشاعر (٢): لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم واعلم أن الكلام إذا لم يخرج من القلب لم يصل الى القلب. فكل خطيب وواعظ لا يكون عليه سيما الصلاح قلّ أن ينفع الله به)(٢). وقال: (المثال الثاني والستون القاص: وهو من يجلس في الطرقات يذكر شيئاً من الآيات والأحاديث وأخبار السلف. وينبغي له ألا يذكر إلا ما يفهمه العامة ويشتركون فيه من الترغيب في الصلاة والصوم وإخراج الزكاة والصدقة ونحو ذلك. ولا يذكر عليهم شيئاً من أصول الدين وفنون العقائد (٤) وأحاديث الصفات فإن ذلك يجرهم إلى ما لا ينبغي)(٥). (١) سورة البقرة ٤٤ . (٢) هو أبو الأسود الدؤلي كما ذكر ذلك بعض أهل العلم منهم الأعلم في ((شرحه)) ونسبه سيبويه في ((الكتاب)) للأخطل ونسبه بعضهم للمتوكل الكناني (وانظر تعليق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد في ((شرح قطر الندى)) ص ٧٧). (٣) ((معيد النعم)) ١١٣ . (٤) يريد ألا يذكر للعامة مسائل العقيدة كما جاءت في علم الكلام، فإن ذلك ربما يعرضهم إلى الفتنة. هذا والسبكي أشعري شديد الحساسية بالنسبة إلى أحاديث الصفات. (٥) ((معيد النعم)) ١١٣. ٢٩ وذكر السبكي اسماً آخر للقاص وهو (قارىء الكرسي)(١) وفرَّق بينه وبين القاصّ بما يأتي : - القاص يقرأ من حفظه وقارىء الكرسي يقرأ من كتاب. - القاص يقف وربما جلس والقارىء يجلس. القاص يكلم الناس في الطريق والقارىء يكون في المسجد أو المدرسة أو الخانقاه. (المثال الثالث والستون قارىء الكرسي: وهو من يجلس على كرسي يقرأ على العامة شيئاً من الرقائق والحديث والتفسير. فيشترك هو والقاص في ذلك. ويفترقان في أن القاص يقرأ من صدره وحفظه وربماجلس، ولكن جلوسه ووقوفه في الطرقات. وأما قارىء الكرسي فيجلس على كرسي في جامع أو مسجد أو مدرسة أو خانقاه ولا يقرأ إلا من كتاب. وينبغي له مثل ما ينبغي للقاص من قراءة ما تفهمه العامة ولا يخشى عليها منه .. )(٢). وقال ابن الاخوة: (والفقهاء والمتكلمون والأدباء والنحاة يسمون أهل الذكر والوعظ قُصّاصاً)(٣). (١) أحسب أن ما شاع في الجامعات الأوروبية وأخذته الجامعات العربية عنها من اصطلاح (أستاذ كرسي) مأخوذ من هذا المصطلح أخذه الغرب عن المسلمين. (٢) ((معيد النعم)) ١١٤. (٣) ((معالم القربة في أحكام الحسبة)) ص ١٨٠ . ٣٠ وقال طاشكبري زاده: [ومنها الذكر والتذكير، وقد كان في العصر الأول يطلق على التكلم في علم الآخرة والتذكير بالموت والتنبيه على عيوب النفس وآفات النفس والأعمال وخواطر الشيطان ووجه الحذر منها، ويذكر بالآء الله سبحانه ونعمائه، وتقصير العبد في شكره، ويعرف حقارة الدنيا وعيوبها. وتصرمها وقلة عهدها، وخطر الآخرة، وأهوالها، فهذا هو التذكير المحمود شرعاً الذي قد ورد الحث عليه شرعاً، فنقل ذلك الآن إلى ما ترى من حال الوعاظ، وما يواظبون عليه من القصص والأشعار والشطح والطامات. وأما القصص فهو بدعة وقد ورد نهي السلف عن الجلوس إلى القصاص، لأنهم لو اقتصروا على القصص الوارد في القرآن لأصابوا، لكنهم غيروا وزادوا ونقصوا حتى أن منهم من سمح لنفسه وضع الحكايات المرغبة في الطاعات ويزعم أن قصده منه دعوة الخلق إلى الحق، وهذه من نزغات الشيطان فإن في الصدق مندوحة عن الكذب، وأمّا الأشعار فأكثرها في الوعظ مذموم .. ومجالس الوعظ لا تحوي إلا أجلاف العوام وبواطنُهم مشحونةٌ بالشهوات فتحرك الأشعار .. ما هي مستكنة في قلوبهم من نيران الشهوات فيزعقون ويتواجدون على تصور الفساد اللهم إلا إذا كانت الأشعار مشتملة على المواعظ والحكم .. ](١) .. وواضح أن القائلين بهذا التفريق يعتمدون اعتماداً كلياً على هذه الكلمات (القصص، الوعظ، التذكير) ودلالتها، ويشتقون منها (١) ((مفتاح السعادة)) ١٢/٣ - ١٣. ٣١ فروقاً، إلا أنه كثيراً ما يطلق القصص على الوعظ والتذكير أو الوعظ على القصص والتذكير. ولو جاريناهم في تفريقهم فذهبنا إلى أن هناك أنواعاً ثلاثة - مع أن هذه الثلاثة أسماء لمسمى واحد - لو جاريناهم في ذلك لكان يجب أن نقرر أن كل نوع من هذه الأنواع فيه الجيد وفيه الرديء فالجيّد ما توافرت فيه صفات معينة من الإِخلاص والحكمة وتحري الصحيح الثابت. والرديء ما لم تتوافر فيه تلك الصفات. وهو عندئذ لا يخلو من أذى وضرر ويستحق الذم. فكم نرى وعاظاً جهلة لا يتعرضون إلى الأقاصيص هرباً من عنوان (القصاص) ولكنهم يملؤون كلامهم بالأحاديث الموضوعة والنظرات الخاطئة، والأسلوب المنحرف .. وكلّ ذلك يجعل أثرهم في الأمة سيئاً. إنَّ (الوعظ) و(التذكير) و(القصص) كلها تندرج تحت معنى واحد هو الدعوة الى الله بالكلام أو الخطابة ويبدو أن الاسم الذي شاع في هذه الأيام هو (التدريس) و(الخطبة) و(الوعظ) و(التوجيه) و(الإِرشاد). وقد سبق أن ذكرت أن هذه العناوين الثلاثة (الوعظ والتذكير والقصص) قد تتداخل مفاهيمها والعبرة لاستقامتها. وأريد أن أقرر ههنا أن الخطابة والتدريس والوعظ والإرشاد جانب من جوانب (الدعوة، وليس هو الدعوة كلها. ٣٢ ويخطىء كثير من الناس عندما يظنون أنهم أدّوا واجبهم في الدعوة الى الله لأنَّ أحدهم ألقى درساً في المسجد، أو ارتجل خطبة في حفل أو ألقى موعظة في مجمع . إن هذا الجانب مهم ولا يجوز أن يغفل تحت أي شعار، ولكنه ليس هو الدعوة التي تقوم على تكوين الإنسان المسلم وصياغة عقليته التي تنظر إلى تشريعات الاسلام على أنها شيء واحد. وقد يظن ظانٌّ أنَّ موضوع إفساد القصاص لم يعد موجوداً الآن، وإنما هو أمر تاريخي بحت لا يتصل اليوم بواقع الحياة؛ والناس. وهذا ظن خاطىء بعيد عن الصواب، ذلك لأن هؤلاء القصاص ما زالوا مع الأسف(١) موجودين بأسماء أخرى، ذكرناها آنفاً، يعيثون في الارض فساداً. ولئن كان المخادعون الدجالون يظهرون تحت عنوان (القصاص) فيما مضى إنهم يظهرون في أيامنا هذه تحت عنوان: (الداعية والموجه والمربي والأستاذ والكاتب والمفكر) وما إلى ذلك من الألقاب !! ويبدو أن المجاملة التي ليست في محلها أسهمت في تأخير كشف حقيقة هذا النفر .. (١) إن هذا الذي نأسف لوجوده يسر كثيراً من الذين يبحثون عن أصول القصة من الناحية الفنية ذلك لأن هؤلاء القصاص باختراعهم لقصص دينية أبدعها خيالهم يمثلون الخطوة الأولى لنشوء القصة الفنية! ٣٣ فما يزال كثير من الناس لا يعرفون هؤلاء القوم على حقيقتهم، ويخلطون بين هؤلاء المرتزقين وبين الدعاة إلى الله الواعين الصادقين. وقد يكون مما ساعد على مجاملتهم والسكوت عنهم أمران : أنهم محسوبون على الدين، والدين يلقى الآن هجمة شرسة، ويتعرض لعدوان أثيم مخطط مدروس في كثير من بلدان المسلمين، فأي هجوم عليهم ينعكس على الدين الحق في هذه البلدان مما يجعل الغُيُرُ مُضطرين إلى السكوت عنهم على مضض وحرقة. - أن المجال فارغ والساحة خالية، فنحن الآن لا نجد من الدعاة الواعين العلماء أصحاب الفكر السليم النظيف البعيد عن الخرافة إلا عدداً يسيراً لا يكاد يستطيع أن يصنع شيئاً. وهؤلاء المنحرفون الانتهازيون المبطلون يتركون أثراً حسناً في الشباب والشابات، فيضع هذا الواقع المرء الواعي في موقف حرج: كيف يقطع هذا الخير الذي يلمسه من الناس المتصلين بهم؟ . ولكن هذا الوضع لا يجوز أن يدوم. لا بُدَّ من أن تقوم حركة تعنى بالدعوة، وتكون هذه الحركة قائمة على أساس متين من الوعي والصدق والصفاء والبعد عن الانحراف والتدجيل والخرافات. إنَّ نجاح هؤلاء المخرفين ينبغي أن يُغري الصادقين بالعمل .. لا أن يجعلهم يتركون المجال لأولئك المنحرفين، وكشف الدجالين ينبغي أن يكون بالحكمة ومراعاة المصلحة العليا للدعوة إلى الله حتى يحال دون استغلال هذا الكشف من قبل أعداء الاسلام. ٣٤ إن هذا الوضع لا يجوز أن يحكم رجال الفكر وعلماء الاسلام في بلاد المسلمين جميعاً بل إنني أرى أن صدور بعض الدراسات عن القصاص وبيان انحرافاتهم وعرض الموضوع بالمنهج العلمي بعيداً عن العواطف والانفعالات والخطابيات أمرٌ نافع أعظم النفع وربما كان وسيلة لإصلاح الصادقين من الوعاظ والقصَّاص. وقد يكون الموقف السديد أن تصدر دراسات عن القصَّاص في الماضي تبين الأثر السيء الذي كان منهم على السنة وتعرض صفاتهم . وأن تصدر في الوقت نفسه دراسات تبين صفات الدعاة إلى الله التي يجب أن يتحلوا بها. قد يكون في ذلك توضيح لمعالم الطريق الحق في هذا الموضوع دون أن يحدث ذلك مضاعفات تسيء الى المعاني الخيرة التي يحرص عليها المخلصون . ولكن الشيء الذي لا بدَّ من أن نقرره بحرارة هو أنَّ الأعمال السلبية وحدها لا تكفي .. بل لا بدَّ من أن يكون بالاضافة إليها أمر إيجابي. إن الذي تنهاه عن الركون إلى الدجالين يسألك: أين أذهب؟ هذا يدلني على الله ويذكرني بالواجبات، أفأتركه للأغلاط التي ذكرت وأذهب إلى من يسهل عليَّ دخول جهنم؟ . إننا إذا كنا صادقين في دعوتنا فلا بد من الأخذ بأيدي أولئك المخدوعين المغرَّر بهم الى عمل إيجابي سليم. ولا يعني هذا أن نسكت عن بيان الحق، إن أشد الناس إساءة ٣٥ للدين هم أولئك الذين يستغلونه لمنافعهم ومصالحهم، فهم على الرغم من حملهم لشعارات دينية مستعدون الاستعداد كله ليضعوا هذا الدين العظيم في خدمة رجل أو دولة أو جهة أو مخططات إن كان في ذلك نفع لهم. ومن هنا غدت الحاجة مُلحَّةٌ لفضح هؤلاء الدجالين وتحذير الناس منهم بالحكمة والأسلوب المناسب. وهناك أمر مهم نود أن نقرره، وهو أن هذا الجانب القاتم كان جانباً هزيلاً ضئيلاً ومؤقتاً في تاريخنا على طوله، وكان يقابله جانب الحق والصراحة والجرأة ويصارعه وكانت الغلبة في كثير من الأحيان للجانب الأخير .. وهذا الأمر نعتز به اعتزازاً كبيراً وهو أثر من آثار الإسلام العظيم في صياغة الانسان. إننا لا نستطيع أن نغفل أولئك الشجعان الأبطال من أمثال الاوزاعي وابن حنبل وابن تيمية والعز بن عبد السلام والنووي وسيد قطب .. وكثير غيرهم لقد صبر هؤلاء ومئات أمثالهم وصابروا وقدّم بعضهم حياته طيبة بها نفسه من أجل الحق والجرأة في قول كلمة الشرع. ٣٦ أنواع القصص : يحكي المقريزي عن الليث بن سعد أن القصص قصصان: قصص العامة، وقصص الخاصة، فأما قصص العامة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس للقاصّ، يعظهم ويذكرهم قال: (وذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه). وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، إذ وتی رجلاً على القصص، فكان إذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده وصلى على النبي وَلّ ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه ولجنوده ودعا على أهل حربه وعلى المشركين(١) يفهم من هذا الكلام أنَّ القصص نوعان: قصص رسمي تسمح به الدولة وعندئذ لا بد أن يكون في خدمتها كما أشار إلى ذلك المقريزي. وقصص تطوعي شخصي يقف فيه القاص بين نفر من الناس فيعظهم ويذكرهم. ولا نرى قول المقريزي: (وذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه) قولاً صحيحاً، فلماذا يكون مكروهاً إذا كان القاصّ عالماً صادقاً في قوله من أهل البصر والوعي والحماسة للخير؟ . إن هذا الحكم غير صحيح. ولو قال: إن القصص القائم على الدجل والخرافة قصص مؤذ ضار وهو مكروه لمن يقوم به ولمن يستمع إلیه لکان کلامه صحيحاً. وهناك تقسيم آخر للقصص: إذ ينقسم إلى نوعين: قصص ديني وقصص شعبي. (١) ((الخطط) للمقريزي ٢٥٣/٢. ٣٧ أما القصص الديني - وهو موضوع حديثنا - فمادته القصص الدينية الواردة في الكتاب والسنة والسيرة وكتب التفسير وشروح الحديث والاسرائيليات وكتب التصوف. وهو يقصد إلى الوعظ والاصلاح وترقيق القلب والتخويف من المعاصي، والتحذير من الانسياق وراء الدنيا. وأما القصص الشعبي فمادته القصص التاريخي والأدبي والحكايات الشعبية المحبوكة والنوادر المسلية (١) وهذا النوع من القصص كان يحدث في الطرق ثم صارت ندواته تعقد في المقاهي وقد أدركنا شيئاً من القهوات القديمة في بلدنا دمشق ، وكثيراً ما كان القاص (الحكواتي) يقرأ من كتاب، وكانت القصص التي يرددها هؤلاء القصاصون قصصاً شعبية مثل قصة عنترة وقصة أبي زيد الهلالي وقصة الملك الظاهر .. وأمثال ذلك. والروح التي تصبغ هذا القصص روح دينية مشبعة بالعواطف الاسلامية والمعاني الكريمة .. ويبدو أن هذين النوعين من القصص كانا مهنة يعيش أربابها من العمل فيها، فهؤلاء يجمعون وأولئك يجمعون. (١) وهذا موضوع طريف لم يبحث حتى الآن بحثاً وافياً، وقد صدر في بغداد سنة ١٩٦٦ دراسة بعنوان ((القصص في العصر الاسلامي)) لعبد الهادي الفؤادى، وطبعت في مطبعة دار الزمان ببغداد، ثم صدر في الكويت ١٩٧٢ دراسة بعنوان ((القصص والقصاص في الأدب الإسلامي)) للدكتورة وديعة طه النجم، أصدرتها وزارة الإعلام في الكويت. طبعت في مطبعة حكومة الكويت. ٣٨ ولئن انقرض القصاص الشعبيون بسبب ما جدّ في حياة الناس من أجهزة ترفيه متقدمة إن النوع الأول ما زال قائماً في المساجد حتى يومنا هذا. ومكان القصص الديني هو المسجد والطريق. جاء في ((معيد النعم)) للسبكي: (القاصّ هو من يجلس في الطرقات يذكر شيئاً من الآيات والأحاديث وأخبار السلف)(١). ويفهم من هذا النصّ أن القاصّ لا يجلس إلاَّ في الطرقات وقد يكون هذا في عصر السبكي، بينما في العصور السابقة كان يجلس في المسجد والطريق، وكانوا يختارون المساجد الكبرى. وجاء في ((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي: (وفي أول سنة استخلف فيها المعتضد بالله منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق) (٢). كان ذلك في سنة ٢٧٩ هـ وفي هذا النّص ما يدل على أن القصاص كانوا يقعدون في الطريق وعلى أن منعهم كان من (١) ((معيد النعم)) ١١٣. (٢) ((تاريخ الخلفاء)) ٣٧١. ٣٩ المكرمات التي تذكر للحكام وعلى أنهم كانوا مقرونين بالمنجمين. وأما زمانه فهو الوقت الذي يجتمع فيه أكبر عدد من الناس، وأنسب هذه الأوقات بعد صلاة الجمعة وبعد العصر والصبح وفي شهر رمضان وبعد كثير من الصلوات. وكان القاص محبوباً من قبل العامة لأنه يسرهم بقصصه المسلّي ولا سيما إذا كان من أهل البيان والفصاحة. وكان يتمتع بنفوذ كبير، وإذا عرفنا أنَّ الحسن البصري رضي الله عنه الامام الكبير صاحب المكانة العالية كان من القصاص تبيّن لنا المستوى الذي يمكن أن يبلغه بعض من يتصدى لمهمة القصص. ولم يكن هذا في عصر التابعين فحسب بل استمرَّ حتى زمن ابن الجوزي ومن بعده، فلقد ذكر مترجموه في سيرته ما يدل على ارتفاع شأنه وهو دون شك من كبار القصاص. ونظرة إلى أسماء القصاص الذين أوردهم ابن الجوزي في كتابه ((القصاص والمذكرين)) تبينّ هذه الحقيقة بأجلى بيان .. هذا وكثيراً ما نقرأ في التراجم أن فلاناً القاضي في بلد ما كان هو القاصّ فيها أيضاً. من أجل ذلك كان الحكام والسياسيون يخشون القصاص الذين لم يرتبطوا بهم أعظم الخشية، وقد يمنعونهم من الجلوس في المساجد إلا بإذن . وقد كانوا في أحقاب من التاريخ سبباً في قيام بعض ٤٠ الاضطرابات بين أهل السنة والفرق المنحرفة عندما كانوا يشحنون العامة بما يثيرهم ، فيوقفون المبطلين عند حدهم. كل هذا يدل على أثرهم الفعال في المجتمع واستجابة العامة لما يطلبه هؤلاء القصاص منهم على نحو ما فعل العامة من إيذاء لابن جرير(١) والشعبي (٢) والسيوطي(٣) وليس من شك في أن أثرهم الديني والخلقي كان كبيراً، ولقد استطاعوا أن يحققوا ما عجز عنه العلماء في كثير من الأحيان، وقد لاقى كلامهم رواجاً عند الدهماء وكان أشدّ استهواء لهم من كلام العلماء الجادّ الرصين. وكان القصاص على درجة كبيرة من الجشع فقد نقل جولد زيهر عن ((يتيمة الدهر)) أنهم كانوا يكلفون واحداً بالجمع للقاصّ، وكان يدعى من يقوم ليجمع الصدقة في مجلس القصص، ((المكوز)) فكان القاصّ يأمر الحاضرين بإعطائه وإذا تفرّق الجمع تقاسما ما اجتمع من المال (٤). وذكر ياقوت أنَّ رجلاً جاء الى قاص يسمى أبا سليمان، فأعطاه فلساً وقال : (١) انظر ((تحذير الخواص)) ١٦١. (٢) انظر ((كتاب القصاص والمذكرين)) ٣٠٢. (٣) انظر ((تحذير الخواص)) ٦. (٤) انظر تعليق مترجم كتاب آدم متز (١٤٩/٢ الطبعة الثانية في مصر) الذي نقل عن جولد زيهر في كتابه ((دراسات إسلامية)) ٢/ ١٦١ - ١٧٠ وذكر جولد زيهر أنه نقله عن («يتيمة الدهر)» ١٧٨/٣. ٤ ادع الله أن يردَّ عليَّ ابني. فقال: وأين ابنك؟ قال: بالصين. قال: أيرده الله من الصين بفلس؟ هذا مما لا يكون. إنما لو كان بجنَّابة أو بسيراف كان نعم (١) . وكانوا بالاضافة إلى جشعهم يرغبون في حبّ الظهور والشهرة، وكان كثير منهم يتصف برقة الدين وإن كان منهم في الوقت نفسه ناس صالحون، ولكنَّ هؤلاء الصالحين أخذوا بقول العلماء الذين أجازوا التساهل في رواية الحديث في مجال الترغيب والترهيب، فسوّغوا لأنفسهم أن يوردوا قصصاً ضعيفة .. وجاء ناس آخرون فاستغلوا هذا التساهل الذي درج عليه أولئك الصالحون فعمدوا إلى اختراع قصص ودسّوها لهم فأخذوا يردّدونها. يبدو أنَّ ظاهرة القصص بدأت مبكرة في تاريخنا، فقد جاء كلٌّ من تميم الداري(٢) رضي الله عنه، وهو صحابيٌّ (متوفى سنة ٤٠ هـ) والحارث بن معاوية الكندي(٣) وهو مختلف في صحبته، عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأذنانه في القصص، فأبى أن يأذن لهما وحذَّرهما .. ثم اشترط على تميم بعد إلحاحه في الاستئذان أن يتكلم في موضوعات معينة وفي وقت محدّد. وعندما ظهر عدد من القصاص ارتفعت أصوات عدد من الصحابة في استنكار هذا الأمر وكشف دوافعه التي تتلخص في (١) ((معجم البلدان)) ٢/ ١٦٦ طبع بيروت. (٢) ((انظر ((تحذير الخواص)) ١٧٢ و((الباعث على الخلاص)) ١٢٦ و((كتاب القصاص والمذكرين)» ١٧٥ . (٣) انظر ((تحذير الخواص)) ١٨٢ و((كتاب القصاص والمذكرين)) ٢٠٢. ٤٢